فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود.
فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلمّا أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: اخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: يا أبا ثعلبة و اللّه لقد سمعت أشياء أعرفها و أعرف ما يراد بها و أشياء لا أعرفها و لا أعرف ما يراد بها.
فقال الأخنس: و أنا و الذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: ما ذا سمعت] أطعموا و أطعمنا و أعطوا و أعطينا، حتى إذا تنازعنا الشرف و جثونا فيه على الركب و كنّا كفرسي رهان قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء، لا و اللّه لا ندعه لهذا أبدا [1].
[إسلام عمر بن الخطاب]
و كان كل من أسلم ممّن يستضعف في قومه و يخافهم على نفسه خرج إلى أرض الحبشة، و من كان له في قومه منعة أقام عزيزا، فأعزّ اللّه المسلمين و أذهب كيد المشركين، و لم يزل المشركون على ذلك يبغون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الغوائل و يحيلون فيه الآراء، و ذكر لهم يوما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد اجتمع إليه قوم من أصحابه في بيت عند
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 207- 208، شرح نهج البلاغة: 14/ 92- 93، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 505- 506، الدر المنثور: 4/ 187، و ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصادر.
الصفا، يحدثهم و يقرأ عليهم ما أنزله اللّه عليه من القرآن، فغاظهم ذلك فقال عمر بن الخطاب و كان فيهم: فأنا أقوم إليه فأفتك به و أقتله و أريحكم منه.
فقالوا: أنت لذلك يا أبا حفص.
و جعلوا يطرونه و يغرونه، فأخذ سيفا له فتقلده و اشتمل عليه بثوبه، و مضى يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلقيه نعيم بن عبد اللّه فقال: إلى أين تريد يا عمر؟
فقال: أريد محمدا هذا الصابي، الذي فرّق أمر قريش و سفّه أحلامها و عاب دينها و سبّ آلهتها.
قال: و ما تريد أن تصنع به؟
قال: أقتله.
قال له نعيم: و اللّه لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر، إنه من بني هاشم فإن فعلت ذلك أ تاركتك هي تمشي على الأرض ساعة من نهار و قد قتلت محمدا؟ أ فلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم قبل إن كنت صادقا.
قال: و أي أهلي تعني.
قال: أختك فاطمة بنت الخطاب، قد آمنت بمحمد هي و زوجها- يعني سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل- و هذا خباب بن الأرت عندهما الساعة قد بعث به محمدا إليهما يعلمهما الإسلام و يقرأ عليهما القرآن.
قال: و إن ذلك لكذلك.
قال: نعم.
فرجع عمر إليهم، فلمّا أحسوا به تغيّب خباب في مخدع كان في بيت فاطمة بنت الخطاب، و ترك صحيفة كانت معه فيها سورة طه كان يقرؤها عليها و على زوجها سعيد بن زيد، فأخذتها فاطمة فجعلتها تحت فخذيها، و دخل عمر و قد سمع قراءة خباب لمّا دنا من البيت، فأصاب سعيدا و فاطمة فقال: ما هذه الصحيفة التي سمعت.
قالا: ما سمعت شيئا.
قال: بلا و اللّه لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا و أن خباب بن الأرت عندكما يسمعكما قوله.
و قام إلى المخدع فقام دونه سعيد بن زيد فواثبه عمر، فقامت أخته فاطمة بينه و بين زوجها سعيدا لتحول بينهما، فضربها عمر فشجها فسربلها دما، فلمّا رأى ذلك عمر ندم و استطال عليه سعيد فقال: يا عمر قد أسلمنا و آمنا باللّه و رسوله فاصنع ما بدا لك.
و قالت أخته فاطمة مثل ذلك، و أخرجا إليه خباب بن الأرت، فكسر ذلك من ارعوى عمر، و رأى الصحيفة في يد أخته فقال لها: أريني هذه الصحيفة.
قالت: ما كنت بالتي أفعل.
فقال لها في ذلك و ترضاها، فقالت: نخشاك عليها.
فحلف لها أنه لا يحدث فيها حدثا، فدفعتها إليه فنظر فيها، فلمّا قرأ صدرا منها قال: ما أحسن هذا من كلام، ثم وضعها و خرج فتوشح على سيفه و عمد نحو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو مع أصحابه في بيت الصفا، فقرع الباب عليهم فلمّا سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنظر من خلال الباب، فرأى عمر متوشحا على سيف معه، فرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو فزع فقال: يا رسول اللّه هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف يقرع الباب.
و كان حمزة عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حاضرا بين يديه مع القوم، فقال للرجل الذي جاء بخبر عمر: و ما ذاك ائذن له، فإن أراد شرّا قتلته بسيفه.
فنظر الرجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: «نعم ائذن له».
فخرج الرجل و نهض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أثره، ففتح الرجل الباب و دخل عمر فلقيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وسط الحجرة، فأخذ يجمع رداءه و جبذه جبذة شديدة و قال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب، فو اللّه ما أرى أن تنتهي حتى ينزل اللّه بك قارعة من
السماء» و قبض على السيف من يده فامتقع وجه عمر.
و قال عمر: يا رسول اللّه جئتك لأؤمن باللّه و بك و بما جئت به.
فأدخله على أصحابه و أخذ عليه العهد و علمه الإسلام، فانتهى ذلك من أمره إلى بني عبد شمس و من كان أغراه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأسقط في أيديهم، و بلغ ذلك بعض المسلمين فأنكره و قال: لا يسلم عمر حتى يسلم حمار الخطاب [1].
[صحيفة قريش]
فلمّا رأت بنو عبد شمس أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد امتنع منهم من صار إلى النجاشي، و أن أبا طالب قد حمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أن عمّه حمزة قد أسلم و كان منه ما قد ذكرنا، و أن من قد بقي من المسلمين أهل منعة لا يصلون إليهم بسوء، و أن بني هاشم قد اجتمعوا مع أبي طالب على نصرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أجمع معهم على ذلك بنو المطلب، و رأوا أنهم لا يصلوا إليهم بسوء، و آيسوا من العرب أن ينصروهم، اجتمعوا و جمعوا إليهم من والاهم من قريش، فأجالوا الآراء و قلّبوا الحيل، فلم يروا إلّا أن يكتبوا كتابا فيما بينهم يتعاقدون فيه على بني هاشم و بني المطلب على أن لا يناكحوهم و لا يبايعوهم، فكتبوا في ذلك صحيفة و تعاهدوا على ما فيها و علقوها في جوف الكعبة، و انحاز بنو هاشم و بني المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا في شعبه و اجتمعوا إليه، و خرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى بني عبد شمس و من ظاهرهم على بني هاشم و بني المطلب وحده من جميع بني هاشم، فأثنى عليه بنو عبد شمس خيرا، و لقيته هند بنت عتبة فأثنت عليه بجميل فقال: هيه يا بنت عتبة هل نصرت اللات و العزى و فارقت من فارقهما
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 229- 232، الثقات لابن حبان: 1/ 73- 74، تفسير القرطبي: 11/ 163- 164، البداية و النهاية: 3/ 100.
و ظاهر عليهما؟
قالت: نعم، فجزاك اللّه خيرا يا أبا عتبة.
و قال أبو طالب في ذلك من أمرهم:
ألا أبلغا عني على ذات بيننا * * * لؤيا و خصا من لؤي ابن غالب
أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا * * * نبيّا كموسى خط في أول الكتب
و أن عليه في العباد محبة * * * و لا خير ممّن خصه اللّه بالحب
و أن الذي لفقتم من كتابكم * * * لكم كائنا نحسا كراغية السقب
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الورى * * * و يصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
و لا تتبعوا أمر الغواة و تقطعوا * * * أواصرنا بعد المودة و القرب
و تستجلبوا حربا عوانا و ربّما * * * أمر على من ذاقه جلب الحرب
فلسنا و ربّ البيت نسلّم أحمدا * * * لعزاء من عض الزمان و لا كرب
و لمّا تبن منّا و منكم سوالف * * * و أيد أثرت بالقساسية الشهب
بمعترك ضنك ترى كسر القنا * * * به و النسور الطخم يعكفن كالشرب
كان مجال الخيل في حجراته * * * و معمعة الأبطال معركة الحرب
أ ليس أبونا هاشم شد أزره * * * و أوصى بنيه بالطعان و بالضرب
و لسنا نمل الحرب حتى تملنا * * * و لا نشتكي ممّا ينوب من النكب
و لكننا أهل الحفائظ و النهى * * * إذا طار أرواح الكماة من الرعب [1]
و قال أيضا أبو طالب عليه السّلام في ذلك:
ألا أبلغا عني لؤيا رسالة * * * بحق و ما تغني رسالة مرسل
بني عمّنا الأدنين فيما نخصهم * * * و إخوتنا من عبد شمس و نوفل
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 235- 236، شرح نهج البلاغة: 14/ 72، البداية و النهاية: 3/ 107- 108.
أ ظاهرتم قوما علينا ولاية * * * و أمرا غويا من غواة و جهل
يقولون إنا إن قتلنا محمدا * * * أقرت نواصي هاشم بالتذلل
كذبتم و ربّ الهدى تدمى نحوره * * * بمكة و الركن العتيق المقبل
تنالونه أو تصطلوا دون قتله * * * ضرابا يفري كل عظم و مفصل
و تدعى بأرحام و أنتم ظلمتم * * * مقاليت في يوم أغر محجل
فمهلا و لمّا تنتج الحرب بكرها * * * بخيل تمام أو بآخر معجل
و أنا متى ما نمرها بسيوفنا * * * نجالح فغترك ما نشاء بكلكل
و تلقوا ربيع الأبطحين محمدا * * * على ربوة من رأس عنقاء عيطل
و تأوى إليه هاشم إن هاشما * * * عرانين كعب آخر بعد أول
فإن كنتم ترجون قتل محمد * * * فروموا بما جمعتم نقل يذبل
فأنا سنحميه بكل طمرة * * * و ذي ميعة نهد المراكل هيكل
و كل رديني ظماء كعوبه * * * و عضب كأيماض الغمامة مقصل
بإيمان شم من ذوائب هاشم * * * مغاوير بالأبطال في كل محفل [1]
و قال حمزة بن عبد المطلب أيضا في شأن الصحيفة و ما أجمع القوم عليه من عداوتهم:
ألا يا قوم للأمور العجائب * * * و صرف زمان بالأحبة ذاهب
و أقوال أقوام أضل حلومهم * * * مع البغي و العدوان غي الضرائب
يقولون أنا سوف نسخي بأحمد * * * لقول سفيه أو إشارة عائب
و قد جاء بالحق الجلي و بينت * * * رسائل صدق و حيها غير كاذب
رسائل من ذي قوة يصطفي بها * * * عبادا ذوي حق على اللّه واجب
فإن تقبلوا ما جاء من عند ربّكم * * * إليكم و قول المرسلين الأطائب
[1]- شرح نهج البلاغة: 14/ 63.
يكن ذلكم خيرا لكم من حرابنا * * * و بئس خلال الحرب حرب الأقارب
فلا تحسبونا مسلمين محمدا * * * لكم ما عنس ذمول براكب
له رحم فينا تعز جواره * * * فمن دونه ضرب الطلى و الحواجب
و جرثومة من هاشم عرفت له * * * كرام مساعيها لؤي بن غالب
فمهلا و لمّا تشغب الحرب بيننا * * * بشنعاء تعمي كل أس و رائب
تفرق شعب الحي بعد اجتماعه * * * قبائل تبدي عن خدام الكواعب
و تذلل أقواما و كانوا أعزة * * * أصابهم دهرا كثير النوائب
فأقام كذلك بنو هاشم و بنو المطلب ثلاثة أعوام، لا يبايعون و لا يشارون و لا يصل إليهم ما يصل من الطعام إلّا في خفية و رقبة، و كان حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد كثيرا ما يأتي بالطعام إلى بني هاشم عامة و إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خاصة، لمكان عمته خديجة بنت خويلد و كونها عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان حكيم ذا مال و جاه و منعة في قريش، فكان يجئ بالقطار من الجمال بعد القطار ليلا فيولجه شعب بني هاشم، فظهر عليه أبو جهل في بعض ذلك فتعلق به و قال: أ تذهب بالطعام إلى بني هاشم و اللّه لا أدعك حتى أفضحك في قريش.
فجاء أبو البختري بن هشام بن حارث و قد تعلق به فقال: مالك و له؟
قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم.
فقال أبو البختري: و ما ذاك، طعام لعمته عنده بعث به إليها، أ فتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل.
فأبى عليه أبو جهل، فوثب إليه أبو البختري فضربه بلحى جمل فشجه و وطئه وطئا شديدا، فصبر أبو جهل على ذلك و لم يظهره، خوفا من أن يتصل بني هاشم فيشمتوا به و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ذلك كله منيع جانبه عزيز مكانه، و المسلمون كذلك و هم يزيدون، و لا ضير على بني هاشم و من تولاهم، إلّا ما منعوه من مبايعتهم.
و قال أبو طالب لأبي لهب في اعتزاله بني هاشم يستعطفه:
عجبت لحلم يا ابن شيبة حادث * * * و أحلام أقوام لديك سخاف
يقولون شايع من أراد محمدا * * * بسوء و قم في أمره بخلاف
أصاميم إمّا حاسد ذو خيانة * * * و إمّا قريب منك غير مصاف
فلا تتركن الدهر منه ذمامه * * * و أنت امرئ من خير عبد مناف
و لا تتركنه ما حييت و اطعمن * * * و كن رجلا ذا نجدة و عفاف
تذود العدى من ذروة هاشمية * * * ألا فهم في الناس خير إلاف
فإن له قربى لديك قريبة * * * و ليس بذي حلف و لا بمضاف
و لكنه من هاشم من صميمها * * * إلى أبحر فوق البحور طواف
و زاحم جميع الناس عنه و كن له * * * وزيرا على الأعداء غير مخاف
فإن غضبت منه قريش فقل لها * * * بني عمنا هل قومكم بضعاف
فما بالنا تعشون منا ظلامة * * * و ما بال أرحام هناك جوافي
و ما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا * * * و لا نحن فيما ساءهم بخفاف
و لكننا أهل الحفائظ و النهى * * * و عز ببطحاء الحطائم واف [1]
و استجار أبو سلمة بن عبد الأسد بأبي طالب من قومه بني مخزوم و قد أرادوا فتنته فحماه منهم أبو طالب، فأتوا أبا طالب فقالوا له: يا أبا طالب ما هذا؟ منعت منّا ابن أخيك محمدا فما لك و لصاحبنا تمنعه منّا.
قال: إنه استجار بي و هو ابن أختي، و إن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي.
فنازعوه في ذلك فقام إليهم أبو لهب فقال: قد و اللّه أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه، و اللّه لتنتهن عنه أو لنقومن معه فيما قام حتى يبلغ ما أراد.
فقالوا: بل ننصرف عمّا تكره يا أبا عتبة.
[1]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 25، شرح نهج البلاغة: 14/ 57، تاريخ دمشق: 38/ 247.
و خافوا أن يجتمع أمره مع أبي طالب فيعظم الأمر عليهم و لم يكن من أبي لهب قبل ذلك خير، فلمّا سمع منه أبو طالب ما سمع طمع فيه فقال:
إن امرئ أبو عتبة عمّه * * * لفي روضة ما إن يسام المظالما
أقول له و أين منه نصيحتي * * * أبا معتب ثبت سوادك قائما
و لا تقبلن الدهر ما عشت خطة * * * تسب بها أما هبطت المواسما
و ول سبيل العجز غيرك منهم * * * فإنك لم تخلق على العجز لازما
و حارب فإن الحرب نصف و إن ترى * * * أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما
و كيف و لم يجنوا عليك عظيمة * * * و لم يخذلوك غانما أو مغارما
جزا اللّه عنا عبد شمس و نوفلا * * * و تيما و مخزوما عقوقا و ماثما
بتفريقهم من بعد ود و ألفة * * * جماعتنا كيما ينالوا المحارما
أطاعوا ابن ذكوان و قيسا و ديسما * * * فضلوا و ذاقوا بالجميع المياسما
كذبتم و بيت اللّه نبزى محمدا * * * و لما تروا يوما لدى الشعب قائما [1]
يعني بابن ذكوان: عقبة بن أبي معيط، و ديسم: الوليد بن المغيرة، و قيس: قيس بن عاقل، فلم يكن من أبي لهب في ذلك غير ما كان.
[فشل مؤامرة الصحيفة]
و لمّا كان من أمر حكيم بن حزام ما قدّمنا ذكره و ذكر اعتراض أبي جهل عليه و انتصار أبي البختري له، تحرك في ذلك هشام بن عمرو بن الحرث، و كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف، و كان نضلة و عمرو أخوين لأم، فكان هشام لبني هاشم واصلا، و كان ذا شرف في قومه و كان فيمن يفتقدهم بالطعام، فلمّا طال ذلك عليه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبيد اللّه بن عمر بن مخزوم، و كانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا زهير أ قد رضيت أن تأكل الطعام و تلبس الثياب و تنكح النساء، و أخوالك حيث قد علمت لا يبايعون و لا يبتاع منهم و لا ينكحون و لا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف باللّه لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا.
فقال زهير: ويحك يا هشام فما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد، و اللّه لو أن معي رجلا آخر لقمت في نقض الصحيفة.
قال: وجدته لك.
قال: و من هو؟
قال: أنا.
[1]- سيرة ابن هشام: 1/ 249، شرح نهج البلاغة: 14/ 57، تاريخ دمشق: 67/ 196، البداية و النهاية: 3/ 117.
قال زهير: ابغنا ثالثا.
فذهب إلى المطعم بن عدي فقال: يا مطعم أ قد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف و أنت شاهد لذلك موافق لقريش فيه؟ و اللّه لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا.
قال: ويحك فما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد.
قال: قد وجدت لك ثانيا.
قال: من؟
قال: أنا.
قال: ابغنا ثالثا.
قال: قد فعلت.
قال: من هو.
قال: زهير بن أبي أمية.
قال: ابغنا رابعا.
فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحو ما قال لمطعم فقال: و هل أحد يعين على هذا؟
قال: نعم.
قال: من.
قال: زهير بن أبي أمية و المطعم بن عدي و أنا معك.
قال: ابغنا خامسا.
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد، فكلمه و ذكر له قرابتهم و حقهم فقال: و هل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟
قال: نعم، و سمّى له القوم، فاتعدوا له ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هناك و أجمعوا أمرهم و تعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها.
قال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم.
فلمّا أصبحوا غدوا إلى أنديتهم و غدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له، فطاف بالبيت (سبعا) [1] ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة أ نأكل الطعام و نلبس الثياب و بنو هاشم بيننا هلكى، لا يباعون و لا يبتاع منهم، و اللّه لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل و كان في ناحية المسجد: كذبت و بيت اللّه لا تشق.
قال زمعة بن الأسود: أنت و اللّه أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت.
قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها و لا نقرّ به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما و كذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى اللّه منها و ممّا كتب فيها.
و قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل و تشور فيه بغير هذا المكان.
و أبو طالب جالس في ناحية المسجد، و قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها فلم يبق فيها من الكتاب إلّا باسمك اللهم، و كان الذي كتبها منصور بن عكرمة فشلت يده، فمزقها المطعم على ما هي عليه و قال: إن لكم في هذه الآية.
و قال أبو طالب يذكر ذلك و يمدح القوم الذين قاموا في إبطال الصحيفة:
ألا هل أتى بحرينا صنع ربّنا * * * على نأيهم و اللّه بالناس أرود
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * * * و إن كل ما لم يرضه اللّه يفسد
تراوحها أفك و سحر مجمع * * * و لم يلف سحر آخر الدهر يصعد
تداعى لها من ليس فيها بقرقر * * * فطائرها في رأسها يتردد
[1]- في المخطوط: (اسبوعا)، و ما أثبتناه من المصادر.
و كانت كفاء وقعة باثيمة * * * تقطع فيها ساعد و مقلد
و يظعن أهل المكتين فيهربوا * * * فرائصهم من خشية الشر ترعد
و يترك حراث يقلب أمره * * * أ يتهم فيهم عند ذاك و ينجد
و تصعد بين الأخشبين كتيبة * * * لها حدج سهم و قوس و مزود
فمن ينس من حضار مكة عزه * * * فعزتنا في بطن مكة أ تلد
نشأنا بها و الناس فيها قلائل * * * فلم ننفكك نزداد خيرا و نحمد
و نطعم حتى يترك الناس فضلهم * * * إذا جعلت أيدي للفيضين تحمد
جزى اللّه رهطا بالحجون تبايعوا * * * على ملاء يهدي لحزم و يرشد
قعودا على حطم الجحون كأنهم * * * مقاولة بل هم أعز و أمجد
أعان عليها كل صقر كأنه * * * إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد
جري على جلي الخطوب كأنه * * * شهاب بكفي قابس يتوقد
من الأكرمين من لوي بن غالب * * * إذا سيم خسفا وجهه يتربد
طويل النجاد خارج نصف ساقه * * * على وجهه يسقى الغمام و يسعد
عظيم الرماد سيد و ابن سيد * * * يحض على مقرى الضيوف و يحشد
و يبني لأبناء العشيرة صالحا * * * إذا نحن طفنا في البلاد و يمهد
و ينمي كثيرا حيث كان من العدى * * * طلاق العدى لا غير ذلك يجهد
الفا بهذا الصلح كل مبرأ * * * عظيم اللواء أمره ثم يحمد
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * * * على مهل و سائر الناس رقد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا * * * و سرّ بها خير الأنام محمد
متى شرك الأقوام في جل أمرنا * * * و كنّا قديما قبلها نتودد
و كنّا قديما لا نقر ظلامة * * * و ندرك ما شئنا و لا نتشدد
فيال قصي هل لكم في نفوسكم * * * و هل لكم فيما يجيء به غد
فإني و إياكم كما قال قائل * * * لديك البيان لو تكلمت أسود [1]
و قال أبو طالب أيضا في شأن الصحيفة:
ألا من لهم آخر الليل منصب * * * و شعب العصا من قومك المتشعب
و جربى أراها من لوي بن غالب * * * متى ما تزاحمها الصحيحة تجرب
إذا ما مشير قام فيها بخطة * * * الظ به ذنب و ليس بمذنب
و ما ذنب من يدعو إلى البر و التقى * * * و إن يستطع أن يرب الشعب يرأب
و قد جربوا فيما مضى عيب أمرهم * * * و ما عالم أمرا كمن لم يجرب
و قد كان في أمر الصحيفة عبرة * * * متى ما يخبر غائب القوم يعجب
محا اللّه منها كفرهم و عقوقهم * * * و ما نقموا من ناطق الحق معرب
و أصبح ما قالوا من الأمر باطلا * * * و من يختلق ما ليس بالحق يكذب
فأمسى ابن عبد اللّه فينا مصدقا * * * على ساخط من قومنا غير معتب
فلا تحسبونا خاذلين محمدا * * * لدى غربة منّا و لا متقرب
ستمنعه منّا يد هاشمية * * * مركبها في الناس خير مركب
فلا و الذي تحدى له كل نضوة * * * طليح بجنبي نخلة بالمحصب
و ينصره اللّه الذي هو ربه * * * بأهل العفير أو بسكان يثرب
يمينا صدقنا اللّه فيها و لم نكن * * * لنخلف بطلا بالعتيق المحجب
نفارقه حتى نصرع حوله * * * و ما بال تكذيب النبي المقرب
فيا قومنا لا تظلمونا فإننا * * * متى ما نخف ظلما من الناس نغضب
فكفوا إليكم من فضول حلوبكم * * * و لا تذهبوا في رأيكم كل مذهب [2]
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 253- 254، البداية و النهاية: 3/ 121- 122.
[2]- الكامل لابن الاثير: 2/ 36، ناسخ التواريخ: 1/ 260، الروض الانف: 1/ 221، خزانة الأدب: 1/ 346.
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مدة ذلك كله مجدّا و مجتهدا في الدعاء إلى اللّه عزّ و جلّ، حريصا على أن يهدي اللّه به عباده، صابرا على أذى من يؤذيه، و القرآن ينزل عليه و الوحي من اللّه عزّ و جلّ في كل وقت يأتيه، و الآيات و البراهين تنبي عنه و تشهد له، و أعداءه من عبد شمس و بني أمية الذين قدّمنا ذكرهم، و من استمالوه إليهم مجتهدون في اعتراضه بالمكروه، يبغونه الغوائل و ينصبون له الحبائل و يصدون عنه من قدروا عليه أن يصدوه من قومهم، و ممّن طرأ إليهم من غيرهم ممّن سمع بخبره و انتهت إليه آياته، و عمّه أبو طالب على النصرة و المكافحة دونه، لا يصل إليه أحد منهم بسوء معه إلّا بالوقيعة و اللمز و الأذى باللسان، فكان صلّى اللّه عليه و آله إذا ضاق صدره استراح إليه، و إذا دهمه من قريش أمر فرّجه عنه، و وجد أيضا في حمزة رحمه اللّه عونا كثيرا و نفعا عظيما، و تحاماه كثير من سفهاء قريش من أجله.
[عام الحزن]
و كان إذا أوى إلى بيته و حدّث خديجة بما يناله عزته في ذلك، و وجد إليها الراحة فيه و بذلت له مالها و قامت في خدمته بنفسها، فلم يكن له صلّى اللّه عليه و آله ممّن يستريح إليه و يجد الفرج لديه آثر عنده منها و من عمه أبو طالب، فماتا جميعا في عام واحد، فعظم ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و اشتد حزنه له، و تطاول إليه سفهاء بني عبد شمس و من والاهم من قريش لمّا مات أبو طالب، فنالوا منه بالأذى و ضعف أمر بني هاشم بعد أبي طالب، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب».
فلم يكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد أبي طالب أحد يستريح إليه و يتضرح عنده بما لديه غير علي بن أبي طالب، فإنه بلغ مبلغ الرجال، و أيده اللّه عزّ و جلّ به و خصه بأخوّته و وصيته، فكان بعد أبيه يستريح و يعول في أسبابه عليه، إلى أن كثر أذى أعداءه له، و أذن اللّه عزّ و جلّ بالهجرة له، و حرمهم خيره و أزال عنهم بركته، فهاجر
إلى المدينة و اتبعه المؤمنون به، و كان من تأييد اللّه عزّ و جلّ له و نصره إياه أن أمكنه ممّن عاداه و أظفره بهم، فقتل منهم من قتل و أسر و من أسر و منّ على من منّ عليه، و اعتصم منهم بالإسلام منه من جعله جنة له و تحصينا لمهجته، إلى أن أمكنته الفرصة بعده صلّى اللّه عليه و آله فاهتبلها [1] و أصاب العزة فاغتنمها، و نشأ على ذلك من الطعن و الحقد الأخلاف بعد الأسلاف، فطالبوا بالدخول [2] و اعتقدوا بغضة آل الرسول و طالبوهم بثأر من قتل منهم على الكفر من آبائهم و عشائرهم، و سنذكر ما يحسن بهذا الكتاب ذكره من أخبارهم إن شاء اللّه.
و قيل: إن أبا طالب لمّا حضره الأمر أتاه أبو سفيان بن حرب بن أمية و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أبو جهل بن هشام و أمية بن خلف، في رجال من بني عبد شمس و بني أمية و لفيفها من قريش فقالوا له: يا أبا طالب إنك منّا حيث قد علمت و حضرك من الأمر ما ترى و تخوفنا عليك، و قد علمت الذي بيننا و بين ابن أخيك، فدعه إليك و خذ له منّا و خذ لنا منه، ليكف عنّا و نكف عنه.
فأرسل أبو طالب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأتاه و أخبره بمقالتهم فقال: «نعم، كلمة واحدة يعطونها يملكون بها العرب و تدين لهم بها العجم».
فقالوا: نعم و أبيك و عشر كلمات.
قال: «تقولون لا إله إلّا اللّه و تخلعون ما تعبدون من دونه».
فقالوا و صفقوا بأيديهم: يريد محمد أن يجعل الآلهة إلها واحدا، أ ليس هذا من العجائب!
فأنزل اللّه عزّ و جلّ في ذلك من القرآن الآيات: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا
[1]- اهتبلها: أي اغتنمها، و الاهتبال: الاغتنام و الاحتيال و الاقتصاص. لسان العرب: 11/ 687.
[2]- الذحل: الثأر، أي طلبوا ثأرهم. لسان العرب: 11/ 256.
لَشَيْءٌ عُجابٌ [1] في شأنهم و تفرقوا.
فقال أبو طالب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: و اللّه ما سألتهم شططا، أي أمرا بعيدا، فلمّا قال ذلك طمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيما يزعمون في إسلامه فقال له: «يا عم فقل هذه الكلمة أجد الوسيلة بها لك إلى الشفاعة عند اللّه».
فقال: و اللّه يا ابن أخي لو لا أن يقال: إني جزعت عند الموت لقلتها.
قالوا: فلمّا قرب منه الأمر حرّك شفتيه فأصغى العباس إليه، فقال: يا ابن أخي قد و اللّه قال أبو طالب ما سألته أن يقوله.
فزعموا أن النبي قال: «لم أسمعه» و مات أبو طالب [2].
[1]- سورة ص: 5.
[2]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 284، تاريخ دمشق: 66/ 331.
و ذكر أبو الفداء في كتابه المختصر في أخبار البشر 1/ 122: أن النبي (ص) قال له بعد ما سمع كلام العباس قال: (الحمد للّه الذي هداك يا عم).
و قال الشعراني في كشف الغمة 2/ 144: إن حديث العباس ثبت عند بعض أهل الكشف و صح عندهم إسلامه و تبعه على هذا الرأي السبكي و جماعة.
و أما ابن حجر في الاصابة 7/ 198: فانه لم يذكر جواب النبي (ص) للعباس، و ذكر بعد هذه الرواية قول أبي رافع الذي يقول فيه: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمد بن عبد اللّه يقول: إن ربّه بعثه بصلة الارحام و أن يعبد اللّه وحده و لا يعبد معه غيره و محمد الصدوق الامين.
و عن أبي عامر الهوزني: أن رسول اللّه (ص) خرج معارضا جنازة أبي طالب و هو يقول: (وصلتك رحم).
و عن علي: أنه لمّا أسلم قال له أبو طالب: الزم ابن عمك.-
فقال حمزة يبكيه:
أرقت لنوح آخر الليل غردا * * * نعين الحليم و الرئيس المسددا
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى * * * و ذا الحلم لا خلفا و لم يكن قعددا
أخالك خلى ثلمة ستسدها * * * بنو هاشم أن تستباح و تضمدا
- و عن عمران بن حصين: أن أبا طالب قال لجعفر بن أبي طالب لمّا أسلم: قبل جناح ابن عمك.
فصلى جعفر مع النبي (ص).
و عن ابن عباس قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة و هو شيخ قد عمى فقال رسول اللّه (ص): (ألا تركت الشيخ حتى آتيه).
قال: أردت أن يأجره اللّه، و الذي بعثك بالحق لأنا أشد فرحا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، التمس بذلك قرة عينك.
و لمزيد الاطلاع و التحقيق راجع المصادر التالية:
أخبار أبي طالب و ولده لابي الحسن المدائني، بغية الطالب لإيمان أبي طالب للسيوطي، أبو طالب عم الرسول للمحامي محمد كامل حسن، أبو طالب كافل النبي و ناصره لاحمد خيري المصري، القصيدة الغراء في إيمان أبي طالب شيخ البطحاء لاحمد خيري أيضا، اتحاف الطالب بنجاة أبي طالب لمحمد عبد السلام جنون، اثبات اسلام أبي طالب لمحمد معين الحنفي، اسنى المطالب في نجاة أبي طالب لاحمد زيني دحلان، بغية الطالب لإيمان أبي طالب لمحمد بن عبد الرسول الشافعي، بلوغ المآرب في نجاة آبائه عليهم الصلاة و السلام و عمه أبي طالب لسليمان الازهري، حياة أبي طالب لخالد الانصاري الهندي، السهم الصائب لكبد من آذى أبا طالب لمحمد بن حسن الصيادي شيخ بني هاشم أبو طالب لعبد العزيز سيد الاهل، غاية المطالب في ايمان أبي طالب لعلي كبير الهندي، غاية المطالب في شرح ديوان أبي طالب للشيخ محمد خليل المصري، فيض الواهب في نجاة أبي طالب للشيخ أحمد فيض الحنفي.
فأمست قريش يفرحون لفقده * * * و لست ترى حيا لشيء مخلدا
رجاة أمورا زينتها حلومها * * * لهم سوف توردهم من الغي موردا
يرجون تكذيب النبي و قتله * * * و أن يفتروا بهتا عليه و يجحدا
كذبتم و بيت اللّه حتى نذيقكم * * * صدور العوالي و الصفيح المهندا
و يبدو منّا منظر ذو كريهة * * * إذا ما تسربلنا الحديد المسردا
فإما تبيدونا و إما نبيدكم * * * و إما تروا سلم العشيرة أرشدا
و إلّا فإن الحي دون محمد * * * بنو هاشم خير البرية محتدا
و إن له منكم من اللّه ناصرا * * * و لست بلاق صاحب اللّه أوحدا
نبي أتى من كل وحي بخطة * * * و سمّاه ربّي في الكتاب محمدا
أغرّ كضوء البدر صورة وجهه * * * جلى الغيم عنه ضوءه فتوقدا
أمين على ما استودع اللّه قلبه * * * و إن قال قولا كان فيه مسددا [1]
[ليلة المبيت]
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب، فلم يجبه أحد منهم و مضى بنفسه إلى الطائف فلم يقبلوه، إلى أن عرض نفسه في بعض المواسم على الأوس و الخزرج من أهل يثرب، فوفّقهم اللّه للإسلام و أسلم منهم نفر و بايعوه و مضوا بخبره، و كانوا جيران يهود يسمعون منهم أنه قد أطل خروج نبي يجدونه في كتبهم، فكان ذلك من أسباب سعادتهم، و وفد عليه وفد بعد وفد منهم يسلمون، فأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأصحابه في الهجرة إليهم، فهاجر إليهم جماعة من المسلمين، فلمّا رأت بنو عبد شمس ذلك و علموا أنه قد صار له حزب و ناصرون و ملجأ، خافوا ذلك و اجتمعوا في دار الندوة و حضرهم فيما يقال إبليس اللعين في
[1]- تاريخ دمشق: 66/ 345، تذكرة الخواص: 6.
صورة شيخ، فأنكروه و قالوا: من أين أنت؟
قال: رجل من أهل نجد، بلغني ما اجتمعتم له فجئت للحضور معكم فيه، و لن تعدموا معي رأيا فيه صلاح.
فتكلموا و قالوا: إن محمدا قد صدّقه أهل يثرب و أجاروا من أتاهم من أصحابه، و إنّا نخاف أن يصير إليهم فيعظم علينا أمره و يكثر ناصره، و يحاربنا بمن أجابه فما ترون؟
فقال بعضهم: نقبض عليه و نوثقه و نحبسه.
فقال: ما هذا برأي، يستنقذه أهل بيته من أيديكم و يجتمعون له.
قالوا: صدق الشيخ.
فقال آخر: فننفيه عنّا يصنع ما شاء أن يصنع و نستريح منه.
فقال الشيخ: هذا الذي تخوفتموه و تعقبتموه.
قال آخر: نقتله.
قال الشيخ: هذا أحسن ما رأيتم، و لكن تخرجون من كل بطن منكم رجلا و تعطونه سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد، فإذا كان ذلك حمى كل قوم من قريش صاحبهم و تفرق دمه فيهم فلم تطقهم بنو هاشم.
فأجمعوا على ذلك و اتعدوا له ليلة يأتونه فيها، فأتى جبرائيل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بخبرهم، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليا أن ينام على فراشه تلك الليلة، و خرج عن منزله فتوارى، و أتى القوم فرأوا عليا فلم يشكّوا فيه أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أقاموا حتى اجتمعوا، فلمّا دخلوا و ثب إليهم علي عليه السّلام فأسقط في أيديهم و أحجموا عنه، و أذن اللّه عزّ و جلّ لرسوله في الهجرة إلى يثرب، فهاجر و خلّف عليا عليه السّلام في منزله و أمره بدفع ودائع كانت للناس عنده إليهم و بقضاء ديون كانت عليه لهم، فأقام علي عليه السّلام بعده ثلاثة أيام حتى أحكم ذلك ثم لحق به، و طلبته قريش و جعلت فيه مائة ناقة لمن ردّه، فنجاه اللّه منهم و قدم يثرب فأعزّ بنصره و كان ما قد كان من أمره، و لحق به
المهاجرون و آخى بين المسلمين و قال في ذلك و قد جمع المسلمين، نعوذ باللّه أن نقول عليه ما لم يقل «تآخوا في اللّه أخوين أخوين».
و أخذ بيد علي عليه السّلام فقال: «و هذا أخي» [1].
و كانت لعلي عليه السّلام من النصرة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و القيام معه ما يخرج عن حدّ هذا الكتاب ذكره، و قد ذكرت و نذكره فيه جملا من ذلك إن شاء اللّه.
[جعفر الطيار]
و أمّا جعفر بن أبي طالب و هو ذو الجناحين، فقد ذكرنا هجرته إلى الحبشة و نصرته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و دعاءه النجاشي إلى الإسلام حتى أسلم، و ما كان من أمره هناك، و قد وفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح خيبر من أرض الحبشة فقال صلّى اللّه عليه و آله: «ما أدري بأيهما أنا أسر أ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» [2] و ضمّه إليه و قبّله بين عينيه و أرسله في غزاة مؤتة إلى الروم، و أمّره على الجيش و لقى العدو المسلمين في جمع عظيم و المسلمون في قلة، و ثبت جعفر عليه السّلام و أخذ الراية فضرب عليها فقطعت يده، فأخذها باليد الأخرى فضرب عليها فقطعت يده، فاعتنق الراية و ثبت مكانه حتى استشهد رحمه اللّه تعالى.
و قد ذكرنا كونه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أول وقت أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه و قول جبرئيل فيه، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. يقول: «خلق الناس من شجر شتى و خلقت أنا و جعفر من شجرة واحدة» [3].
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 351، اسد الغابة: 3/ 317، البداية و النهاية: 3/ 277.
[2]- السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 818، الطبقات الكبرى: 2/ 108، المستدرك: 2/ 624، مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 516 ح 10.
[3]- تاريخ دمشق: 33/ 211، ذكر أخبار اصبهان: 2/ 43، شرح نهج البلاغة: 15/ 72.
و قال في حديث آخر «إنّا آل عبد المطلب من شجرة واحدة و أنا و جعفر من غصن من أغصانها فأشبه خلقه خلقي و خلقه خلقي».
و قال في حديث آخر: «إني و جعفر من طينة واحدة» [1].
و مرّ أبو طالب و معه جعفر و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هو و علي يصليان فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك. فصلى جعفر مع النبي صلّى اللّه عليه و آله، فكانت أول صلاة صلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في جماعة.
و كان جعفر يوم بدر بأرض الحبشة فضرب له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأجره و سهمه، و لمّا أتى نعيه من مؤتة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «لقد سار في ملأ من الملائكة له جناحان خضيبان أبيض القوادم» [2] و حزن عليه حزنا شديدا، و قال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم عن النظر لأنفسهم» [3] فكانت بعد ذلك سنّة في الناس يصنع لأهل الميت أحباؤهم الطعام عند موته ما داموا في نعيه.
و قيل: إنه وجد فيه بعد أن قتل بضع و تسعون جراحة، ما بين ضربة و طعنة و رمية لما ثبت يومئذ، و قتل و هو ابن ثلاثين سنة، و قيل: ابن خمس و عشرين سنة [4].
و قالت في ذلك زوجته أسماء بنت عميس فيه ترثيه:
يا جعفر الطيار خير مضرب * * * للخيل يوم تطاعن و شياح
قد كنت لي جبلا ألوذ بظله * * * فتركتني أمشي بأجرد ضاحي
قد كنت ذات حمية ما عشت لي * * * أمشي البراز و أنت كنت جناحي
[1]- كنز العمال: 11/ 662 ح 33200.
[2]- الطبقات الكبرى: 4/ 39، تاريخ الطبري: 2/ 322، الهواتف لابن أبي الدنيا: 23.
[3]- مسند أحمد: 1/ 205، سنن أبي داود: 2/ 65 ح 3132، سنن الترمذي: 2/ 234 ح 1003، المستدرك: 1/ 372.
[4]- انظر: تهذيب الكمال: 5/ 63.
