﻿هل خسرت إيران حربَ الرواية؟
الياس ابو عبدالله 13-7


منذ سنواتٍ ونحن نسمع القصّة ذاتها، تُروى لنا بألف صوتٍ وقناة:
 ثمّة "محورٌ" يقف في وجه العدوّ، يحمي المقدّسات، ويذود عن المستضعفين، وكلّ ما سواه إمّا خيانةٌ وإمّا تخاذل. كانت الرواية سلاحاً لا يقلّ مضاءً عن الصاروخ؛ بل لعلّها كانت السلاح الأمضى، لأنّها تُطلَق في العقول لا في الميادين، وتُصيب القناعات لا الجدران.


غير أنّ للرواية عيباً واحداً يفصلها عن الصاروخ: الصاروخ يُعاد ملؤه، أمّا الرواية فإذا كذّبها الواقع مرّةً بعد أخرى، لم يُعِد إليها المخزونَ شيء. ونحن — أبناء هذه المنطقة الذين دفعنا من دمائنا واستقرارنا وحاضرنا ثمنَ تلك القصص — صرنا اليوم في موضع من يقلّب الفصول واحداً واحداً، ويسأل في ختام كلّ فصلٍ سؤالاً واحداً، ثمّ يُصغي إلى جوابه في صمت.


________________


غزّة:  
بيعت لنا الحكاية على أنّها فجرُ تحرير. في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قيل لنا إنّ ما جرى خطوةٌ على طريق تحرير غزّة والقدس، وإنّ الحركة التي فجّرت المشهد إنّما هي الدرع والمدافع، وإنّ ما بعدها لن يكون كما قبلها.


مرّ عامان. لم يكن ما بعدها كما قبلها فعلاً، لكن ليس على النحو الذي وُعِدنا به. تجاوز عدد الشهداء في القطاع سبعةً وستّين ألفاً بحسب وزارة الصحّة في غزّة، نحو ثلثهم دون الثامنة عشرة. أحصت الأمم المتحدة عبر مركزها للأقمار الصناعية قرابةَ مئةٍ وثلاثةٍ وتسعين ألف مبنىً مدمّرٍ أو متضرّر. صارت مساحاتٌ واسعةٌ من القطاع غير صالحةٍ للسكن، ودُفن تحت الرُّكام ما لا تصل إليه فرقُ الإنقاذ. أمّا "التحرير" فبقي عنواناً معلّقاً فوق مقبرةٍ مفتوحة.


لم يكن السؤال هنا عن حقّ شعبٍ في مقاومة احتلاله؛ فذاك حقٌّ لا يجادل فيه إلا مكابر. كان السؤال عمّن قرّر، وكيف قرّر، وباسم مَن رُهِنت غزّةُ كلّها لقرارٍ لم يُستشَر فيه أهلُها، ثمّ سيقت إلى محرقةٍ سُمّيت نصراً.


والسؤال هنا: حين يُقدَّم لك خرابٌ بهذا الحجم موصوفاً بأنّه "انتصار"، فمن الذي رَبِح فعلاً، ومن الذي دفع الحساب؟


سوريا:  
كان هذا الشعار عمودَ التعبئة. قيل لنا إنّ سوريا معركةُ عرضٍ ومقام؛ إنّ ثمّة من يريد "سبيَ زينب" وهدمَ المراقد الشيعية، وإنّ وجود تلك الميليشيات على الأرض السورية ليس تدخّلاً في بلدٍ آخر، بل دفاعٌ مقدّسٌ عن حرماتٍ يُراد انتهاكها. بُنيت رواية كاملة على خوفٍ من مصيرٍ رهيبٍ يتربّص بالمقدّسات إن غاب "المحور".


ثمّ جاء كانون الأول/ديسمبر 2024، فكذّب الواقعُ الرواية بأسرها في أيّامٍ معدودة. في الخامس والسادس منه، أُخليت السفارة الإيرانية في دمشق بهدوء، وانسحبت البعثة نحو بيروت قبل يومين من سقوط الأسد في الثامن. أمّا الميليشيات التي حملت راية الدفاع عن زينب، فقد غادرت من دون تنسيقٍ ولا ترتيب، في قوافل باتّجاهٍ واحدٍ نحو البوكمال، تاركةً خلفها خمسةَ عشرَ عاماً من "محور المقاومة" ينهار كجبلٍ من رمال.