و إذا دعت قمرية شجوا لها * * * يوما على فنن دعوت صباحي
فاليوم أخضع للذليل و أتقي * * * منه و أدفع ظالمي بالراح [1]
و قال حسان بن ثابت يرثيه و زيد بن حارثة و عبد اللّه بن رواحة، و ذلك أن جعفرا لمّا قتل أخذ الراية زيد بن حارثة فقتل بعده، ثم أخذها عبد اللّه بن رواحة فقتل بعده، و كذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عهد إليهم:
رأيت خيار المسلمين تتابعوا * * * شعوبا و خلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن اللّه قتلى تتابعوا * * * بمؤتة فيهم ذو الجناحين جعفر
و زيد و عبد اللّه حين تتابعوا * * * جميعا و أسباب المنية تخطر
غداه غدا بالمؤمنين يقودهم * * * إلى الموت ميمون النقيبة أزفر
أغر كضوء البدر من آل هاشم * * * أبي إذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى طال غير موسد * * * بمعترك فيه القنا تتكسر
و صار مع المستشهدين ثوابه * * * جنان و ملتفت الحدائق أخضر
و كنّا نرى في جعفر من محمد * * * و قارا و أمرا حازما حين يأمر
و ما زال في الإسلام من آل هاشم * * * دعائم عزّ لا يزلن و مفخر
هم حبل الإسلام و الناس حولهم * * * رضام إلى طود يروق و يقهر
قيام فمنهم جعفر و ابن أمّه * * * علي و منهم أحمد المتخير
و حمزة و العباس منهم و فيهم * * * عقيل و ماء العود من حيث يعصر [2]
و قال كعب بن مالك يرثي جعفرا:
[1]- تهذيب الكمال: 5/ 63، عيون الاثر: 2/ 434، و البعض نسبها الى فاطمة الزهراء (ع)، انظر:
مناقب آل أبي طالب: 1/ 209، سبل الهدى: 12/ 288.
[2]- سيرة ابن هشام: 3/ 838، شرح نهج البلاغة: 15/ 62، تاريخ دمشق: 2/ 19- 20، البداية و النهاية: 4/ 297.
نام العيون و دمع عينك يهمل * * * سحا كما و كف الضباب المخضل
و كأنما بين الجوانح و الحشى * * * ممّا تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا * * * يوما بمؤتة عوذروا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية * * * و سقى عظامهم الغمام المسبل
صبّروا بمؤتة للإله نفوسهم * * * حذر الردى و حفيظة أن ينكلوا
إذ يهتدون بجعفر و لوائه * * * قدام أولهم و نعم الأول
حتى تفرقت الصفوف و جعفر * * * بين الصفوف لدى الحتوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده * * * و الشمس قد كسفت فكادت تأفل
قوم بهم عصم الإله عباده * * * و عليهم نزل الكتاب المنزل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * * * تندى إذا اعتذر الزمان الممجل
و بهديهم رضى الإله لخلقه * * * و بجدهم نصر النبي المرسل [1]
[طالب بن أبي طالب]
و كان طالب أسن ولد أبي طالب و ليس له عقب، و هو الذي يقول في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
و قد حل مجد بني هاشم * * * مكان النعائم و الزهرة
و محض بني هاشم أحمد * * * رسول المليك على فترة
عظيم المكارم نور البلاد * * * جري الفؤاد صدي الزبرة
كريم المشاهد سمح البنان * * * إذا ظنّ ذو الجود بالقدرة
عفيف تقي نقي الرداء * * * طهير السراويل و الأزرة
جواد ربيع على المعتفين * * * من حي ربع و من زهرة
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 838- 839، مقاتل الطالبيين: 9، تاريخ دمشق: 2/ 20- 21.
و اشوس كالليث لم تنهه * * * لدى الحرب زجرة لذي الزجرة
فكم من صريع له قد ثوى * * * طويل التأوه و الزفرة [1]
و كان قد أسلم و تخلف عن الهجرة، فلمّا كان يوم بدر أخرج مشركوا قريش بني هاشم مكرهين، و كذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يومئذ للمسلمين: «من استطعتم أن تأسروه من بني هاشم فلا تقتلوه فإنما أخرجوا كرها» [2].
و كان فيمن أخرج منهم طالب فقال في ذلك:
يا ربّ إمّا خرجوا بطالب * * * في مقنب من هذه المقانب
فاجعلهم المغلوب غير الغالب * * * و ارددهم المسلوب غير السالب [3]
فلمّا صاروا ببعض الطريق قيل ذلك عنه فقالوا: و اللّه ما كان ينبغي لنا أن نخرج برجل من بني هاشم، لأنّا نعلم أنهم لا يريدون إلّا أن يظفر محمد، و حسبكم بقول طالب هذا. فاجتمعوا إليه فردوه من الطريق فانصرف إلى مكة.
و كان عقيل بن أبي طالب من أحب ولد أبي طالب إليه، و لمّا أتاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و العباس لأخذ بعض ولده قال: إذا تركتم لي عقيلا فخذوا من شئتم.
فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليا و أخذ العباس جعفرا، و كان عقيل أضعف من بني أبي طالب، و هو على ذلك أجزل و أعف و أفضل من أخائرهم بني أمية عندهم، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول له: «يا عقيل إني لأحبك حبّين حبّا لك و حبّا لحب أبي طالب لك» [4].
[1]- شرح نهج البلاغة: 14/ 78.
[2]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 459، الطبقات الكبرى: 4/ 10، تاريخ الطبري: 2/ 151.
[3]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 415، تاريخ الطبري: 2/ 144، تاريخ دمشق: 41/ 8.
[4]- الطبقات الكبرى: 4/ 44، المستدرك: 3/ 576، المعجم الكبير: 17/ 191، تاريخ دمشق: 41/ 18.
و جاء مع مشركي قريش فيمن أكره من بني هاشم يوم بدر، فأسر فيمن أسر، فمرّ بعلي و هو مشدود بنسعة [1] يده إلى عنقه، فلمّا رآه علي صلوات اللّه عليه صرف وجهه عنه، فصاح به عقيل: يا ابن أم أما و اللّه لقد رأيتني و لكن عمدا تصدّ عني.
فأتى علي صلوات اللّه عليه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: «يا رسول اللّه هل لك في أبي يزيد مشدودة يده إلى عنقه بنسعة».
قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «انطلق بنا يا علي لنراه».
فانطلقا فلمّا أبصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: يا رسول اللّه إن كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم، و إلّا فادركوا القوم ما داموا يحدثان قرحتهم.
فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله: «قد قتله اللّه عزّ و جلّ» [2].
و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله للعباس: «افد نفسك و عقيلا» [3].
ففداه و أقام مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و شهد معه المشاهد و أغنى و تعفف، فيقال: إنه أتى يوم حنين إلى امرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بسيفه و قد تلطخ بالدم فقالت له:
قد علمنا أنك قاتلت و لكن ما جئتنا به من الغنيمة؟
قال: و اللّه إن جئتك بشيء إلّا لعن، أخذت إبرة فأصلحت بها ثوبا لي و بقيت عندي، و ها هي هذه فخذيها تنتفعي بها.
فأخذتها، فهم على ذلك إذ سمع منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ينادي في الناس: أيها الناس احذروا الغلول فإن الغلول في النار، أدوا الخياط و المخيط.
فقال لامرأته: لا أرى إبرتك و اللّه إلّا فاتتك.
[1]- النسع: سير يضفر على هيئة أعنّة النعال تشد به الرحال. لسان العرب: 8/ 352.
[2]- تاريخ دمشق: 41/ 14، كنز العمال: 10/ 410 ح 29986.
[3]- مسند أحمد: 1/ 253، تاريخ الطبري: 2/ 162، سير أعلام النبلاء: 2/ 81.
فأخذها منها و مضى إلى المغنم فرمى بها فيه [1].
و أصاب يوم مؤتة فصّا، فجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فتركه له.
فأين من تحرّج ممّن أظهر الإسلام من بني أمية هذا التحرج أو تنزه هذه التنزه؟
فأما جزالته و بلاغته على ما فيه من الضعف فقد قيل: إنه جاء عليا عليه السّلام فسأله أن يعطيه، فأعطاه عطاءه فقال: لا يقوم بي هذا.
فأعطاه من عطائه صدرا فلم يرضه، و أعطاه من عطاء الحسن و الحسين عليه السّلام، فاستقل ذلك و قال: عليّ دين.
قال له: «نكتب لك إلى ينبع فتعطى».
فقال عقيل: و ما عسى أن تعطيني من ينبع، و اللّه لأذهبن إلى رجل يعطيني.
فلحق بمعاوية فسرّ معاوية لقدومه عليه و جمع أهل الشام و قال: هذا أخو علي قد رغب عنه و أتانا، و أدخله إليه بحضرتهم فقال: يا أبا يزيد أ جئتنا محبة لنا و إيثارا، فنحن أحب إليك من علي
فقال علي أحب نفسه و آثر لما عند ربّه فلم يرضنا ذلك منه، فأتيناك لعلمنا بخلاف ذلك عندك، فعلي خير لنفسه منك و أنت لنا خير من علي.
فسكت عنه معاوية و رأى أن ذلك يجوز على أهل الشام، و رآهم يتغامزون و يبتسمون، فعلم أنهم قد علموا ما قال.
فقال: فانصرف إذا يا أبا يزيد إلى علي.
فقال: خير من انصرفت إليه، فو اللّه لقد جئت إليه فما أصبت من دينه و جئتك فما أصبت من دنياك.
قال: فإنّا نصيبك منها.
قال: ما تصيبني منها إلّا و الذي تصيب من دينك أكثر.
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 929، اسد الغابة: 5/ 525.
فحمى معاوية و أراد أن يفحمه فقال: يا أهل الشام هل تدرون من هذا؟ هذا عمّه الذي قال اللّه عزّ و جلّ فيه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يا أبا يزيد أين ترى عمك اليوم؟
فقال عقيل: يا أهل الشام تدرون من هذا؟ هذا معاوية و عمته حمالة الحطب.
ثم قال: يا معاوية إن سألت عن أبي لهب فانظر إذا دخلت النار يوم تدخلها، فخذ ذات يسارك تجد أبا لهب مفترشا عمتك حمالة الحطب، فو اللّه الراكب خير من المركوب.
فأفحم و تلطف له و وصله و صرفه، إذ لم يجد عنده في علي رخصة و لا ما ظن أنه شبّه على أهل الشام به [1].
و كان علي صلوات اللّه عليه أصغر ولد أبي طالب، و يقال: إنه كان بين كل واحد من ولد أبي طالب و بين من يتلوه منهم عشر سنين، كان أسنّهم طالب، و بين عقيل و بين جعفر عشر سنين و بين جعفر و بين علي عشر سنين، و كانوا كلهم في المحبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ما عاهدوا عليه أباهم أبا طالب.
[1]- أنساب الأشراف: 73، العقد الفريد: 4/ 91، تاريخ دمشق: 41/ 23.
ذكر من نصب الحرب و العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
من بني أمية و بني عبد شمس و من تآلفوه من قبائل قريش، و ما كان من أمرهم بعد الهجرة.
قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب، ما كان من كيد بني أمية و من تآلفوه من قبائل قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، من ابتعثه اللّه تعالى إلى أن هاجر إلى المدينة، و نحن نذكر في هذا الباب ما كان من حربهم إيّاه و من قتل اللّه عزّ و جلّ منهم على يديه، و ما أصابوه من المسلمين و كيدهم للدين و المؤمنين، و لمّا استقر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة و بلغ بني أمية و من والاها من قريش عليه ما جمع اللّه عزّ و جلّ له من ألفة المهاجرين و الأنصار و اجتماع المؤمنين و ظهور الدين، ساءهم و اغتموا به غمّا شديدا و تلهفوا على فوات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا لم يقدروا عليه.
و بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمّه حمزة بن عبد المطلب في سرية إلى ساحل البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين و عقد راية له عليهم، و كانت أول راية عقدت لحمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و انتهى الخبر إلى قريش فأخرجوا إليه ثلاثمائة راكب، و خرج عليهم أبو جهل فالتقوا، فحجز بينهم محمد بن عمر الجهني و كان موادعا للفريقين، فافترقوا من غير قتال و انصرف حمزة رحمة اللّه عليه و من معه من المهاجرين، و في ذلك يقول حمزة رحمه اللّه:
ألا يا قوم للتحلم و الجهل * * * و للنقص من رأى الرجال و للعقل
و للراكبين بالمظالم لم نطأ * * * لهم حرمات من سواهم و لا أهل
كانا قبلناهم و لا مثيل عندنا * * * لهم غير أمر بالعفاف و بالعدل
و أمر بإسلام فلا يقبلونه * * * و ينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت لغارة * * * لهم حيث حلوا ابتغي راحة العقل
بأمر رسول اللّه أول خافق * * * عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذي كرامة * * * إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين و كلّنا * * * مراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلمّا تراءينا أناخوا فعقلوا * * * مطايا و عقلنا مدى غرض النبل
فقلنا لهم حبل الإله نصيرنا * * * و ما لكم إلّا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا * * * فخاب ورد اللّه كيد أبي جهل
و ما نحن إلّا في ثلاثين راكبا * * * و هم مائتان بعد واحدة فضل
فيا للؤي لا تطيعوا غواتكم * * * و فيئوا إلى الإسلام و المنهج السهل
فإني أخاف أن يصب عليكم * * * عذاب فيأتي بالندامة و الثكل [1]
[معركة بدر الكبرى]
ثم خرج أبو سفيان و عمرو بن العاص في جماعة من قريش إلى الشام في تجارة، و اتصل خبر انصرافهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فخرج إليهم و خرج معه من المهاجرين و الأنصار من خفّ منهم للخروج، و لا يرون أنهم يلقون كيدا و لا يقابلهم أحد، لأن العير إنما كان فيها نحوا من أربعين رجلا من قريش، فخرج إليهم من المهاجرين و الأنصار مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثلاثمائة و أربعة عشر رجلا يتعاقبون الجمال معهم فرسان، و اتصل الخبر بأبي سفيان فعرج عن الجادة و بعث رسولا إلى مكة يستنفر أهلها، فخرج أكثرهم و لم يبق من أشرافهم و المذكورين منهم أحد لم يخرج إلّا أبو لهب فإنه تأخر، و أخرجوا معهم بني هاشم و بني المطلب كرها، و ذلك أن أكثرهم كانت له في العير تجارة، فلمّا أتاهم الصريخ من أبي سفيان: أن محمدا و أصحابه قد قطعوا على أموالكم، نفروا بجماعتهم للحمية التي كانت فيهم، و استفزهم أولئك النفر من بني عبد شمس و بني أمية، فاختلفوا في زهاء ألف رجل بين راجل و راكب
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 432، السيرة النبوية لابن كثير: 2/ 360.
فيهم مائة فارس و ستمائة دراع و معهم الأحابيش بالحراب، و لم يدعوا أحدا يذكر من أهل مكة إلّا أخرجوه، و قالوا لأبي لهب: أخرج معنا.
فقال: أنا أخرج عني رجلا.
فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة و كان العاص بن هشام أخو أبي جهل، يعد في نوكي [1] قريش، و كان قد قامر [2] أبا لهب فقمره حتى أخرجه من ماله فقال:
فامرني على أهلي، فقامره حتى ملك أهله، فقال: فقامرني على نفسي، فقامره حتى ملكه فأخرجه يوم بدر عنه و كان فيمن قتل بها.
فالتقوا ببدر و قد فاتت العير أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نجا بها أبو سفيان، و أقبل سائر بني عبد شمس و بني أمية و من نفر معهم من قريش على قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه، و استهانوا بهم لقلتهم و رأوا أنهم في أيديهم و دعوا للبراز.
و برز عتبة و شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة و دعوا للبراز، فبرز إليهم علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و حمزة عليه السّلام عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب و كان مسنّا، و خرج يومئذ يتوكأ على عصى فبارزه عتبة، و بارز حمزة شيبة، و بارز الوليد عليا، و فيهم أنزل اللّه عزّ و جلّ: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [3].
فقتل علي الوليد، و قتل حمزة شيبة، و اختلف بين عبيدة و عتبة ضربتان أثبت كل واحد منهما صاحبه، فعطف حمزة و علي على عبيدة فاستنقذاه و قتلا عتبة، و قد قطع عتبة رجل عبيدة فمات بعد منصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالصفراء رحمة اللّه عليه، و حمل المسلمون على المشركين فانهزموا، و قتل اللّه أكثرهم و أباح للمسلمين غنائمهم و أسر جماعة منهم و استشهد بعض المسلمين، و كان فيمن قتل يومئذ من
[1]- النوكى: الأحمق. الصحاح: 4/ 1612.
[2]- قامر: راهن، أي لعب القمار. لسان العرب: 5/ 115.
[3]- سورة الحج: 19.
أشراف قريش أبو جهل بن هشام و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة قتله علي عليه السّلام و حنظلة بن أبي سفيان قتله علي، و عبيدة بن سعد بن العاص قتله الزبير، و العاص بن سعيد بن العاص قتله علي، و عقبة بن أبي معيط قتله علي عليه السّلام صبرا، و عامر بن عبد اللّه الأنماري قتله علي، و طعيمة بن عدي قتله علي، و زمعة بن الأسود و الحارث بن زمعة و عقيل بن الأسود و أبو البحتري بن هشام و نوفل بن خويلد قتلهم علي، و النضر بن الحارث بن كلدة قتله علي صبرا.
و أمية بن خلف و علي بن أمية في خمسين رجلا من قريش قتلوا يوم بدر منهم اثنا عشر رجلا من بني عبد شمس.
و أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بهم فرموا في قليب من قلب بدر، ثم وقف عليهم فقال: «يا أهل الكفر يا شيبة بن ربيعة يا عتبة بن ربيعة يا أبا جهل بن هشام» و جعل يسمّيهم بأسمائهم «هل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟».
فقيل له: يا رسول اللّه أ تخاطب موتى؟
فقال: «ما أنتم بأسمع منهم و لو أذن لهم في ردّ الجواب لأجابوا» [1].
و أسر من جميعهم اثنان و أربعون رجلا. و قيل: بل كان القتلى سبعين و الأسرى سبعين.
و كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة قد أسلم و هاجر و حضر بدرا، فلمّا رأى أباه مقتولا تغيّر وجهه، و تبيّن رسول اللّه الحزن عليه فقال له: «أساءك ما صنع بأبيك؟»
فقال: لا و اللّه يا رسول اللّه، إلّا أنه كان رجلا عاقلا و كنت أرجوا أن يهديه اللّه [2].
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال للمسلمين يوم بدر: «إن بني عبد المطلب لم يخرجوا
[1]- سيرة ابن هشام: 2/ 466، تاريخ الطبري: 2/ 156، صحيح البخاري: 5/ 21، صحيح مسلم: 8/ 136.
[2]- تاريخ دمشق: 38/ 260.
إلّا كرها، فمن قدرتهم أن تأسروه منهم فلا تقتلوه».
فقال أبو حذيفة: يأمرنا فنقتل آباءنا و أبناءنا و اخواننا و ينهانا عن قتل قرابته، و اللّه لئن لقيت العباس لأحطمنه بالسيف.
فبلغ قوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال لعمر: «أ ما بلغك قول أبي حذيفة يحلف أن لقى عمي ليضربن وجهه بالسيف».
فقال عمر: يا رسول اللّه قد نافق، فإذن لي أن أضرب عنقه. فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
فهذا ممّا قد ذكرناه من العداوة الأصلية و البغضة في القلوب المستحكمة.
و من ذلك أنه أسر يومئذ العباس و عقيل، و أما عقيل فقد ذكرنا فيما تقدم أنه لم يشغله أنه مأسور مشدود يده إلى عنقه، لمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: يا رسول اللّه لا يفتكم أبو جهل إن لم تكونوا قتلتموه فاطلبوه ما دامت القرحة.
و سمع العباس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه يأتمرون بعد هزيمة المشركين بالعير أن يلحقوها، و كان بالقرب من بدر كما قال اللّه تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا يعني النبي و أصحابه بعدوة بدر وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى يعني المشركين وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ [1] يعني عير قريش التي خرج إليها المسلمون.
فقال العباس و قد سمع ذلك و هو أسير في الوثاق: يا رسول اللّه قد نصرك اللّه و أعطاك ما وعدك، و إنما وعدك إحدى الطائفتين، يعني قول اللّه: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [2] يعني الطائفة التي قاتلوها ببدر، و ذات الشوكة أي ذات الحرب، و إنما كان المسلمون أرادوا العير و خرجوا إليها، و إنما كان فيها زهاء ثمانين رجلا فلم يروا أنهم يقاتلون أحدا، فقال
[1]- سورة الانفال: 42.
[2]- سورة الانفال: 7.
العباس: فإنما وعدك هذه، و إن سرت إلى ما لم يعدك لم تنله و كانت كسرة عليك، فارض بما قسم اللّه عليك. فقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله منه إذ علم أنه قد نصح له.
فهذه أيضا نيّات بني هاشم في بني عبد شمس و إن كانوا معهم و في حزبهم، لما ذكرناه من اعتقاد الفريقين و بغضة ما بين الطائفتين قديما و حديثا و على ذلك هم إلى اليوم.
و لمّا قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قتل من الأسارى قال لمن بقي منهم: «من أحب منكم الفداء فليفد نفسه».
فأرسل أهل مكة ففدوا أوليائهم فمنهم من أسلم و أقام و منهم من انصرف، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للعباس عمّه: «افد نفسك و ابن أخيك عقيل بن أبي طالب و نوفل بن الحارث و حليفك عتبة بن عمرو بن جحدم فإنك ذو مال».
فقال: يا رسول اللّه إني كنت مسلما، و لكن القوم استكرهوني
فقال: «اللّه أعلم بإسلامك، إن يكن ما تقول حقا فاللّه يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا».
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فقال: يا رسول اللّه أحبسها لي من فدائي.
فقال: «ذلك شيء أعطانا اللّه إياه».
قال: إنه ليس لي مال.
قال: «فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا و لعبد اللّه كذا و كذا و لقاسم كذا و لعبيد اللّه كذا و كذا؟»
قال: و الذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري و غيرها، و أني لأشهد أنك
رسول اللّه. ففدى نفسه و ابني أخويه و حليفه [1].
و كان قد قتل يوم بدر حنظلة بن أبي سفيان قتله علي عليه السّلام و أسر أخوه عمر بن أبي سفيان فأرسل إلى أبيه ليفديه فقال: ما كنت بالذي يجمع على دمه و ماله، يقتلون حنظلة و أفدي منهم عمر يصنعون به ما أحبوا. فأبقاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و كانت قريش قد عهدت ألّا تعرض لمن جاء مكة حاجا أو معتمرا، فخرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف و كان شيخا كبيرا معتمرا، فعدا عليه أبو سفيان بمكة فاحتبسه و قال: ما كنت ببارح أو يخلي ابني و قيده. فأرسل سعد إلى قومه يخبرهم الخبر.
و قال أبو سفيان في ذلك:
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاه * * * غداة دعا لا تسلّموا السيّد الكهلا
فإن بني عمر لئام أذلة * * * لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا
فأتى قومه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأعلموه بذلك فأطلق عمر و سرّح أبو سفيان سعدا.
و استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين و ثمانية من الأنصار، و انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة بالغنائم و الأسارى، قد أظفره اللّه من المشركين و أتى أهل قريش إلى مكة منهزمين، و كان أبو لهب قد تخلف فبعد أن قدم المنهزمون عليه من قريش بسبع ليال، ضربه اللّه بقرحة يقال لها: العدسة [2]، فمات منها.
و قال علي صلوات اللّه عليه في مثان يوم بدر:
[1]- الطبقات الكبرى: 4/ 14، تاريخ الطبري: 2/ 162، دلائل النبوة للاصبهاني: 137، تاريخ دمشق: 26/ 288.
[2]- العدسة: و هي بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد، من جنس الطاعون تقتل صاحبها غالبا. النهاية لابن الأثير: 3/ 190.
أ لم تر أن اللّه أبلى رسوله * * * بلاء عزيز ذي اقتدار و ذي فضل
بما أنزل الكفار دار مذلة * * * فلاقوا هوانا من إسار و من قتل
فامسى رسول اللّه قد عزّ نصره * * * و كان رسول اللّه أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من اللّه منزل * * * مبينة آياته لذوي العقل
فآمن أقوام بذلك فأيقنوا * * * فأمسوا بحمد اللّه مجتمعي الشمل
و أنكر أقوام فزاغت قلوبهم * * * فزادهم ذو العرش خبلا على خبل
و أمكن فيهم يوم بدر رسوله * * * و قوما غضابا فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيض خفاف عصوبها * * * و قد حادثوها بالجلاء و بالصقل
فكم تركوا من ناشئ ذي حمية * * * صريعا و من ذي نجدة منهم كهل
تبيت عيون النائحات عليهم * * * تجود بإسبال الرشاش و بالوبل
نوائح تنعى عتبة الغي و ابنه * * * و شيبة تنعاه و تنعى أبا جهل
و ذا الرجل تنعى و ابن جدعان فيهم * * * مسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة * * * ذوي نجدات في الحروب و في الحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابه * * * و للغي أسباب موصلة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * * * عن الغي و العدوان في أسفل السفل
فأجابه الحرث بن هشام:
عجبت لأقوام تغنى سفيههم * * * بأمر سفاه ذي اعتراض و ذي بطل
تغنى بقتلى يوم بدر تتابعوا * * * كرام المساعي من غلام و من كهل
مصاليت بيض من ذوابة غالب * * * مطاعين في الهيجاء مطاعيم في المحل
أصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة * * * بقوم سواهم نازحوا نازحوا الدار و الأهل
كما أصبحت غسان فيكم بطانة * * * لكم بدلا منّا فيا لك من فعل
عقوقا و إثما بينا و قطيعة * * * يرى جوركم فيها ذوو الرأي و العقل
فإن يك قوم قد مضوا لسبيلهم * * * و خير المنايا ما يكون من القتل
فلا تفرحوا أن تقتلوهم فقتلكم * * * لهم كائن خبلا مقيما على خبل
بفقد ابن جدعان الحميد فعاله * * * و عتبة و المدعو فيكم أبا جهل
و شيبة فيهم و الوليد و فيهم * * * أمية مأوى المعتمرين و ذو الرجل
أولئك فانعى ثم لا تنعى غيرهم * * * نوائح تدعوا بالرزية و الثكل
و قولوا لأهل المكتين تحاشدوا * * * بأجمعكم إلى آطام يثرب ذي النخل [1]
و قال حمزة بن عبد المطلب رضى اللّه عنه:
أرقت و شفني ليل طويل * * * و هم بين أضلاعي دخيل
لعاذلة تؤنبني سفاها * * * و بعض العاذلات لها سبيل
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 358- 539، البداية و النهاية: 3/ 404.
فلامت و هي مشفقة نصوح * * * و ذات النصح مشفقة عذول
تلومك أن رأت بجيوب بدر * * * ملاحم بينهن دم يسيل
هم ألهموا الرسول و كذبوه * * * كذاك الظلم متخم وبيل
فقد قلنا و أوعزنا إليهم * * * فلم ينفعهم في ذاك قيل
بمكة إذ طغوا و بغوا علينا * * * و للأيام دائلة تدول
فساروا عامدين لبطن بدر * * * تقاد مع المخزمة الخيول
حلفنا حلفة وجبت علينا * * * بها من هاشم ثقة كفيل
ففارقوا أحمد أو تتركوه * * * فيحلم بعد جهلته الجهول
فلاقوا جمعنا جمعه جهارا * * * كأسد الغاب يقدمنا الرسول
فضاربناهم حتى تولوا * * * و عتبة تحت رايتنا قتيل
و شيبة في مكر قد بتتنا * * * و فوق جبينه عضب صقيل
بأمر اللّه و الرحمن يقضي * * * بما يهوى و ليس لنا بديل
فعزّ على العشيرة ما أتاها * * * بمكة إذ علا بهم العويل
و قالت هند بنت عتبة تبكي أباها و عمّها و أخاها:
من حسّ لي الأخوين * * * كالغصنين أو من رآهما
أسدين في غيل يحيد * * * القوم عن عدواهما
قرمين لا يتظلمان * * * و لا يرام حماهما
سيفين هذين سن * * * القين حد ظباهم
رمحين خطيين * * * و كبد السماء ذراهما
و يلي على أبوي و الق * * * بر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهول * * * و لا فتى كفتاهما
ابني ربيعة لا يمل * * * الناس عن ذكراهما
ما خافا ما او ودّعا * * * و تواليا شرواهما
خلقا لكل ملمة * * * في النائبات تراهما
سادا بغير تكلف * * * عفوا بفيض نداهما
و قالت هند في أبيها عتبة لمّا بارزه عبيدة، ثم مال عليه حمزة و علي عليه السّلام:
أ عيني جودا بدمع سرب * * * على خير خندف لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة * * * بنو هاشم و بنو المطلب [1]
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قدّم عبيدة بن الحارث إلى المبارزة، و لمّا قطعت رجله فأدركه لمّا انصرف بالصفراء و قد جرى مخ ساقه و هو لما به، فأتاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جلس إليه فقال: يا رسول اللّه نحن كما قال أبو طالب:
و نسلمه حتى نصرع حوله * * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
و قال فيما كان منه:
ستبلغ عنّا أهل مكة وقعة * * * يهب لها من كان عن ذاك نائيا
بعتبة إذ ولّى و شيبة بعده * * * و ما كان فيها بكر عتبة راضيا
فإن تقطعوا رجلي فاني مسلم * * * أرجي بها عيشا من اللّه وافيا
مع الحور أمثال التماثيل أخلصت * * * مع الجنة العليا لما كان عاليا
و بعت بها عيشا تعرفت صفوه * * * و عالجته حتى فقدت الادانيا
و أكرمني الرحمن من فضل منه * * * بثوب من الإسلام غطى المساوئا
و ما كان مكروها إلي قتالهم * * * غداة دعا الأكفاء من كان داعيا
لقيناهم كالأسد نخطر بالقنا * * * و نقتل في الرحمن من كان عاصيا
فما برحت أقدامنا من مقامنا * * * ثلاثتنا حتى أزيروا المثاويا [2]
و مات رحمه اللّه في مكانه بالصفراء، ثم قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قتل من الأسارى لمّا
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 555، البداية و النهاية: 3/ 334.
[2]- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 546، البداية و النهاية: 3/ 334 و 406.
مات عبيدة و انصرف رسول اللّه إلى المدينة، ففدى الأسارى من أنفسهم و أسلم أكثرهم.
[معركة أحد]
فلمّا جاء مكة فل [1] قريش نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء حتى يغزو محمدا، فخرج في مائتي راكب يريد أن يفيء بنذره لمّا لم يجد من يخفف معه، فانتهى العريض فأصاب رجلا من الأنصار و حليفا له فقتلهما و كرّ راجعا، و انتهى الخبر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فخرج يطلبه ففاته و لم يلحق به فرجع إلى المدينة، ثم إن أبا سفيان لمّا صار إلى مكة أقام مدة يحرض أهل مكة و يتآلف إليه بني عبد شمس و من أطاعه من سائر قريش، و يذكر كل من أصيب بوليّه يوم بدر و يعنفهم في ترك دمائهم، و ندب كل من كانت له تجارة في العير التي كان فيها إلى المعونة و قال: إنما نفر من قتل ببدر لاستنقاذ أموالكم هذه، فأعينوا بها على طلب ثاركم، فإني مخرج في ذلك ما كان لي ففعلوا.
قيل: فيه و فيهم أنزل اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [2].
و أرسلوا في كنانة يستعينون بهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاجتمعوا إليه و حشدوا و اتفقوا و تجهزوا، و أقبلوا بجماعتهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في جمع عظيم جاءوا فيه بالنساء و العبيد، و اتصل به الخبر، فجمع المهاجرين و الأنصار و شاورهم فاختلف القول، فرأى صلّى اللّه عليه و آله أن يقيم بالمدينة و لا يبرحها حتى يأتوه، فأبى ذلك جماعة و رآه جماعة، و كان أكثر رأي الخروج، فدخل صلّى اللّه عليه و آله فلبس درعه و أخذ سلاحه
[1]- الفل: الانهزام. كتاب العين: 8/ 316.
[2]- سورة الانفال: 36.
ثم خرج، فلمّا رأوه قال الذين رأوا الخروج: نخشى يا رسول اللّه أن نكون قد أكرهناك على الخروج فأقم.
قال: «لم يكن لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يلقى العدو» و خرج و تخلّف عنه الذين رأوا القعود و قالوا: سمع رأي هؤلاء، فنحن ندعه و إياهم لما رأوه.
فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فوافى أبا سفيان و من معه من قريش بأحد، و هم في ثلاثة آلاف و منهم مائتا فارس، و حصل مع رسول اللّه بأحد تسع مائة رجل فعبأهم و أوقف الرماة موقفا أمرهم أن لا يبرحوا منه و أمرهم بالقتال، فلمّا رآهم المشركون فشلوا و خاف أبو سفيان أن تكون الحال فيهم كيوم بدر، فقال لبني عبد الدار: إنكم و ليتم اللواء يوم بدر فانهزمتم، و إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا اللواء أو تخلوا بيننا و بينهم.
فغضبوا و أسمعوه كلاما خشنا، و ذلك الذي أراد منهم أن يحرضهم، و قامت هند مع النساء يضربن الدفوف، و هند تقول تحرض المشركين:
نحن بنات الطارق * * * نمشي على النمارق
و الدر في المخانق * * * و المسك في المفارق
إن تقبلوا نعانق * * * و نفرش النمارق
أو تدبروا نفارق * * * فراق غير وامق
* * *
و التحم القتال و أبلى علي و حمزة رحمه اللّه بلاء شديدا، و نادى طلحة بن طلحة صاحب لواء المشركين: يا أصحاب محمد أنكم تزعمون أن من قتل منّا كان في النار و من قتل منكم كان في الجنة، فأيكم يبرز إليّ ليعجلني إلى النار أو أعجله إلى الجنة.
فبرز إليه علي عليه السّلام فقال: «أنا و اللّه لا أفارقك حتى أعجلك إلى النار إن شاء اللّه».
و حمل بعضهما على بعض و هما مدججان، فانحسرت الدرع عن ساق طلحة فضربه علي عليه السّلام بالسيف فأبان رجله، و قام على رأسه ليقتله فناشده باللّه و الرحم فتركه علي، فقيل لعلي في ذلك فقال: «استحييت لمّا ناشدني بالرحم و رأيت أنه لا
يعيش فكففت عنه».
فمات طلحة، ثم أخذ لواء المشركين أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله سعيد بن أبي وقاص، ثم أخذه عثمان بن أبي طلحة فقتله حمزة، ثم أخذه مانع ابن أبي طلحة فقتله عاصم بن ثابت، و صدق المسلمون القتال و أثخنوا في المشركين بالقتل و الجراح فانهزم المشركون، فلمّا رأى الرماة الهزيمة خلّوا ما أمرهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من لزوم مراكزهم و اتبعوا العدو يريدون الغنائم و قالوا: فاتتنا الغنائم يوم بدر.
فلمّا انكشفت الرماة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كرّ أبو سفيان و خالد بن الوليد و طائفة معهما، و نظرت امرأة من بني الحارث يقال لها: عمرة بنت علقمة إلى اللواء مطروحا فرفعته فانصرفوا.
و في ذلك يقول حسان بن ثابت:
لا إذا عضل سيقت إلينا كأنها * * * جداية شرك معلمات الحواجب
أقمنا لهم طعنا و ضربا منكلا * * * و حزناهم بالضرب من كل جانب
فلولا لواء الحارثية أصبحوا * * * يباعون في الأسواق بيع الجلائب
و انكشفت الناس و ثبت حمزة و أبلى بلاء شديدا إلى أن استتر له وحشي، فرماه بحربة بحيث لم يره فوقعت فيه فقتله، و انهزم المسلمون و انكشفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ثبت صلّى اللّه عليه و آله على الصخرة بأحد و قد تظاهر بين درعين، و عليّ بين يديه يحميه إلى أن جرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كسرت ثنيته و هشمت البيضة على رأسه، و ذهب الناس عنه لا يرون إلّا أنه قتل، و أحاط المشركون برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من كل جانب و عليّ بين يديه، ثم أتاه سعيد بن أبي وقاص و كان راميا فحماه بالنبل، ثم صمم أبي بن خلف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: يا محمد لا نجوت إن نجوت. و شد عليه و تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حربة كانت في يد بعض أصحابه و انتقض من بينهم انتقاضة تطايروا حوله، و ضرب أبي بن خلف بالحربة فقتله و أخذ كفا من حصى فرمى به وجوه المشركين فولوا، و تراجع المسلمون و ولى المشركون عنهم، و كان يوم
بلاء و محنة و أصيب حمزة رضي اللّه عنه و قد مثّل به، و شقت هند عن كبده فأخرجته و لاكتها.
فلمّا رآها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحزنه و قال: «لئن أظهرني اللّه عليهم لأمثلن بسبعين منهم» فأنزل اللّه عزّ و جلّ عليه: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [1] الآية، و اغتم المسلمون بما أصيبوا به فأنزل اللّه عزّ و جلّ: أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [2] يعني ما خالفوا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خروجهم عن المدينة و تخلية الرماة مكانهم، و أمر رسول اللّه بدفن القتلى فدفنوا في مصارعهم.
و قالت هند بنت عتبة لعنة اللّه عليها:
شفيت من حمزة نفسي بأحد * * * حين بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عني ذاك ما كنت أجد * * * من لذعة الحزن الشديد المعتمد
و قالت فيه:
نحن جزيناكم بيوم بدر * * * و الحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر * * * و لا أخي و عمه و بكر
شفيت نفسي و قضيت نذري * * * شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري * * * حتى تضم أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف:
خزيت في بدر و غير بدر * * * يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك اللّه غداة الفجر * * * بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري * * * حمزة ليثي و علي صقري
إذ رام شيب و أبوك غدري * * * فخضبا منه ضواحي النحر
[1]- سورة النحل: 126.
[2]- سورة آل عمران: 165.
و نذرك السوء فشر نذر * * * أعطيت وحشيا ضمير الصدر
هتك وحشي حجاب الستر * * * ما للبغايا بعدها من فخر [1]
و قيل: إن هندا كانت بذلت نفسها لوحشي ليقتل حمزة رضي اللّه عنه و كانت من العواهر اللواتي يتحزبن على أعينهن، و كان أحب الرجال إليها السودان.
و فيها يقول حسان بن ثابت لمّا استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في هجاء قريش فأذن له و قال: «قل فإن اللّه تعالى أيدك بروح القدس» و قال في هند:
لعن الإله و زوجها معها * * * هند الهنود طويلة البظر
خرجت مرقصة إلى أحد * * * بأبيك و ابنك يوم ذي بدر
و بعمك المستوه يعطي دبره * * * شبان مكة غير ذي ستر [2]
يعني بابنها حنظلة بن أبي سفيان و إنما هو ابن زوجها فنسبه إليها، و أمّه ريحانة بنت أبي العاص، و يعني عمها شيبة بن ربيعة، و كان من المشهورين بالأبنة من قريش.
قال الهيثم بن عدي عن ابن عباس و الكلبي و حماد الرواية: المشهورين بالأبنة من قريش أبو جهل بن هشام و كان يخضب دبره بالحناء، فلذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر لمّا حاوله عن الرجوع فأبى و قال: انتفخ سحرك.
فقال عتبة: سيعلم مصفرا استه من انتفخ سحره.
و قيل: إن ذلك لم يكن يعلم منه و لم يكن اطلع عليه أحد، فأطلع اللّه عليه رسوله صلّى اللّه عليه و آله فأعلمه عليا عليه السّلام و أمر بتقريعه به لمّا كثر أذاه له، ففعل ذلك علي عليه السّلام.
فعظم ذلك على أبي جهل، و قال لبعض من كان يسرّ إليه أمره: و اللّه ما اطلع على هذا أحد غيري، فمن أين انتهى هذا إلى محمد؟
قالوا: و منهم أبو أمية بن المغيرة و أبي بن خلف و شيبة بن ربيعة، و لذلك قال
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 583- 610، السيرة النبوية لابن كثير: 3/ 25- 45.
[2]- تاريخ الطبري: 2/ 205.
حسان لهند: (و بعمك المستوه).
و عفان بن أبي العاص أبو عثمان بن عفان، و هو الذي يقول في أبي أحيحة سعيد ابن العاص و كان يأتيه:
يا جوار الحي عدّ نفسيه * * * يا خواتي لا تلمننيه
كيف التذّ الحياة و قد * * * نزعوا عني معلليه
كيف يلحوني على رجل * * * لو سقاني سم ساعتيه
لم أقل إني ندمت و لا * * * أنني فاضت مدامعيه
أو أصابته منيته * * * شرقت عيني بعبرتيه
و كان عفان هذا مخنثا يضرب الدف و يزمّر، و في ذلك يقول عبد الرحمن بن جبل الجمحي لعثمان بن عفان يعيّره بأبيه:
زعم ابن عفان و ليس بهازل * * * إن القراءة له يحوز المشرق
خرج له من شاء أعطى فضله * * * منّا و تلك مقالة لم تصدق
أني لعفان سوى دونه * * * و براعة خرقاء لما تنطق
و يردنا لو كنت أنثى مثله * * * فيكون رق فتاتكم لم يعتق [1]
و سنذكر باقي أخبار هند في العهار عند ذكر معاوية إن شاء اللّه.
و انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة، فسمع بكاء نساء الأنصار على من قتل منهم فقال: «لكن حمزة لا بواكي له».
فلمّا سمع ذلك نساء الأنصار ندبن حمزة فأثنى عليهن النبي صلّى اللّه عليه و آله خيرا و صرفهن [2].
[1]- الطرائف: 499.
[2]- السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 613، الطبقات الكبرى: 2/ 44، تاريخ الطبري: 2/ 210، مسند أحمد: 2/ 84.
و لمّا انصرف أبو سفيان أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالخروج في أثره، و قال أبو سفيان لمّا بعد قليلا: و اللّه ما صنعنا شيئا غلبنا القوم فلا كنّا جعلناها واحدة فدمرنا يثرب، فمتى يتهيأ لنا مثل هذا الجمع؟ و انصرف فبلغه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خرج في طلبه، و احتفل معه المهاجرون و الأنصار، فاضطرب الناس عليه لمّا بلغهم ذلك، و انصرفوا عنه و انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة.
و كان أبو سفيان قد بارز يوم أحد حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة فصرعه حنظلة، فأتاه ابن شعوب فأعان عليه فقتله أبو سفيان و نجا أبو سفيان، و في ذلك يقول:
فلو شئت نجتني كميت طمرة * * * و لم أحمل النعماء لابن شعوب
و كان علي عليه السّلام قتل ابنه حنظلة يوم بدر فنادى أبو سفيان: أعل هبل حنظلة بحنظلة.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «اللّه أعلى و أجل و لا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار» و رأى الملائكة تغسل حنظلة فقال: «سلوا امرأته عنه ما كان حاله» فذكرت أنه خرج و قد أصاب منها و لم يتطهر [1].
و كان جميع من استشهد يوم أحد من المسلمين من المهاجرين و الأنصار خمسة و ستون رجلا، و قتل من المشركين اثنان و عشرون رجلا يومئذ.
و قال عليه السّلام في يوم أحد:
رأيت المشركين بغوا علينا * * * و لجوا في الغواية و الضلال
و قالوا نحن أكثر إذ نفرنا * * * غداة الروغ بالأسل النهال
فإن يبغوا و يفتخروا علينا * * * بحمزة و هو في الغرف العوالي
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 594، تاريخ الطبري: 2/ 203، السنن الكبرى للبيهقي: 879، تاريخ دمشق: 23/ 442، و ابن شعوب هو شداد بن الأسود.
فقد أردى بعتبة يوم بدر * * * و قد أبلى و جاهد غير آل
و قد فللت خيلهم ببدر * * * و اتبعت الهزيمة بالرجال
و قد غادرت كبشهم جهازا * * * بحمد اللّه طلحة في المجال
قتل بوجهه و رفعت عنه * * * رفيق الحد جودث بالصقال
كان الملح خالطه إذا ما * * * تلظى كالعقيقة في الظلال
و قال عليه السّلام أيضا في ذلك:
اللّه حي قديم قادر صمد * * * و ليس يشركه في حكمه أحد
هو الذي عرف الكفار كفرهم * * * و المؤمنين سيجزيهم بما وعدوا
فإن تكن دولة كانت لنا عظة * * * فهل عسى أن يرى في غيّها رشد
و ينصر اللّه من والاه إن له * * * نصرا و يمكر بالكفار إذ عندوا
فإن نطقتم بفخر لا أبا لكم * * * فيمن تضمن من إخواننا اللحد
فإن طلحة غادرناه منجدلا * * * و للصفائح نار بيننا تقد
و المرء عثمان أردته أسنتنا * * * فجيب زوجته إذ خبرت قدد
في تسعة إذ تولوا بين أظهرهم * * * لم ينكلوا من حياض الموت إذ وردوا
كانوا الذؤابة من فهر و أكرمها * * * شم الأنوف و حيث الفرع و العدد
و أحمد الخير قد أردى على عجل * * * تحت العجاج أبيا و هو مجتهد
فظلت الطير و الضبعان تركبه * * * فحامل قطعة منه و مقتعد
و من قتلتم على ما كان من عجب * * * منّا فقد صادفوا خيرا و قد سعدوا
لهم جنان من الفردوس طيبة * * * لا يعتريهم بها حر و لا صرد
صلى اللّه عليهم كلما ذكروا * * * فربّ مشهد صدق قبله شهدوا
قوم وفوا لرسول اللّه و احتسبوا * * * شم العرانين منهم حمزة الأسد
و مصعب ظل ليثا دونه حردا * * * حتى تزمل منه ثعلب جسد
ليسوا كقتلى من الكفار أدخلهم * * * نار الجحيم على أبوابها الرصد
و قال عليه السّلام لمّا انصرف و ناول فاطمة صلوات اللّه عليها سيفه:
أ فاطم هاك السيف غير ذميم * * * فلست برعديد و لا بمليم
لعمري لقد قاتلت في حب أحمد * * * و طاعة ربّ بالعباد رحيم
و سيفي بكفي كالشهاب أهزه * * * أجذبه من عاتق و صميم
فما زلت حتى فض ربّي جموعهم * * * و حتى شفيت لنفس كل حليم [1]
[بدر الصغرى]
و كان أبو سفيان لمّا انصرف عن أحد قال: يا محمد ميعاد ما بيننا و بينك بدر في مثل هذا الوقت من العام المقبل.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «نعم».
فلمّا أتى الوقت خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من المدينة مع المهاجرين و الأنصار حتى أتى بدرا لميعاد أبي سفيان، فأقام ثماني ليال ينتظره و بلغ أبا سفيان مقامه، فخرج من مكة في جمع من أهلها حتى بلغ عسفان، فرأى في أصحابه قلا فرجع و قال: إنه لا يصلح الناس إلّا عام خصب يرعون فيه الشجر و يشربون اللبن.
و بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انصرافه فانصرف إلى المدينة بأصحابه، و قال في ذلك عبد ابن رواحة رضي اللّه عنه:
وعدنا أبا سفيان بدرا و لم نجد * * * لميعاده صدقا و ما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا * * * رجعت ذميما و افتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة و ابنه * * * و عمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول اللّه أف لدينكم * * * و أمركم السوء الذي كان غاويا
فإني و إن عنفتموني لقائل * * * فداء رسول اللّه أهلي و ماليا
[1]- تاريخ الطبري: 2/ 211.
أطعناه لم نعدله فينا بغيره * * * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا [1]
[الخندق]
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أوقع قبل ذلك ببني النضير من اليهود و فشا الإسلام، و أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة- بعد انصرافه من بدر لميعاد أبي سفيان- سنة و دخل في الأخرى، ثم إن نفرا من اليهود أتوا أبا سفيان فظاهروه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأرسل بهم في قبائل العرب يستنفرهم إلى رسول اللّه و يحذرهم أمرهم و يخوفهم وقوعه بهم، فتحزب الأحزاب و أقبلوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و خرجت قريش و قائدها أبو سفيان، و غطفان و قائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر، و الحرث بن عوف المروي في بني مرة، و مسعود بن رحيلة في قومه من أشجع، و رأس الأحابيش كلها صفوان بن أمية.
و بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خبره فخندق على المدينة، و كانت بنو قريظة من اليهود قد حالفوه فنقضوا حلفه، و نزل الأحزاب في عدد عظيم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلمّا رأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت تعرفها العرب. فنزلوا على الخندق و أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لم يخرج إليهم و لم يكن بينهم قتال.
ثم إن عمرو بن عبد ودّ- و كان من أبطال قريش- أتى مع نفر من قريش منهم عكرمة بن أبي جهل، و هبيرة بن وهب المخزوميان، و نوفل بن عبد اللّه، و ضرار بن الخطاب، و مرداس أخو محارب، فاقتحموا الخندق بخيلهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و دعوا البراز فلم يبرز أحد إليهم، فأنشأ عمرو يقول:
و قد بححت من النداء * * * بجمعهم هل من مبارز
فنهض إليه علي عليه السّلام فقال: «يا عمرو لقد كنت تعاهد اللّه ألا يدعوك أحد إلى خصلتين إلّا أجبته إلى إحداهما».
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 697، تاريخ دمشق: 50/ 190، البداية و النهاية: 4/ 101.
قال: نعم.
قال له علي عليه السّلام: «فإني أدعوك إلى اللّه و رسوله».
قال له: مالي بهذه من حاجة.
قال: «فإني أدعوك إلى المبارزة».
قال له: يا ابن أخي ما أحب و اللّه أن أقتلك. و كان بينه و بين أبي طالب وصلة.
فقال له علي عليه السّلام: «لكني و اللّه أحب أن أقتلك».
فغضب عمرو و نزل عن فرسه و مشى إليه علي عليه السّلام فالتقيا فتجاولا و ثارت بينهما عجاجة، و قام المسلمون ينظرون فلم يروهما، فانجلت العجاجة و علي عليه السّلام يمسح سيفه على عمرو و قد قتله، و ولى أصحابه هاربين على خيلهم إلى أصحابهم، و سقط نوفل بن عبد اللّه في الخندق فتعاوره المسلمون بالحجارة فقال: يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه.
فنزل إليه علي عليه السّلام فقتله، و جاء المشركون يطلبون جثته و بذلوا عليها مالا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «دعوهم و جثته فلا حاجة لنا فيها و لا في ثمنها».
و قال علي عليه السّلام في ذلك:
أ علي تقتحم الفوارس هكذا * * * عني و عنهم أخبروا أصحابي
اليوم تمنعني الفرار حفيظتي * * * و مصمم في الهام ليس بناب
أدريت عميرا حين أخلص صقله * * * ها في الحديدة يستنض ثيابي
و غدوت التمس القراع بمرهف * * * عضب مع البتراء في أقرابي
إلى ابن عبد حين شد إليه * * * و حلفت فاستمعوا على من الكذاب
ألا يصد و لا يهلل فالتقى * * * رجلان يضطربان كل ضراب
فصدرت حين ركبته متجدلا * * * كالجذع بين دكادك و روابي
و عففت عن أثوابه و لو أنني * * * كنت المجدل بزني أثوابي
لا تحسبن اللّه خاذل دينه * * * و نبيّه يا معشر الأحزاب
و كان نعيم بن مسعود الأسود الأسلمي قد حالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جاء في جملة الأحزاب، فتسلل متسللا فقال: يا رسول اللّه إني قد أسلمت و لم يعلم قومي بإسلامي فجئت معهم، فما ترى أن أفعل؟
قال: «إنما أنت رجل واحد فاخذل عنّا إن استطعت فإن الحرب خدعة».
فمضى ابن مسعود الأسلمي إلى بني قريظة و كانت بينه و بينهم وصلة، و كانوا في حصونهم فأراهم أنه أتاهم زائرا، فأكرموه و أنزلوه فلمّا خلا بهم قال: يا بني قريظة أ تشكون في نصيحتي لكم؟ قالوا: لا و اللّه.
قال: ما جئتكم إلّا ناصحا، إنكم وقعتم في أمر عظيم، نقضتم حلف محمد و لم تتوثقوا لأنفسكم من هؤلاء القوم، فإن انصرفوا و تركوكم أ ليس يقتلكم محمد و أصحابه؟
قالوا: صدقت و اللّه، فما الحيلة؟
قال: الحيلة أن تسألوا القوم في رجال من وجوههم- و سمّى لهم رجالا من قبائل قريش و غطفان و غيرهم ممّن حضر- يكونون عندكم في حصونكم، فلا تكاد عشائرهم أن تسلمهم.
فجزوه خيرا، فاستكتمهم الخبر و مضى إلى أبي سفيان فقال: إن عندي لخبرا عظيما.
قال: و ما هو؟
قال: سرت إلى بني قريظة و بيني و بينهم وصلة قديمة، فأسرّ إليّ بعضهم أنهم ندموا على نقض حلف محمد، و سألوه عقده فأبي عليهم إلّا أن يلقوا في يديه رجالا منكم و سمّاهم.
قال: و كيف لهم بذلك؟
قال: يسألونكم أن تعطوهم إياهم رهائن لئلا تدعوهم.
فسكت أبو سفيان ثم أراد أن يختبر ذلك، فأرسل إلى بني قريظة أن أخرجوا فإنا
نريد أن نناجز محمدا و أصحابه.
فأرسلوا إليه فقالوا: لا و اللّه لا نفعل حتى توثقنا برجال منكم يكونون عندنا، و سمّوا أولئك الذين سماهم ابن مسعود.
فأيقن أبو سفيان خبره فأسقط في يديه، و أرسل اللّه عزّ و جلّ الريح التي وصفها في كتابه في قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [1].
قال حذيفة اليمان: فإني في ليلة من ليالي الخندق لأنظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو قائم يصلي من الليل، إذ التفت إلينا فقال: «من منكم يمضي فيعرف لنا خبر القوم؟»
فو اللّه ما انتدب إليه أحد لشدة ما كنّا فيه من البرد و الريح و خوف العدو، ثم صلى هويا من الليل ثم قال: «من يفعل ذلك و أنا أضمن له الجنة على اللّه؟»
فما قام أحد، ثم صلى هويا من الليل ثم قال مثل ذلك و قال: «من يفعله يكون رفيقي في الجنة و أضمن له الرجوع سالما».
فما قام أحد، فلمّا رأى ذلك دعاني و قال: «يا حذيفة» فقمت و لم أقدر أن أتأخر قال: «أمض فانظر ما حال القوم و لا تحدثن حديثا حتى تنصرف إلينا».
فأخذت قوسي و كنانتي و سرت حتى دخلت طرف العسكر و قد انقبض بعضهم إلى بعض، ما يثبت لهم مربط خيمة و لا منصب برمة، فما كدت أن أجلس حتى رأيت رجلا قام فوضع رجله على راحلته و رحلها فقامت فقال: يا معشر قريش لينظر كل امرئ منكم من إلى جانبه. فإذا هو أبو سفيان. فو اللّه لو لا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عهد إلي أن لا أحدث حدثا لرميته بسهم فرجوت أن أقتله، فبدرت من كان إلى جانبي منهم و قلت: من أنت؟
قال: أنا فلان.
و ناداه الناس قد عرفنا فقال: يا معشر قريش ما أنتم بدار مقام قد هلك الخف
[1]- سورة الاحزاب: 9.
و الحافر و أخلفتنا بنو قريظة، و بلغنا عنهم الذي نكره و حل بنا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا، فإني مرتحل، فارتحلوا.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول اللّه و هو قائم يصلي، فما تمالكت أن جلست إلى جنبه، فرمى علي فضل مرط كان عليه لبعض نسائه يسترني به، ثم ركع و سجد و تشهد و سلم فأخبرته بالخبر فحمد اللّه، فلمّا أصبح انصرف إلى المدينة و وضع سلاحه، فأتاه جبرئيل فقال: (يا محمد أوضعت سلاحك؟)
قال: «نعم».
قال: (فإن الملائكة ما وضعت بعد أسلحتها، فإن اللّه يأمرك أن تلحق ببني قريظة).
فنادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خرج إلى بني قريظة فحاصرهم فنزلوا على حكم سعيد بن معاذ، فحكم أن يقتل مقاتلهم و يسبي ذراريهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة».
و فعل بهم ذلك، فأنزل اللّه في ذلك ما ذكره في سورة الأحزاب، و بكت نساء بني عبد شمس عمرو بن عبد ود، و رثاه شعراء قريش بمراثي كثيرة.
و لمّا انصرف أبو سفيان و الأحزاب عن الخندق قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للمسلمين: «أما إنه لن تغزوكم قريش بعد عامهم هذا و لكنّا نغزوهم» [1].
و كان عمرو بن العاص في كل هذه المشاهد مع أبي سفيان، حضر معه أحد و الخندق و كان معه في العير، فلمّا رأى إقبال المسلمين و إدبار الكافرين، خرج إلى النجاشي إلى أرض الحبشة فأقام بها حتى أسلم النجاشي و دعاه إلى الإسلام، فخافه
[1]- انظر: المغازي للواقدي: 2/ 470، سيرة ابن هشام: 3/ 712، دلائل البيهقي: 3/ 440، تاريخ دمشق: 42/ 79.
على نفسه فأسلم على يديه و جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد ذلك [1].
ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خرج في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة يريد العمرة و زيارة البيت لا يريد قتال أحد، و خرج معه سبعمائة رجل من المهاجرين و الأنصار، و انتهى الخبر إلى أبي سفيان فاستنفر قريشا و خرجوا ليصدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأخبرهم أن لم يأت لحرب و إنما أتى زائرا للبيت يريد الحج و العمرة و ساق الهدي فأبوا عليه، و مشت الرسل بينهم فصالحهم على أن ينصرف من عامه ذلك و يعتمر من قابل، فنحر الهدي و انصرف صلّى اللّه عليه و آله و أنزل اللّه تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [2] الآية و ما فيها و ما بعدها في سورة الفتح، فبشر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الناس بما وعده اللّه من الفتح، ثم افتتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيبر، و أتى جعفر بن أبي طالب و أصحابه من هجرة الحبشة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح خيبر، فقال: «و اللّه ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» [3].
و أعز اللّه الإسلام و كثر المسلمون و أغنمهم اللّه الغنائم و وسّع عليهم في الأموال، و أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى مثل الوقت الذي صدته فيه قريش عن البيت من العام المقبل، فخرج بأصحابه يريد العمرة حتى دخل مكة فاعتمر و انصرف، و أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يتآلف أبا سفيان، و كانت ابنة أبي سفيان رملة و هي أم حبيبة عند عبد اللّه بن جحش، و كان قد تنصّر و خرج بها إلى أرض الحبشة فمات هناك و هي معه، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى النجاشي ليخطبها عليه.
قالت أم حبيبة: فإني يوما في منزلي بأرض الحبشة فما شعرت إلا بأبرهة جارية النجاشي قائمة تستأذن علي، فأذنت لها فدخلت علي فقالت: إن الملك أرسلني
[1]- تاريخ دمشق: 46/ 119، سير أعلام النبلاء: 3/ 61.
[2]- سورة الفتح: 25.
[3]- سبق تخريجه.
إليك يقول لك: إن رسول اللّه كتب إليّ بذكرك، فما تقولين؟
قلت: بشّرك اللّه تعالى بخير. و دفعت إليها سوارين من فضة و خدمتين و خواتم فضة كن في أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به.
فقالت: يقول لك الملك و وكّلي من يزوجك.
فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته.
و عقد عليها النجاشي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ساق إليها عنه أربعمائة دينار و أطعم يومئذ من شهد النكاح، و أرسل إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شرحبيل بن حسنة فجاء بها و بنى عليها، و اتصل الخبر بأبي سفيان و قيل له: إن محمدا قد نكح ابنتك.
فما زاده ذلك إلّا تماديا على عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أكثر ما قال في ذلك: هو الفحل لا يقرع أنفه [1].
[خوف أبي سفيان و إسلامه]
و كان أبو سفيان و قريش إذا و ادعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالحديبية جعلوا بينهم أن من شاء أن يدخل في عهده دخل و من يشاء أن يدخل في عهدهم دخل، و كان فيما بين بكر بن عبد مناة بن كنانة و خزاعة، حرب في دم كان بينهم ثم سكن الأمر، لما كان من أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلمّا كانت الموادعة مالت قريش ميل بني بكر، و دخلت بنو بكر في عهدهم و حاربوا خزاعة، فدخلت خزاعة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فظاهر قريش بني بكر و حاربوا معهم خزاعة، و بيتوهم ليلا فأصابوا منهم فكان في ذلك منهم نقض لما عقدوه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ كانت خزاعة قد دخلت في عهده، و بعثت خزاعة رجلا منها يقال له: عمرو بن سالم، فقدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المدينة فوقف عليه
[1]- الطبقات الكبرى: 8/ 16، تاريخ الطبري: 2/ 295، أسباب النزول للواحدي: 284، تاريخ دمشق: 23/ 446.
و هو في المسجد في جماعة من المهاجرين و الأنصار فقال:
لا هم أني ناشد محمدا * * * حلف أبيه و أبينا ألّا تلدا
و والدا كنّا و كنت ولدا * * * ثمت أسلمنا و لم ننزع يدا
و انصر رسول اللّه نصرا اعتدا * * * و ادع عباد اللّه ياتوا مددا
فيهم رسول اللّه قد تجردا * * * إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا * * * إن قريشا أخلفوك الموعدا
و نقضوا ميثاقك المؤكدا * * * و جعلوا لي في كداء رصدا
هم بيتونا بالوتير هجدا * * * فقتلونا ركعا و سجدا
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «قد نصرت يا عمرو» ثم أتى بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخبره بالخبر و بما أصيب منهم و بمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «كأنكم بأبي سفيان قد أتاكم يطلب أن يشد في العقد و يزيد في المدة». فما كان بأوشك من أن قدم أبو سفيان المدينة، و قصد ابنته رملة و هي عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأومى ليجلس على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقامت فطوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟
قالت: إنه فراش رسول اللّه و أنت رجل مشرك نجس، لا ينبغي لي أن أدعك تجلس عليه.
فقال: و اللّه يا بنية لقد أصابك شرّ بعدي.
و خرج عنها و أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخبره بما جاء له من شد العقد و الزيادة في المدة، و رغب في ذلك إليه و سأله فيه، فلم يرد عليه جوابا، فأتى أبا بكر فسأله أن يكلم له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ذلك فأبى عليه، فأتى عمر فسأله فامتنع عليه و أغلظ، فأتى عليا صلوات اللّه عليه في بيته فقال: يا أبا الحسن أنت أمسّ القوم بي رحما، و قد جئت لأمر قد علمته قريش و لا أرجع خائبا، سل لي ابن عمك.
فقال له: «ويحك يا أبا سفيان إن رسول اللّه قد عزم على أمر و ما كنت بالذي أعارضه فيه».
فقال لفاطمة عليها السّلام و الحسن بين يديها صبي صغير يدرج: يا بنت محمد لو أمرت ابنك هذا أن يجير بين الناس فيكون لك فخرا للأبد.
قالت: «لا و اللّه يا أبا حنظلة ما بلغ من ابني ما يجير على رسول اللّه».
فقال لعلي: فأشر علي يا أبا الحسن، فإني أرى الأمور قد اشتدت علي.
فقال له علي عليه السّلام: «ما أرى لك إلّا أن تجير بين الناس لنفسك إن شئت فأنت اليوم سيّد كنانة فقم فأجر بين الناس و الحق بأرضك».
فقال له أ ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟
قال: «لا و اللّه ما أظن و لكن لا أجد لك غير ذلك».
فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، و ركب بعيره فانطلق فأتى مكة، فسألته قريش عمّا صنع، فأخبرها بأمره علي بجهته و أنه لم يجد إلّا ما قال علي ففعله، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟
قال: لا.
قالوا: فما زاد علي على أن لعب بك و بعقلك.
و تجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أمر الناس فتجهزوا لا يدرون أين يريد بهم، و قد كثّر اللّه المسلمين، و خرج يريد غزو مكة في عشرة آلاف من المسلمين و قال: «اللهم خذ الأخبار و العيون عن قريش حتى نبغتها في بلادها» فلم يأت قريش عنه خبر حتى قرب من مكة، و تلقاه العباس بن عبد المطلب في بعض الطريق و قد أسلم، ثم لقيه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب و عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة، فالتمسا الدخول عليه فأبى عليهما، و كلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول اللّه ابن عمك- تعنى أبا سفيان- و ابن عمتك و صهرك، تعني عبد اللّه.
قال: «لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي فهتك عريضي- و كان أبو سفيان بن
الحرث شاعرا فقال أشعارا كثيرة في الذي كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين أهل مكة و ذكره بها- و أما ابن عمتي و صهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال» و كان قد نال من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أسمعه بمكة.
فلمّا بلغهما ذلك قال أبو سفيان: و اللّه إن لم يأذن لي رسول اللّه لآخذن بيد هذا- و معه ابن له صغير- ثم لأضربن بوجهي في الأرض حتى أموت حتفا هزلا.
فرقّ له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأدخلهما إليه.
و أنشد أبو سفيان في إسلامه و اعتذاره:
لعمرك إني حين أحمل راية * * * لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله * * * فهل أواني حين أهدي فأهتدي
في شعر طويل و أشعار كثيرة له في هذا المعنى، و عميت أخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن قريش حتى إذا قرب من مكة بات بالقرب منها ليصبحها، و قال العباس بن عبد المطلب: و أسوأ صباح قريش إذ دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه أنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
و خرج من الليل نحو مكة يرجو أن يلقى أحدا يرسله بالخبر إليهم، و كان أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء خرجوا تلك الليلة يتجسسون و ينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، لأنه قد كان انتهى إليهم خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا يدرون إلى أين يريد، فبينا العباس يسير إذ سمع كلام أبي سفيان و بديل ابن ورقاء يتراجعان، و قد نظرا إلى نيران أصحاب رسول اللّه و أبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة مثلها نيرانا.
و بديل يقول له: هي نيران خزاعة.
فيقول أبو سفيان: خزاعة و اللّه أقل و أذل من أن تكون هذه نيرانها
فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه: يا أبا حنظلة.
فقال أبو سفيان: من هذا أبو الفضل؟
قال: نعم.
قال: مالك فداك أبي و أمي؟
قال: ويحك يا أبا سفيان هذه نيران رسول اللّه و أصحابه و أسوأ صباح قريش ما جئت إلا منذرا.
قال: فما الحيلة فداك أبي و أمي؟
قال له العباس: و اللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك، و لكن اركب خلفي حتى آتي بك رسول اللّه فأستأمنه لك.
و كان العباس على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فركب خلفه حتى دخل به العسكر، كلّما مرّ بنار من نيران المسلمين عرفوا بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و العباس حتى مرّا بنار عمر، فعرف أبا سفيان فاشتد يخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و دخل عليه و دخل العباس معه فقال عمر: يا رسول اللّه هذا عدو اللّه أبو سفيان قد جاء به اللّه عن غير عهد و لا عقد، فأمرني فأضرب عنقه.
فقال العباس: يا رسول اللّه إني قد أجرته.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للعباس: «اذهب به إلى رحلك فإذا أصبحت فأعد به علي».
فغدا به عليه، فلمّا رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلّا اللّه».
قال له أبو سفيان: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك و أوصلك، و اللّه لقد علمت أنه لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى شيئا بعد.
قال: «ويحك يا أبا سفيان فما آن لك أن تعلم أني رسول اللّه».
فقال: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك و أوصلك، أمّا هذه فو اللّه إن في النفس منها شيئا.
قال له العباس: اسلم ويلك، و اشهد أن لا إله إلّا اللّه و أن محمدا رسول اللّه قبل أن يضرب عنقك.
فأسلم أبو سفيان على خوف من القتل، فقال العباس: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له اليوم شيئا يفخر به.
قال: «ينادي بمكة من دخل المسجد الحرام فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
فجعل أبو سفيان: يقول داري داري يا رسول اللّه استعظاما لديك.
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للعباس: «احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللّه فيراها».
فحبسه هناك و مرت به القبائل على راياتهم، كلما مرت به قبيلة قال: من هذه؟
فيقول له العباس: هذه راية بني فلان.
فيقول: ما لي و لبني فلان.
حتى مرت به القبائل، ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في كتيبته الخضراء في المهاجرين و الأنصار ما يرى منهم إلّا الحدق من الحديد.
قال أبو سفيان: سبحان اللّه من هؤلاء يا أبا الفضل؟
قال: هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المهاجرين و الأنصار.
فقال: و اللّه ما لأحد بهؤلاء طاقة، و لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما.
قال له العباس: ويحك لا تقل مثل هذا إنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إنها النبوة.
قال: نعم إذن.
قال له العباس: النجاة يا أبا سفيان و الحق أهل مكة قبل أن يهلكوا.
فمرّ يشتد حتى إذا جاء مكة نادى بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل داري فهو آمن.
فقامت إليه هند امرأته فأخذت بشاربه و قالت: اقتلوا الحمية الدسم، قبح من طليعة قوم رآها.
قال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه و اللّه قد جاءكم بما لا قبل
لكم به، من دخل داري فهو آمن.
قالوا: و ما عسى أن تغني عنّا دارك و كم عسى أن تسع؟
قال: و من دخل المسجد الحرام فهو آمن.
قالوا: كيف نفارق نساءنا و أموالنا؟
قال: و من أغلق على نفسه باب داره فهو آمن.
فتفرق الناس إلى دورهم، و دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكة و انتصب بعض قريش في ناحية من مكة، فلقيهم خالد بن الوليد بمن معه من المسلمين فقتلوا منهم بضعة عشر نفسا، و افترق الباقون و هرب كل من كان يعلم أنه قد وتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و استخفى بعضهم، فأمّا عمرو بن العاص فكان قد هرب قبل ذلك في رجال من قريش إلى أرض الحبشة.
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أمر أمراء جنوده: ألّا يقتلوا أحدا بمكة إلّا من قاتلهم، و أمر بقتل رجال سمّاهم لهم منهم: عبد اللّه بن سعيد بن أبي سرح، و كان قد أسلم و هاجر، و كتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الوحي ثم ارتد مشركا فهرب و لحق بمكة و قال: قد أنزلت قرآنا، و ذلك أنه كان يملي عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: عزيز حكيم، فيكتب عليم قدير و عزيز حكيم، فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هو كذلك.
و في عبد اللّه بن سعيد أنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [1] ففر إلى عثمان بن عفان فآواه و قد هدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دمه، و كان أخا عثمان من الرضاعة [2]، فلمّا سكن أمر الناس دخل به على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سأله فيه.
[1]- سورة الانعام: 93.
[2]- و ولاه عثمان في زمانه على مصر سنة خمس و عشرين و فتح افريقية فأعطاه عثمان جميع ما أفاء اللّه على المسلمين من فتح افريقية بالمغرب، و أكمل صحيفته السوداء بالتحاقه معاوية في صفين.
فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله طويلا لا يجيبه بشيء ثم قال: «نعم»، ثم قال لمن بحضرته: «سكتّ رجاء أن يقوم إليه أحد منكم فيضرب عنقه».
فقيل له: أ لا أومأت إلينا يا رسول اللّه.
فقال: «إنه ليس لنبي أن يومي».
و أمر بقتل عبد اللّه بن حنظل و كان قد أسلم فقتل رجلا من المسلمين ثم ارتد مشركا فأصيب يومئذ فقتل.
و أمر بقتل الحويرث بن نفيل، و كان رجل من الأنصار قتل أخاه خطأ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أسلم، ثم قتل الأنصاري و ارتد مشركا فقتل يومئذ.
و هرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن، و أسلمت امرأته و استأمنت له بعد ذلك فآمنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و الحويرث بن نفيل بن وهب كان يؤذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقتله علي بن أبي طالب عليه السّلام.
و قينة كانت لابن حنظل تغني بهجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأمر بقتلها فقتلها.
[إسلام هند بنت عتبة]
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أمر بقتل هند بنت عتبة، لما صنعت بحمزة، فبلغ ذلك أبو سفيان فأخفاها حتى لقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع معاوية، فأسلما و لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقتل من أتاه مسلما من قبل أن يقدر عليه و إن هدر دمه.
و قيل: إنها لمّا أتت لتسلم، أتت متنكرة تخاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يقتلها، فبعد أن أسلمت عرفها فقال لها: «أ هند؟»
قالت: نعم، و اعف عمّا سلف.
فسكت ثم حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكة و قال: «لم تحل لأحد قبلي و لا تحل لأحد بعدي فهي حرام كما كانت» و أسلم من قريش من أسلم.
[براءة النبي صلّى اللّه عليه و آله من فعل خالد]
و بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خالدا بن الوليد يدعو من حول مكة، و لم يأمره بقتال أحد و لا قتله، و بعث معه رجالا من قبائل العرب، فأتى بني خزيمة بالغميصاء، و كانوا قد قتلوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف و الفاكهة بن المغيرة، فلمّا رأوا خالدا بن الوليد أخذوا السلاح فقال لهم: ضعوا سلاحكم.
فقال لهم رجل منهم يقال له جحدم: ويحكم إنه خالد، و اللّه ما بعد وضع السلاح إلّا الإسار و ما بعد الإسار إلّا ضرب الأعناق، و اللّه لا أضع سلاحي.
فأخذه قومه و قالوا: يا جحدم تريد أن تسفك دماءنا، إن الناس قد أسلموا و وضعت الحرب أوزارها. فلم يزالوا به حتى وضع سلاحه و وضعوا أسلحتهم لقول خالد، فلمّا وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا و قتل منهم.
فانتهى الخبر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فرفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك ممّا صنع خالد» ثم دعا عليا صلوات اللّه عليه و دفع إليه مالا و قال: «اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم وضع أمر الجاهلية تحت قدميك».
فتوجه علي عليه السّلام حتى أتاهم فودّى قتلاهم و ما انتهبت من أموالهم على ما قالوا و أرضاهم و قال: «هل بقي لكم شيء؟»
قالوا: لا.
قال: «فقد بقيت معي بقية ممّا وجه به معي رسول اللّه» فدفعها إليهم و أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخبره بذلك فقال صلّى اللّه عليه و آله: «لهذا أحب إلي من حمر النعم» ثم قام فاستقبل القبلة و رفع يديه حتى رأي بياض ابطيه ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك ممّا فعل خالد» ثلاث مرات [1].
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 854- 884، الطبقات الكبرى: 2/ 122- 148، تاريخ اليعقوبي: 2/ 30- 61، تاريخ الطبري: 2/ 225- 342.
ذكر نكت من أخبار بني أمية و من والاهم من قريش بعد الفتح
و ممّا يدل على أن إسلامهم لم يكن إلّا للخوف و التقية من القتل، و أنهم بقوا على اعتقاد الجاهلية و العداوة الأصلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لأهل بيته صلوات اللّه عليهم، فقد تقدم من ذكر عداوة بني عبد شمس كافة لبني عبد مناف، و عداوة بني أمية خاصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لأهل بيته، ما قد ذكر فيما تقدم من هذا الكتاب، و ذكر فيه أيضا ما استفزعوه من مناصبتهم له و محاربته و بذل مجهودهم في قتله و إطفاء نور اللّه عزّ و جلّ الذي أبى إلّا أن يتم نوره و لو كره الكافرون، و قطع دينه الذي أوجب إظهاره على الدين كله و لو كره المشركون، و ذكر إسلامهم و كيف كان لما أخذته الغلبة و أيقنوا بالهلكة و أحسوا قرع السيوف و رأوا أسباب الحتف، فأسلموا مستسلمين لا مسلمين و أسرّوا الكفر و العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لأهل بيته و البغضة الذي كانوا عليها مجتمعين، فكانت ألسنتهم تظهر الإسلام للمسلمين، و أفعالهم تدل على ما هم عليه من الكفر معتقدين، و سنذكر طرفا من أخبارهم بمقدار ما تقدم شرط ذكره في هذا الكتاب.
[حقيقة إسلام أبي سفيان و معاوية]
فمنهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، و قد مرّ من ذكره و كيف كان إسلامه، ما دل على ما نريد ذكره ممّا يجري في هذا الباب، فما يؤثر عنه بعد إسلامه أنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما و هو معه في بيت ابنته أم حبيبة يظهره أنه يمازحه: و اللّه إن هو إلا تركتك فتركتك العرب إن انتطحت جماء و لا ذات قرن.
فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟» [1] يداريه لما كان عليه، و لم يزل على ذلك إلى أن قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إليه يوما مقبلا و خلفه ابنه معاوية فقال: «اللهم العن التابع و المتبوع، اللهم عليك بالأقيعس» يعني معاوية [2].
و رآه يوما راكبا و معاوية يقوده و يزيد يسوقه فقال: «اللهم العن الراكب و القائد و السائق» [3].
و قيل: في أبي سفيان أنزلت: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [4] [5].
و قيل: إنه رأى و قد كف بصره في المسجد و قد قامت الصلاة، فلم يجد بدّا من أن دخل فيها مع الناس، فلمّا ركع الإمام طال عليه الركوع فجعل يقول لقائده و هو إلى جانبه: أ لم يرفعوا رءوسهم؟
قال: لا.
قال: لا رفعوها.
استخفافا منه بالصلاة و تركا لاعتقادها، و دليلا على أنه إنما كان يرائي بها، و أن اعتقاده الشرك الذي كان عليه لم يفارقه و لا خرج عنه.
و دخل يوما على عثمان بن عفان و قد ذهب بصره فجلس فقال: هل علي من عين؟
[1]- تاريخ دمشق: 23/ 461، الاصابة: 3/ 334.
[2]- وقعة صفين: 218، و القعس: هو خروج الصدر و دخول الظهر.
[3]- وقعة صفين: 220، شرح نهج البلاغة: 6/ 89، مجمع الزائد: 1/ 113.
[4]- سورة التوبة: 12.
[5]- تاريخ دمشق: 23/ 438، زاد المسير: 3/ 275، الدر المنثور: 3/ 214، فتح القدير: 3422.
قيل له: لا.
فقال لعثمان و هو يومئذ في إمارة عثمان: لا تكن حجر بن حجر- يعني عمر- أنظر هذا الملك فتداولوه لكم و تلقفوها تلقف الكرة.
و كان البراء بن عازب بالحضرة فاستحى منه عثمان و قال لأبي سفيان: أنت شيخ و قد خرفت [1].
مرّ يوما و معه أبو بكر ببلال و سلمان و صهيب فقالوا: قد كان في قصرة [2] عدو اللّه هذا مواضع لسيوف المسلمين.
فسمعهم أبو بكر فقال: تقولون مثل هذا القول لشيخ من شيوخ قريش؟ و انطلق فأخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله بما قالوه.
فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله: «لعلك أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم فإنما أغضبت ربّك» [3].
و قيل: إن أبا سفيان مرض في أيام عمر فدخل عثمان يعوده، فلمّا أراد القيام تمسّك به و قال: لي إليك حاجة.
فقال: ما هي؟
قال: إن مت فلا يليني غيرك و لا يصلي عليّ إلّا أنت.
فقال عثمان: و كيف لي بذلك مع عمر؟
قال: فادفني ليلا و لا تخبره.
قال: نفعل.
[1]- النزاع و التخاصم: 60.
[2]- القصرة: العنق. لسان العرب: 5/ 101.
[3]- مسند أحمد: 5/ 64، سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277، المعجم الكبير: 18/ 18، تاريخ دمشق: 10/ 463.
قال: فأحلف لي باللّات و العزى لتفعلن ذلك.
فقال عثمان: خرفت يا أبا حنظلة.
فنقه من علته تلك و مات في أيام عثمان و صلى عليه.
و قيل: إنه أنزل في قادة الأحزاب: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [1] فأخبر عزّ و جلّ أنهم لم يؤمنوا بقلوبهم.
و فيهم نزلت: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ [2].
و لم يظهر الإسلام من قادة الأحزاب إلّا أبو سفيان و الحكم بن أبي العاص [3]، و لا كان ذلك منهما عن اعتقاد، و كيف يكون ذلك و قد أخبر اللّه عزّ و جلّ أنهم لم يؤمنوا و أوجب لهم النار.
و قال أبو سفيان بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: و اللّه ما علمت أنه نبي حتى رأيته بعرفة في حجة الوداع و هو يخطب، و رأيت ما حوله من الخلائق فقلت في نفسي: لو كان معي مثل نصف هؤلاء لقمت عليه.
فترك الخطبة و أقبل عليّ بوجهه و قال: «إذا يكبّك اللّه في النار على وجهك» و علمت حينئذ أنه نبي.