والمفارقة التي لا تُحتمَل: لم تُهدَم المراقد، ولم تُسبَ زينب، ولم يقع شيءٌ ممّا رُوِّج له لتبرير الحضور. أوّل من رحل عن "المقام" كان حُماتُه المزعومون، وأوّل من طوى الراية كان حاملُها. القصّة التي أُريقت باسمها دماءٌ لأعوام، انطفأت في ليلةٍ واحدةٍ لمّا حان أوّل امتحانٍ حقيقيّ لها.


والسؤال هنا: إذا كان "المدافع" أوّلَ الهاربين، وإذا لم يقع الخطرُ الذي رُفعت باسمه البنادق، فمن كان يحمي مَن حقاً، ومن أيّ شيءٍ كان يُراد لنا أن نخاف؟


________________


لبنان: 
في لبنان كانت الرواية أنيقةً ومحكمة: حزبٌ هو "خطّ الدفاع الأول" عن البلد، الرادعُ الذي لولاه لابتلعت إسرائيلُ الجنوبَ ثمّ ما بعده. صار السلاحُ في هذه الحكاية مرادفاً للسيادة، ونزعُه مرادفاً للاستسلام.


ثمّ اختبر الواقعُ الحكاية. في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فُتحت "جبهة إسناد" لم يختَرها اللبنانيون. تلا ذلك في أيلول/سبتمبر 2024 انفجارُ آلاف أجهزة النداء (البيجر) بين أيدي عناصر الحزب في يومٍ واحد، ثمّ اغتيالُ أمينه العام حسن نصرالله في السابع والعشرين من الشهر نفسه في سلسلة غاراتٍ على الضاحية، ثمّ خلفِه هاشم صفيّ الدين. تلاه اجتياحٌ برّيٌّ للجنوب، ودمارٌ واسع، ونزوحٌ ثقيل. ولم يكن "خطّ الدفاع الأول" قادراً على أن يدفع عن نفسه، فكيف بمن وراءه؟


والأثقل من الخسارة العسكرية خسارةُ الحكاية: بات كثيرٌ من اللبنانيين، لا خصومُ الحزب وحدهم، ينظرون إليه بوصفه لا الدرعَ بل الذريعة؛ السببَ الذي تتذرّع به إسرائيلُ لبقائها وتوغّلها، وحجرَ العثرة أمام أيّ تسويةٍ تُخرِج البلدَ من دائرة النار. حتى ملفُّ سلاحه، الذي كان يُقدَّم بوصفه "مقدّساً"، صار عبئاً تتجاذبه الدولةُ والحزب، بينما البلدُ ينزف.


والسؤال هنا: حين يصير وجودُ "الدرع" هو نفسُه الحجّةَ التي تُشهَر بها الحرابُ على البلد، فهل بقي درعاً، أم صار هو ذاته الرمحَ المصوَّبَ إلى صدر وطنه؟


________________


العراق: 
في العراق قيلت الجملةُ آلافَ المرّات: لولا الفصائلُ لكان العراقُ في خبر كان، وهي حاميةُ الدولة وضمانةُ بقائها. رُسمت صورةٌ لا مكان فيها للدولة إلا بوصفها عاجزةً تتّكئ على السلاح المنفلت لتقف على قدميها.


ثمّ جاء استحقاقُ "حصر السلاح بيد الدولة"، فكشف الحكايةَ على حقيقتها. حين طُلب من الفصائل أن تُثبت أنّ سلاحها للدولة فعلاً، انقسمت: أعلن بعضُها — كعصائب أهل الحق وسرايا السلام — الاستعدادَ للتسليم، بينما رفض آخرون كـ"كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" رفضاً قاطعاً، واصفين سلاحهم بأنّه "مقدّس". بل إنّ نائباً بارزاً في البرلمان صرّح بما هو أفصح من كلّ تحليل: أنّ السلاح ليس ملكاً للفصيل أصلاً، بل ملكٌ لدولةٍ إقليمية لا تأذن بتسليمه. فإذا كان قرارُ السلاح في يدٍ خارج الحدود، فأيُّ "دفاعٍ عن الدولة" هذا الذي لا يملك صاحبُه حتى قرارَ بندقيّته؟


ورأى العراقيون بأعينهم أنّ هذا السلاح، حين يُستعمل، كثيراً ما يُستعمل لحماية الفاسدين لا الدولة، ولتقويض هيبتها لا ترسيخها، ولمهاجمة دول الجوار وتخريب علاقات العراق بها لا حراسة حدوده. صار السلاحُ الذي بِيع بوصفه سياجَ الدولة هو الثقبَ الأكبر في هذا السياج.