و مرة أخرى مرّ بي و معي هند فقلت لها: يا هند بما ذا غلبني هذا الغلام من بني هاشم و أنا أكبر منه سنّا و أعظم شرفا في قومي عنه؟ و كنّا في سفر.
فلمّا نزل يومه ذلك مضيت إليه فسلمت عليه فقال: «باللّه و اللّه غلبتك يا أبا سفيان».
[1]- سورة البقرة: 6.
[2]- سورة إبراهيم: 27- 28.
[3]- زاد المسير: 1/ 21، تفسير ابن كثير: 1/ 40، فتح القدير: 1/ 40.
فقلت في نفسي: و متى لقيته هند بعدي فأخبرته، و اللّه ما سمع مني ذلك غيرها، و لأضربنها ضربا وجيعا، و سكت و تغافلت عن قوله، فلمّا أردت أن أقوم قال: «هيه أبا سفيان أ فقلت في نفسك: أن هندا أخبرتني ما قلت لك فأردت ضربها، لا و اللّه ما هي أخبرتني».
قال أبو سفيان: فعلمت أنه يوحى إليه.
و كان أبو سفيان و ابنه معاوية من المؤلفة قلوبهم، و أسلم معاوية إسلام أبيه، و حضرا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حنينا فانهزما فيمن انهزم و قال أبو سفيان ما قال، فلمّا نصر اللّه رسوله و أغنمه تآلف وجوه القبائل ممّن لم يصح إسلامه بالغنائم، فأعطى أبا سفيان بن حرب، و معاوية بن أبي سفيان، و حكيم ابن حزام، و ابن النضر بن الحارث بن كلدة، و الحارث بن هشام، و سهيل بن عمرو، و العلاء بن الحارثة، و حويطب بن عبد العزى، و صفوان بن أمية، و عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، و الأقرع ابن حابس التيمي، و ملك بن عوف البصري، كل واحد منهم مائة من الإبل، و أعطى آخرين من قريش دون المائة، و هؤلاء من المؤلفة قلوبهم الذين لم يصح إسلامهم، فتآلفهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالغنائم، إذ كان اللّه عزّ و جلّ قد سمّى لهم سهما منها في كتابه، لما علمه اللّه عزّ و جلّ من أن الدنيا تستميلهم و حطامها يغلب عليهم، و قد أنكر ذلك قومه يومئذ، فقال قائل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أعطيت عيينة و الأقرع و تركت جعيل بن سراقة.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أما و الذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة و الأقرع، و لكني تآلفتهما على إسلامهما و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» [1].
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 4، 933، الطبقات الكبرى: 4، 246، تاريخ الطبري: 2/ 359، اسد الغابة: 1، 284.
و قال رجل من بني تميم يقال له: ذو الخويصرة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يومئذ: يا محمد قد رأيت ما صنعت هذا اليوم؟
قال: «فما رأيت؟»
قال: لم أرك عدلت.
فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم قال: «ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟»
فقال عمر بن الخطاب: أ لا أقتله يا رسول اللّه؟
قال: «دعه إنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية» [1].
و أتى سعيد بن عباد يومئذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك و أعطيت عطايا في قبائل العرب و لم يكن في الأنصار منها شيء؟
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟»
فقال: يا رسول اللّه ما أنا إلّا رجل من قومي.
قال: «فاجمع لي قومك».
فجمعهم و أتى بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم و موجدة وجدتموها في أنفسكم، أ لم آتكم ضلالا فهداكم اللّه، و عالة فأغناكم اللّه، و أعداء فألّف بين قلوبكم».
فقالوا: بلى يا رسول اللّه، للّه و لرسوله المنّ و الفضل.
قال: «أ لا تجيبوني يا معشر الأنصار؟».
[1]- مسند أحمد: 2/ 219، السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 933، تاريخ الطبري: 2/ 360، البداية و النهاية: 4/ 416.
قالوا: و بما نجيبك يا رسول اللّه؟ للّه و لرسوله المنّ و الفضل.
قال: «أما لو شئتم لقلتم فصدقتم و صدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك و مخذولا فنصرناك و طريدا فآويناك و عائلا فواسيناك، أ فوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار فيّ لعاعة من الدنيا تآلفت بها أقواما ليسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم؟
أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة و البعير و ترجعوا برسول اللّه في رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، و لو سلك الناس شعبا و سلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار».
قال: فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم و قالوا: رضينا برسول اللّه قسما و حظا، و تفرقوا و طابت أنفسهم [1].
و جاء يومئذ عبد اللّه بن مسعود إلى رسول اللّه و هو يعطي تلك العطايا فقال: يا رسول اللّه إني سمعت رجلا من الأنصار يقول: و اللّه إنها لعطايا ما يراد بها وجه اللّه.
فتغير وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أطرق ساعة ثم قال: «يرحم اللّه موسى فلقد أوذي بما هو أكثر من هذا فصبر» [2].
و كان أبو سفيان و معاوية من المؤلفة قلوبهم و من لم يصح إسلامهم، و إنما أسلما خوفا من القتل و قد ذكرنا ذلك.
و قد ذكر ابن إسحاق في المغازي من حسن إسلامه من المؤلفة قلوبهم الذين تقدم خبرهم قال: و ممّن حسن إسلامه من قريش من مسلمي الفتح: قيس بن مخرمة،
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 935، الطبقات الكبرى: 2/ 154، تاريخ الطبري: 2/ 361، عيون الأثر: 2/ 221.
[2]- صحيح البخاري: 4/ 61، صحيح مسلم: 3/ 109، مسند أحمد: 1/ 380، سنن الترمذي: 5/ 369 ح 3986.
و جبير بن مطعم، و الحارث بن هشام، و حكيم بن حزام، و حويطب بن عبد العزى، و سهيل بن عمرو، و لم يذكر غيرهم.
و لمّا أسلم أهل الطائف سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يدع لهم اللات و العزى، و كانوا يعبدونها مدة ألا يهدمها و قالوا: نخشى في هدمها سفهاءنا.
فأبى عليهم و أرسل أبا سفيان لهدمها، و مضى معه المغيرة بن شعبة، و توقف أبو سفيان عن هدمها و أقام في ماله بذي الهرام إعظاما لهدمها و أبى أن يدخل الطائف و قال للمغيرة: امض أنت إلى قومك.
فمضى فهدمها، و لمّا رأى أبو سفيان تهدم جعل يقول، واها للات، أسفا على هدمها [1].
و قيل: إنه خرج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى حنين و الأزلام معه في كنانته يستقسم بها، و لمّا انهزم الناس يومئذ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تكلم بها أهل الكفر بما في أنفسهم، فقال أبو سفيان يومئذ: هذه هزيمة لا ترجع دون البحر [2]. و صار في أول المنهزمين، و ثبت أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يومئذ مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيمن ثبت.
[الفاسق]
و منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمر بن أمية، قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أباه يوم بدر و قد مضى خبره، و أوجب له يومئذ النار بقوله لما قال عقبة: فمن للصبية يا محمد؟
[1]- السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 968، تاريخ الطبري: 2/ 366، البداية و النهاية: 5/ 40، تاريخ ابن خلدون: 2/ 51.
[2]- سيرة ابن هشام: 4/ 894، تاريخ اليعقوبي: 2/ 62، تاريخ الطبري: 2/ 347، البداية و النهاية: 4/ 347.
قال: «النار».
فأظهر بعد ذلك الوليد الإسلام لما أدركته الغلبة، و عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في قلبه لقتله لأبيه، و استعمله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الصدقات في بني المصطلق، فأتاه فقال:
منعوني الصدقة.
و لم يكونوا منعوه و لكنه كذب بهم عليهم، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالسلاح و الخروج إليهم، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [1].
فسمّاه اللّه فاسقا، فأمسك رسول اللّه عن بني المصطلق، فلمّا استبطئوا رسوله أتاه القوم بصدقاتهم، فسألهم عن قول الوليد فيهم فأكذبوه و حلفوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ذلك، فلعنه [2].
و وقع بين الوليد و علي عليه السّلام كلام فقال له الوليد: أنا أرد الكتيبة و أضرب لهامة البطل المشيح منك، فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيهما: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [3] [4] فسمّاه اللّه عزّ و جلّ فاسقا في موضعين من كتابه.
و استعمله عثمان بن عفان على الكوفة و كان عليها سعد بن أبي وقاص فعزله و ولى الوليد، فلمّا قدم الوليد على سعد قال له سعد: أ كست بعدنا أم حمقنا بعدك؟
قال الوليد: ما كسنا بعدك و لا حمقت بعدنا، و لكن القوم استأثروا عليك بسلطانهم.
[1]- سورة الحجرات: 6.
[2]- تفسير مجاهد: 2/ 606، أسباب النزول: 262، الدر المنثور: 6/ 88، تفسير الثعلبي: 2695.
[3]- سورة السجدة: 18.
[4]- أسباب النزول للواحدي: 200، تفسير الوسيط: 3/ 454، شواهد التنزيل: 1/ 445 ح 610، الكشاف: 2/ 525.
قال له سعد: صدقت.
و أقام الوليد بالكوفة أميرا فصلى بالناس و هو سكران، فلمّا التفت إلى الناس قال:
هل أزيدكم؟
ففيه يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة حين يلقى ربّه * * * إن الوليد أحق بالعذر
خلعوا عنانك إذ جريت و لو * * * تركوا عنانك لم تزل تجري [1]
و زيد فيها غير قول الحطيئة:
نادى و قد تمت صلاتهم * * * أ أزيدكم سكرا و ما يدري
و لو استزادوه لزادهم * * * حتى يزيدهم على العشر [2]
فلمّا انتهى ذلك من أمره إلى عثمان و شهد به عليه عزله، و كان أخاه لأمّه، أمّه أم عثمان: أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس، و لمّا وصل إليه أدخله بيتا و أمر بأن يضرب الحد، لمّا لم يجد من ذلك بدّا، فكلما دخل إليه أحد ليضربه قال: أناشدك باللّه أن تقطع رحمي و يغضب عليك أمير المؤمنين، يعني عثمان، فإذا سمع ذلك من يدخل عليه ليضربه تركه.
فلمّا رأى علي عليه السّلام ذلك غضب لتعطيل حدود اللّه، فأخذ السوط و دخل عليه و دخل معه الحسن عليه السّلام فقال له الوليد مثل ذلك.
فقال له الحسن: «صدق يا أبت دعه يليه غيرك».
فدفع علي عليه السّلام في صدر الحسن عليه السّلام ثم أخذ السوط فضرب الوليد الحد.
و كان ممّن نقم الناس على عثمان: استعماله الوليد إلى الكوفة و عزله عنها سعد
[1]- ديوان الحطيئة: 179/ 57، الاغاني: 5/ 126، العقد الفريد: 5/ 85، الاستيعاب: 3/ 631.
[2]- تاريخ دمشق: 63/ 220، شرح نهج البلاغة: 3/ 18 و نسبها لرجل من بني عجل، تهذيب الكمال: 31/ 58.
ابن أبي وقاص، و استعماله عبد اللّه بن عامر بن كريز على البصرة و عزله عنها أبا موسى الأشعري، و كان عبد اللّه بن عامر ابن خال عثمان، و عامر أخو أروى أم عثمان.
و كان سبب توليته إياه: أن يزيد بن خرشبة بن ضرار الضبي وفد على عثمان فقال له: أ ما فيكم وضيع فترفعوه و لا فقير فتجبروه، عمدتم إلى نصف سلطانكم فأعطيتموه هذا الأشعري.
فعزله و ولى عبد اللّه ابن خاله.
فقال الناس: استأثر عبد اللّه.
و الوليد بن عقبة هذا القائل لبعض بني:
بني هاشم إنّا و ما كان بيننا * * * كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه [1]
و قال الوليد في قتل عثمان أخيه لأمّه يحرّض أخاه عمارة على الطلب بدمه:
و إن يك ظني بابن أمي صادقا * * * عمارة لا يطلب بذحل و لا وتر
يظل و اقبال ابن عفان عنده * * * مخيمة بين الخورنق و الجسر
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة * * * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
فردّ عليه أبو الهياج عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحارث، و قيل: إنه الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب:
تمنيت أمرا لست منه و لا له * * * و أين الصفوري أين ابن ذكوان من عمرو
كما اتصلت بنت الحمار بأمها * * * و خلت أباها إذ رماها ذو الهجر
و أنك ممّن قد يمنّ و يدعى * * * إليه كقرب الفيل من ولد الوبر [2]
و الوليد أيضا القائل لمعاوية يحرضه على حرب علي عليه السّلام.
[1]- تاريخ دمشق: 63/ 248، شرح نهج البلاغة: 1/ 270.
[2]- تاريخ الطبري: 3/ 449، شرح نهج البلاغة: 2/ 115.
ألا أبلغ معاوية بن حرب * * * فإنك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسدم المعنى * * * مقيما في دمشق فما تريم
يمنيك الخلافة كل ركب * * * لأنقاض العراق لهم رسيم
فإنك و الكتاب الى علي * * * كدابغة و قد حلم الأديم
لك الخيرات فاحملنا عليهم * * * فإن الطالب الترة الغشوم
و قومك بالمدينة قد أبيدوا * * * فهم صرعى كأنهم هشيم
فلمّا صار معاوية إلى ما صار إليه و دخل الكوفة و صعد المنبر قال: أين أبو وهب؟
يعني الوليد بن عقبة.
فقام إليه، فقال له: أنشدني قولك.
فأنشده الأبيات، فقال معاوية:
و مستعجب ممّا يرى من أناتنا * * * و لو زينته الحرب لم يترمرم [1]
و كان أبو معيط جدّ الوليد بن عقبة هذا خمارا يبيع الخمر في الجاهلية، و كان عبد اللّه بن مسعود بالكوفة أيام وليها الوليد، فلمّا انتهت إليه أحداث عثمان و رأى ما رأى منها، كان إذا اجتمع إليه الناس تكلم بكلام فيقول: إن أصدق الحديث كتاب اللّه، و إن أحسن الهدي هدي محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إن شر الأمور محدثاتها، و كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة كفر، و كل كفر في النار.
فلمّا كثر قوله هذا قال له الوليد سرّا بينه و بينه: عبد اللّه إما أن تدع عنك هذا الكلام و إما أن تخرج عنّا.
فقال: ما كنت لأدع قول الحق.
فكتب إلى عثمان بخبره، فكتب إليه عثمان: إن ترك كلامه و إلّا فأخرجه.
[1]- تاريخ الطبري: 3/ 562، أنساب الاشراف: 291، تاريخ دمشق: 22/ 430، شرح نهج البلاغة: 3/ 95، و البيت لأوس بن حجر التميمي.
فبعث الوليد إليه عبد الرحمن بن حبيس الاذري و رجلا معه، فأتياه إلى منزله ليلا و معه أصحاب له فجعلهم حيث يسمعون و أدخل الرجلين فقالا: إن الأمير يقرأ عليك السلام و يقول لك: إن قولك هذا ممّا يهيّج الناس على إمامهم، فإما أن تدعه و إلّا فاخرج عنّا.
فقال: ما أقول بأسا و لا شرا.
قالا: هو كذلك، و لكن عرّفناك قول الأمير و قد ورد عليك بذلك كتاب أمير المؤمنين فهو لا يدعك إلّا أن تدع كلامك أو تخرج.
قال: لا، بل أخرج [1].
فخرج من الكوفة مطرودا على قوله هذا، أخرجه الوليد إنكارا لهذا القول عليه، و هو القول الذي لا ينكره مسلم عرف اللّه و رسوله، و ابن مسعود من لا تجهل صحبته و مكانته، فنفاه الوليد على أن قال الحق و دعا إليه و أمر به.
و كان عثمان لمّا قدم عليه أهل الكوفة يذكرون له سوء حال الوليد، كذّب ذلك و نفاه عنه، قالوا له: فابعث ثقة من عندك تكشف عمّا ذكرناه لك.
فبعث مولى له يقال له: حمران بن أبان، فكشفه فأصاب الأمر على ما قيل فيه، فأقبل إلى عثمان و لقيه طلحة بن عبد اللّه و قد خرج من المدينة إلى بعض أمواله خارجا من المدينة فقال: ما وراءك يا حمران؟
قال: وجدت و اللّه ما قال القوم فيه حقا، و قصّ عليه خبره.
و دخل إلى عثمان فأخبره فقال له: اكتم يا هذا عليه، و من سألك فقل له: لم أجد ممّا جاءوا به شيئا، و أنه باطل كلّه ثم انصرف.
و دخل طلحة على عثمان و عنده حمران، فقال عثمان لطلحة: قد أرسلنا هذا فأصاب كل ما ذكره القوم في الوليد باطلا، فما جزاء هؤلاء الذين كذبوا عليه و ليس
[1]- كتاب الفتن للمروزي: 89.
أحد يذكر ذلك غيرهم.
فقال طلحة: وا ثكلاه، أ لم تخبرني يا حمران بكيت و كيت!
فقال حمران: نعم، و هو كما أخبرتك و اللّه أحق أن يؤثرنا.
فاستحى عثمان من طلحة و غضب على حمران و حلف ألا يقيم معه ببلد، فارتحل حمران إلى البصرة [1] و سمع الرهط الذين أتوا يشكّون بالخبر، فأتوا إلى عثمان فحذف قول حمران و قال: أنتم مدّعون فأقيموا بيّنة من غيركم.
فأتوه من الشهود بما لم يجد فيه مقالا، فعند ذلك عزله و أمر بإقامة الحدّ عليه، و ولى مكانه سعيد بن العاص فعمل على الكوفة ست سنين، و كانت سيرته أسوأ من سيرة الوليد، و كان يقال: أول ما فعله لمّا وصل إلى الكوفة أن دخل المسجد راكبا حتى أتى المنبر، فدعى بجرة من ماء و قال: اغسلوه، فغسل المنبر و هو واقف على دابته ثم صعد المنبر فخطبهم.
و لمّا أكثروا على عثمان الشكوى فيه كتب إليه بالقدوم، فقدم معه بقوم قد أرضاهم ليذكروه بخير ففعلوا، فرده عثمان و انتهى الخبر إلى أهل الكوفة بانصرافه، فقام الأشتر النخعي فصعد منبر الكوفة فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
إنكم معشر العرب كنتم شرّ الناس دينا و دنيا و عيشا، يغذو الرجل منكم كلبه و يقتل ولده و يغير على جاره و يرجع و قد أغير على أهله، حتى بعث اللّه فيكم رسوله محمدا صلّى اللّه عليه و آله و أنزل عليه كتابا حلل فيه الحلال و حرّم فيه الحرام، و سنّ فيه السنن،
[1]- حاول هنا بعض المؤرخين التستر على هذه الحادثة كما هو ديدنهم، و لكنهم على الرغم من عدم اتفاقهم مع الحق لم يتفقوا حتى مع الباطل، فقال ابن سعد في طبقاته 7/ 148: كان سبب نزوله- أي حمران- البصرة أنه أفشى على عثمان بعض سره.
و قال ابن عساكر في تاريخه 26/ 8: إن حمران بن أبان تزوج امرأة في عدّتها فنكل به عثمان و فرّق بينهما و سيره إلى البصرة.
و شرّع فيه الشرائع، فعمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بكتاب اللّه حتى قبضه اللّه، و قد عرّفنا اللّه الحق من كتابه و سنّة رسول اللّه، أ فحين عرفنا ذلك نرجع على أعقابنا، و قد علمتم سيرة ابن العاص فيكم و قد ردّ إليكم، فمن كان يرى للّه عليه حقّا فليخرج إليه، و نزل.
فخرج الناس من الكوفة بالسلاح و العدة فلقوا سعيد بن العاص بوادي السباع، فلمّا التقوا مع أوائل أصحابه جعلوا يقولون: أين الشقي؟ و يطلبون، فرجع سعيد إلى عثمان فأخبره الخبر فأمره بالمقام، و كتب إلى أهل الكوفة: لكم ما تريدون.
قالوا: تستعمل علينا أبا موسى الأشعري و على المدائن حذيفة، ففعل لهم ذلك و ترضاهم.
[الطريدان]
و منهم الطريدان: فأحد الطريدين الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، و هو أبو مروان لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مروان في ظهره، و نفاه إلى الدهلك من أرض الحبشة، فلم يزل منفيّا حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و حياة أبي بكر و عمر، فلمّا ولى عثمان ردّه و أعطاه مائة ألف درهم، و كان ذلك من بعض ما نقمه الناس على عثمان [1].
و كان الحكم من أشدّ الناس مباينة بالبغضاء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و جعل يوما يحكي مشيته مستهزأ فابتلى بتخليع أعضائه عقوبة لذلك، و كان منخلع المشية، و في ذلك يقول بعض الشعراء لبني أمية:
لا حجاب و ليس فيكم سوى الكبر * * * و بغض النبي و الشهداء
بين حاكي مخلج و طريد * * * و قتيل بلعن أهل السماء [2]
يعني بالشهداء: عليا و جعفرا و حمزة عليهم السلام، و الحاكي المخلع: الحكم بن
[1]- راجع: اسد الغابة: 2/ 35.
[2]- شرح نهج البلاغة: 15/ 199.
أبي العاص.
و التفت إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما و هو خلفه و رسول اللّه يتكلم، فرآه يعوج شدقيه و يحكي كلامه فقال له: «كذلك فلتكن» [1].
و سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يلعن فقيل: يا رسول اللّه لمن تلعن؟
فقال: «الحكم بن أبي العاص جاء فشق إلى الجدار و أنا مع أهلي، فلمّا نظرت إليه كلح في وجهي».
ثم قال صلّى اللّه عليه و آله: «كأني أنظر إلى بنيه يصعدون على منبري و ينزلون» [2].
و لهذا قال الحسن عليه السّلام لمروان: «إن رسول اللّه لعن أباك و أنت في ظهره» [3].
و قال له أيضا عبد اللّه بن الزبير و هو مستند إلى الكعبة: و ربّ هذا البيت الحرام و البلد الحرام إن الحكم بن أبي العاص و ولده ملعونون على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [4].
و أيضا قالت عائشة لمروان و قد كتب إليه معاوية ليبايع ليزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: جئتم بها و اللّه هرقلية تبايعون لأبنائكم.
فقال مروان لمن حضره: هو الذي يقول اللّه فيه: وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما [5] فلمّا بلغ ذلك عائشة قالت لمروان: و اللّه ما هو بالذي قلت، و لو شئت أن أسمّيه لسمّيته، و لكن اللّه قد لعن أباك على لسان رسوله و أنت في صلبه، فأنت قطعة
[1]- تاريخ الطبري: 8/ 186، الفائق للزمخشري: 3/ 359، شرح نهج البلاغة: 6/ 149، المستدرك: 2/ 621.
[2]- الاصابة: 2/ 91.
[3]- مسند أبي يعلى: 12/ 135 ح 6764، المعجم الكبير: 3/ 85 ح 2740، تاريخ دمشق: 24557.
[4]- أخبار مكة للفاكهي: 1/ 356، تاريخ دمشق: 57/ 271، سير أعلام النبلاء: 2/ 108،
[5]- سورة الاحقاب: 17.
من لعنة اللّه [1].
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا نفى الحكم بن أبي العاص: «إن رأيتموه تحت أستار الكعبة فاقتلوه».
و الطريد الثاني: معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، و هو جد عبد الملك ابن مروان لأمّه، فجد عبد الملك بن مروان لأبيه و أمه طريدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و كان معاوية بن المغيرة هذا ممّن يبغض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يظهر عداوته، فنفاه و أجّله ثلاثا و هدر دمه أن يبقى بعدها، فتردد في ضلاله و لم يخرج، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليّا و عمارا فقتلاه.
[من أسباب قتل عثمان]
و أما الحكم بن أبي العاص فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نفاه و أهله و ولده، فخرج منفيا بنفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأهله و ولده، و حاول عثمان [ارضاء] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سأله و رغّب إليه ردهم، فأبى عليه في ذلك و أغلظ له فيه، ثم سأل هو و بنو أمية أبا بكر بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يردهم، فأنكر ذلك عليهم و قال: ما كنت ممّن يأوي من نفاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و طرده، ثم سألوا عمر فقال مثل ذلك و غلظ عليه، ثم ولّي عثمان فردهم و آواهم، و لمّا كثر إحداثه كتب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المسلمين في كل وجه:
أنكم خرجتم تقيمون دين اللّه و أن دين اللّه قد غيّر وراءكم فأقبلوا.
و كان أول من قدم أهل مصر فأتوا مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بقية الصحابة فيه فذكروا لهم ما جاءوا إليه له و ما نقموه، و عددوا أفعال عثمان فقال لهم علي عليه السّلام: «لا تعجلوا حتى تأتوه و تذكروا ذلك له، ثم ترون بعد ذلك رأيكم».
[1]- الفائق للزمخشري: 3/ 398، شرح نهج البلاغة: 6/ 150، تفسير القرطبي: 16/ 197.
قالوا: فقم معنا إليه لتشهد قولنا و قوله و تعلم أيّنا أولى بالحق.
فقال لهم: «يشهد ذلك منكم و منه من هو أعلم به مني».
قالوا: و من هو؟
قال عليه السّلام: «اللّه بينكم و بينهم».
قالوا: صدقت و نعم ما قلت.
و مضوا إلى عثمان و دخلوا عليه فرحّب بهم، و قد علم ما جاءوا له و سألهم عن حالهم، فذكروا إحداثه و عددوا عليه شيئا شيئا، و كل ذلك يرجع عنه و يتوب منه، حتى ذكروا له أمر الحكم و ما استعظمه الناس من أمر رده و خلاف أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه، فأبى رده.
فخرجوا و أخبروا بذلك عنه، فأتاه ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالوا له:
إنك قد أقدمت هؤلاء النفر الذين نفاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إنّا نذكرك اللّه و الإسلام و معادك إن كان لك معاد و منقلب، فإنك مسئول عن ذلك و عن كل ما عملت، لما أخرجتهم كما أخرجهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا تخالف أمره، فقد علمت رأي صاحبيك الماضيين فيهم، و أن أحدا لم يطمع في ردهم عندهما.
فقال عثمان: هم عندي من المنزلة التي قد عرفتم من القرابة و الحق، و قد مات رسول اللّه و إنما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم، و قد كان أطمعني في أن يأذن لهم في القدوم، و لن يضركم مكانهم شيئا، و في الناس من هو أشرّ منهم.
فانصرفوا عنه و لم يعطهم فيه هوادة، و لا رجع عن رأيه فيهم و أرسل إلى علي عليه السّلام و قال: قد ترى ما قدم له هؤلاء القوم و هم إنما يريدون قتلي و أنا ابن عمك، و قد رماني الناس عن قوس، فتلطف في صرفهم و لك اللّه لأرجعن إلى كل ما تريده.
و أرسل إلى عمرو بن العاص بمثل ذلك و ذكر له قرابته و رحمه.
فاجتمع علي عليه السّلام مع القوم و قال لهم: «إن الرجل قد رجع عن كثير ممّا نقمه المسلمون عليه و وعد أن يرجع عن باقيه، و قد كتب لكم ثواب ما جئتم له».
و قال عمرو بن العاص مثل ذلك، فانصرف القوم و أتى علي و عمرو بن العاص إلى عثمان فأخبراه بذلك و بانصراف القوم، فخرج إلى المسجد و خطب الناس و ذكر أمر الوفد و قال لهم: إنهم جاءوا لأحاديث كاذبة بلغتهم، فلمّا تيقنوا فسادها انصرفوا عارفين بذلك مكذبين للذي بلغهم.
فقام عمرو بن العاص من ناحية المسجد فقال: اتّق اللّه يا عثمان ودع عنك التهاتر، و اقصد قصد الحق و تب إلى اللّه ممّا أتيت، فإن اللّه لا يرضيه إلّا ذلك عنك و لا يرضى المسلمين إلّا هو منك.
فقال: و إنك هاهنا يا ابن النابغة، ثم استقبل عثمان القبلة و رفع يده فقال: اللهم إني أتوب إليك ممّا صنعت و أستغفرك، و قد جاءنا ناس من المغازي فانصرفوا إلى مغازيهم.
و لمّا وصل وفد مصر إلى إيلة لحق بهم راكب مالت به الطريق إليهم، و أنكروه فأخذوه و فتشوه فأصابوا معه كتاب عثمان إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سراح عامله على مصر يأمره بقتلهم، فانصرفوا بالكتاب و فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي فقال:
رجعن عن أليون الصعيد * * * سربلات حلق الحديد
يطلبن حق اللّه في الوليد * * * و في ابن عفان و في سعيد
و الحكم المخلع الطريد
و انصرفوا بالكتاب و كان بخط مروان، و كان عثمان استكتبه و بطابع عثمان و مع بريد على ناقة لعثمان، فأعلموا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عامة الناس بذلك، فعرفوا الكتاب و الخاتم و الرسول و الناقة، و أنكر ذلك عثمان و حلف عليه و خرج فرقى المنبر ليخطب و يعتذر، فحصبه الناس من كل جانب حتى وقع مغشيّا عليه، فحمل و رجع عليه الناس خلا نفر من بني أمية، و خرج عمرو بن العاص عنه إلى ناحية أرضه بفلسطين لما علم أنه سيقتل، و جاءه علي عليه السّلام يعوده و يسأل عن حاله، فقال له من
حضر من بني أمية قولا أغضبه، و عرضوا فيه بأنه أعان عليه، فخرج مغضبا و هو يقول: «و اللّه لو لا مكاني لاحتز الذي فيه عيناه» و اعتزل الناس.
و قاموا بأجمعهم عليه و رأسهم في ذلك طلحة و الزبير، فحوصر إلى أن قتل، و كان سبب ذلك ما ذكرناه من ردّه الحكم و بنيه و أهله الذين نفاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
هذا نص الخبر فيهم و الروايات التي أتت بأخبارهم [1].
[1]- تاريخ الطبري: 3/ 595 و 413، تاريخ المدينة للنميري: 3/ 1125- 1130، شرح نهج البلاغة: 3/ 31، تاريخ ابن خلدون: 1/ 146.
ذكر ما جاء من القول في جملة بني أمية و أشياعهم من مبغضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
روى الثقات من طرق شتى و جهات يطول ذكرها، حذفنا ذكر أسانيد ذلك اختصارا كما شرطنا في أول الكتاب، و ذكرنا أنّا لم نأت فيه إلّا بالمشهور المعروف و الثابت الصحيح: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أصبح يوما خائرا حزينا فقيل له في ذلك، فقال: «رأيت الليلة في منامي غلمان بني الحكم يصعدون على منبري و ينزلون فقلت: يا ربّ في حياتي؟ فقيل: لا و لكنهم بعدك».
فأنزل اللّه تعالى في ذلك عليه: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً [1] [2].
و روي عن عمر أنه قال: كان قرأ فيما نقرأ: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ [3] في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله، قيل له: و متى ذلك؟
فقال: إذا كانت بنو أمية الأمراء و بنو المغيرة الوزراء [4].
و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين اللّه دغلا و ماله دولا و عباده خولا» [5].
[1]- سورة الاسراء: 60.
[2]- تاريخ الطبري: 8/ 186، تاريخ دمشق: 57/ 267 و 341، شرح نهج البلاغة: 9/ 220، البداية و النهاية: 10/ 53.
[3]- سورة الحج: 78.
[4]- البداية و النهاية: 6/ 240، الدر المنثور: 4/ 371، و قال: أخرجه البيهقي في الدلائل، فتح القدير: 3/ 472.
[5]- مسند أبي يعلى: 2/ 384 ح 1125، المعجم الصغير: 2/ 135، المستدرك: 4/ 480، البداية
و عنه: أنه رأى بني أمية على منابره فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي دنيا يعطونها فقرّت عينه [1].
و عن علي عليه السّلام أنه قال: «لكل شيء آفة تفسده و آفة الدين بنو أمية» [2].
و قيل: إنه كان أبغض الأحياء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بني أمية [3].
و عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أنه قال في قول اللّه: وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [4].
قال: «يعني بنو أمية» [5].
و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «ليرعفن جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا» [6].
فرعف عمرو بن سعيد بن العاص حتى سال رعافه على درج المنبر و ما نزل عنه.
و خطب علي عليه السّلام فقال في خطبته: «إن رأيتم رجلا من بني أمية في الماء إلى حلقه فغطوه في الماء حتى يغرق، فإنه لو لم يبق منهم إلّا رجل واحد لبغى دين اللّه عوجا».
و عن الحسين بن علي عليه السّلام: أنه كان جالسا في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله فسمع رجلا من
- و النهاية: 6/ 271.
[1]- تاريخ دمشق: 57/ 341، البداية و النهاية: 10/ 53.
[2]- الفتن للمروزي: 72، العلل لابن حنبل: 3/ 455 ح 5933، كنز العمال: 14/ 87 ح 38013.
[3]- الفتن للمروزي: 74، المعجم الكبير: 18/ 230، كنز العمال: 11/ 274 ح 31500.
[4]- سورة مريم: 97.
[5]- شواهد التنزيل: 1/ 473 ح 503.
[6]- مسند أحمد: 2/ 385 و 522، تاريخ دمشق: 46/ 36، البداية و النهاية: 6/ 263، مجمع الزوائد: 5/ 240.
بني أمية يحدث أصحابه و يسمع الحسين عليه السّلام حديثه، و هو يقول و قد ذكر آل أبي طالب: قد شركناهم في النبوة حتى نلنا منها مثل ما نالوا منها من السبب و النسب، و نلنا من الخلافة ما لم ينالوا، فبم يفخرون علينا؟ فردد هذا القول ثلاث مرات.
فأقبل الحسين عليه السّلام بوجهه إلى ناحيته و قال: «أمّا في أول وهلة فإني كففت عنك حلما، و أمّا الثانية فإني كففت عنك عفوا، و أمّا الثالثة فإني أجيبك: إني سمعت أبي يقول: إن في الوحي الذي أنزله اللّه على محمد صلّى اللّه عليه و آله أنه إذا قامت القيامة الكبرى، حشر اللّه بني أمية في صورة الذر يتوطأهم الناس حتى يفرغ من الحساب ثم يؤتى بهم فيحاسبوا و يصار بهم إلى النار».
و عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليه السّلام أنه قال: «ما أهل بيت إلّا و للّه فيهم نجيب أو فيهم ناج، ما خلا بني أمية فإن اللّه لم يجعل فيهم نجيبا و لا ناجيا».
و عن أبي بكرة أنه ذكر بني أمية فقيل له: كأنك إنما عتبت على معاوية و زياد في الدنيا.
فقال: و أي ذنب أعظم من استعمالهم فلانا على كذا و فلانا على كذا، لا و اللّه و لكن القوم كفروا صراحة [1].
و قال في موضع آخر: يرى الناس إنما عتبت على هؤلاء في الدنيا و قد استعملوا عبد اللّه على فارس و روادا على ديوان الرزق و عبد الرحمن على بيت المال، كلا و اللّه و لكني إنما عتبت عليهم لأنهم كفروا صراحا.
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أئمة الكفر خمسة منهم معاوية و عمرو» [2].
و قال ابن مسعود: خمسة من قريش ضالون مضلون فذكر منهم معاوية و عمرو.
[1]- تاريخ دمشق: 62/ 217، تهذيب الكمال: 30/ 7، سير أعلام النبلاء: 3/ 9.
[2]- المصنف لعبد الرزاق: 11/ 350 ح 20726، العلل لابن حنبل: 2/ 127، التاريخ الكبير: 7/ 316 (بتفاوت).
و عن حذيفة اليماني أنه قال: كنت أقود برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عمار يسوق به ليلة العقبة، إذ أقبل إلينا اثنا عشر راكبا و قد علون العقبة ما يرى منهم إلّا الحدق لينفروا برسول اللّه، فجعلت أضرب وجوههم عنه فقال: «دعهم فسيكفيكهم اللّه» ثم دعا بهم و سمّاهم رجلا رجلا، و قال: «هؤلاء المنافقون في الدنيا و الآخرة».
قال: و كان فيهم أبو سفيان و معاوية و عتبة و عمرو بن العاص و أبو الأعور السلمي و المغيرة بن شعبة و جماعة من بني أمية [1].
و عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: «مر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد منصرفه من جنازة ابنه القاسم بعمرو بن العاص و العاص بن وائل فقال أحدهما لصاحبه: و اللّه إني لأشنؤه فقال الآخر: دعه فقد أصبح أبتر، يعني لموت ابنه، فأنزل اللّه عزّ و جلّ بهما:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [2].
و هجا عمرو بن العاص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بسبعين بيتا فقال: «اللهم إني لا أحسن الشعر فالعنه بكل بيت لعنة»، و عمرو بن العاص لغير رشده [3].
و قال ابن الكلبي و ابن إسحاق و الهيثم بن عدي: كانت النابغة أم عمرو بن العاص من العواهر المشتهرات ذوات الرايات، و كنّ يحضرن عكاظ و مجنة و ذا المجاز أسواق العرب، ينصبن فيها الرايات لتدل عليهن من أراد العهار ليأتيهن، و كان للنابغة أم عمرو وراثة الأبطح، و كان خزيمة بن عمرو الخزاعي و غيره يأتونها، و وقع عليها العاص بن وائل و كان بيطارا يعالج الخيل و الإبل فجاءت منه بعمرو، ففي ذلك يقول حسان بن ثابت يهجوه لما هجا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعني يقول:
[1]- المعجم الاوسط: 8/ 102، البداية و النهاية: 5/ 25- 30، تفسير ابن كثير: 2/ 386، مجمع الزوائد: 1/ 109.
[2]- الطبقات الكبرى: 1/ 133 و 3/ 7، تاريخ دمشق: 46/ 118، الدر المنثور: 6/ 404.
[3]- تاريخ دمشق: 25/ 178، شرح نهج البلاغة: 6/ 291.
أما ابن نابغة أعني الهجين فقد * * * انحيت فيه لسانا صارما ذكرا
ما بال أمك زاغت عن ذوي شرف * * * إلى جذيمة لمّا عفت الأثرا
باتت بليل و ملحان يعالجها * * * عند الجحون فما ملا و لا فترا [1]
و ملحان مولى الخزاعة، و كان أيضا يقع بالنابغة أم عمرو.
قال هشام: كان من حديث النابغة أم عمرو بن العاص: أنها كانت بغيا من طوائف العرب، فقدمت مكة و معها بنات لها، فوقع عليها نفر من قريش في الجاهلية فيهم:
أبو لهب بن عبد المطلب، و أمية بن خلف، و هشام بن المغيرة المخزومي، و أبو سفيان بن حرب بن أمية، و العاص ابن وائل السهمي، بطهر واحد فحملت فولدت عمرو، و اختصم القوم جميعا فيه كلهم يزعم أنه ابنه، ثم ضرب عنه ثلاثة و أكبّ عليه اثنان: العاص بن وائل و أبو سفيان.
فقال أبو سفيان: أما و اللّه إني وضعته في رحم أمه.
فقال له العاص: ليس ممّا تقول شيء هو ابني.
فحكّما فيه أمه فقالت: هو للعاص.
فقيل لها بعد ذلك: ويحك ما حملك على ما صنعت، فو اللّه إن أبا سفيان لأشرف من العاص.
قالت: إن العاص كان ينفق على بناتي و لو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق عليّ العاص شيئا، و خفت الضيعة.
و كان ابن النابغة من عشرة و كان العاص جزارا، و لذلك قيل لعمرو: إنه اختصم فيه من قريش أحرارها فغلب عليهم جزّارها.
و كان العاص بن وائل استخلفه وائل و كان أصله من ناحية بحر تهامة.
و روي عن سلمان الفارسي رحمة اللّه عليه أنه قال يوما لمّا بايع الناس أبا بكر: لقد
[1]- ديوان حسان بن ثابت: 129.
فعلتم فعلة أطمعتم فيها أبناء اللعناء [1].
و قال علي عليه السّلام و هو يقاتل معاوية: «يا معشر المسلمين فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ هم هؤلاء و ربّ الكعبة و البيت الحرام» [2].
و روي عن علي عليه السّلام أنه قال: «رأيت النبي في منامي فجعلت أبكي و أقول: ما ذا لقيت من أمتك بعدك يا رسول اللّه؟
فقال: لا تبك و ارفع رأسك، فرفعت رأسي و إذا أنا بمعاوية و عمرو بن العاص معلقين يرضخ رأسهما بالحجارة، فجعلت آخذ الحجر العظيم فأرضخ به رأسهما».
فقصّ هذه الرؤيا على الناس، و كان بينها و بين موته خمسة عشر يوما [3].
و قال علي عليه السّلام في قول اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [4].
قال: «نزلت في الأفجرين من قريش من بني أمية و بني المغيرة، فأما بنو مغيرة فقطع اللّه تعالى دابرهم يوم بدر، و أما بنو أمية فمتعوا إلى حين» [5].
و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «قال لي جبرئيل: يا محمد ما ركزت لواء قط في موضع إلّا ركز إبليس لواءه، و لمّا ركزت لوائي في بني هاشم ركز لواءه في بني أمية، و ما زال ينازلني المنازل فلمّا نزلت إليكم نزل في بني أمية».
[1]- الايضاح: 457.
[2]- تفسير فرات الكوفي: 163، و الآية في سورة التوبة: 12.
[3]- وقعة صفين: 218، مسند أبي يعلى: 1/ 398 ح 520، كنز العمال: 13/ 190 ح 36567.
(4)- سورة إبراهيم: 28- 30.
[5]- المستدرك: 2/ 352، المعيار و الموازنة: 299، المعجم الاوسط: 1/ 237، تفسير الطبري: 13/ 287.
ذكر مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و مثالب معاوية بن أبي سفيان لعنة اللّه عليه
مناقب علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و فضائله:
لو استقصينا ذكر ما رويناه منها و بسطناه في هذا الكتاب، لخرج عن حدّه الذي بنيناه عليه، لكثرة ذلك و طوله و اتساع القول فيه، و كذلك مثالب معاوية و مخازيه، و لمّا لم ينبغ استقصاء ذلك على الكمال و لا تركه على كل حال، رأينا أن نذكر منه وجوها يكتفى بها، و نكتا يستغنى بذكرها عمّا سواها، و قد ذكرنا نحو هذا في صدر هذا الكتاب، و لكنّا أردنا أن نوضحه في هذا الباب، و كذلك ما نجري ذكره فيما بعد من الأبواب التي تجمع فيها بين مناقب أولياء اللّه و مثالب أعدائه، فإنما نذكر من ذلك جملا من المعروف و المشهور، و البيّن الواضح الملموس، نختصرها على مقدار ما بسّطنا عليه الكتاب، و رتّبنا عليه ما بوّبناه فيه من الأبواب.
و قد يذكر نحو هذا الكلام كثير من مؤلف الكتب تدليسا و تمويها، فيظهر أنه اختصر القول و هو أبلغ ما عنده و غاية ما وجده، فمن عسى أن يظن ذلك بنا فيما قلناه ممّن قد نظر في شيء من الأخبار و عرف طرفا من الفضائل، قد وقف على أنه قد جمع في فضائل علي عليه السّلام أضعاف هذا الكتاب بأسره، فلو جئنا بذلك كله فأثبتناه بجملته لطال الكتاب عن تأليفه و خرج عن حدّه، فمن قال في ذلك ما قاله تدليسا و كذبا، فإنّا لم نقل بحمد اللّه منه إلّا صدقا و حقا.
[إسلام علي عليه السّلام]
و قد ذكرت فيما تقدم: أن أبا طالب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كفله بعد موت جدّه و أبيه، و أن جدّه عبد المطلب كان أسند إليه أمره، و كان له فيه من الكفالة و التربية و حسن القيام و الذب و النصرة و المعونة و الحمية ما ذكرنا أيضا لطال ذكره، و هو مذكور في
كتب المغازي و الأنساب و الأخبار، مقيّدا بالأسانيد مؤكدا بشواهد الأشعار، رواه الثقات و جمعه الرواة.
فلمّا بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مبلغ الرجال، و صار إلى حدّ الضبط و الكمال، أخذ إليه عليا من أبي طالب أبيه، ليجزيه فيه بما صنع إليه و هو غلام صغير، فكفله دون أبيه و ولي حضانته و تربيته و القيام عليه، و أحلّه من نفسه محل الوالد من والده و الأخ الشقيق من أخيه، فنشأ علي عليه السّلام في حجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تأدب بآدابه و أخذ عنه لمّا أراد اللّه من كرامته و تطهيره، فلم يعبد صنما قط و لا أشرك باللّه طرفة عين، حتى إذا أكرم اللّه رسوله بالرسالة و اختصه بالنبوة و الكرامة، كان أول من دعاه إلى الإسلام من ذكور أمته، و أخص من اختصه بذلك من جميع أقاربه و عترته، فأسرّ ذلك إليه و أطلعه عليه و دعاه إليه، فقال له: «انظرني الليلة» و اضمر أن يشاور في ذلك أباه أبا طالب.
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إن أردت ذلك فافعل و هي أمانة عندك».
فقال علي صلوات اللّه عليه: «أما إذا كانت أمانة فما أنتظر، و لكني أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنك رسوله».
فآمن باللّه و برسوله معا و الناس مشركون، و صدّق نبيّه و هم له مكذبون، فكان أول المؤمنين إيمانا و أسبق السابقين سبقا، فكان لذلك من المقرّبين و الصديقين و أحق من ذكر بهذين الاسمين، و لذلك قيل: كل آية في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* فعلي رأسها [1].
و لمّا أنزل اللّه عزّ و جلّ على رسوله صلّى اللّه عليه و آله: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [2] جمع
[1]- حلية الاولياء: 1/ 64، المعجم الكبير: 11/ 264، شواهد التنزيل: 1/ 65 ح 71، تاريخ دمشق: 42/ 363.
[2]- سورة الشعراء: 214.
بني عبد المطلب، و كانوا يومئذ أربعين رجلا منهم عشرة يأكل كل واحد منهم الجفنة و يشرب منهم الفرق، فصنع لهم طعاما برجل شاة و قدّمه إليهم مع قدح من لبن، فأكلوا منه حتى صدروا و شربوا اللبن من ذلك القدح كلهم حتى ارتووا، و قال لهم: «يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض و حكامها، إن اللّه عزّ و جلّ لم يبعث نبيّا إلّا جعل له وصيّا و وارثا و وزيرا و أخا، فأيكم يكون وصيي و وزيري و أخي؟»
فسكتوا، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلا رجلا ليس منهم أحد يقبله، حتى إذا انتهى إلى علي عليه السّلام و كان آخرهم و أحدثهم سنّا، فعرض ذلك عليه فقال: «نعم أنا يا رسول اللّه».
قال: «أنت يا علي».
فانصرفوا يستهزءون و يقولون لأبي طالب: قد قدّم اليوم ابنك عليك.
و قال لهم أبو لهب لعنة اللّه: لو لم تستدلوا على سحره إلّا بما رأيتم، قد أتاكم بفخذ شاة و قدح من لبن فأشبعكم ذلك و أرواكم و صدرتم عنه [1].
[الوصي و الوزير]
و كان علي وصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وزيره، و آخى بين أصحابه و تركه فقال: «يا رسول اللّه قد بقيت لا أخ لي».
فقال: «إنما أخرتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و أنت وصيي و خليفتي من بعدي و خير من أخلف من أهل بيتي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي» [2].
[1]- الطبقات الكبرى: 1/ 187، مسند أحمد: 1/ 159، تاريخ الطبري: 2/ 64.
[2]- تاريخ دمشق: 21/ 415 و 42/ 53، مناقب الخوارزمي: 140/ ح 159.
و كان هارون وصي موسى عليه السّلام في قومه و خليفته عليهم.
و لمّا أنزل اللّه عزّ و جلّ: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [1] فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «علي مني و أنا منه» [2].
فدلّ بذلك من قوله على أنه الشاهد على الأمة بعده.
و لمّا أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الهجرة، و ذلك لمّا أتاه جبرئيل و أخبره أن قريشا قد تعاقدوا عليه ليأتوه ليلا في منزله فيقتلوه و أخبره بالليلة التي تواعدوا لها، خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى الغار و أمر عليا عليه السّلام أن يضطجع في مضجعه ليرى أنه لم يزل، و كانت محنة امتحن اللّه و رسوله بها عليا صلوات اللّه عليه، فصبر لها موطّنا نفسه على القتل، فنام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و استخلفه على قضاء ديونه و دفع أمانات كانت للناس في يديه و أمورا أمره بإحكامها و اللحوق به بعد ذلك، فامتثل ذلك من أمره و لحق به و كان [أيام] مقامه في الغار يختلف إليه بالطعام و يأتيه بالأخبار، و اشترى له ما احتاج إليه في سفره و أتى به [3].
و بنى الناس بيوتا حول مسجده صلّى اللّه عليه و آله و فتحوا أبوابها إليه، فأمره اللّه عزّ و جلّ بسد الأبواب على من بناها، فسدوها كلها و ترك باب علي عليه السّلام معه وحده، و تكلم في ذلك بعض أهل بيته.
فقال: «و اللّه ما أنا سددت أبوابكم و فتحت باب علي بل اللّه فعل ذلك» [4].
[1]- سورة هود: 17.
[2]- مسند أحمد: 4/ 165، سنن الترمذي: 5/ 636 ح 3719، سنن ابن ماجة: 1/ 55 ح 156، المعجم الكبير: 4/ 3511، مصابيح السنة: 4/ 172 ح 4768، مناقب ابن المغازلي: 221.
[3]- مسند أحمد: 1/ 348، شواهد التنزيل: 1/ 129 ح 139، المعجم الكبير: 11/ 322، تاريخ الطبري: 42/ 137.
[4]- مسند أبي يعلى: 2/ 61 ح 703، السنن الكبرى للنسائي: 5/ 118 ح 8423، المعجم-
و شهد بدرا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو ابن ثمان عشرة سنة، فانهضه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى مبارزة أبطال قريش و صناديدها فقتلهم اللّه عزّ و جلّ بيده، و انهزم الناس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم أحد و يوم حنين، و ثبت بين يديه يقيه بنفسه و يدفع عنه بمهجته، و قتل اللّه عند ذلك أبطال المشركين بيده، و اقتحم عمرو بن عبد ود العامري الخندق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأنهض أصحابه إليه فأحجموا دونه، فبرز إليه علي عليه السّلام فقتله اللّه بيده [1]، و كان واحد العرب نجدة و شجاعة لا تعدل العرب به رجلا منها.
و انهزم الناس عن خيبر فأنهض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إليها عليا عليه السّلام و هو أرمد و تفل في عينيه فبرئ و أعطاه الراية و قال- قيل: ذلك لمّا انهزم الناس عنها-: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه» [2].
فأعطاها عليا عليه السّلام و نهض فافتتح خيبر و أقلع باب حصنها بيده فألقاه، فلم يرفع بعد ذلك حتى اجتمع عليه أربعون رجلا [3].
و شهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالجنة في غير موطن، و لم يقدّم عليه أحدا قط في بعث، و لا أخرجه فيه إلّا كان هو المقدّم على من معه.
- الاوسط: 4/ 186.
[1]- الطبقات الكبرى: 2/ 68، السنن الكبرى للبيهقي: 6/ 308، تاريخ الطبري: 2/ 239، تفسير القرطبي: 14/ 134.
[2]- مسند أحمد: 5/ 333، صحيح البخاري: 4/ 20 و 207، مسند أبي يعلى: 1/ 291 ح 354، سنن النسائي: 5/ 46.
[3]- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 507 ح 76، تاريخ بغداد: 11/ 323، تاريخ دمشق: 42/ 111، فتح الباري: 7/ 367.
و دعا له بالعلم و كان أعلم الناس بعده، و قال: «أقضاكم علي» [1] و القضاء يجتمع على جميع العلوم، و لا يستحقه إلّا من يكون أعلم القوم الذين يستقضي عليهم، و استقضاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على اليمن، و أمّره فقضى غير مرّة بحضرته، و استحسن ما قضى به و قال: «أوصي من آمن بي و صدقني بولاية علي بن أبي طالب، فإن ولاءه ولائي، أمر أمرني به ربّي و عهد عهده إليّ» [2].
و أمر اللّه عزّ و جلّ رسوله بمباهلة الحبرين من النصارى، كما ذكر في كتابه للذين حاجّاه في أمر عيسى عليه السّلام في قوله: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [3] فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للمباهلة بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين، فكاع الحبران عن مباهلته و نظرا إلى دلائل النبوة معه [4].
و في ذلك اليوم بسط الكساء عليه و على علي عليه السّلام و فاطمة و الحسن و الحسين و أنزل اللّه فيهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [5] [6].
[1]- تاريخ دمشق: 51/ 300، تفسير القرطبي: 15/ 162، مطالب السئول: 1/ 112.
[2]- تاريخ دمشق: 52/ 7، الفردوس للديلمي: 1/ 429 ح 1751، مناقب ابن المغازلي: 23 ح 277، كفاية الطالب: 74.
[3]- سورة آل عمران: 61.
[4]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 82، شواهد التنزيل: 1/ 160 ح 172، زاد المسير: 1/ 339، تفسير القرطبي: 4/ 104.
[5]- سورة الاحزاب: 33.
[6]- مسند أحمد: 1/ 331، صحيح مسلم: 7/ 130، سنن الترمذي: 5/ 328 ح 3875، المستدرك: 2/ 416.
و بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة، ليقرأها عليهم و نبذ إليهم عهدهم، فلمّا وصل بها إلى المدينة أنزل اللّه عزّ و جلّ على رسوله: لا يبلغ عنك إلّا عليّ، فأرسل به في طلب أبي بكر فأخذ براءة منه و بلّغها مشركي أهل مكة و نبذ إليهم عهدهم [1].
و فخر عليه عثمان بن شيبة بسدانة البيت و البيت و العباس بالسقاية، و فخر عليهما هو بالسبق إلى الإيمان و الجهاد في سبيل اللّه، و ترافعوا في ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأمسك عن جوابهم حتى أنزل اللّه في ذلك عليه: أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ إلى قوله: عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [2] [3].
و زوّجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ابنته فاطمة عليها السّلام سيد نساء العالمين و قال: «ما زوجته إيّاها في الأرض حتى زوجه اللّه في السماء، و أشهد على ذلك ملائكته، و نثر في الجنة نثارها، و ابتهجت الملائكة بهما» في حديث طويل ذكره صلى اللّه عليه و آله [4].
و جعل اللّه عزّ و جلّ ذرية رسوله محمد صلّى اللّه عليه و آله ولد فاطمة عليها السّلام من علي عليه السّلام، فليس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذرية غيرها، و كان عليّ عليه السّلام صاحب راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال
[1]- مسند أحمد: 1/ 3، مسند أبي يعلى: 1/ 100 ح 104، المستدرك: 3/ 51، تاريخ دمشق: 42/ 347.
[2]- سورة التوبة: 19- 22.
[3]- أسباب النزول: 163، شواهد التنزيل: 1/ 325 ح 335، زاد المسير: 3/ 279، تاريخ دمشق: 42/ 358.
[4]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 41، مناقب ابن المغازلي: 101 ح 143 و 344 ح 395، تاريخ دمشق: 42/ 126.
يوما: «أول من يدخل الجنة علي بن أبي طالب».
فقال له بعض أصحابه: أ ليس قد قلت يا رسول اللّه إن الجنة محرّمة على الأنبياء و الأمم حتى تدخلها أنت، فإنك أول من يدخل الجنة.
فقال: «نعم، و علي صاحب لوائي في الدنيا و هو صاحب لواء الحمد يوم القيامة فيدخل به الجنة بين يدي و صاحب اللواء أمام القوم» [1].
و علي عليه السّلام الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أنا خاتم النبيين و أنت خاتم الوصيين» [2].
و هو أحد الخمسة أصحاب الكساء، شهد القرآن بتطهيرهم و ذهاب الرجس عنهم، و هم رسول اللّه و علي و فاطمة و الحسن و الحسين صلى اللّه عليه و عليهم.
و هو الذي نادى جبرئيل يوم أحد لمّا رآه أبلى في قتل المشركين: لا فتى إلّا علي و لا سيف إلّا ذو الفقار.
و قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا محمد إن هذه للمواساة.
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنه مني و أنا منه».
قال جبرئيل: و أنا منكما [3].
و هو الذي أبانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالخلافة و أشهد له بالولاية في حجة الوداع بغدير خم، و نادى في الناس و جمعهم إليه، و قد اختلفوا من مشرق و مغرب و أتوا من كل أفق يشهدوا الحج معه، فنادى فيهم و جمعهم، ثم قام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و أقام عليا إلى جانبه و قال للناس: «أ لستم تعلمون أني أولى بكم من أنفسكم».
[1]- مناقب الخوارزمي: 317 ح 319.
[2]- الفضائل لابن شاذان: 146، فرائد السمطين: 1/ 147 ح 110، ينابيع المودة: 1/ 236 ح 7.
[3]- المعجم الكبير: 1/ 318 ح 941، تاريخ الطبري: 2/ 197، تاريخ دمشق: 42/ 76، شرح نهج البلاغة: 10/ 182.
قالوا: اللهم نعم.
قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه».
و أخذ بيد علي عليه السّلام فرفعهما حتى رأي بياض ابطيه ثم قال: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله و أدر الحق معه حيث دار، ألا هل بلّغت؟»
قالوا: نعم.
قال: «اللهم اشهد» [1].
و هو الذي أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين لمّا أنزل اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ* [2] و قال عزّ و جلّ: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [3].
فأجمع عامة المسلمين: على أن الذين قاتلوا عليا من أصحاب الجمل و أهل النهروان و معاوية و أصحابه هم أهل البغي، و أن عليا عليه السّلام و أصحابه طائفة العدل، كذلك قال فقهاء العامة، و من سيرة علي عليه السّلام فيهم أخذوا السيرة في أهل البغي و هو أصلهم الذي بنوا عليه [4].
[1]- مسند أحمد: 3/ 17، سنن الدارمي: 2/ 310 ح 2319، تاريخ اليعقوبي: 2/ 112، حلية الاولياء: 1/ 355.
[2]- سورة التوبة: 73.
[3]- سورة الحجرات: 9.
[4]- قال الامام الشافعي: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول اللّه (ص) و أخذوا السيرة في قتال البغاة من عليّ انظر: الحاوي الكبير: 13/ 104، مطالب السئول: 1/ 116.-
و أخبر أصحابه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بصفة ذي الثدية و قال: «اطلبوه في القتلى» يعني قتلى الخوارج، فطلبوه فلم يجدوه، فجعل يقول: «و اللّه ما كذبت و لا كذبت» و طلبه حتى وجده و استخرجه من تحت القتلى على الصفة التي وصفها لهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله له ثدي كثدي المرأة إذا مدت امتدت [1].
و هو الذي أخّر صلاة العصر لأمر أراد به رضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتى همّت الشمس أن تغرب، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن تحبس عليه فحبست عليه حتى صلى العصر ثم غابت [2].
و هو الذي علمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من العلم و الحكمة ألف باب، كل باب منها يفتح
- و قال الامام أبو حنيفة: ما قاتل أحد عليّا إلا و عليّ أولى بالحق منه، و لو لا ما سار علي عليه السلام فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين، و لا شك أن عليا انما قاتل طلحة و الزبير بعد أن بايعاه و خالفاه، و في يوم الجمل سار علي عليه السلام فيهم بالعدل و هو أعلم المسلمين، فكانت السنة في قتال أهل البغي انظر: مناقب أبي حنيفة للخوارزمي: 2/ 83.
و قال ابن العربي: فكل من خرج على علي باغ و قتال الباغي واجب حتى يفئ الى الحق و ينقاد الى الصلح، و ان قتاله لاهل الشام الذين أبو الدخول في البيعة، و أهل الجمل و النهروان، و الذين خلعوا بيعته، حق انظر: أحكام القرآن: 4/ 1718- 1721.
و قال الباقلاني: قال جلة أهل العلم: لو لا حرب علي لمن خالفة لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة التمهيد: 547.
[1]- مسند أحمد: 1/ 139، صحيح مسلم: 3/ 116، سنن البيهقي: 8/ 171، المستدرك: 5324.
[2]- المعجم الكبير: 24/ 151 ح 391، تاريخ دمشق: 42/ 314، مناقب ابن المغازلي: 96 ح 140، مناقب الخوارزمي: 306 ح 301، و راجع رسالة السيوطي: كشف اللبس عن حديث رد الشمس.
ألف باب [1].
و هو الذي قال: «كنت إذا سألت رسول اللّه أجابني فإذا سكت ابتدأني» [2].
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أنت أول الناس بي إيمانا و آخرهم بي عهدا و أول من يصافحني يوم القيامة» [3].
و أوصى إليه و دفع إليه سلاحه، و استخلفه في أهله و على أمّته، و فاضت نفسه في يده فمسح بها وجهه، و أوصاه بغسله و قال له: «لا ينظر إلى عورتي أحد غيرك إلّا عمي»، و قال: «ستعان على غسلي».
فكان يجد حسّ يد معه تقلبه و هي يد جبرئيل عليه السّلام و هو غسله معه، و أراد عليّ أن ينزع عنه القميص فناداه مناد يسمعه و لا يراه: لا تنزع القميص، فغسله في قميصه و أدخل يده تحته يلي بها جسده، و أراد أن يكبّه لوجهه ليغسل ظهره فناداه:
لا تكبّه لوجهه، فقلبه لجنبه و لم يدر الناس كيف يصلون عليه، فقال لهم: «إن رسول اللّه إمام حيّا و ميتا» و أدخلهم عليه عشرة عشرة و كانوا يصلون عليه و ينصرفون [4].
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحبك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق» [5].
[1]- تاريخ دمشق: 42/ 385، مطالب السئول: 1/ 135، اللآلي المصنوعة: 1/ 375، فرائد السمطين: 1/ 101 ح 70.
[2]- الطبقات الكبرى: 2/ 338، سنن الترمذي: 5/ 301 ح 3806، سنن النسائي: 5/ 142 ح 8504، تاريخ دمشق: 42/ 377.
[3]- المعجم الكبير: 6/ 269، تاريخ دمشق: 42/ 41- 43، اسد الغابة: 5/ 287، شرح نهج البلاغة: 13/ 228.
[4]- شرح نهج البلاغة: 10/ 186.
[5]- مسند أحمد: 4/ 438، سنن الترمذي: 5/ 636 ح 7636، سنن النسائي: 8/ 116، تاريخ بغداد: 8/ 417.
و قال بعض أصحابه: ما كنّا نعرف المنافقين فينا إلّا ببغضهم عليا [1].
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أنت يعسوب المؤمنين و المال يعسوب المنافقين» [2].
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «حربك حربي و سلمك سلمي، من حاربك فكأنما حارب اللّه و رسوله، و ما دعوت اللّه لنفسي شيئا إلّا دعوت لك بمثله» [3].
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد حدّثه عن الإسراء: «ما مررت بأهل سماء إلّا و هم يقولون لي: يا محمد استوص بوصيك عليّ خيرا، و رأيت في ساق العرش مكتوبا: لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه أيدته بعليّ و نصرته به» [4].
و هو الذي قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل الطائف: «و الذي نفسي بيده لتدينن اللّه بدينه و لتقمن الصلاة و لتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا طاعته كطاعتي و معصيته كمعصيتي، و هو باب اللّه الذي يؤتى منه ليقتلنكم عن آخركم» ثم أومى بيده إلى علي و قال: «هو هذا» [5].
و هو الذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأصحابه: «خليفتي فيكم خاصف النعل» و كان
[1]- سنن الترمذي: 5/ 635 ح 3717، المعجم الاوسط: 3/ 76 ح 2146، حلية الأولياء: 2956، الاستيعاب: 3/ 46.
[2]- المعجم الكبير: 6/ 269، تاريخ دمشق: 42/ 41، الاصابة: 7/ 294، الجامع الصغير: 1782 ح 5600.
[3]- السنن الكبرى للنسائي: 5/ 151، خصائص أمير المؤمنين: 126، مناقب ابن المغازلي: 238 ح 285.
[4]- شواهد التنزيل: 1/ 293 ح 300، المعجم الكبير: 22/ 200، تاريخ دمشق: 42/ 336.
[5]- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 506 ح 74، سنن النسائي: 5/ 128، تاريخ دمشق: 42/ 343، شرح نهج البلاغة: 9/ 167.
بفناء البيت يخصف نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [1].
و هو الذي كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا أتى وفد الملائكة، فسمع سلامهم عليه و أبصر عددهم، و كان كلما سمع سلاما منهم سلّم و عقد بيده، فبلغ عددهم ثلاثمائة و ستة و ستين، فأخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال له: «صدقت يا علي» أعد الجواب فهذه علامات الوصي.
و في ذلك يقول السيد الحميري:
و ظل يعقد بالكفين مستمعا * * * كأنه حاسب من أهل دارينا [2]
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين النبي الأمي محمد بن عبد اللّه فأجيب، ثم يؤذن لي فأناديك: أين علي بن أبي طالب مبرئ ذمتي و منجز عداتي و صاحب كنانة علمي و أخي في الدنيا و أخي في الآخرة، فتجيء فأقيمك مقامك و أدفع إليك لواء حمدي فيقول الملائكة: من هذا؟ فيقال: علي بن أبي طالب عليه السّلام، أ ما ترضى يا علي أن تدعى إذا دعيت و تجيء إذا جئت و تكسى إذا كسيت» [3].
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «عرضك من عرضي فمن سبّك فقد سبّني».
و هو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنك ستلقى بعدي اثرة» و أوجب له على ذلك الجنة [4].
فهذه مناقب علي بن أبي طالب عليه السّلام.
[1]- رسائل المرتضى: 4/ 68، الاحتجاج: 1/ 244.
[2]- الاختصاص: 154.
[3]- مناقب ابن المغازلي: 42 ح 65، تاريخ دمشق: 42/ 54، مناقب الخوارزمي: 140 ح 159، شرح النهج: 9/ 169.
[4]- المصنف لابن أبي شيبة: 7/ 503 ح 54، المستدرك: 3/ 140، و فيهما: (جهدا) بدل (اثرة).
[مثالب معاوية بن أبي سفيان]
[معاوية بن أبي سفيان]
و أمّا ما شرطناه من ذكر بعض مثالب معاوية لعنه اللّه، فقد ذكرنا عداوته و عداوة أبيه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لعنته إياهما، و في ذلك ما كفى من المثالب و أغنى من ذكر المعايب، و أسلم معاوية في ظاهر أمره عام الفتح مع أبيه مستسلمين كما ذكرنا لا راغبين في الإسلام و لا داخلين فيه باعتقاد، و لكن للخوف من القتل لما أبقاه بالغلبة، و زعم معاوية فيما حكي عنه: أنه أسلم عام الحديبية، و أنه لقى رسول اللّه و وصف له الإسلام فقبله، و لم يثبت ما ادّعاه من ذلك.
و هو و أبوه عند كافة أهل العلم بالأخبار و الحديث من المؤلفة قلوبهم، إلّا أن بعضهم زعم أن معاوية بعد ذلك حسن إسلامه، و كذب هذا القائل، بل ازداد كفرا إلى كفره و فسقا إلى فسقه، بمحاربة وصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ما سنذكره من حاله، و لم يزل معتقدا بغضه النبي صلّى اللّه عليه و آله و بغضه أهل بيته على سبيل اعتقاد أوليته و حقده و عداوته، و تسموا نفسه إلى حيث لا ينبغي أن تسموا إليه مثله، و في مثل ذلك ما قيل عنه: إنه قال لدغفل النسابة، و قد دخل عليه في أيام تغلّبه: يا دغفل نحن أفضل أم بنو هاشم؟
قال له دغفل: اعفني من هذا الكلام في هذا يا أمير المؤمنين.
قال: لا بدّ أن تقول و ما أنا بمعفيك.
قال: بنو هاشم أفصح و أصبح و أسمح، و أنتم أغدر و أنكر و أمكر، فتغير عليه [1].
فهذا هو عدو اللّه يروم أن يكون أفضل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ينكر أن يفضل عليه، و ثقات أهل المعرفة بالأخبار يأثرون هو الذي سم الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه فمات من ذلك [2] مع ما قتل بسببه من أفاضل الصحابة من
[1]- عيون الاخبار لابن قتيبة: 4/ 25، النزاع و التخاصم: 73.
[2]- اتفقت مصادر السيرة و التاريخ و التراجم و الحديث و غيرها على أن الحسن مات مسموما،-
المهاجرين و الأنصار، و من قتل بعد ذلك منهم صبرا لمّا تغلّب، و ما اقتطعه من مال اللّه و أموال عباده، ممّا أفل من ذلك من فعله يوجب الفسق و الكفر، مع ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله من طرق و جهات شتى و نقل الثقات، فقد روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص من طرق شتى أنه قال: جلست عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو في جماعة من أصحابه فسمعته يقول: «أول طالع يطلع عليكم من هذا الفج يموت على غير ملتي».
قال عبد اللّه: و كنت تركت أبي ليلبس ثيابه ليأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فما زالت عيني إلى الطريق، و كنت كحابس البول خوفا من أن يكون أبي هو الذي يطلع، إلى أن طلع معاوية فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «هو هذا» [1].
فقال بعض من نقل الحديث: ما كان أسوأ ظنّ عبد اللّه بأبيه. و لو قال هذا القائل:
ما كان أعلم عبد اللّه بأبيه، لكان ذلك أشبه و أقرب إلى الصواب.
و عمرو بن العاص أسوأ حالا من معاوية و سنذكر أخباره، و لو لم يكن عبد اللّه ابنه يعلم سوء حاله لما خاف ذلك عليه.
و قد ذكرت هجوه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إياه، و من لعنه رسول
- و أنه قد سقي السم كثيرا قبل هذه و أفلت منها، و اتفقوا على أن زوجته جعدة بنت الأشعث هي التي سقته بأمر من معاوية، و لم نجد غير أبي الفداء الذي تردد في الآمر بالسم بين معاوية و بين ابنه يزيد.
انظر: مقاتل الطالبيين: 48، ترجمة الحسن بن علي من الطبقات الكبرى (القسم الغير مطبوع):
85، ربيع الابرار: 4/ 208، المعارف لابن قتيبة: 123، مروج الذهب: 2/ 427، الاستيعاب: 1/ 375، تهذيب التهذيب: 2/ 260، شرح نهج البلاغة: 16/ 49، البداية و النهاية: 8/ 43، تاريخ الخلفاء: 192.
[1]- شرح نهج البلاغة: 15/ 176، تقوية الايمان: 137.
اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقد لعنه اللّه.
و هو كان شيطان معاوية، و به قوى أمره، و بحيلته اشتدّ مكره.
و سمع ابن عباس حديث عبد اللّه بن عمرو هذا فقال: فأين كان عبد اللّه عن هذا الحديث حين قاتل عليا عليه السّلام مع معاوية لعنه اللّه.
و كان لعبد اللّه عند نفسه لا عند غيره في ذلك عذر لم يعلمه ابن عباس، و ذلك أنه قيل: كان يوما جالسا مع قوم إذ مرّ بهم الحسين بن علي عليه السّلام فقال عبد اللّه بن عمرو: أما و اللّه إنه لأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء، و ما كلمني كلمة من أيام صفين، و لو كلمني و رضى عني لكان أحبّ إليّ من حمر النعم.
و أرسل إليه بعد ذلك من ترضّاه و أخبره بما قال فيه، و سأله أن يأذن له، فأذن له و دخل عليه فقال له الحسين صلوات اللّه عليه: «تعلم أني أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و أبوهما خير منهما، ثم تقاتله؟».
فقال: و اللّه يا ابن رسول اللّه ما حملني على ذلك إلّا قول قاله لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شكاني إليه عمرو في شيء و قال: هو يصوم النهار و يقوم الليل و قد أمرته أن يرفق بنفسه فعصاني.
فقال لي: «أطع أباك».
فلمّا صار إلى معاوية أمرني بالسير معه فأطعته كما أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
فقال له الحسين: «أو لم تسمع قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه و قد أمر ببر الوالدين ثم قال: وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [1] و قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنما الطاعة في المعروف».
[1]- سورة العنكبوت: 8.
فقال: كأني و اللّه يا ابن رسول اللّه ما سمعته و قد سمعته [1].
و روي عن طاوس أنه قال: ما كان معاوية مؤمنا.
و أكثر المنسوبين إلى العلم يكفّر معاوية و يلعنه، و بعضهم يفسّقه و يوجب أنه بغى على علي عليه السّلام [2].
و حدّث أحمد بن شعيب النسائي أهل الشام بفضائل الصحابة و لم يذكر معاوية فقالوا له: حدثنا بفضائل معاوية.
فتغافل عنهم فألحّوا عليه، فقال: أ ما يكفيكم أن أسكت عنه [3].
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 228، و باختصار في: مسند أحمد: 2/ 164، تاريخ دمشق: 27831.
[2]- لمتابعة هذا المطلب بشكل مفصل راجع المصادر التالية: تقوية الايمان لمحمد بن عقيل بن عبد اللّه، النصائح الكافية لمن تولى معاوية لابن عقيل أيضا، خصائص معاوية للسيد ظهور البارهوي، سيرة معاوية لابي النظر محمد بن مسعود السلمي، الظلمات الهاوية في مثالب معاوية للشيخ نوري الثقفي الطبري، ماهية معاوية لأحمد التسري الهندي، مثالب معاوية لأحمد بن عبيد اللّه الثقفي الكاتب، النار الحامية في تاريخ معاوية لحسن علي وقار الجنفوري، و غيرها من المصادر الكثيرة و التي ذكرت ذلك ضمنا.
[3]- الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني النسائي، المستشهد سنة 303، و قصة استشهاده حسب ما نقلته المصادر: أنه خرج من مصر في آخر عمره الى دمشق، لانه رأى أن أهل دمشق عندهم نفرة من علي، فأخذ يبلغ بفضائل علي عليه السلام لعل اللّه يهديهم، فسئل بها عن معاوية و ما جاء في فضائله! فقال: لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل.
فما زالوا يدفعون في خصيتيه حتى اخرج من المسجد و حمل الى الرملة أو مكة فتوفي بها. و في بعض المصادر أنه لما سئل قال: أي شيء اخرّج، حديث اللهم لا تشبع بطنه. و في رواية اخرى-
و روي عن ابن المسيب و غيره من جلّة التابعين: أن معاوية لمّا مرض مرضه الذي مات منه و اشتدّ به الأمر قال لطبيب نصراني كان يعالجه: ويحك إني أرى الأمر يتزيدني، فهل بقيت عندك من حيلة؟
فقال: لا و اللّه إلّا عندنا صليبا من ذهب ما علقه في عنقه ذو علة إلّا برىء.
قال: فجيئني به.
فأتاه به فعلقه في عنقه فمات و هو معلق في عنقه، و أنه لمّا مات انزوى ما بين عينيه فصار ذلك الانزواء كتابا (كافر) لا يراه أحد إلّا قرأه كافر.
و قيل: إن أسقف نجران كتب إليه يستعينه في بناء كنيسة، فأرسل إليه بمائتي ألف درهم من بيت مال المسلمين.
و قيل أيضا: إن معاوية أرسل بصور أصنام من فضة و ذهب و نحاس إلى أرض الهند، لتباع هناك ممّن يعبدها، و أرسلها في سفينة فمرت السفينة في البحر بموضع فيه مسروق.
فأخبر بذلك فقال: و اللّه لو علمت أن معاوية إنما يقتلني لغرقت هذه السفينة، و لكنني أخاف أن يعذبني فيفتنني في ديني، و اللّه ما أدري أي الرجلين معاوية، أرجل يئس من رحمة اللّه فهو لا يبالي ما صنع، أم رجل زيّن له سوء عمله فرآه حسنا.
و قيل: إن أبي شيرين تلى هذه الآية: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ*
- قال: ما أعرف له فضيلة إلّا (لا أشبع اللّه بطنك).
المنتظم لابن الجوزي: 6/ 131، البداية و النهاية: 11/ 124، سير أعلام النبلاء: 14/ 132، العبر: 2/ 124، تذكرة الحفاظ: 700، تهذيب الكمال: 1/ 339، الوافي بالوفيات: 6/ 417، طبقات الشافعية للاسنوي: 2/ 480، وفيات الاعيان: 1/ 771، طبقات الشافعية للسبكي: 3/ 15.
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* [1] فقال: إن لم يكونوا هؤلاء معاوية و أصحابه فلسنا ندري من هم.
و قيل: إن أبي شيرين قال: إن أول من ظاهر بنقض قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «أن الولد للفراش و للعاهر الحجر» معاوية، فنفى معاوية زيادا عن فراش من ولد أبيه على فراش و نسبه إلى أبيه، و زعم أنه كان زنى بأمه، فخالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد قال اللّه عزّ و جلّ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [2].
و روى عن أبي شيرين أنه قال: رأيت معاوية في المنام بعد أن مات فقلت: أنت معاوية، ما ذا فعل اللّه بك؟
فقال: أنا الحيارى، تركت قومي حيارى لا مسلمين و لا نصارى.
و نظر عبد العزيز بن سعيد إلى قوم نقم عليهم معاوية أمرا، فأمر بهم فحلقت رءوسهم و طيف بهم كما يفعل النصارى بمن يريدون به المثلة فقال: قبّح اللّه معاوية، جعل اللّه عزّ و جلّ الحلق نسكا لحجيج بيته، فجعله هو مثلة لمن أراد أن يمثّل به.
و روى عنه أنه قال لقوم من أهل العراق: أ ترون أني إنما كنت قاتلتكم لأنكم لا تصومون و لا تصلون؟ و اللّه ما قاتلتكم إلّا لأتأمرن عليكم و قد تأمرت [3].
و هذا قول صدق فيه عن نفسه، و لو قال غيره لم يكن يقبله من سمعه منه، و لكذّبه فيه.
و كذلك خطب في المدينة في أول حجة حجها بعد تغلبه فقال:
يا أهل المدينة إني لم آخذ أمركم عن هوادة، و لكن أخذته قسرا بالسيف، و قد
[1]- سورة الاعراف: 182- 183.
[2]- سورة النور: 63.
[3]- مقاتل الطالبيين: 46، شرح نهج البلاغة: 16/ 15، البداية و النهاية: 8/ 140، سير أعلام النبلاء: 3/ 147.
رضيت نفسي على سيرة ابن أبي قحافة، فنفرت من ذلك و أخذتها بعمل ابن الخطاب فلم تطع، و راودتها على سيئات ابن عفان فأبت، فسلكت بكم طريقة بين ذلك، لي فيها منفعة، و لكم مؤاكلة و مشاربة حسنة جميلة على بعض الأثمرة، و إذا لم تجدوا من يقوم لكم بأمركم كلّه فبعضه، و ألّا تعدوني خيركم فإني من خيركم لكم.
و خطب بدمشق فقال في خطبته:
إن اللّه ولّى عمر بن الخطاب فولّاني عمر بعض ما ولّاه اللّه، فو اللّه ما خنته و لا كذبته و لا خالفت أمره، ثم إن اللّه ولّاني فلم يكن بيني و بينه أحد، فتقدمت و تأخرت و أحسنت و أسلمت [1]، فمن يكن قد عرفني فإني لا أجهل نفسي، و أنا أستغفر اللّه عن سيئتي [2].
فهذه شهادته على نفسه و دعواه ما ليس له.
و قيل: إنه لمّا مرض مرضه الذي مات فيه جعلوا يقلبونه على فراشه، فقال: أي شيخ تقلبون إن نجاه اللّه من النار [3].
و قال: لو لا هواي في يزيد لأبصرت رشدي [4].
و لمّا بايع الناس عليا صلوات اللّه عليه و أفضيت الخلافة إليه، عزل كل عامل كان استعمله عثمان أو أقرّه ممّن كان من تقدمه استعمله، ممّن علم علي عليه السّلام فسقه و ظلمه.
و كان يزيد أخو معاوية بن أبي سفيان عاملا على الشام فمات هنالك في أيام
[1]- في المصدر: و أخطأت.
[2]- تاريخ دمشق: 22/ 14.
[3]- البداية و النهاية: 8/ 151.
[4]- تاريخ دمشق: 59/ 61 و 412، النصائح الكافية: 61، البداية و النهاية: 8/ 126، سير أعلام النبلاء: 3/ 156.
عمر، و كان معاوية معه و أثبت معاوية مكان أخيه، و عزى عنه أبا سفيان فقال: ما صنعت يا أمير المؤمنين في عمله؟
فقال: أسندته إلى أخيه معاوية.
فقال: وصلت رحمك، و شكر له، فلما ولى عثمان أبقاه فلمّا نظر علي عليه السّلام في أمر العامل كتب إليه بعزله، فراجعه و دسّ إليه من يستعطفه، و تبيّن لعلي عليه السّلام امتناعه، فأشار عليه بعض من رأى أنه نصح له أن يكتب إليه بعهده، فإذا أخذ البيعة على من بحضرته كتب إليه بعزله، فلم ير ذلك صلوات اللّه عليه و تلى قول اللّه عزّ و جلّ: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [1] و لذلك قال بعد ذلك: «و اللّه لو استحسنت المكر ما كان معاوية أمكر مني» [2].