والسؤال هنا: مَن يحمي الدولة حقاً — مَن يضع سلاحه بين يديها ويأتمر بأمرها، أم مَن يحتفظ بسلاحه رهناً لقرارٍ أجنبيّ، ويوجّهه عند الحاجة إلى صدرها هي؟


________________


وأخيراً… إيران نفسها:  
بقيت لإيران روايةٌ أخيرةٌ نجحت في تسويقها حين تهاوت الأخريات. في حرب الأيّام الاثني عشر (13–24 حزيران/يونيو 2025)، حين شنّت إسرائيلُ هجومها المباغت المسمّى "الأسد الصاعد" فاغتالت قادةً في الحرس الثوري وعلماءَ نوويّين، ثمّ ضربت واشنطنُ منشآتٍ نوويةً كفوردو — بدت إيرانُ في موقع الدولة التي يُعتدى على سيادتها بلا مقدّمات. ووقف كثيرٌ من العالم، حتى من غير محبّيها، متعاطفاً مع طرفٍ ضُرِب في عقر داره. كانت هذه أنجحَ رواياتها: الضحيّة التي انتُهكت حرمتُها.


لكنّ الرواية لم تصمد طويلاً حتى انقلبت على صاحبتها. فها هي طهران اليوم، في تموز/يوليو 2026، في قلب مواجهةٍ عنوانُها مضيقُ هرمز: استهدافٌ للسفن التجارية المدنية العابرة (كالسفينة M/V Ever Lovely في الخامس والعشرين من حزيران)، وردٌّ أمريكيٌّ متكرّرٌ عنوانُه المعلَن حمايةُ البحّارة المدنيّين وشريان التجارة العالمية. تبدّل المشهدُ تماماً: لم تعد إيرانُ في الصورة الدولة التي يُعتدى على سيادتها، بل الطرفَ الذي يهدّد أحدَ أهمّ شرايين الاقتصاد العالميّ، فتحوّل التعاطفُ إلى قلقٍ من فعلها هي.


هذا هو مقتلُ أيّ رواية: لا أن يكذّبها خصمُها، بل أن يكذّبها فعلُ صاحبها. فحين تكون ضحيّةً ثمّ تتصرّف كتهديد، لا يحتاج العالمُ إلى دعايةٍ مضادّة ليغيّر رأيه؛ يكفيه أن يشاهدك.


والسؤال هنا: حين تنقلب قصّتُك في أشهرٍ قليلةٍ من "دولةٍ يُعتدى على سيادتها" إلى "دولةٍ تهدّد ملاحة العالم"، فهل العالمُ هو الذي تبدّل، أم الروايةُ هي التي لم تكن يوماً كما قيل لنا إنّها؟


الرواية لا تموت برصاصةٍ ولا بغارة؛ تموت حين يقف الواقعُ في وجهها مرّةً، ثمّ مرّة، ثمّ مرّة، حتى لا يبقى بين يديها ما تُقنِع به أحداً. ونحن، الذين رُوِّض وعيُنا عقوداً على قصصٍ عن دفاعٍ وممانعةٍ ومقدّسات، صرنا نملك اليوم ما لم نملكه من قبل: أرشيفاً من النتائج. غزّةُ تحت الرُّكام، وسوريا التي هُجِرت في ليلة، ولبنانُ الذي صار سلاحُه ذريعةَ خرابه، والعراقُ الذي يتنازع سلاحَه قرارٌ أجنبيّ، وطهرانُ التي انتقلت من مقعد الضحيّة إلى قفص المتّهم.


لم أقل لك في هذا المقال إنّ إيران خسرت. قلبتُ معك الفصول فحسب، وتركت في ختام كلٍّ منها سؤالاً. وأمّا العنوانُ نفسُه — هل خسرت إيرانُ حربَ الرواية؟ — فقد آثرتُ أن أترك جوابه لك وحدك، بعد أن قرأتَ ما قرأت.


فما جوابُك أنت؟