و كان عمرو بن العاص بمصر فخاف أيضا من علي فصار إلى معاوية، و كان من أمر معاوية و امتناعه و تغلبه بالشام و محاربته عليا عليه السّلام ما يطول ذكره، و سنذكر بعد هذا ما يجب ذكره في هذا الكتاب منه موضعه إن شاء اللّه.
[مقتل علي عليه السّلام]
و كان مذ أفضى الأمر إليه في محنة من توثب معاوية و استمالة الناس بالدنيا إليه، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أخبره أنه مقتول و أنه يقتل به و عرّفه قاتله، و كان يقول لابن ملجم: «متى تخضّب هذه من هذا» و يومي إلى لحيته و رأسه.
فيقول: أعوذ باللّه يا أمير المؤمنين.
فيقول: «و اللّه ما كذبت و لا كذبت».
[1]- سورة الكهف: 51.
[2]- وقعة صفين: 52، شرح نهج البلاغة: 3/ 84، تاريخ دمشق: 59/ 131، البداية و النهاية: 1378.
فيقول له الناس: أ فلا تقتله يا أمير المؤمنين؟
فيقول: «فمن يقتلني إذا؟ و كيف تقتلونه بغير حق، إذا فعل ذلك فولي الدم أنظر» [1].
و قيل: إن ابن ملجم كان يرى رأي الخوارج، و إنه اجتمع يوما مع قوم منهم على أن يقتل هو عليا و يقتل آخر معاوية و يقتل آخر عمرو بن العاص، فأتى هو المسجد فلمّا خرج علي عليه السّلام في السحر إلى المسجد ضربه، و تخلف الآخران عن معاوية و عمرو.
و قيل: إن معاوية أمره ذلك، و دسّ إليه فيه و جعل له مالا عليه، و كذلك قالت أروى بنت [الحارث بن] عبد المطلب في بعض ما رثت به عليا عليه السّلام:
ألا أبلغ معاوية بن حرب * * * فلا قرّت عيون الكاشحينا
أ في الشهر الحرام فجعتمونا * * * بخير الناس طرا أجمعينا [2]
[الحسن بن علي و معاوية]
و لمّا استشهد علي عليه السّلام و فني خيار أصحابه، و نهكت الحرب من بقي منهم، و استشهد وجوههم، و امتازت الخوارج منهم و قتل أكثرهم، و اسند الأمر إلى الحسن بن علي عليه السّلام، نهض إلى معاوية لحربه و نهض معاوية إليه، فقعد عن الحسن أكثر الناس و تغيّر من كان معه عليه، و انتهب ثقله، و أرسل إليه معاوية يسأله الصلح، فنظر إلى أمر لا يقوم له فآثر من الصبر و الإمضاء ما آثره علي عليه السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
فأجاب معاوية على الصلح، إذ لم يجد غيره تقيّة على نفسه و على من بقي من المؤمنين معه، فأعطاه معاوية من العهد و الميثاق و ما وثق به منه، و اجتمعا فخطب الحسن الناس فقال في خطبته: «أيها الناس هذا حق لي قد تركت منه ما غلب عليه
[1]- مقتل أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا: 26، مناقب الخوارزمي: 393 ح 412.
[2]- نسبت إلى أبي الأسود الدؤلي، و قسم نسبها إلى أم العريان بنت الهيثم، انظر: أنساب الأشراف: 508، تاريخ الطبري: 4/ 116، اسد الغابة: 4/ 40، تهذيب الكمال: 20/ 489.
معاوية وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» [1] [2] و أشار إلى معاوية.
و علم عليه السّلام أن الذي غلب عليه معاوية من أمر الدنيا، فسلّمه إليه لا ينقصه شيئا من كراهة اللّه عزّ و جلّ إيّاه، و لا يزيل من بعد يده ما جعل له من الإمامة، فأقام على ما فرض اللّه تعالى من حملها و القيام لمن تمسك به من الأمة بها، و كان ما أعطاه معاوية الحسن عليه السّلام من العهد بلسانه و هو ينطوي على النكث به، يدل على ذلك قوله لمّا دخل المدينة و دخل دار عثمان يسلّم على أهله و دخل معه الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما، فلمّا رأتهما عائشة بنت عثمان أعولت و قالت: و آثار والداه.
فلمّا انصرف الناس من عند معاوية دعا لها خاليا فقال: يا بنت أخي إن هؤلاء أعطونا سلطانا و أعطيناهم أمانا و أظهرنا لهم حلما تحته غضب، و أظهروا لنا طاعة تحتها حقد و ابتعنا منهم هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا شحّوا على حقهم و معهم سيوفهم و هم يرون مكان شيعتهم، و إن نكثنا بهم نكثوا بنا و لم ندر أ علينا تكون الدائرة أم لنا، و لأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير لك من أن تكوني امرأة من سائر نساء المسلمين [3].
و كان اجتماعه مع معاوية بمسكن [4] من أرض الكوفة، و خطب معاوية الناس يومئذ فأراد أن يقول في خطبته: كل شيء كان بيني و بين الحسن فهو تحت قدمي.
[1]- سورة الأنبياء: 111.
[2]- المستدرك للحاكم: 3/ 175، السنن الكبرى للبيهقي: 8/ 137، مصنف ابن أبي شيبة: 2777 ح 165، المعجم الكبير: 3/ 26 ح 2559.
[3]- تاريخ دمشق: 59/ 155، البداية و النهاية: 8/ 141.
[4]- مسكن: بالفتح ثم السكون و كسر الكاف و نون، و هو موضوع قريب من أوانا على نهر دجيل.
معجم البلدان: 5: 127.
يعني هذا و مضى بينهما فقال: كل شيء أعطيته للحسن فهو تحت قدمي [1].
غلب على لسانه ما كان يعتقده من النكث به و البغي عليه، فلم يزل يكيده المكائدة و يبغيه الغوائل و يدس إليه من يسمّه، إلى أن بلغه أن شجر بينه و بين امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس شرّ، و أنه قلاها و أراد أن يطلقها، فأرسل معاوية إليها بسمّ لتسقيه الحسن، و بمال أرضاها به، و وعدها أن يزوجها ابنه يزيد، فرغبت في ذلك منه و آثرت موت الحسن لتريه، و لئلا يطلقها فيلزمها عار الطلاق، فسقته ذلك السمّ فعمل فيه.
فيقال: إنه خرج يوما على من عنده من أصحابه و هو عليل فقال: «و اللّه ما خرجت إليكم حتى ألقيت من كبدي طائفة أقلتها بعود، و لقد سقيت السمّ مرارا فما كان بأعظم علي من هذه المرة».
فقيل: و من يك يا ابن رسول اللّه؟
قال: «و ما تريدون من ذلك؟».
قالوا: نطلبه بك.
قال: «إنكم لا تقدرون عليه و لكن اللّه بيني و بينه و علم من حيث أتى».
و مات من ذلك صلوات اللّه عليه [2].
و أسند الإمامة إلى أخيه الحسين عليه السّلام فقام بها من بعده، و سنذكر بعد هذا خبره في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
و روي عن الأسود: أنه دخل يوما على عائشة، و معاوية لعنة اللّه يحارب عليا عليه السّلام فقال: يا أم المؤمنين أ ما تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع بالخلافة رجلا من أهل بدر؟
[1]- مقاتل الطالبيين: 45، شرح نهج البلاغة: 16/ 46.
[2]- مقاتل الطالبيين: 46، المصنف لعبد الرزاق: 11/ 452 ح 20982، تاريخ دمشق: 13/ 280- 283.
فقالت: أو ليس قد ملك فرعون بني إسرائيل أربعمائة سنة، الملك للّه يعطي البر و الفاجر [1].
و قيل: إن عمر نظر إلى معاوية لعنه اللّه يوما فقال: هذا كسرى العرب [2].
و عن جابر بن عبد اللّه أنه قال: و اللّه ما عادى معاوية عليا إلّا بغضة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لقد قاتله علي و قاتل أباه و هو يقول: «صدق اللّه و رسوله» و هما يقولان: كذب اللّه و رسوله، و اللّه لا يساوى بين أهل بدر و بين المنافقين و الطلقاء.
و قيل لمعاوية في حين تغلبه: لو سكنت المدينة فهي دار الهجرة و بها قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله.
فقال: قد ضللت إذا و ما أنا من المهتدين.
و ذكر علي صلوات اللّه عليه معاوية فقال عليه السّلام: «معاوية منافق ابن منافق و طليق ابن طليق» و قد لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أبا سفيان و معاوية و يزيد.
و سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله معاوية و عمرو بن العاص يتغنيان فرفع يديه فقال: «اللهم اركسهما في الفتنة ركسا و دعهما في نار جهنم دعّا» [3].
و سمع علي عليه السّلام رجلا يلعن أهل الشام فقال: «ويحك لا تلعنهم و لكن العن
[1]- تاريخ دمشق: 59/ 145، البداية و النهاية: 8/ 140، الدر المنثور: 6/ 19، سير أعلام النبلاء: 3/ 143.
[2]- غريب الحديث لابن سلام: 4/ 293، تاريخ دمشق: 59/ 114، اسد الغابة: 4/ 386، البداية و النهاية: 8/ 134.
[3]- مسند أحمد: 4/ 421، المعجم الكبير: 11/ 32، النهاية لابن الأثير: 2/ 259، مجمع الزوائد: 8/ 121.
معاوية و عمرو و شيعتهما» و كان يلعنهما في قنوته [1].
و روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أشرف يوم أحد على عسكر المشركين فقال: «اللهم العن القادة و الأتباع، فأما الأتباع فإن اللّه يتوب على من يشاء منهم، و أما القادة و الرءوس فليس منهم نجيب و لا ناج» و من القادة يومئذ أبو سفيان و معاوية [2].
و روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «معاوية في صندوق من نار مقفل عليه، ما تحته إلّا فرعون في أسفل درك جهنم، و لو لا قول فرعون: أنا ربّكم الأعلى، لما كان تحت معاوية» [3].
و قال: «يخرج من أدخل النار من هذه الأمة بعد ما شاء اللّه، و يبقى فيها رجل تحت صخرة ألف سنة ينادي: يا حنان يا منان» و كان يقال: هو معاوية [4].
و قال صعصعة بن صوحان في أيام يزيد لعنه اللّه: ليت القبر لفظ إلينا معاوية لننظر إليه كيف عذبه اللّه، و ينظر إلينا كيف عذبنا ابنه.
و بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما إلى معاوية فقالوا: هو يأكل، فلبث ساعة ثم بعث إليه فقالوا: هو يأكل، فقال: «لا أشبع اللّه بطنه» فلم يكن بعد ذلك يشبع [5].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «إذا رأيتم معاوية يخطب على المنبر فاقتلوه».
[1]- وقعة صفين: 552، تاريخ الطبري: 4/ 52، شرح نهج البلاغة: 2/ 260، تاريخ ابن خلدون: 2/ 178.
[2]- شرح نهج البلاغة: 6/ 290، جواهر المطالب: 2/ 224.
[3]- وقعة صفين: 217- 219.
[4]- تاريخ الطبري: 8/ 186، النصائح الكافية: 262، شرح نهج البلاغة: 15/ 176.
[5]- صحيح مسلم: 8/ 27، مسند أبي داود الطيالسي: 359، وقعة صفين: 220، تاريخ الطبري: 8/ 186.
فقال الحسن البصري: فقد رأوه فلم يفعلوا [1].
و قال صلّى اللّه عليه و آله يوما و قد نظر إليه: «إن هذا سيطلب هذا الأمر بعدي، فمن أدركه يطلب ذلك فليبقر بطنه بالسيف» [2].
و قال: «إذا رأيتم عمرا مع معاوية فافرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا لخير» [3].
قالوا: و أجرى معاوية ماء على موضع قبور شهداء أحد و أمر بنبشهم، فنبشوا و أخرجوا من قبورهم رطابا يثنون و لا يستثنون، و أصابت المسحاة رجل حمزة عليه السّلام فدميت و أزالهم معاوية من قبورهم، و قد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بدفنهم فيها و قال:
«ادفنوهم في مصارعهم» و حمل بعضهم إلى المدينة فأمر برده، فخالف ذلك معاوية من أمره و غيّره من فعله صلّى اللّه عليه و آله [4].
[أقوال في معاوية]
و سئل أبو سعيد الخدري عن قتال معاوية لعلي عليه السّلام فقال: معاوية الفاسق نازع الحق و أهله.
و بلغ سعد بن أبي وقاص كلام تكلم به معاوية فقال: و من أين يدري الفاسق هذا.
و ذكر الحسن البصري معاوية فقال: جبار فاسق.
[1]- وقعة صفين: 216، مناقب أمير المؤمنين للكوفي: 2/ 305 ح 779، تاريخ دمشق: 15659، البداية و النهاية: 8/ 142، الكامل لابن عدي: 5/ 201.
[2]- معاني الأخبار: 346 ح 1.
[3]- وقعة صفين: 218، المعجم الكبير: 7/ 289، تاريخ دمشق: 46/ 169، سير أعلام النبلاء: 3/ 72.
[4]- الطبقات الكبرى: 3/ 11، صفة الصفوة: 1/ 147، اسد الغابة: 2/ 50، الاصابة: 2/ 107، ضمن ترجمة حمزة.
و روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نظر إلى معاوية يتبختر في بردة حبرة و ينظر إلى عطفيه فلعنه و قال: «أي يوم أسوأ لأمتي منك، و أي يوم أسوأ لذريتي من جرو يخرج من صلبك يتخذ آيات اللّه هزوا و يستحل من حرمتي ما حرّم اللّه عزّ و جلّ».
و عن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «ترد على الحوض أمتي على خمس رايات» و ذكر حديثا طويلا قال فيه: «ثم يرد فرعون في أتباعه، فآخذ بيده فإذا أخذتها اسودّ وجهه و رجفت قدماه و خفقت أحشاؤه و يفعل ذلك بأتباعه» ثم قال: «هو معاوية بن أبي سفيان.
فأقول: بما ذا خلفتموني في الثقلين بعدي؟
فيقولون كذّبنا الأكبر و مزّقناه و قاتلنا الأصغر و قتلناه.
فأقول: اسلكوا طريق أصحابكم.
فيصرفون ظمأ مسودّة وجوههم لا يطعمون منه قطرة» [1].
و من أجل هذا الحديث حلّ بأبي ذر ما حلّ به من النفي و التكذيب، على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد أبانه بالصدق و شهد له به، لئلا يتهم في حديثه فقال: «ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر الغفاري» [2].
فرد قوم قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أبطلوا شهادته له، و نسب الكذب إليه و أريد قتله، ثم نفي إلى الربذة فمات بها منفيّا طريدا وحيدا رحمة اللّه عليه.
و قد روي أنه كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة تبوك لمّا تأخر عنه من تأخر من الناس، و كان على جمل رفيق له، فوقف به و بقي في آخر الناس فقيل: يا رسول اللّه هذا رجل بقي في آخر الناس.
[1]- الخصال: 459، اليقين: 408.
[2]- مسند أحمد: 5/ 197، سنن الترمذي: 5/ 334 ح 3890، المصنف للكوفي: 7/ 526 ح 3، الطبقات الكبرى: 4/ 228.
فقال: «دعوه، فإن يكن فيه خير فسيأتيكم اللّه به، و إن لم يكن فيه خير فكفيتموه».
فلمّا لم يجد في جمله همّة نزل عنه و احتمل رحله، و أقبل يشتد حتى دنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقيل: يا رسول اللّه هذا الرجل المتأخر قد دنى منّا.
فقال: «يكن أبا ذر».
فإذا هم قد ميّزوا فقالوا: هو و اللّه أبو ذر يا رسول اللّه.
فقال: «رحم اللّه أبا ذر، يمشي وحده و يموت وحده و يبعث وحده».
فلمّا احتضر بالربذة قال لأهله: إذا أنا متّ فأغسلوني و كفنوني وضعوني على الطريق، فإذا مرّ بكم أحد من المسلمين فعرّفوه بي ليدفنوني.
ففعلوا و مرّ بهم عبد اللّه بن مسعود في نفر معه فقالوا: معشر الركب إن رأيتم أن تدفنوا أخاكم أبا ذر فافعلوا.
فبكى ابن مسعود و ذكر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «يموت وحده» و نزلوا فصلوا عليه و دفنوه [1].
و روي أيضا أن معاوية سمّ سعد بن أبي وقاص.
و قال مالك بن أنس فيما رواه عنه سعيد بن داود الزبيري: يقول الناس: ما أحلم معاوية.
و كيف يكون حليما من أرسل بسر بن أرطاة ما بينه و بين اليمن لا يسمع بأحد عنده خبر يخاف منه إلّا قتله، حتى إذا قتل الناس حلم عن الناس! ما كان بحليم و لا مبارك.
فهذا قول مالك بن أنس في معاوية و أصحابه، اليوم يرونه من أئمة المسلمين و ابنه يزيد، و يرون أن الحسين عليه السّلام خرج عليه غلوّا في الباطل و جهلا بالحق، و بغضة
[1]- الطبقات الكبرى: 4/ 234، تاريخ اليعقوبي: 2/ 172، المستدرك: 3/ 51، اسد الغابة: 1885.
لأولياء اللّه، و ركونا إلى الظالمين أعدائه، الذين تواعد بالنار من ركن إليهم، و صدق مالك في قوله هذا.
و كيف يكون حليما من قتل النفس التي حرّم اللّه بغير الحق؟
[مقتل حجر بن عدي]
و لا يحصى عدّة من قتل معاوية و قتل بسببه إلّا اللّه وحده لا شريك له، و لا سفه أعظم من القتل و اغتصاب الإمامة و التغلب على أهلها فيها، و ابتزاز ما يوجبه في ظاهر أمرها.
و قد قيل: إن الشعبي ذكر معاوية فقال: كان كالجمل الطب، إن سكت عنه أقدم و إن قدم عليه تأخر [1].
و قيل لشريك بن عبد اللّه: أ كان معاوية حليما؟
فقال: لا، و كيف يكون حليما من سفه الحق [2].
و روي عن الحسن البصري أنه قال: غزوت الدروب زمن معاوية، و علينا رجل من التابعين ما رأيت رجلا أفضل منه، فانتهى إليه أن معاوية قتل حجر بن عدي و أصحابه، فصلى بنا الظهر ثم صعد المنبر فقال: أما بعد، فقد حدث في الإسلام حدث لم يكن مذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أن معاوية قتل حجر بن عدي و أصحابه من
[1]- غريب الحديث لابن قتيبة: 2/ 138، الفائق للزمخشري: 2/ 297، شرح نهج البلاغة: 10215.
و الجمل الطب: هو الذي يتعاهد موضع خفه أين يطأ به لسان العرب: 1/ 554، تاج العروس: 1/ 352.
[2]- تاريخ دمشق: 59/ 139، البداية و النهاية: 8/ 139، و في المصادر زيادة: (و قاتل علي بن أبي طالب).
المسلمين صبرا، فإن يكن عند الناس تغيير و إلّا فإني أسأل اللّه أن يقبضني إليه.
قال الحسن: فو اللّه ما صلينا العصر حتى مات رحمه اللّه.
و كان حجر من فضلاء الصحابة، و لم يقتل في الإسلام مسلما صبرا قبله، و أسروا أصحابه و حملوا إلى معاوية مصفدين [1]، فلمّا قربوا منه قال: لا أرى معاوية إلّا قاتلي فادفنوني في مكاني و لا تطلقوا عني الحديد، فإني لاق معاوية على الجادة [2].
قيل: إن معاوية قتله هو و أصحابه في بستان [3]، فجفت البستان من يوم قتل، و كان من أصحاب علي.
و قيل: إن معاوية دخل بعد قتله إيّاه على عائشة فقالت: تدخل عليّ و قد قتلت حجرا و أصحابه، أ ما خفت أن أقعد لك رجلا ليقتلك؟
فقال لها معاوية: لا أخاف ذلك، لأني في دار أمان، و لكن كيف أنا لك في حوائجك؟
قالت: صالح.
قال: فدعيني و إياهم حتى نلتقي عند اللّه.
قالت: و كيف أدعك و قد أحدثت مثل هذا الحدث و غيّرت حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [و قد] قال: «الولد للفراش» فنفيت زيادا عمّن ولد على فراشه، و نسبته إلى أبيك، و وليت يزيد برأي نفسك.
قال: يا أم المؤمنين أمّا إذا أبيت فإني لو لم أقتل حجرا لقتل بيني و بينه خلق كثير، و أمّا زياد فإن أبي عهد إليّ فيه، و أما يزيد فإني رأيته أحقّ الناس بهذا الأمر فوليته.
[1]- أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في أغلال الحديد.
[2]- الغارات للثقفي: 2/ 813، تاريخ دمشق: 12/ 225، اسد الغابة: 1/ 386، سير أعلام النبلاء: 3/ 466.
[3]- يقال له: مرج العذاء، قرية بقوطة دمشق من اقليم خولان.
و كان عند عائشة المغيرة و المسور بن مخرمة فقالت لهما: أ ما تسمعان عذر معاوية؟
فأمّا المغيرة فرفق له في القول، و أمّا المسور فغلظ ثم افترقوا، فوفد المسور بعد ذلك على معاوية في جماعة فحجبه دونهم و قضى حوائجهم و أخّره، ثم أدخله بعد ذلك إليه فقال له: أتذكر كلامك عند عائشة؟
قال: نعم ما أردت به إلّا اللّه، فأنت ما أردت بما فعلت؟
قال: دع هذا و هات حوائجك [1].
فأما اعتراف معاوية بقتل حجر و أصحابه ظلما لأمر ظنّه قد يكون و قد لا يكون، و لو كان لم يجب أن يبدأ بقتل من لم يقتل و لا وجب القتل عليه، و إن لم يكن فأمر يوجب النار له، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [2].
و أما قوله: إن أباه عهد إليه في زياد، فاتّبع عهد أبيه و رفض عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خالف أمره، فذلك ما يوجب العذاب و الفتنة لقول اللّه في رسوله صلّى اللّه عليه و آله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [3].
و أما قوله: إنه رأى يزيد أحق الناس بإمامة المسلمين و صيّرها بزعمه، فرأيه هذا الفاسد هو الذي أهلكه و أضلّه، و قد اعترف بفساده بعد ذلك، فقال فيما حكي عنه:
لو لا هواي في يزيد لأبصرت رشدي.
و هذا الهوى و مثله هو الذي حذّر اللّه منه بقوله: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ
[1]- مسند أحمد: 4/ 92، تاريخ دمشق: 12/ 222.
[2]- سورة النساء: 93.
[3]- سورة النور: 63.
سَبِيلِ اللَّهِ [1]، و قوله: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [2].
[الأدعياء]
و أمّا زياد فإن أمّه كانت تدعى سميّة، كانت أمّة لبعض ملوك كندة، فاعتل ذلك الملك بالجمرة فجاءه الحارث بن كلدة طبيب العرب فعالجه منها فبرئ، فأجازه و كساه و وهب له إماء كانت فيهن سميّة، فأعجبت الحارث فوقع بها و كانت بغيّا، و وقع بها غلام أسود كان للحارث يقال له: مسروح فحملت منه فجاءت بولد أسود و هو نفيع أبو بكرة، أدرك النبي صلّى اللّه عليه و آله فأسلم على يديه و تولاه، فقال الحارث بن كلدة:
ما أعرف في آبائي أسود؟
و نفى نفيعا عن نفسه، و اعتزلها و زوجها عبدا له يقال له: عبيد، و وهبهما لابنة له، فولدت سميّة زيادا على فراش عبيد، فأعتقته مولاته بنت الحارث، فخرج منكرا ظريفا ذا مكر و دهاء و فطنة و ذكاء.
فأمّا أبو بكر نفيع فكان ينسب إلى مسروح، و لمّا احتضر حضره بنوه فقال: أنا مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فإن أبى هؤلاء إلّا أن ينسبوني، فإني ابن مسروح [3].
و لقي زياد أبا موسى الأشعري بالبصرة فرأى فيه نباهة و حركة فاستكتبه، ثم قدم على علي عليه السّلام لمّا فرغ من أصحاب الجمل، فرأى فيه فضل عقل و قوة على العمل، فاستعمله و وجه به إلى فارس، و كان بها إلى أن أصيب علي عليه السّلام و هو بفارس، فخافه معاوية و رأى أن يستعطفه و يستميله، فكتب إليه فيه يعرفه أنه أخوه و يعده و يمنّيه، فأبى عليه زياد فلم يزل به معاوية يكاتبه و يتلطف به حتى انحنى إليه، و قدم عليه بعد
[1]- سورة ص: 26.
[2]- سورة الفرقان: 43.
[3]- اسد الغابة: 2/ 216، الايضاح: 545، الاصابة: 2/ 528 ح 2994.
مكاتبة و مراجعة كانت بينهما يطول ذكرها.
و أعدّ معاوية المغيرة بن شعبة و أبا مريم السلولي للشهادة على ذلك، فلمّا حضر زياد جمع معاوية الناس إلى المسجد و صعد المنبر، و قد أعدّ المغيرة و أبا مريم و حضر زياد، فحمد اللّه معاوية و أثنى عليه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و آله ثم قال: أمّا بعد، فإني أنشد اللّه رجلا علم من أبي سفيان علما في زياد إلّا قام به، فإني قد علمت أنه ابن أبي سفيان حقا، غير أني أحببت أن يقوم بذلك شاهدان من المسلمين و لا أقتصر على علمي.
فقام أبو مريم فقال: أشهد أن أبا سفيان قدم علينا الطائف و هو يريد اليمن، فبدأ بنا فقال لي: هل تعلم مكان امرأة أصيب منها؟
فقلت له: ما بحضرتنا إلّا سمية بغي بني علاج.
قال: فانطلق فأتني بها.
فأتيته بها فكانت معه، فلمّا قضى منها حاجته قلت: كيف وجدتها؟
قال: لا بأس بها على دفرها و عظم ثديها.
فخاف معاوية أن يغضب زياد بذلك فينكره فقال لأبي مريم: رحمك اللّه إنما قمت شاهدا و لم تقم شاتما، فدع هذا و قصد ما لا بد منه.
قال: نعم، ثم قال لي أبو سفيان: يا بني قد وطئت هذه الجارية عند طهرها و من حقي عليك أن تحبسها عندك حتى تستبرئ رحمها.
قال: فحبستها عندي حتى كلفت وجنتاها و تفتل شعر عينيها و اسودّت حلمتا ثدييها و نتا بطنها ثم ولدت، فحبست مذ يوم وقع بها إلى يوم ولادتها، فوجدتها ولدته تماما.
ثم قام المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أني كنت مع أبي سفيان بفناء الكعبة قبل ذهاب بصره، فمرّ بنا زياد غلاما خضا بضا يقول صغيرا حين نشأ، فنظر إليه أبو سفيان نظرا أنكرته فقلت: لشد ما نظرت إلى هذا الغلام يا أبا سفيان.
فقال: لو لا أن نبيّكم يقول: الولد للفراش و للعاهر الحجر، لأخبرتك أنه ابني، بل هو ابني حقا.
فهذا إن ثبت من قول أبي سفيان ممّا يدل على ما قدمنا ذكره من إنكار نبوة محمد صلّى اللّه عليه و آله و رفضه للإسلام، لقوله: نبيّكم، و لم يقل: النبي صلّى اللّه عليه و آله و لا نبيّنا و لقوله: بل هو ابني حقا، بعد حكايته قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «الولد للفراش و للعاهر الحجر».
فقال معاوية: وعى سمعك و وفى لسانك، زياد بن أبي سفيان حقا [1].
و هذا أيضا من معاوية تكذيب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ردّ لقوله و نقض لقضائه، و في ذلك ما دل على ما ذكرناه عنه من كفره و سوء اعتقاده، و في قوله و قد أثبت نسب زياد من أبي سفيان و هو عاهر، و نفاه عن نسب من ولد على فراشه و مخالفته بذلك حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و قوله: زياد بن أبي سفيان حقا، ما دل على أن اعتقاده أن قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باطل، و هذا يقوله على منبر المسلمين فيما يزعمون و على رءوسهم و هم عنه بمعزل، و لكنهم طغام الشام و جهّال الأمة، و مثل هذا أنكرته عليه عائشة و غيرها ممّن حكينا قوله، و ممّن لم يحكه ممّن له فهم و عقل و بصر، و لم يستحل أحد منهم أن ينسب زياد إلى أبي سفيان، و أكثر ما يقولون و إلى اليوم: زياد ابن أبيه.
و معاوية أول من حمل إليه رأس مسلم في الإسلام، و هو رأس عمرو بن الحمق الخزاعي أرسل إليه فقتل و أتى إليه برأسه [2].
و لمّا أتى معاوية موت الحسن بن علي عليه السّلام استفزه السرور فكبّر و كبّر لذلك من حوله و اتصل التكبير، فسمعه ابن عباس و هو في المسجد و كان قد وفد على معاوية،
[1]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 219، تاريخ دمشق: 19/ 173.
[2]- راجع: التاريخ الصغير للبخاري: 1/ 131، مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 357 ح 287، الأوائل للطبراني: 107، الطبقات الكبرى: 6/ 25، تاريخ دمشق: 45/ 496، اسد الغابة: 4/ 101.
فقال: ما هذا التكبير؟
قالوا: جاءت وفاة الحسن إلى معاوية و قد أذن للناس.
فقام فدخل عليه فوجده متهللا مسرورا فقال له: إن الحسن قد هلك.
قال ابن عباس: و لذلك كبّرت، و اللّه ما عجل لك ذلك ما تريد، و لا زاد في أجلك، و لا سدّ حفرتك، و إنك لصائر إلى ما صار إليه، و لئن كنّا قد أصبنا به لقد أصبنا بأفضل منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم جبر اللّه تلك المصيبة.
فقال له معاوية: ما كلمناك يا ابن عباس إلّا وجدناك معدا للجواب. و أخذ في الحديث [1].
و روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «لمّا أسري بي إلى السماء سمعت معاوية يخطب على منبري فساءني ذلك فأنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ [2]» [3].
[هند بنت عتبة]
و روى الكلبي عن أبي صالح و الهيثم عن محمد بن إسحاق و غيره: أن معاوية كان لغير رشده، و أن أمّه هند بنت عتبة كانت من العواهر المعلمات اللواتي كن يخترن على أعينهن، و كان أحب الرجال إليها السود، و كانت إذا علقت من أسود فولدت له قتلت ولدها منه، و لمّا أسلمت و أنزل اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنِينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ [4] الآية،
[1]- الامامة و السياسة: 197، تاريخ اليعقوبي: 2/ 226.
[2]- سورة الأنبياء: 111.
[3]- تاريخ دمشق: 57/ 341، البداية و النهاية: 10/ 53.
[4]- سورة الممتحنة: 12.
أتت هند لتبايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال لها: «لا تسرقي».
قالت: بأبي و أمي إني لأسرق من مال أبي سفيان لأيتام عبد مناف.
قال: «فلا تفعلي».
قالت: لا أفعل.
قال: «و لا تزني و لا تقتلي ولدك».
قالت: بأبي أنت و أمي و هل تزني الحرة؟
فالتفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى بعض من بحضرته و تبسّم بعلمه بها [1].
قالوا: و كان معاوية يعزى- أي ينسب- إلى ثلاثة: إلى مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، و إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، و إلى العباس بن عبد المطلب، و كان أبو سفيان يصحبهم و ينادمهم، و لم يكن أحد يصحبه إلّا رمى بهند، لما كان يعلم من عهرها [2].
و قيل: إنه جرى بين إسحاق بن طابة و بين يزيد بن معاوية كلام في أيام معاوية،
[1]- مثالب العرب: 74، تاريخ دمشق: 70/ 178، شرح النهج: 18/ 16، تذكرة الخواص: 116.
[2]- قال الزمخشري في ربيع الأبرار: كان معاوية يعزى إلى أربعة و أضاف إليهم الصباح مغن كان لعمارة.
و قال سبط ابن الجوزي في التذكرة 116: قال الاصمعي و الكلبي في المثالب: معنى قول الحسن لمعاوية: قد علمت الفراش الذي ولدت فيه. أن معاوية كان يقال من أربعة من قريش: عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، و مسافر بن أبي عمرو، و أبو سفيان، و العباس بن عبد المطلب، و هؤلاء كانوا ندماء أبي سفيان و كان منهم من يتهم بهند ... فلمّا حملت هند بمعاوية خاف مسافر أن يظهر أنه منه، فهرب إلى ملك الحيرة فأقام عنده، ثم إن أبا سفيان قدم الحيرة فلقيه مسافر و هو مريض من عشقه لهند، فقال له أبو سفيان: إني تزوجت هندا بعدك فازداد مرضه، ثم مات مسافر من عشقه لهند. و راجع: تاريخ دمشق: 70/ 173.
فقال يزيد: و اللّه إن خيرا لك أن يدخل آل حرب كلهم الجنة.
قال إسحاق: و أنت و اللّه إن خيرا لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة.
فلم يدر يزيد ما عنى إسحاق بذلك، و انتهت إلى معاوية فقال ليزيد: ما أراد إسحاق بقوله لك: إن خيرا لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة؟
قال: لا أدري.
قال له: فكيف تشاتم الرجال و أنت لا تدري ما يقال فيك؟ إنهم يقولون: إن العباس بن عبد المطلب هو أبي [1].
و هذه دعوى من معاوية ليدخل بزعمه في نسب بني هاشم بمثل ما أدخل هو زيادا في نسب أبيه، و الذي أثبتوا أنه ابن مسافر بن أبي عمرو، و كان مسافر جميلا، و كانت هند تختار على أعينها، فأعجبها فأرسلت إليه فوقع بها فحملت منه بمعاوية، فجاء أشبه الناس به جمالا و تماما و حسنا.
و كان أبو سفيان ذميما قصيرا أخفش العينين، فكل من رأى معاوية ممّن رأى مسافرا ذكّره به.
فأمّا الصباح فكان شابا من أهل اليمن، أسود له جمال في السودان، و كان عسيفا لأبي سفيان، فوقع بها فجاءت منه بعتبة، فلمّا قرب نفاسها خرجت إلى أحياء لتضعه هنالك و تقتله كما كانت تفعل بمن تحمل به من السودان، فلمّا وضعته رأت البياض غلب عليه و أدركتها حنّة فأبقته و لم تنبذه، و لذلك يقول حسان بن ثابت:
لمن الصبي بجانب البطحاء * * * ملقى عليها غير ذي مهد
نجلت به بيضاء أنسة * * * من عبد شمس صلته الخد
غلبت على شبه الغلام و قد * * * بدا فيه السواد الحالك جعد [2]
[1]- ربيع الأبرار: 3/ 395، تذكرة الخواص: 117.
[2]- ديوان حسان بن ثابت: 157، ربيع الابرار: 3/ 395، شرح نهج البلاغة: 1/ 336.
فلمّا فشى خبر الصباح و وقوعه بهند، غاربه عمارة بن الوليد بن المغيرة و كان يأتيها، فخرج بالصباح إلى سفر و أمر به فطبخ له قدرا فأتاه به في يوم حار فقال: طعام حار في يوم حار. و أمر به فشد في شجرة و رماه بالنبل حتى قتله، لما نقمه عليه من أمر هند، و في نبذ هند من ولدته من السودان يقول حسان بن ثابت:
لمن سواقط سودان منبذة * * * باتت تفحص في بطحاء أجياد
فيهم صبي له أم لها نسب * * * في ذروة من ذرى الأحساب أياد
تقول و هنا و قد جدّ المخاض لها * * * يا ليتني كنت أرعى الشول للغادي
قد غادرته لحر الوجه منعفرا * * * و خاله و أبوه سيّد النادي [1]
يعني بأبيه: عمارة بن الوليد بن المغيرة، و خاله: الوليد بن عتبة بن ربيعة.
و قيل: إن معاوية كان سبب ادخال الغناء إلى أرض العرب، و إنما كان الغناء عند العرب غناء الركبان، فأرسل معاوية إلى أرض فارس فأتى برجلين يجيدان الغناء الخسرواني و أظهرا أنهما بناءان، و كان حينئذ يبني بناء له، فغنيا و انتشر هذا الغناء الخسرواني عنهما، و كان معاوية أول من سمع الغناء.
و قيل له فيه: هذا الشعر الذي ينشدك إياه الأعرابي الجلف الجافي فتستحسنه؟
تنشدك إياه الجارية الحسنة الوجه الطيبة الرائحة بحلاوة منطقها.
فقال: جيئوا بها.
فأتته مغنّية فقال لها: أنشديني.
قالت له: هو بلحنه أحسن.
فقال: هاتيه.
فغنته فارتاح و طرب، و أجاز من فتح له ذلك و استحسنه.
و قيل: إن معاوية سمع عند يزيد مغنّيا يغنيه ليلا، فوقف وراء الباب حتى أعيا و هو يستمع، ثم دعى بكرسي فجلس عليه حتى أصبح و هو يسمع غناءه.
[1]- ديوان حسان بن ثابت: 158، مثالب العرب: 73- 74، شرح نهج البلاغة: 15/ 15.
ذكر البيان على إثبات إمامة علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه
و من دارت الإمامة عنه من ولده إليه، و تغلب معاوية بن أبي سفيان و تعديه، و من تغلب من بعده من بني أمية و تيبب به.
قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ما جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من تقديم علي عليه السّلام و عقده الولاية له بغدير خم، و ذلك ما يغني عن كل شاهد و دليل، و يكتفي به من قول الجماعة و الواحد.
ثم كان من أمر هؤلاء القوم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في عقدهم الأمر لمن عقدوه ما ليس إلى ذكره و الحجة فيه قصدناه فنستقصيه، و لكن لا بدّ أن نأتي لما أردنا بطرف منه، و أكثر ما احتجوا به في تقديمهم من قدّموه تراضيهم به و اتفاقهم عليه، على أن كثيرا من أشرافهم ممّن كان بالحضرة من الصحابة و ذي الرحم و القرابة، لم يحضر معهم فيمن حضر و لا رضي بما فعلوه و لا سلّم لمن نصّبوه و لا رضي بمن قدّموه، فضلا عمّن غاب، ثم أقام الأول الثاني باختيار نفسه دون مشورة من أحد غيره، بل أطبقوا كراهيته و أتوه، لمّا بلغهم استخلافه إياه فقالوا: نناشدك اللّه أن تولّي علينا رجلا فظا غليظا.
فقال: أبا للّه تخوفونني؟ إذا لقيت رسول اللّه أقول له: إني قد وليت عليهم خير أهلك [1].
فقدمه عليهم على كراهية منهم و لم يلتفت في ذلك إلى احتجاجهم، و هذا يدفع حجة الاختيار التي احتج بها من احتج للأول.
و جعل الثاني الأمر شورى بين ستة نفر، قصر ذلك عليهم و أخرج الرأي من أيدي
[1]- الطبقات الكبرى: 3/ 199، مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 485 ح 46، تاريخ دمشق: 41130، اسد الغابة: 4/ 69.
من سواهم، و هذا خلاف الأمرين الأولين، و في هذا احتجاج كثير و مقال طويل يدخل فيه القوم، و هذا التناقض و التغير في هذا الأصل الكبير من أصول الدين، و لا اختلاف بين المسلمين أعلمه أن من بدّل شيئا من سنن اللّه و دينه فقد خرج من جملة أهله، و قد قال اللّه تعالى: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا* وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [1] و لو جاز ذلك لجاز للذين لم يحضروا أن يقيموا هم أيضا إماما لأنفسهم، حتى يكون ذلك لكل إنسان ينفرد، و ذلك ما يبطل الإمامة، فيصير عدد الأئمة إلى غير ما نهاية، بل يكون كل إنسان في نفسه إماما، و يكون على هذا الوزن الأئمة الذين يقيمون الإمام لا هو، لأنه عن أمرهم إذا يقوم و هم أمروه، و لو لا أمرهم إياه لم يكن إماما و لا يجوز مع ذلك أمره على غيرهم، لأنه لا اختلاف في أحكام المسلمين أعلمه أن أحدا لا يجوّز له أن يوكّل وكيلا إلّا على ما يملك من أمر نفسه أو من يلي عليه، و إن وكّل على غيرهم لم يجز وكالته، فكيف الإمامة التي يكون للإمام بها الحكم في دماء من أمّر عليهم و فروجهم و أموالهم؟
فأحرى أن لا يجوز ذلك إذا كانت الإمامة بالاختيار و الرضى إلّا على من اختاره و رضيه دون غيرهم، مع أنه لو جاء ذلك لجاز للناس أن يقيموا نبيّا منهم و ربّا معبودا، تعالى اللّه أن يجعل شيئا من ذلك لخلقه، و قد تعبّدهم بطاعته و طاعة أنبيائه و الأئمة من عباده و جعلها طاعة موصولة، فقال جلّ ثناؤه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [2].
فلمّا لم يجز لهم أن يتخذوا من دونه إلها و لا رسولا غير من أرسله، لم يجز لهم أن يتخذوا إماما لم يقمه لهم هو و لا رسوله، و لو كان أولو الأمر كما زعم بعضهم: أمراء
[1]- سورة فاطر: 43.
[2]- سورة النساء: 59.
السرايا [1]، لكان الذين أمروهم أولى بذلك منهم، لأن طاعتهم واجبة عليهم، و لو كانوا علماؤهم كما قال آخرون منهم [2]، و هم مختلفون في دينهم و فتياهم، لم يعلم المتعبدون بطاعتهم منهم، لأن في طاعة بعضهم عصيان البعض، و لن يأمر اللّه بطاعة قوم مختلفين، لأنه يقول و هو أصدق القائلين: وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [3].
فأخبر أن ما كان من عنده لا اختلاف فيه، و أن الاختلاف فيما يكون من عند غيره، و هذا كلام يطرد الحجج فيه، و يقصر هذا الكتاب عن أن يستقصيه، فإن أبوا إلّا ما زعموا من اختيار من تقدم من أسلافهم على ما كان ممّا ذكرناه من اختلافهم، فقد أجمعوا أنهم بعد ذلك أطبقوا على إمامة علي عليه السّلام بلا اختلاف، بل أجمع عليها من تقدمهم من الأسلاف، فكانت آكد إمامة على قولهم، إذ لم يختلف فيها أحد منهم، فوجب على قولهم فسوق من عند عنه، و نكث بيعته و محاربة من حاربه، و لذلك قال بذلك من ذكرنا منهم من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان، و فسّقوا معاوية في عنوده عليه، و كفّره بعضهم ممّا ظهر من سوء أعماله و قبيح أفعاله، و انتحاله ما قدمنا في هذا الكتاب ذكره.
[1]- انظر: مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 567 ح 11، تاريخ دمشق: 16/ 236، تفسير القرطبي: 2915، الدر المنثور: 2/ 176.
[2]- تفسير الطبري: 5/ 207، تفسير الثعالبي: 2/ 255.
[3]- سورة النساء: 82.
[مقتل عثمان]
إنما كان معاوية عاملا لمن تقدم قبل علي عليه السّلام، فلمّا أفضى الأمر إليه على قولهم فعزله، لم يكن له أن يخالف أمره، و حرّم عليه المقام فيما عزله عنه، فلم يمتثل ذلك من أمره بل عصاه و خالفه و تعداه و نصب له و ألّب عليه، و قام بدم عثمان ابن عمه و ليس هو ولي دمه، و لا له أن ينظر في ذلك لأوليائه، و إنما قال جلّ ذكره: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [1] فإن كان عثمان قتل مظلوما، فليس لأولياء دمه أن يطلبوا به عند غير الإمام، و لا لهم أن ينتصفوا من ذلك دونه ممّن ادعوه عليه و ناظرهم فيه، إلّا بحكم الإمام المنصوب للأحكام بين الأنام، فما قضى من ذلك عمل به.
على هذا بني الإسلام و به جاء الرسول و نطق الكتاب، لا على أن يكون من ادعى حقّا على غيره انتصف منه بيده و استعان على ذلك بغيره، و إنما هذه أفعال الجاهلية الخارجة عن أحكام الأمم الملّية، فأحياها معاوية و أقامها و دعى بالدنيا من آثرها، فأجابه إليها من طغام الشام و أهل الجهالة بأحكام الإسلام، و ثبت مع علي عليه السّلام خيار الصحابة من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان، و امتاز الفريقان و تحاجز الجمعان و كان من أمرهم في ذلك ما قد كان، و استقصاء الحجج كما ذكرنا في هذا الباب يخرج عن حدّ هذا الكتاب، و ذلك مثبت في كتاب الإمامة، و إنما قصدنا هاهنا إلى إبطال دعوى معاوية للخلافة و من تسبب به من بني أمية، فذكرنا من ذلك نكتا و جملا في ذلك خاصة، دون ما تقدم قبل ذلك، إذ لم يكن قصدنا إليه و لا ابتداء قولنا فيه، و سنذكر بعد هذا الباب إن شاء اللّه تعالى ما يؤيّد ذكر ما شبه به معاوية من المحال، لجاز له ما شبه من ذلك على الجهال.
[1]- سورة الاسراء: 33.
كان أول ما استفز به معاوية طغام الشام، أن عمد إلى قميص فخضّبه بدم و رفعه على قناة و قال: هذا قميص خليفتكم المظلوم [1].
و أمر أن يدار به في أعمال الشام يستفزهم بذلك، و بذل من دنياه لمن نفر إليه منهم و أتاه ما أرغبه به و أرضاه، و معاوية كان أشهد في قتل عثمان ممّن قتله، إذ توسل بذلك إلى ما توسل به و هو كان ممّن خذله فيمن خذل، و ذلك أنه بعث إليه المسور بن مخرمة و قد همّ الناس به لينصره، فقال مسور: فجئت إليه برسالة عثمان فقلت: يا معاوية أغث ابن عمك و خليفتك، فإنه مقتول إن تركته.
فقال لي يا مسور ما أصنع بعثمان، إن عثمان بدأ فعمل بما شاء اللّه أن يعمل به ثم غيّر فغيّر اللّه حاله، فأقوم فأرد أنا ما غيّر اللّه؟
فحدّث المسور بهذا الحديث لمّا قام معاوية يطلب بدم عثمان و هو مستقبل الكعبة ثم قال: و ما أقبل من هذا البيت و ما أدبر لهذا قول معاوية لي، ثم خرج عدو اللّه يطلب بدمه [2].
و كذلك أمر عائشة، و ذلك أنها نقمت على عثمان أنه نقصها ممّا كان يعطيها عمر.
فقالت: إذا كنت تنقصني ممّا جعل لي عمر فأعطني ميراثي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
قال: أو لست الشاهدة في دفع فاطمة عن ميراثها منه أنه قال: إنّا معشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة.
فكانت له مغاضبة و عليه عاتية إلى أن حصر، فخرجت تريد الحج فجاءها مروان بن الحكم و عبد الرحمن بن عتاب فقالا: يا أم المؤمنين تذهبين و تدعين هذا الرجل قد تظاهر عليه الناس، فلو أقمت تذبّين عنه.
قالت: ما أستطيع قد أخذت في حوائج الحج فما كنت بقاعدة دونه.
[1]- وقعة صفين: 142، الأخبار الطوال: 160، شرح نهج البلاغة: 3/ 196.
[2]- الفتوح لابن أعثم الكوفي: 2/ 218، تاريخ دمشق: 39/ 378.
فلمّا لم يجدا فيها حيلة قاما من عندها و تمثل مروان:
حرق قيس على البلاد * * * حتى إذا اشتعلت أجذما
فسمعته فقالت: ارجع أيها المتمثل، فرجع و بين يديها غرائر تغرى لها فقالت: قد سمعت ما قلت، أ تراني في شك من صاحبك؟ و اللّه الذي نفس عائشة بيده لوددت أنه في غرارة من غرائري هذه مخيطا عليه احتمله معي حتى أقذفه في البحر.
قال لها مروان: قد و اللّه بينت.
قالت: هو ذلك، فاذهب على ذلك.
ثم خرجت حتى إذا كانت بالصلصل [1] مرّ بها عبد اللّه بن عباس و قد خرج يقيم الحج للناس فقالت: يا ابن عباس إنك قد أعطيت لسانا و عقلا و علما، و إني أناشدك اللّه أن تدفع عن هذه الطاغية غدا في الموسم إذا لقيت الناس.
ثم مضت فلمّا قضت حجها أتاها الخبر أنه قتل فقال: إيها ذا الاصبع، تعني طلحة و أقبلت حتى إذا كانت بسرف [2] لقيها عبيد اللّه بن سلامة الليثي مقبلا من المدينة فقالت: ويلك ما وراءك؟
فقال: اجتمع الناس على علي بن أبي طالب عليه السّلام.
فقالت: و اللّه لوددت أن هذه وقعت على هذه- تعني السماء على الأرض- و لم يكن ذلك.
ثم رجعت إلى مكة و أتاها طلحة و الزبير اللذان سعيا في قتله، فخرجا بها يطلبان بدمه [3].
[1]- الصلصل: من نواحي المدينة على سبعة أميال منها. معجم البلدان: 3/ 412.
[2]- سرف: بفتح أوله و كسر ثانيه، موضع على ستة أميال من مكة، و قيل: سبعة و تسعة و اثني عشر، و بها تزوج رسول اللّه (ص) ميمونة بنت الحارث، و بها توفت. معجم البلدان: 3/ 212.
[3]- الفتوح لابن أعثم: 3/ 420، تاريخ اليعقوبي: 2/ 176، شرح نهج البلاغة: 3/ 107، و الشاهد-
و قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب فساد قيام معاوية و غيره بطلب دم عثمان عند غير الإمام، و نسب قتله إلى علي بن أبي طالب و أنه منع منه قاتليه، و عثمان قتل في دار الهجرة و بحضرة المهاجرين و الأنصار الذين جعلوا اجماعهم فيمن قدّموه حجة، فأجمعوا عليه بين قاتل و خاذل لا اختلاف في ذلك، و لم يدع علي عليه السّلام فيه قولا و لا فعلا أكثر ممّا جاء في ذلك عنه من قوله: «ما أمرت و لا نهيت و لا سخطت و لا رضيت و لا سرّني و لا ساءني» [1] في مثل هذا من الكلام المحتمل التأويل، حتى لقد تأوّل من نفى ذلك عنه قوله: «ما سرّني و لا ساءني» قال: يريد ما سرّني إذا قتل و لا ساءني إذا صار إلى الجنة، لأنه كان عليه السّلام عالما ما يؤول الأمر إليه بإخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إياه، فتحفظ في المقال من احتجاج الجهال.
و إنما فتح هذا الباب لمعاوية أصحاب الجمل، لأنهم قبل ذلك قاموا به و شبّهوا على الجهال بسببه، و هم قتلة عثمان فيمن قتل و خاذلوه فيمن خذل، و ممّن عدد إحداثه عليه و احتج بها في خلعه، و حاصروه لمّا امتنع أن يسلّم الأمر أو يختلع، و منعوه الماء، فأرسل به إليه علي عليه السّلام مع الحسن عليه السّلام.
و أكثر ما قيل في علي عليه السّلام في ذلك: قول سعد لبعض من سأله عن قتلة عثمان [قال: قتل عثمان بسيف] سلته عائشة و شحذه طلحة و سمّه ابن أبي طالب.
قيل له: فالزبير؟
قال: صمت و أشار [بيده و أمسكنا] و لو شئنا نحن لدفعنا، و لكن رأينا عثمان تغيّر و خلط فأحسن و أساء، فإن كنّا أثمنا فنستغفر اللّه [2].
- المذكور للربيع بن زياد من أبيات في الحماسة: 2/ 284.
[1]- أنظر: تاريخ المدينة لابن شبة: 4/ 1263، الامامة و السياسة: 1/ 48، شرح نهج البلاغة: 1282.
[2]- تاريخ المدينة لابن شبة: 4/ 1174، الامامة و السياسة: 1/ 67، و ما بين المعقوفتين أثبتناه-
و الذي لم يختلف فيه الأخبار أن طلحة و الزبير كانا اللذين قاما و قعدا في أمر عثمان و ألّبا عليه و حاصراه حتى قتل، و أنه لمّا أجهده العطش أرسل إلى علي عليه السّلام يقول له: يا علي إن طلحة و الزبير قتلاني عطشا و الموت بالسلاح أروح إلي.
فسألهما علي أن يخليا له الماء، فامتنعا.
فقال لهما علي: «ما كنت أظن أني أسأل أحدا من قريش في شيء فيجبهني».
قال له طلحة: و اللّه لا أفعل و ما أنت من ذلك في شيء.
فغضب علي عليه السّلام و قال: «ستعلم يا ابن الحضرمية أكون في شيء من ذلك أم لا».
و قال: «و اللّه لو لا يمين سبقت مني لأرويته أو أموت».
و بعث إليه بالماء مع الحسن عليه السّلام فدخل إليه، و أمره بأن يقاتل دونه، فأبى عليه عثمان و قال: و اللّه لا يراق دوني دم امرئ مسلم [1].
و لم نقصد هاهنا الحجة على أهل الجمل فنذكر فعلهم في عثمان، و لا قول عائشة فيه التي أقاموها لطلب دمه، و إنما قصدنا قصد معاوية، و كان أيضا ممّا ادعاه و شبّه على الجهّال به أن قيل لهم: هذا معاوية خال المؤمنين، ليعظم في أعينهم و يجلّ مكانه من قلوبهم، و يروه أهلا لما قام به من أمرهم، و ذلك لمكان أخته رملة بنت أبي سفيان من أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و قد ذكرنا فيما تقدم من هذا الكتاب قصتها و سبب تزويج رسول اللّه إياها و ما قصد بذلك، و أراد به من استمالة أبي سفيان و تآلفه على الإسلام، فما نفع ذلك فيه و لا في معاوية، و لا صرفهما عمّا كانا عليه من عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلمّا قال اللّه تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [2] جعل ذلك معاوية
- من المصدر.
[1]- تاريخ المدينة لابن شبة: 4/ 1202، العقد الفريد: 2/ 267.
[2]- سورة الأحزاب: 6.
من أغلوطاته فادّعى أنه خال المؤمنين و لو ألزم ظاهر حكم ذلك على قوله، لحرم عليه نكاح المؤمنات، إذ هو خالهن بزعمه، و لكن اللّه لم يجعل هذا نسبا ينسب به و لا يتوارث من أجله، و لو كان ذلك لورث نساء النبي المؤمنين به و ورثهن المؤمنون من أجله، و قد قال اللّه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [1] فلم يتوارثوا بهذه التسمية و لا أوجبت لهم نسبا و لا قرابة، و لو كان ذلك أيضا لحرم على بعضهم نكاح بنات بعض، إذ حرم على الرجل أن ينكح ابنة أخيه، و لكنه أراد بهذا الفتنة، و أراد بأمومة أزواج النبي ألّا ينكحن بعده لما امتدت لذلك أعين بعضهن، و قلن: لو طلقنا لكان لنا في قومنا أكفّاء.
و اعتزلهن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شهرا و خيرهن بعد ذلك فاخترنه، إذ علمن أنّهن حرمن على المؤمنين غيره، و أكّد اللّه تعالى ذلك بالبيان فقال: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [2].
هكذا جاءت الأخبار في هذا، و ظاهره تغليظ عليهن فيما قلن، لا أنه شرف يشرّف به من ناسبهن، و لا أدري كيف جاز لمعاوية أن يكون خالا للمؤمنين، فيتّبع لذلك و يكون إماما متبوعا من أجله؟
و هو إنما أراد بذلك القيام على محمد بن أبي بكر ليقتله، لأنه قتل عثمان فيما ذكر، و محمد بن أبي بكر أحق بهذا الاسم منه، لأنه أخو عائشة و عائشة عندهم أفضل من رملة، مع ما لهذا من أبوّة أبي بكر و قديم الإسلام، فكان الواجب على هذا القول أن يكون هو المتبوع لا معاوية.
[1]- سورة الحجرات: 10.
[2]- سورة الأحزاب: 53.
[التحكيم]
و من ذلك: أن معاوية ناصب عليا عليه السّلام و دافعه أولا و هو يدّعي الإمارة التي أمّره عليها عثمان، و قد ذكرنا قبل هذا فساد هذه الدعوى و ما يجب بإجماع من زوال الإمارة بموت الإمام الذي أمّره عليها، و أن الحكم في ذلك يصير إلى الإمام بعده، يقر من رأى أن يقرّه من العمل و يصرف من شاء منهم، و كذلك فعل من تقدم من أئمتهم.
و إنما ولّى معاوية عمر بن الخطاب، فلمّا ولّي عثمان أقرّه، و لو عزله لما كان له عند نفسه أن يقيم على ذلك العمل بعد موت من استعمله عليه، و كذلك لو عزله الذي كان يستعمله، لزال حكمه عنه، ثم إن معاوية لمّا استولت عليه الغلبة و أخذته و أصحابه الهزيمة، احتال له عمرو بن العاص فرفع المصاحف و دعى إلى الحكم بما فيها، فكفّ عنهم أصحاب علي تحرجا، لأنهم كانوا أهل بصائر و دين، فأمرهم علي عليه السّلام بالتمادي عليهم، و أخبرهم أنها مكيدة منهم، فاختلفوا في ذلك عليه و رفعوا السيوف عن عدوهم و افترق جمع منهم، فرأى علي عليه السّلام إيضاح الحق لهم، و علم أن الكتاب يشهد له فأجابهم إلى الحكومة بما فيه، فأصاب معاوية الوسيلة و الوصول إلى الحيلة، و قدّم [معاوية] عمرو بن العاص و قدّم علي أبا موسى الأشعري للمناظرة و الحكم بكتاب اللّه الذي رفعوه، و دعا إليه و اشترط ذلك و أكّد فيه، و كتب كتاب قضيته: بأن لا يكون الحكم إلّا بكتاب اللّه لا يعدوه أحد إلى غيره، كما كان الدعاء إليه.
فمكر عمرو بن العاص بأبي موسى الأشعري و أظهر برّه و إكرامه و إجلاله و إعظامه، و كان إذا حضرت الصلاة قدّمه و قال: أنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أسبق مني إلى الإسلام و أقدم سنّا.
و قال: هلمّ بنا يخلع كل واحد منّا صاحبه، ثم نتفق على من نقدمه. و أوهمه في ذلك أن يرجع إلى قوله و يقدّم من أراده و أطمعه في ذلك.
فصعد أبو موسى المنبر فخلع بزعمه عليا عليه السّلام و قال لعمرو: اصعد أنت فاخلع
معاوية.
فصعد و أثبته، و أوهم من سمع ذلك أنه الذي اتفقا عليه.
فأنكر ذلك أبو موسى و قال لعمرو: لعنك اللّه فإنما أنت كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
و قال عمرو: بل أنت، فلعنك اللّه فإنما أنت كالحمار يحمل أسفارا.
و افترقا على ذلك يلعن كل واحد منهما صاحبه، و خاض الناس في ذلك و كانت في أصحاب علي عليه السّلام فرقة من أجله، و اعتزل الخوارج عنه الذين أصرّوا أولا على التحكيم، و لم يروا دفع ما دعا معاوية إليه من كتاب اللّه، و قالوا: كان ينبغي لعلي أن لا يرجع إلينا و أن يمضي على ما هو عليه من الحق.
و قوى أمر معاوية فادّعى بهذه الخديعة و الحيلة الخلافة، و تسمّى بأمير المؤمنين، و ثبت مع علي عليه السّلام أهل الحق و العلم و البصائر.
و هذا الذي كان من أمر معاوية و عمرو بن العاص و خديعته أبا موسى و فعل أبي موسى [1]، و لو لم يخدع و كان قد أتى ذلك على قصد إليه بإجماع من المسلمين، غير لازم لعلي عليه السّلام و لا مخرج من يده ما قد جعله اللّه تعالى إليه، لأن المسلمين قد أجمعوا على أنه ليس للوكيل على أن يعدو أمر من وكّله و لا يخالفه، و أنه إن خالف ذلك لم يجز فعله عليه فيما لم يجعل إليه، و إنما يجوز من ذلك ما جعله له و أمره به ليس له أن يعدوا ذلك إلى غيره، و لا أن يحيله عن وجهه، و لا أن يخالف شيئا منه، فإن فعل ذلك أو شيئا منه على خلاف ما جعل له لم يلزم من وكّله شيء من ذلك، فكذلك إن استقضى الإمام قاضيا أو استعمل عاملا و أمره بالعمل بالحق فخالفه إلى الباطل، كان تباعة ذلك عليه و لم يكن من ذلك شيء على من استعمله، و قد استعمل
[1]- راجع: الطبقات الكبرى: 4/ 257، الأخبار الطوال: 201، تاريخ اليعقوبي: 2/ 190، تاريخ الطبري: 4/ 52، تاريخ دمشق: 46/ 174.
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خالد بن الوليد فخالف أمره فتبرأ إلى اللّه منه و من فعله، و إنما قدّم علي أبا موسى على المناظرة عنه و الحكومة بكتاب اللّه و استقضاه على ذلك و وكّله عليه، فلمّا خالف أمره إلى غيره لم يجز فعله عليه، كما أنه لو وهب شيئا من ماله أو تصدق به عليه إذ لم يجعله له، و هذا ما لا اختلاف بين المسلمين فيه، و قد أجمع أهل المعرفة بالأخبار على أن أبا موسى خدع و سخر منه [1].
و قد قيل: إنه كان يتهم بالميل إلى أصحاب معاوية، و أي ذلك كان أو غيره ممّا خالف فيه أمر من أقامه، فقد بينّا أنه لا يجوز فعله عليه، فزعم معاوية أنه صار بهذه
[1]- و قال عمرو بن العاص بعد ذلك:
خدعت أبا موسى خديعة شيظم * * * يخادع سقبا في فلاة من الأرض
فقلت له إنا كرهنا كليهما * * * فنخلعهما قبل التلاتل و الدحض
فانهما لا يغضيان على قذى * * * من الدهر حتى يفصلان على أمض
فطاوعني حتى خلعت أخاهم * * * و صار أخونا مستقيما لدى القبض
و إن ابن حرب غير معطيهم الولا * * * و لا الهاشمي الدهر أو يربع الحمض
فرد عليه ابن عباس:
كذبت و لكن مثلك اليوم فاسق * * * على أمركم يبغي لنا الشر و العزلا
و تزعم أن الأمر منك خديعة * * * إليه و كل القول في شأنكم فضلا
فأنتم و رب البيت قد صار دينكم * * * خلافا لدين المصطفى الطيب العدلا
أ عاديتم حب النبي و نفسه * * * فما لكم من سابقات و لا فضلا
و أنتم و رب البيت أخبث من مشى * * * على الأرض ذا نعلين أو حافيا رجلا
غدرتم و كان الغدر منكم سجية * * * كأن لم يكن حرثا و أن لم يكن نسلا
انظر: وقعة صفين: 550
الخديعة و المحال أمير المؤمنين و تسمّى بذلك و شبّه به على الناس و طغام الشام، فأطاعوه و اتبعوه و أجازوا ذلك و سوّغوه إياه.
و الحجة في أمر الحكمين تحتاج إلى كتاب مفرد و قول مشبع مؤكد [1]، و لكن لمّا ذكرناها فلا بدّ من أن نأتي بجمل من الحجج فيها، فنقول لمن أنكر الحكومة من أصلها، و طعن على علي عليه السّلام إذ رضي بها: قد حكم اللّه عزّ و جلّ الرجال في كتابه فقال: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها [2] الآية، و قد أجمع أهل الفتيا على أن الحكمين لو حكما بين الزوجين بخلاف الحق، لما جاز حكمهما لو فرّقا بين الزوجين بلا طلاق و لا عدة، أو جمعا بينهما على خلاف ما يوجبه الكتاب و السنّة، لم يجز ذلك من فعلهما، و إن حكما في ذلك بكتاب اللّه و سنّة رسوله جاز ما حكما به، و قد حكّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سعد بن معاذ في بني قريظة لمّا حاصرهم، فحكم سعد بأن تقتل مقاتلهم و تسبى ذراريهم، فأجاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حكمه و قال: «لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة» [3].
و لو حكم بخلاف ذلك و لم يجعلهم ذمّة و لا أوجب عليهم قتلا و لا سبيا و لا جزية، لم يجز حكمه لخلاف الحق، و على هذا المعنى يطّرد في الحكومة ما قدّمنا
[1]- كتب في هذا الموضوع كتب عديدة منها:
(كتاب الحكمين) لإبراهيم بن محمد الثقفي (ت 283 هجرية)، (كتاب الحكمين) لعبد العزيز الجلودي (ت 332 هجرية)، (كتاب الحكمين) للوط بن يحيى بن مخنف (ت 157 هجرية)، (كتاب الحكمين) لمحمد بن علي بن جاك، (كتاب الحكمين) لهشام بن الحكم المتكلم الكوفي، (كتاب الحكمين) لابي المنذر هشاو بن محمد السائب.
[2]- سورة النساء: 35.
[3]- صحيح البخاري: 4/ 227، المعجم الكبير: 6/ 6، الطبقات الكبرى: 2/ 75، تاريخ اليعقوبي: 2/ 25.
ذكره، و كيف يجوز حكم من خالف الحق و اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ... الظَّالِمُونَ ... الْفاسِقُونَ [1].
فإن قال قائل: فلم امتنع علي عليه السّلام في أول الأمر من الحكومة و أباها، و أمر أصحابه بقتل أصحاب معاوية و هم يدعون إليها، و هي كما ذكرت في الكتاب و السنّة؟
قيل له: إن الحكومة لا تلزم من دعي إليها و تجب وجوب فرض عليه، و لسنا نقول: إن التحكيم يجب لكل من دعا إليه، و لا أنه حق واجب يلزم من طلب منه من أهل العدل إذا دعى إلى ذلك أهل البغي أو من المسلمين إذا طلبه منهم المشركون، و إنما ذلك أمر مفوّض فيه إلى الأئمة عليهم السّلام و إلى من أقاموه، فإن أرادوا محاكمة من خالفهم أو موادعتهم أو دعاهم إلى الاحتجاج عليهم، فعلوا من ذلك ما رأوه و ما لم يروا منه أمضوا أمرهم على ما أراهم اللّه عزّ و جلّ من جهاد عدوهم، و إنما التحكيم كالأمان و الموادعة و الصلح، يرى الأئمة فيه رأيهم صلوات اللّه عليهم فيما هو أصلح لهم و للمؤمنين و أعود عليهم، و لو لم يحكّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سعدا في بني قريظة و مضى على قتالهم و قتلهم، لكان ذلك إليه كما فعل ذلك بكل من قاتله و حاصره من المشركين، فلمّا دعا إلى ذلك معاوية و أصحابه و قد أخذتهم السيوف و استولت عليهم الهزيمة، و علم علي عليه السّلام أن ذلك منهم إنما هو مكر و ابتغاء للخلاص من القتل لم يجب إليه، و أمر أصحابه بالجدّ في طلبهم و قتلهم و الإثخان فيهم، فلمّا لم يقبلوا ذلك منه و انقض جمعهم عنه، و رأى أن الشبهة قد دخلت عليهم و الفشل قد فشا فيهم، رأى أن يجيب معاوية إلى التحكيم بكتاب اللّه، إذ كان كتاب اللّه يشهد له، ليوضح الأمر في ذلك لمن التبس عليه و الحق لمن شك فيه، فكان من أمر ذلك ما كان.
و قالت الخوارج: قد كنّا أخطأنا في إجابتنا إلى التحكيم، و إذا قد علم علي ذلك
[1]- سورة المائدة: 44- 47.
فكان من الواجب عليه أن لا يتبعنا على الخطأ، و لكن يمضي على الصواب و هو قول صاحب الكتاب [1].
و هو لم يخطأ عليه السّلام كما نسبوا الخطأ إليه، و لكنهم هم أخطئوا أولا و آخرا بمخالفته، و لم يدّع أحد أن عليا صلوات اللّه عليه حكّم الحكمين على أن يخلعاه إن أحبّا، و إنما حكّمهما على أن يحكما بكتاب اللّه الذي دعا إلى الحكومة به معاوية و أصحابه، إذ علم علي أن الكتاب يحكم له و لم يكن في شك من ذلك و لا على جهل به، و لم يكن صلوات اللّه عليه خدع هو في ذات نفسه و لا مكر به، لأن رفع المصاحف لم يخف عنه المراد به فيلزمه حكم المخدوع، و إنما يلزم ذلك أبا موسى، و قد برّأه اللّه من خطائه و ما اقترف، كما برّأ رسوله من فعل خالد بن الوليد فيما سلف، و ليس المكر من أخلاق المؤمنين و لا الخديعة من شيم الصالحين، و لا أعلم أحدا مدح بالمكر فاضلا في دينه، و لا وصف بالحيل و الخدائع بالباطل صالحا في نفسه.
و المكر و الخديعة عار و نقص على من أتاهما في أبواب الباطل، قد يكن قد تهيأ لمعاوية بهما ما أراد من ذلك، فهو عار عليه و نقص له، و حكم الحكمين يدفع القتل و القتال عن الفئة الباغية، و لم تفيء إلى أمر اللّه خلافا لكتاب اللّه، و ما خالف كتاب اللّه فهو ردّ، و أعظم من ذلك خلعهما فيما زعما عليا عليه السّلام و هو إمام مفترض الطاعة، و حكم المحكّم كقضاء القاضي لا يجوز منه ما خالف الكتاب و السنّة.
و الإمامة أمر من أوامر اللّه عزّ و جلّ و فرض من فروضه لا تستحق بتسليم من سلّمها، و لا بتغلب من تغلّب عليها، و لا بإعراض من تركها أو أعرض عنها، لأنها شعبة من شعب النبوة قد أمر اللّه عزّ و جلّ بطاعة أوليائه كما أمر بطاعة أنبيائه، فكما أن النبوة لا تغتصب و لا تسلب و لا تسلّم و لا تفوّض فكذلك الإمامة، و كذلك يجري
[1]- أي أبي موسى الأشعري.
مجراها ما تفرع منها: لو أن الإمام استعمل عاملا و استقضى قاضيا فسلّم عمله ذلك العامل و قضاه ذلك القاضي إلى غيرهما، أو غلبهما عليه أحد، لم يجز ذلك للمتغلب و لا للمسلّم إليه، و إنما هو لمن جعل له.
و كذلك لو وكّل رجل وكيلا على أمر لم يعده به، فوكّل ذلك الوكيل على ذلك الأمر غيره، لم تجز وكالته و لم يكن من وكّله جائزا فعله فيما وكّله عليه ممّا أسند إليه.
على هذا مضت الأيام و به جرت الأحكام، فليس لمعاوية في الإمامة حق بالتحكيم، و لا فيما ادّعاه من الحسن عليه السّلام من أمر التسليم.
[صفات كاذبة]
و ممّا موّه معاوية و موّه لديه: أن قيل: كان كاتب الوحي، لأنه كتب شيئا من القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كانت الكتابة في العرب يومئذ قليلة، فمن كان يحسن أن يكتب استكتبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد كتب مثل ذلك جماعة ممّن لم يدع إمامة، و لا استوجب بذلك فضيلة من فضائلها، مثل: حنظلة بن ربيعة من بني تميم، و زيد بن ثابت من الأنصار، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و بدّل ما أملي عليه فقال: قد أنزلت قرآنا.
فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيه: وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [1] فهدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دمه، و كان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، فتطاول عليه فسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيه فأعرض عنه، فلمّا ولّى عثمان استعمله على مصر و بعث به ففتح إفريقية، فما حجز هذا كاتب الوحي عن لعنة اللّه و لعنة رسوله صلّى اللّه عليه و آله.
و إن نزل القرآن بما نزل فيه كما لم يدع ذلك معاوية عمّا ارتكبه و صار إليه ممّا أوبقه و أخرجه من ربقة الإسلام، و علي كتب الوحي كلّه في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كان أول من جمعه بعد وفاته، و آلى على نفسه بعد أن قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن لا يرتدي برداء إلّا لجمعة حتى يجمع القرآن، فجمعه و كتبه من لفظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و كان يقول عليه السّلام: «ما من آية أنزلت إلّا و أنا أعلم يوم نزلت و فيما أنزلت، و لو سألتموني عمّا بين اللوحين لأخبرتكم، فاسألوني قبل أن تفقدوني» [2]، و هذا ما لم يدعه أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا قال به.
[1]- سورة الأنعام: 93.
[2]- شواهد التنزيل: 1/ 42 ح 31، تاريخ دمشق: 17/ 335، تفسير القرطبي: 1/ 35، تفسير الثعالبي: 1/ 52.
و روي عن محمد بن سيرين أنه ذكر مصحف علي عليه السّلام فقال: لو وجدناه لوجدنا فيه علما كثيرا [1].
و هذا المصحف بخط علي عليه السّلام عند الأئمة من ولده، قد أصاره عزّ و جلّ إليهم و رده ممّن اغتصبه عليهم.
و لا أعلم أحدا في القديم و لا في الحديث من أهل العلم قرن بين علي عليه السّلام و بين معاوية في مفاخرة و لا أقامهما في موازنة و لا مناظرة، لتفاوت ما بينهما، و لأن عليا عليه السّلام في نهاية الشرف و الفضل و معاوية في ضد ذلك.
[قول النجاشي الشاعر]
و لقد كثر عجب كثير ممّن تقدم من قول النجاشي الشاعر [2] لمعاوية في علي عليه السّلام:
نعم الفتى أنت لو لا أن بينكما * * * كما تفاضل ضوء الشمس و القمر [3]
و قالوا: من ذا الذي يقول: إن بين علي و بين معاوية مثل ما بين ضوء الشمس و القمر!
و أي فضيلة لمعاوية يستحق أن ينزل بها هذه المنزلة!
بل أي نقص لم يقعد به عن كل فضيلة حتى طلبوا للنجاشي في ذلك المخارج و وجّهوا له فيه الوجوه!
[1]- الطبقات الكبرى: 2/ 338، شواهد التنزيل: 1/ 38 ح 26، تاريخ دمشق: 42/ 399، كنز العمال: 2/ 588 ح 4792.
[2]- و هو قيس بن عمرو بن مالك الحارثي المعروف بالنجاشي، و قيل له النجاشي لأنه كان يشبه لون الحبشة.
[3]- وقعة صفين: 373، شرح نهج البلاغة: 8/ 48.
فقال بعضهم: أراد بذلك أسلاف علي و أسلاف معاوية كما كان بين هاشم و عبد شمس و بين عبد المطلب و حرب بن أمية و بين أبي طالب و أبي سفيان في اللسان و البيان و الفصاحة، و ما يتفاضل به البر و الفاجر و يتساوى فيه الجاهلي و الإسلامي، و هذا ما قدّمنا ذكره و أبنّا فيه فضل أسلاف علي عليه السّلام على أسلاف معاوية.
و قال آخرون: هذا جائز في لسان العرب أن يجمعوا بين من له الفضل و بين من لا فضل له في مثلة، و احتج هؤلاء لذلك بقول اللّه عزّ و جلّ: و قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ [1]، و قوله: ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [2].
و قالوا: و ليس ذلك على الجمع بين الحالين و لا على الموازنة للأمرين.
و قالوا: و الكلمة تكون جوابا فتدل على معنى و تكون ابتداء فتدل على خلاف ذلك، و ربما كانت كفرا في حال و إيمانا في حال، و أنشدوا في ذلك:
فهلا فذاك الموت من كنت زينه * * * و من هو أسوأ منك حال و أقبح
أرادوا: أن قائل هذا لم يرد: أن لمن مدحه بهذا سوء حال، فيكون من أراد أن يفديه أسوأ حالا منه.
و قالوا: فعلى هذا من المدح لعلي عليه السّلام ما يخرج قول النجاشي، و في مثل ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص أو لغيره ممّن هجا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
أ تهجوه و لست له ندّ * * * فشرّكما لخيركما فداء [3]
لم يرد أنه كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بشرّ كان من هجاه أكثر شرّا منه، و لا أن لمن هجاه
[1]- سورة الأنعام: 19.
[2]- سورة الفرقان: 15.
[3]- ديوان حسان بن ثابت: 9، السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 878، مسند أبي يعلى: 8/ 104 ح 4640.
خيرا كان خير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل منه، و هذا مخرج حسن من مخارج ألفاظ العرب لما قاله النجاشي، و فيه معنى غيره و هو أحسن منه عندي و لم أسمعه، و ذلك: نعم الفتى أنت، لو بقيت بحالها لكانت مدحا له، فلمّا أتبعها بلو لا، أسقطت لو لا مدح نعم الفتى أنت و أزالته و استثنته، لا أنه إنما يكون نعم الفتى أنت لو لا هذه الخصلة، فلمّا كانت لم تكن كذلك، و هذا معروف في لسان العرب و هو من التقديم و التأخير، و معناه: لو لا عيب كذا و كذا في فلان لكان فاضلا، فليس بفاضل عندهم مع ذلك العيب.
و لو قال قائل: إن القمر لا نور له و إن النور الذي يظهر منه إنما هو نور الشمس، غير ما قال أصحاب الفلك، لكان وجها، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [1].
قال أصحاب التفسير: آية الليل و النهار الشمس و القمر [2].
و روي ذلك عن علي عليه السّلام، أن ابن الكواء سأله فقال: ما هذا السواد الذي في القمر؟
فقال: «هو المحو- و تلى قول اللّه-: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» [3].
و قد قال اللّه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً [4] فيجوز على هذا ما قالوه: أن يكون نور القمر من ضياء الشمس، كما يكون النور للشيء الأبيض في
[1]- سورة الإسراء: 12.
[2]- تفسير الطبري: 15/ 65، معاني القرآن: 4/ 129، تفسير ابن كثير: 3/ 579، الدر المنثور: 4/ 166.
[3]- تفسير الطبري: 15/ 64، معاني القرآن: 4/ 128، تاريخ دمشق: 27/ 100، الدر المنثور: 4/ 166.
[4]- سورة يونس: 5.
الظلام إذا أضاء له السراج، و إن لم يضيء له لم يكن له نور.
فيكون مجاز هذا القول: أن يكون فخر معاوية إنما استحق عند النجاشي لقرابته من علي عليه السّلام، و هذا على ما قدّمنا ذكره لا يستحق، لأن من نافس الفاضل فضله و نازعه فيه لم يستحق الفضل به و لو كان أقرب الناس إليه، و قد ذكرنا هذا فيما تقدم و بينّاه، و لعل الذي دعى النجاشي إلى هذا التشبيه، الخبر الذي روي عن عمر: أنه وجّه حابس بن سعد الطائي قاضيا إلى الشام فانصرف فقال: ما الذي صرفك؟
قال: رأيت بالشام رؤيا أفزعتني.
قال: و ما هي؟
قال: رأيت الشمس و القمر يقتتلان و كأن الكواكب بعضها مع الشمس و بعضها مع القمر و كأني كنت في بعضها فقتلت.
قال له عمر: مع من كنت؟
قال: مع القمر.
قال: اذهب فما كنت بالذي يعمل لي عملا أبدا ثم قرأ: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ثم قال: هذا رجل يموت على ضلالة.
و كان حابس بن سعد رجلا في أصحاب معاوية بصفين و قتل يومئذ، فتأوّلوا رؤياه بعده و قالوا: الشمس التي رآها حابس علي عليه السّلام و القمر معاوية و النجوم التي كانت معهما الصحابة [1].
فإن ذهبوا بذلك إلى تأويل عمر، فقد شهد على معاوية و أصحابه بالضلالة، مع أن هذا طلب المخرج إلى من لم يلتفت إلى قوله، و لا حجة فيه لمن عسى أن يحتج به، و لو أن النجاشي قال: إن معاوية أفضل من علي عليه السّلام، لم يكن قوله حجة مع إطباق
[1]- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 278 ح 127 و 8/ 725 ح 28، تاريخ دمشق: 68/ 104، الدر المنثور: 4/ 167.
علماء الأمة على خلافه، و إنما تكلمنا فيه لأنه قيل و جرى ذكره، و النجاشي أقل من أن يكون قوله لو كان ما عسى أن يقوله حجة على علي عليه السّلام و على من اعتقد فضله و قال به.
و قد كان علي عليه السّلام أتى بالنجاشي و قد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه الحدّ ثم أخرجه من غد فضربه أسواطا فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه العلاوة؟
قال: «لاستخفافك بالصوم، و إفطارك في شهر رمضان» [1].
فليس النجاشي ممّن يعد في هذا قوله و لا يلتفت إليه، و لا يؤمن أن يكون لعداوته لعلي عليه السّلام ألقى هذه النكتة لمعاوية، إذ لم يمكنه فيه غيرها ليجري فيها مثل ما جرى من القول.
و قال بعض من بالغ في مدح معاوية: كان عاقلا، فاستمال الناس إليه و صرف قلوبهم نحوه بمداراتهم، و أصلح ناحية كل واحد منهم بما رأى أن فيه صلاحه، و ليس بعاقل من أفسد دينه و ليس العقل لو سلم من فساد الدين ممّا يستحق به وحده الخلافة، و قد ذكر بالعقل كثير من الناس، لم يرهم من ذكرهم به أهلا للخلافة، و إنما يوصف بالعقل من كان على هدى، فأما من كان على ضلالة فليس بمنسوب إلى العقل، كأن اللّه عزّ و جلّ إنما وصف الضالين عن سبيله بأنهم لا يعقلون و بأنهم يجهلون في مواضع من كتابه، فلا ينبغي أن يوصف بالعقل ضال عن سبيل اللّه و لا صاد عن تذكّره، لأن اللّه سبحانه و تعالى يقول: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* [2] و الألباب العقول، فمن لم ينتفع بالتذكرة فليس بذي عقل، و إنما يوصف بالعقل من عقل عن اللّه أمره و نهيه و اهتدى بهديه، فأمّا من قاده العقل الفاسد إلى الضلالة فهو
[1]- الغارات: 2/ 902، مصنف عبد الرزاق: 7/ 382 ح 13556، شرح نهج البلاغة: 10/ 251، الاصابة: 6/ 388.
[2]- سورة الرعد: 19.
من الجهال لا محالة.
و قال قوم يمدحونه: كان بليغا.
و البلاغة لا محالة مقصورة على علي عليه السّلام لا ينازع فيها و لا يساوى به أحد في شيء منها، و هو من معدن اللسن و ينبوع البلاغة، و إنما يحمل البلاغة في الحق و الصدق، فأمّا في الجهل و الضلالة فالعي خير منها لا محالة، لأن البلاغة في الضلالة فتنة للجهال و زيادة في أثم متعاطيها المنسوب إليها، و العي الصامت على ضلالته أسلم من المتكلم بجهالته.
و روي: أن عليا صلوات اللّه عليه خطب بخطبة فانتهت إلى معاوية فقال لعمرو بن العاص: و اللّه لوددت أن هذه الخطبة كانت لي، و أن لعلي بها دوني حمر النعم.
فقال له عمرو: و ما يمنعك منها اخطب بها و أدعها لنفسك، فالإمامة التي نازعته إياها أكبر منها، فواحد يصدقك و آخر يصدق عليا.
فقبل ذلك من رأيه و خطب بها و ادّعاها.
و وصفوه بالحلم، و قد تقدم ذكر نقض ذلك و أنه لا يعد حليما من قتل المؤمنين ظلما، و انتهك محارمهم، و استحل ما حرّم اللّه منهم، و لا سفه أعظم من هذا.
و قد قيل: إنه كان يتعرض لمن يشتمه فيحلم عنه، ليذكر بالحلم.
و قالوا: ليس بحليم من تعرض للسفيه.
و وصفوه بالدهاء و المكر، و قد ذكرنا أن ذلك ليس من أهل الفضل، و قول علي عليه السّلام: «لو استحسنت المكر ما كان معاوية أمكر مني» [1] مع أكثر ما ناله بالمكر.
فعن عمرو بن العاص أخذه و هو فتقه له، و كان هو و عمرو بن العاص أشهر في قتل عثمان، و أرغب فيه ممّن قاما في ذلك بزعمهما عليه، فأمّا معاوية فلمّا تسبب به
[1]- ورد عنه عليه السلام: (لو لا الدين و التقى لكنت أدهى العرب)، و قال: (و اللّه ما معاوية بأدهى مني، و لكنه يغدر و يفجر، و لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس).
إليه و تعاطاه من أمر الخلافة بعده، و أمّا عمرو بن العاص فقد كان فيمن سعى في قتله و التأليب عليه.
و نقم عليه أنه عزله عن مصر و استعمل عليها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح و كان أخا لعثمان من الرضاعة، و لذلك قال و قد بلغه أنه محصور و كان بمصر: أنا أبو عبد اللّه، و اللّه ما نكأت قرحة إلّا أدميتها.
ثم جاءه الخبر بأن الناس بايعوا عليا عليه السّلام فقال: الخلافة و النبوة في بيت واحد! و اللّه لا نقرّ على هذا.
فخرج فلحق بمعاوية إذ علم أنه لا يتهيأ له عند علي عليه السّلام ما يريده، و لم يأمنه على نفسه لما تقدم من سوء فعله [1].
[الرجوع إلى عثمان]
فقد جاء أن عثمان لمّا كثر إنكار الناس عليه أفعاله، و انتهى ذلك إليه و تخوّف الأمر فيه، أرسل إلى خاصته من عمال البلدان: إذا حضر الحج في الموسم فاخرجوا.
فخرجوا يريدون الحج و يجتمعوا عنده، فاجتمع إليه معاوية و هو عامله على الشام، و سعد بن العاص و هو يومئذ عامله على الكوفة، و عبد اللّه بن أبي سرح و هو يومئذ عامله على مصر، و عبد اللّه بن عامر بن كريز و هو يومئذ عامله على البصرة، و عمرو بن العاص و ليس على عمل.
فقال لهم: أشيروا عليّ فإن الناس قد أكثروا في.
فبدرهم سعيد فقال: إن الناس قد تفرقوا فتحدثوا و أيسروا فبطروا و طعنوا، فجهّز بعوثهم حتى تكون دبرة في ظهر أحدهم أهم إليه من ذمّك و التفرغ إلى عيبك.
[1]- أنساب الأشراف: 283، تاريخ الطبري: 3/ 558، تاريخ دمشق: 55/ 27 و 39/ 426، شرح نهج البلاغة: 2/ 144.
و قال معاوية: إنك بلغت من كرامتنا ما لم يبلغ أحد لأحد قبلك من أهل بيته، و وليتنا الآفاق و استعملتنا على الأعمال، و جعلتنا على رقاب الناس، فخذ كل إنسان منّا بما قبله فليكفيكه، خذني بأهل الشام فإني جاعلهم لك أرضا تطأها.
و قال عبد اللّه بن عامر: إن الناس لم ينقموا عليك في صلواتهم و لا صيامهم و لا زكاتهم و لا حجّهم، و إنما نقموا عليك فيما بذلت من الدنيا لمن بذلت في ذلك به، فابذل المال لوجوههم و رؤسائهم و اخض [1] في عامتهم يرضوا عنك و عوّل على ما أحببت.
و قال عبد اللّه بن أبي سرح: قد مضى قبلك رجلان عملا عملا رضى به الناس، فاعمل عملهما يرضى الناس عنك كما رضوا عنهما.
و قال عمرو بن العاص: أنت يا أمير المؤمنين حملت الناس على ما أنكرت، و وليت فولوا فضلك فضلّوا، فاتق اللّه و اعدل و إلّا فدعهم و اعتزل.
فنظر إليه عثمان و تنكّر له و قال: يا ابن النابغة ما كان هذا قولك بمصر، و لكن قلّ فرؤك فوغر صدرك، و ما زلت غاصا بريقك مذ عزلتك عن مصر.
قال: لعمري ما هو كذلك، و لكنه رأيي و رأي جميع من وراء بابك، و استشرت فنصحتك و صدقتك.
ثم خلا عثمان بعمرو فقال: ويحك يا ابن العاص أ بجدّ منك ما سمعت؟
فأثنى عمرو و قال: لا و اللّه ما هذا بالجد، و لكني علمت أنه سيحدّث عن قولنا، فأردت أن يعلم الناس منّي ما قلت، و يرجعوا إليّ و يسمعوا قولي، فان أغنيت عنك أغنيت و إلّا صرف عنك ما استطعت.
فقبل منه و رضى عنه و أخذ برأي معاوية و أمر العمال به و ردّهم إلى أعمالهم، فعوجل دون ما دبّره.
[1]- كذا في المخطوط.
[الداهية عمرو بن العاص]
و لمّا رآه عمرو بن العاص و ما نقم الناس عليه و أجمعوا له فيه، خرج إلى أرض له بفلسطين، حتى أتاه الخبر أن عثمان قتل و بايع الناس عليّا عليه السّلام، و لمّا أراد اللحوق بمعاوية استشار ابنيه عبد اللّه و محمدا، فقال له عبد اللّه: يا أبت أرى لك أن تتق اللّه و تلزم بيتك حتى يجتمع الناس على أمر فتدخل فيه، فإنما أنت هامة اليوم أو غد.
و قال له محمد: أنت ناب من أنياب العرب و شريف من أشرافها لك حظك منها و نصيبك، فلا أرى لك أن يختلف العرب في هذا الجسيم من أمرها و أنت معتزل في بيتك، حتى تأخذ نصيبك ممّن يصير ذلك إليه.
فقال عمرو: أمّا أنت يا عبد اللّه فأشرت عليّ بما هو أفضل و أسلم لي في أمر آخرتي، و أمّا أنت يا محمد فأشرت عليّ بالذي هو انبه لذكري و أفضل في أمر دنياي.
ثم توجه نحو معاوية فألفاه قد داخل أهل الشام بالملاطفة لهم و التحبب إليهم، يعود مرضاهم و يتفقدهم و يحضر جنازتهم، و يجلس لهم فيعظهم و يرغبهم في القيام بدم عثمان و يقول: أنتم خير قوم من المسلمين قمتم في دم خليفتكم المظلوم و أنتم و أنتم، و يذكر لهم ثواب ذلك بزعمه و يرغّبهم فيه.
فأقام عنده عمرو أياما ليجد عنده ما أراده، فقال له ابنه عبد اللّه: و اللّه ما أرى معاوية يشتغل بك، فقد أهلكت دينك و لا أراك أصبت دنياك و كان يرجوا أن يفرّق بينه و بين معاوية و يصرفه عنه.
فقال: دعني حتى أبانيه.
فخلا به يومئذ فقال: يا معاوية لا تنزلني منزلة طغام أهل الشام الذين تستميلهم بقصصك عليهم غدوة و عشية، تخبرهم أنهم يطلبون بدم خليفة من خلفاء اللّه قتل مظلوما، و تخبرهم أنه من مات منهم دخل الجنة و من عاش عاش على خير مجاهد في سبيل اللّه ما الأمر على ذلك، و أن من مات على ما أنت و نحن عليه معك لإلى
النار، و من عاش عليه عاش على شرّ و ما هي إلّا الدنيا نطلبها و نكاثر عليها، أ ترانا إنما فارقنا عليا لفضل بنا عليه، و إنّا أولى بالأمر منه؟
و اللّه ما الأمر على ما تقول به فدعني من تشبيهك على هؤلاء الطغام و تلطفك بهم و قولك: ما أنا أولى بالأمر منكم، و نحو هذا ممّا تستميلهم به، لست ممّن يرضى عنك بهذا المحال و لا يقيم معك على هذه الحال، أ عندك دنيا أنالها و إلّا فإني ناظر إلى آخرتي؟
فلمّا سمع ذلك معاوية منه خاف زواله عنه فقال: مهلا يغفر لك اللّه يا أبا عبد اللّه، لو شئت أن أقول لك غير هذا لقلت، و لكني أنظر ما تحبه فإني تبع لك فيه.
قال: دعني من هذا و اللّه لا تقول لي غير هذا ممّا نخالفه إلّا قلت الباطل الذي لا أقبله، هلم عاجلك و إلّا فدعني لآجلي.
قال: أمّا ما كان حاضرا فيدك فيه مع يدي لا أحيد لك مسألة و لا أردك عن مراد، و إذا ظهرنا أقطعتك مصر طعمة لك فهي موضعك، و بها و ترك عثمان تعطي جندها عطاياهم و أرزاقهم، و ما فضل عنها فهو لك.
قال: اللّه عليك بذلك.
قال: نعم اللّه عليّ به.
فاستوثق منه ثم خرج فلقي ابنه فقال: هيه قد أخذت لك مصر.
قال: و ما مصر!
فدفع في صدره و قال: لا أم لك و لا شبعت إن لم تشبعك مصر فما عسى أن يكون من أبيك، و إنما أتى معاوية بسيفه إلى ما لا يحصى عددا من سيوف أهل الشام عنده فتستقل له عنده مصر [1].
و إنما أراد عبد اللّه منه أن ينصرف عن معاوية.
[1]- أنساب الأشراف: 283، وقعة صفين: 40، شرح نهج البلاغة: 2/ 69، تاريخ دمشق: 16646.
و قيل: إن عمرو بن العاص بعد ذلك استزاد معاوية لمّا سار علي عليه السّلام إلى معاوية فقال عمرو لمعاوية: لي مصر و لا بني عبد اللّه الكوفة.
قال: ذلك لك و له.
قال: و اللّه على ما تقول وكيل.
قال: و اللّه على ما نقول وكيل.
و على هذا اتّبع عمرو بن العاص معاوية و شايعه و ولاه و باعه آخرته بدنياه.
و كان عمرو معروفا بالموجدة على عثمان و الرزية عليه مذ عزله عن مصر، فهو كان أسرّ الناس بما أصابه، فلمّا صار الأمر إلى علي عليه السّلام جاءت العداوة الأصلية و الضغائن الجاهلية، و كان سبب عزل عثمان عمرا عن مصر: أن عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح كان عامله بمصر على الخراج و الجزية، فكتب إليه يشتكي عمرا: أنه كسر عليه الجزية و أخرب عليه الأرض، و كان أخا عثمان لأمه و رضيعه، و قد ذكرنا خبره و استنقاذه إياه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح مكّة لمّا أمر بقتله.
و كتب عمرو: أن عبد اللّه أمسك يده عن عدوه.
فعزل عثمان عمرا و جمع العمالة كلها لعبد اللّه فوفر المال، فلمّا دخل إلى عثمان أحضر عمرو بن العاص فقال له: هل علمت يا أبا عبد اللّه أن اللقاح قد درّت من بعدك.
قال: ذلك إنكم أعجفتم أولادها [1].
و لم يزل عمرو متسخطا على عثمان مذ عزله، و قد ذكرنا عداوة عمرو بن العاص لعنة اللّه عليه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هجاءه إيّاه، و خروجه إلى أرض الحبشة يستنصر عليه، و أن إسلامه إنما كان استسلاما كإسلام أبي سفيان و معاوية لمّا غلب عليه، و هو الذي أشار إلى معاوية برفع المصحف، و حمل علي عليه السّلام عليه في يوم من أيام صفين
[1]- أنساب الأشراف: 282، فتوح البلدان: 1/ 253، تاريخ دمشق: 29/ 37.
فلمّا علاه بالسيف و رأى أنه قاتله ألقى بنفسه إلى الأرض و كشف سوأته، فغضّ عليّ بصره حياء و تكرما و انصرف عنه فنجا، و عيّره معاوية بذلك شبيها بالممازح فقال:
أما و اللّه لو كنت أنت لما اهتديت لها.
و لذلك قال علي عليه السّلام يوما بالعراق و قد انتهى إليه عن عمرو مقال قال فيه، فضرب بين يديه فقال: «يا عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أني ذو دعابة و أني امرؤ تلعابة أعافس و أمارس، لقد قال كذبا، إنما يمنعني من ذلك: ذكر الموت، و قراءة القرآن، و خوف البعث و الحساب، و شرّ القول الكذب، إنه ليقول فيكذب و يعد فيخلف و يسأل فيبخل و ينقض العهد و يقطع الآل، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر و آمر ما لم تأخذ السيوف هام الرجال، فإذا كان ذلك ولّاهم استه، قبّحه اللّه و ترحه» [1].
و عمرو و هو الذي ألقى الشبهة لأهل الشام في قتل عمار، لأنهم كانوا يروون أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال له: «يا عمار تقتلك الفئة الباغية» [2] فلمّا قتله أصحاب معاوية تكلموا في ذلك و فشى القول فيه و اغتمّ معاوية لذلك، فقال لهم عمرو: إنما قتل عمارا عليّ [لأنه هو] الذي جاء به و ألقاه في الحرب و عرّض به القتل. فجازت عليهم.
و قد قال علي عليه السّلام لمّا بلغه ذلك: «إن كنت أنا قتلت عمارا فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قتل من استشهد معه من المهاجرين و الأنصار! يا لها من عقول ناقصة».
و كان معاوية و عمرو يتفاخران بالمكر و يتعارضان بالدهاء، و قيل: إن رجلا ممّن كان مع علي عليه السّلام هرب إلى معاوية، فدخل إليه و قد احتفل أهل الشام عنده و عمرو بن العاص بحضرته، فقال معاوية للرجل: من أين أقبلت إلينا؟
[1]- أنساب الأشراف: 151، شرح نهج البلاغة: 6/ 280.
[2]- سنن الترمذي: 5/ 333 ح 3888، المعجم الكبير: 5/ 221، تاريخ بغداد: 13/ 188، تاريخ دمشق: 21/ 415.
قال: من عند هذا العي البخيل الجبان.
قال: من هو هذا الذي تعني؟
قال: علي بن أبي طالب.
فسكت معاوية، فقام عمرو و قال: يا معاوية لا يسرّك من يغرّك.
فقال معاوية: اجلس يا أبا عبد اللّه فأنت كما قال الأول:
مهما تسرك من تميم خصلة * * * فلما يسؤك من تميم أكثر
و ترك الرجل حتى إذا انصرف من كان في مجلسه من أهل الشام و لم يبق إلّا عمرو قال للرجل: ويحك، أمّا قولك: أن عليا عي، فو اللّه لو لم يكن بهذه الأمة غير لسان علي لكفاها، و أما قولك: إنه بخيل، فلو أن لعلي بيتين، بيتا من تبن و بيتا من تبر، لأنفق تبره قبل تبنه، و أمّا قولك: إنه جبان، فهل بلغك أنه ما بارز أحدا إلّا قتله، أ فإلي تتقرب بالكذب؟
قال الرجل: فإذا كان كما وصفته فلم قاتلته؟
فأخذ عمرو يد معاوية و قال: على هذا الخاتم الذي من غلب عليه جازت طينته [1].
و هذا يشبه قول معاوية لأهل العراق و قد ذكرناه: إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم و قد تأمرت.
و صدق في ذلك و صدق عمرو، أرادا الدنيا فمتعا فيها حتى حين، و معاوية لم يدّع فضلا على علي عليه السّلام و لا ساوى نفسه به، فكيف يدّعي ذلك له غيره أو يساوي بينه و بينه؟
و إنما تهيأ له ما تهيأ من مناصبة ما ذكرناه من حيله و مكره، و بأمور تهيأت له سنذكر ما ينبغي ذكره منها في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء اللّه تعالى.
[1]- الامامة و السياسة: 1/ 135، شرح نهج البلاغة: 1/ 22.
ذكر وجوه تهيأت لمعاوية قويت لها أسبابه و كثر لها أتباعه و أصحابه
تهيأ لمعاوية: أنه كان في الشام و هم جهّال طغام ما قيل لهم اتبعوه، و من ملك فيهم أطاعوه، لأن الشام دار مملكة في القديم و بها كان ملوك الروم، فنشأ أهله على ما عرفوه، و على ما كان أسلافهم من طاعة الملوك عليه، و أن عليا عليه السّلام كان بأرض الحجاز لا يعرف أهله طاعة الملوك عليه و لا يدينون لهم، و كان أصحابه مع ذلك وجوه العرب و أخائر الصحابة من المهاجرين و الأنصار، أهل العقول و البصائر و الآراء و الأنفة و النفوس الأبيّة، يرى كل واحد منهم الرأي و الإمارة و لا القول إلّا ما قاله، و لذلك قيل: إن عليا عليه السّلام لمّا أراد المسير إلى معاوية أمر رجلا أن يركب قلوصا و يتهيأ بهيئة السفر و يمضي حتى يأتي حمص- و بها يومئذ معاوية- فيدخل على هيئته تلك المسجد الجامع به، و من يسأله عن مقدمه أخبره أنه قدم من العراق، فإن سئل عمّا وراءه أخبرهم أن عليا عليه السّلام عزم على غزوهم و المجيء بجميع من معه إليهم، و يرجع إليه بخبرهم.
ففعل ذلك و فشى خبره بحمص و انتهى إلى معاوية، فخرج حتى أتى المسجد فرقى المنبر فاجتمع الناس و حمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و آله ثم قال: أيها الناس إنه قد انتهى إليّ خبر لعله اتصل بأكثركم: أن عليا و من معه عازمون على حربكم و المجيء إليكم فما أنتم قائلون؟ و ما أنتم صانعون؟
فسكتوا عن آخرهم و لم يجبه أحد منهم، فقام رجل من وجوه حمير كان فيهم فقال: أيها الأمير أنت الملك و نحن المملوكون و أنت الأمير و نحن المأمورون، فعليك المقال و علينا انفعال، كلمة حميرية يجعلون النون مكان اللام يريدون الفعال.
قال: فإني أرى أن تبرزوا بجمعكم من غد إن شاء اللّه تعالى، ثم نزل.
فلمّا أصبحوا برزوا عن آخرهم، فأتى الرجل عليا عليه السّلام فأخبره بما كان من أمرهم،
فنادى في الناس فخرج إلى المسجد فرقى المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و آله ثم قال: «أيها الناس إنه انتهى إليّ أن معاوية بلغه ما نريده من حربه فبرز بجمعه لذلك و أعدّ له فما أنتم قائلون؟ و ما أنتم صانعون؟»
فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين الرأي في ذلك كذا، و قام آخر فقال كلاما غير ذلك، و قام آخر و آخر، حتى قام خلق كثير و اعتكر الكلام و كثر الرأي و اختلف القول، و نزل علي عليه السّلام و هو يقول: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون أفلتني ابن آكلة الأكباد، و في طاعة الجند عون للوالي و صلاح للحال».
و من ذلك: أن عليا عليه السّلام لم يكن يداري أحدا في الحق، و لا يرخّص له في الحق، و لا يغضّ له عن واجب يجب عليه، و لا يرخّص له في شيء من الباطل يأتيه، و لا يؤثر أحدا على أحد و لا يفضّله عليه، و عزل عمّال عثمان و انتزع منهم الأموال و ردّ قطائعه و ما استأثر به، و قسم بالسوية، و عدل بين الناس، و كان ذلك سبب نكث من نكث عليه و محاربة أصحاب الجمل إيّاه، و قعود من قعد عن نصرته، و تخلف عن الخروج معه في حروبه، و الحق ثقيل إلّا على من خفّفه اللّه عليه.
و كان علي عليه السّلام إذا نقم على أحد شيئا لم يداهنه و كاشفه فيه و عنّفه عليه و أغلظ القول له، حتى أن الحسن عليه السّلام كان إذا سمع ذلك منه لمن يخاف أن يؤثر فيه من وجوه الناس و من رؤساء العشائر، جلس له حتى يخرج من عنده فيأخذ بيده و يدخله إليه و يخلو به و يتلطف له، ليسل سخيمته و يذهب ما في نفسه ممّا أسمعه عليّ فيه، إيثارا لأمر اللّه و قياما بحقه و تركا لابتغاء النصر إلّا من حيث أمر اللّه به، إذ هو أعلم تبارك و تعالى بخلقه و ما يصلحهم من أمره.
و كان معاوية على خلاف ذلك، يسترضي من سخط عليه، و يبذل الدنيا لمن سأل منه، و دينه لمن سامه إياه، و يغضي على الباطل لأتباعه، و يداهن في الحق لأشياعه، و يحلم له إذا نالوا منه، فمال ميلة من آثر الدنيا و قصد قصده، و رفض الآخرة و أطرحها، و نزع إليه من رؤساء القبائل و وجوه العشائر و رجال العرب من مصر و اليمن
و الأعراب من هذه حاله، و من كل من خاف مطالبة علي عليه السّلام فيها اختان به و خباه من عمّال عثمان و أتباعهم و من تسبب بأسبابهم، و علموا أنه لا يقرب من علي عليه السّلام إلّا من تعفّف و تنزّه و تقشّف، و رأوا عطايا معاوية لمن نزع إليه، و توسيعه من الدنيا على من صار إليه و فشى ذلك عنه، و كاتب من صار إليه بذلك من خلفه من أصحابه، و لذلك قال خالد بن المعتمر و قد صار إلى معاوية [1] و كان مع علي عليه السّلام لعلي بن هيثم يستدعيه، و كان صاحب له و خلّفه مع علي عليه السّلام: يا علي انظر لنفسك و عشيرتك، ما تأمر في رجل قد كنت رأيت مقامي عنده، فسألته يوما و قد رأيت ضيق حال ابنيه الحسن و الحسين أن يزيد شيئا يسيرا في عطائهما، فأبى من ذلك و تجهم لي فيه و أغلظ القول عليّ له، فهل ينفعك من لم ينفع ولده.
فلم يكن يصبر مع علي عليه السّلام إلّا أهل الورع و البصائر، و الذين آثروا الصبر على مرارة الحق فيما سرّ و ساء و أسخط و أرضى، و أطرحوا عاجلا أمر الدنيا.
و من ذلك: أن أنصار علي عليه السّلام على معاوية كان أكثرهم أهل العراق، و هم أهل تمييز و فطن و عقول و رأي و نظر و فحص و تأويل، فمن أجل ذلك دخل عليهم ما دخل يوم رفع المصاحف في الحكمين، و عارضوا عليا عليه السّلام في كلا الأمرين، و على ذلك قبائل العرب و أهل العراق إلى اليوم.
و أصحاب معاوية أتباع دنيا، فمن أصابوها عنده رضوا بها عوضا ممّا سواها، و عامتهم أهل الشام أبعد الناس أذهانا و أنقصهم عقولا و أقلّهم أفهاما، و أطوع الناس لمن ملكهم، و أكثرهم تسليما لمن ولي أمرهم، و أقلهم تمييزا و فحصا، و لذلك عدلوا معاوية بعلي عليه السّلام و حاربوه معه.
و من ذلك: أن أصحاب علي عليه السّلام نهكتهم الحرب، و طالت عليهم الشقة، و لم
[1]- قال ابن كثير: و بعث معاوية إلى خالد بن المعتمر و هو أمير الخيالة لعليّ فقال له: اتبعني على ما أنت عليه و لك أمرة العراق، فطمع فيه.
يخرجوا من حرب أصحاب الجمل حتى دخلوا في حرب صفين، و لا انصرفوا عن حرب معاوية حتى وقعوا في حرب الخوارج، و كانوا من أهل البصائر فيهم، فزال منهم صدر بزوالهم.
و أصحاب معاوية على خلاف ذلك، بالقرب من دارهم في حال راحتهم و جمامهم، و الامداد تأتيهم، و أهل الطمع في حطام الدنيا و الركون إليها يزيدون إليهم.
و ممّا قوّى عزائمهم و زاد عندهم في بصائرهم و حقق ما شبّه به معاوية عليهم، ما كان من أصحاب علي عليه السّلام إليهم في أول يوم واقفوهم فيه، و ذلك ممّا قدّمنا ذكره من حدّة أصحاب علي عليه السّلام و إقدامهم و استقباحهم الآراء دون إمامهم، من أن أصحاب معاوية نادوهم بما تصافوا و تواقفوا: ادفعوا إلينا قتلة عثمان و نحن لكم سلم، فلم يدعوا الجواب إلى إمامهم فيجيبهم بما تقوم الحجة في ذلك عليهم، و لعل ذلك لو كان لكسر من عزمهم و أبصر الحق كثير منهم، لكنهم نادوهم بأجمعهم في الوقت استخفافا بهم و استهانة بجوابهم: كلّنا قتلة عثمان، فرأى القوم أنه قد حلّ لهم قتالهم و قتلهم، لما زيّنه معاوية و أصحابه لهم [1].
و ذكرنا فيما تقدم فساد قول معاوية في الطلب بدم عثمان، و الواجب في الطلب بذلك لو قد كان.
فبهذه الأسباب و غيرها قويت أمور معاوية و تهيأ له أن قاوم عليا عليه السّلام و ناصبه، و ادّعى الأمر معه و حاربه، و إلّا فمن أين كانت الأذهان تقع على ذلك و العقول تقبله و الأوهام يتوهمه، و بينهما الارتفاع و الخفض كمثل ما بين السماء و الأرض.
[1]- أنساب الأشراف: 279، الأخبار الطوال: 163، شرح نهج البلاغة: 15/ 75، البداية و النهاية: 7/ 288.
ذكر مناقب مولانا الحسن و مولانا الحسين صلوات اللّه عليهما و مثالب يزيد و مروان لعنهما اللّه
[مناقب مولانا الحسن و مولانا الحسين صلوات اللّه عليهما]
الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أقرب ذريته الطاهرة الزكية إليه، و مناقبهما أكثر من أن يحتوي عليهما هذا الكتاب، و لكنّا نذكر منها جملا كما شرطنا في هذا الكتاب، ممّا هو فيهما و مأثور عند الخاص و العام مشهور.
فمن ذلك: قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و أبوهما خير منهما» [1].
و منه: قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الولد ريحانة من اللّه قسمها بين العباد و أن ريحانتي الحسن و الحسين».
و منه: أنه كان صلّى اللّه عليه و آله يدعوهما ابنيه، و لمّا ولد الحسن عليه السّلام أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بيت فاطمة فقال: «أريني ابني» فأخرجوه إليه فحنّكه، و أذّن و أقام في أذنه و سمّاه، و فعل مثل ذلك بالحسين عليه السّلام و قال: «سمّيت ابني هذين الحسن و الحسين باسم ابني هارون شبر و شبير» [2].
و كان يأتيان و هما صغيران و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصلي، فيدخلان بين رجليه فيفرج لهما حتى يخرجا من الناحية الأخرى، و إذا سجد وثبا على ظهره فيطيل السجود حتى ينزلا أو يؤخذا عن ظهره، يحبّ بذلك ما سرّهما و يكره أن يكسر عليهما أو
[1]- سنن ابن ماجة: 279، المعجم الكبير: 3/ 39 ح 2617، تاريخ بغداد: 1/ 150، تاريخ دمشق: 13/ 209.
[2]- التاريخ الكبير: 2/ 147، مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 513 ح 11، المعجم الكبير: 6/ 263، تاريخ دمشق: 13/ 171.
يسوؤهما [1].
و أنه قال صلّى اللّه عليه و آله: «اللهم إني أحبهما فأحببهما و أحب من أحبهما و ابغض من أبغضهما» [2].
و أنه كان صلّى اللّه عليه و آله إذا سمعهما يبكيان راعه ذلك و أفزعه و أنكر على من هاجهما [3].
و لعبا ذات يوم بين يديه فجعلا يصطرعان، فجعل يقول للحسن: «إيها حسن».
فقالت فاطمة: «يا رسول اللّه أ تقول للحسن إيها حسن و هو الأكبر، كأنه أحبهما إليك».
فقال صلّى اللّه عليه و آله لها: «ما أحدهما بأحب إلي من الآخر، و لكن هذا جبرئيل يقول إيها حسين» [4].
و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله كثيرا ما يحملهما على عاتقه فيقال له: نعم المطية أنت لهما يا رسول اللّه.
فيقول: «و نعم الراكبان هما» [5].
و كان إذا نظر إلى أحدهما عثر أو سقط، قام فزعا و بادر إليه و قال: «إن الولد لفتنة،
[1]- انظر: تهذيب الكمال: 6/ 225، تاريخ الخلفاء: 189، تذكرة الخواص: 195.
[2]- سنن الترمذي: 5/ 322 ح 3858، المعجم الكبير: 3/ 49 ح 2651، تاريخ دمشق: 15114، الاصابة: 2/ 62.
[3]- انظر: حلية الأولياء: 2/ 35، تاريخ دمشق: 13/ 222 و 18/ 394، الشفاء لعياض: 1/ 332.
[4]- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 514 ح 20، تاريخ دمشق: 14/ 165، اسد الغابة: 2/ 19، الاصابة: 2/ 68.
[5]- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 514 ح 21، شواهد التنزيل: 1/ 455 ح 481، المعجم الكبير: 3/ 65 ح 2677.
لقد قمت و ما أعقل ما أنا فيه» [1].
و كان يعوّذهما فيقول: «أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان و هامّة، و من كل عين لامّة»، و يقول: «هكذا كان إبراهيم عليه السّلام يعوّذ إسماعيل و إسحاق عليهما السّلام» [2].
و أنه لمّا احتضر دعا بهما فضمّهما إليه و جعل يلثمهما، و أخذ يد كل واحد منهما فجعلهما على وجهه ثم أغمي عليه، فأخذهما علي عليه السّلام فنحّاهما عنه، فأفاق فردّهما و قال لعلي عليه السّلام: «دعهما يستمتعان مني و أستمتع منهما، فإنه سيصيبهما بعدي أثرة» [3].
و أن أم سلمة رحمة اللّه عليها رأته في منامها ليلة قتل الحسين و على رأسه و لحيته تراب، فقالت: ما هذا يا رسول اللّه؟
قال: «شهدت قتل الحسين آنفا» [4].
و سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من أحبّ أهل بيتك إليك؟
قال صلّى اللّه عليه و آله: «الحسن و الحسين» [5].
[1]- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 513 ح 12، شرح نهج البلاغة: 16/ 27، تاريخ دمشق: 21513، الدر المنثور: 6/ 228.
[2]- مسند أحمد: 1/ 236، سنن أبي داود: 2/ 421 ح 4737، مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 78 ح 10، السنن الكبرى للنسائي: 4/ 411 ح 7726، المعجم الكبير: 10/ 72 ح 9984.
[3]- مسند أبي يعلى: 6/ 328 ح 3651، كتاب السنة لابن أبي عاصم: 336 ح 751، بدون صدر الحديث.
[4]- التاريخ الكبير: 3/ 324 ترجمة 1098، سنن الترمذي: 5/ 323 ح 3860، المعجم الكبير: 23/ 373، المستدرك: 4/ 19، تاريخ دمشق: 14/ 238.
[5]- سنن الترمذي: 5/ 323 ح 3861، مسند أبي يعلى: 7/ 274 ح 4294، تاريخ دمشق: 15314، البداية و النهاية: 8/ 223.
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «أتاني جبرئيل و قال: يا محمد إن أمتك بعدك تقتل الحسين و إن شئت أريتك التربة التي يقتل عليها، فأراني تربة حمراء» و بكى صلّى اللّه عليه و آله [1].
و أنه صلّى اللّه عليه و آله نظر إلى الحسن و الحسين و إلى أبيهما و أمهما فقال: «أنا سلم لمن سالمتم و أنا حرب لمن حاربتم» [2].
و أن فاطمة عليها السّلام قالت له: «يا رسول اللّه انحل ابنيك».
قال: «نعم، أمّا الحسن فقد نحلته هيبتي و حلمي و علمي، و أمّا الحسين فقد نحلته جودي و نجدتي» [3] فكانا كذلك صلوات اللّه عليهما.
و قيل: إن الحسن لم تسمع منه كلمة سوء إلّا مرة، فإنه كان بين الحسين و عمرو بن عثمان خصومة في أرض، فذكر ذلك الحسين للحسن صلوات اللّه عليهما فقال الحسن: «ليس لعمرو عندنا إلّا ما يرغم أنفه» [4]، فكانت هذه الكلمة حفظت عنه، و ذلك ما نحله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من حلمه.
و أمّا الحسين: فكان أشجع الناس و أجود الناس، و كان الحسن أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما بين الرأس إلى الصدر، و الحسين أشبه الناس به بما هو أسفل من ذلك [5].
[1]- مسند أحمد: 6/ 294، المعجم الكبير: 3/ 107 ح 2815، المستدرك: 4/ 398، تاريخ دمشق: 14/ 191.
[2]- سنن ابن ماجة: 1/ 52 ح 145، المعجم الكبير: 3/ 40 ح 2619، تاريخ دمشق: 13/ 219.
[3]- المعجم الكبير: 22/ 423 ح 1041، الاصابة: 4/ 216، الفردوس للديلمي: 4/ 280، كفاية الطالب: 424.
[4]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 227، تاريخ دمشق: 13/ 252، البداية و النهاية: 8/ 43، تهذيب الكمال: 6/ 235.
[5]- انظر: مسند أحمد: 1/ 99، سنن الترمذي: 5/ 325 ح 3868، اسد الغابة: 2/ 19، مطالب السئول: 2/ 15.
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «من أحب الحسن و الحسين أحببته و من أحببته أحبه اللّه، و من أبغضهما أبغضته و من أبغضته أبغضه اللّه، و من أحبه اللّه أدخله الجنّة و من أبغضه اللّه أدخله النار» [1].
و لمّا أنزل اللّه عزّ و جلّ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [2] قال الناس: يا رسول اللّه من قرابتك الذين افترض اللّه مودتهم؟
قال صلّى اللّه عليه و آله: «علي و فاطمة و الحسن و الحسين» يقول ذلك ثلاثا [3].
و نزلت آية التطهير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [4] و هو في بيت أم سلمة مع علي و فاطمة و الحسن و الحسين، و كانت أم سلمة على باب البيت فقالت: يا رسول اللّه أنا منكم؟
قال صلّى اللّه عليه و آله: «أنت على خير، أنت من أزواج النبي» [5].
و حج كل واحد من الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما خمس عشرة حجة ماشيا، و شاطر ربّه ماله مرتين، فأخرج ذلك في سبيل اللّه، حتى أنه كان ليعطي نعلا و يمسك نعلا و يعطي خفا و يمسك خفا [6].
و كان الحسن أسنّ من الحسين بطهر واحد من الحمل، و بايعهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
[1]- المعجم الكبير: 6/ 241، سبل الهدى: 11/ 57، فرائد السمطين: 2/ 96 ح 408.
[2]- سورة الشورى: 23.
[3]- المعجم الكبير: 3/ 47 ح 2641، شواهد التنزيل: 2/ 191 ح 824، معاني القرآن: 6/ 309 ح 4.
[4]- سورة الأحزاب: 33.
[5]- تفسير الطبري: 22/ 11، شواهد التنزيل: 2/ 82 ح 702، المعجم الكبير: 3/ 55 ح 2668.
[6]- مصنف ابن أبي شيبة: 4/ 541 ح 3، السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 331، تاريخ دمشق: 24313 و 14/ 180.
و هما صغيران، و لم يبايع صغيرا غيرهما من أهل بيته [1].
[وفاة الحسن بن علي]
و كان علي عليه السّلام قد عهد إلى الحسن منهما و هو الأكبر، و قام بعده بأمر الناس، و قد تقدم في ذلك خبره و كيف سمّه معاوية فمات عليه السّلام، و قد فوض الأمر إلى الحسين أخيه و عهد إليه، فقام بالأمر من بعده، و أراد الحسين عليه السّلام أن يدفن أخاه الحسن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كان قد أوصى بذلك، و مات بالمدينة، فقيل ذلك لعائشة و هي يومئذ في البقاع فقالت: ما بقي في البيت إلّا مكان قبر كنت رأيت أن أدفن فيه فالحسن أحق به [2].
و قيل: بل منعت ذلك لمّا أتاها الخبر، و ركبت بغلا و استعدت بني أمية و قالت:
أغلب على بيتي و يدفن فيه بغير أذني، و إنما بقي فيه موضع قبر أعددته لنفسي.
و فيه يقول بعض الشعراء يومئذ:
فيوما على بغل * * * و يوما على جمل
و قال آخر:
أيا بنت أبي بكر * * * و لا كان و لا كنت
تجملت تبغلت * * * و لو شئت تفيلت
لك التسع من الثمن * * * فبالكل تملكت
فقال بنو أمية: لا و اللّه لا يدفن فيه.
و ذلك قبل موت الحسن عليه السّلام، فانتهى ذلك إليه فقال: «أما إذا كان هذا هكذا
[1]- المعجم الكبير: 3/ 115 ح 2843، تاريخ دمشق: 14/ 180، البداية و النهاية: 8/ 226، مجمع الزوائد: 6/ 40.
[2]- مقاتل الطالبين: 49، تاريخ المدينة للنميري: 1/ 111، تاريخ دمشق: 13/ 289.
فادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي فاطمة عليها السّلام» [1].
و قبض عليه السّلام في شهر ربيع الأول سنة تسع و أربعين، و هو ابن سبع و أربعين سنة [2].
فقال الحسين عليه السّلام: «ما كنت لأدفنه إلّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله».
و انتهى ذلك إلى سعيد بن العاص و كان يومئذ عاملا على المدينة، و أتاه بنو أمية فقالوا: ما أنت صانع في أمر هؤلاء، يريدون أن يدفنوا حسنا في بيت رسول اللّه، و قد منعوا منه عثمان؟
فقال: ما كنت بالذي أحول بينهم و بين ذلك.
فغضب مروان بن الحكم و كان بالحضرة و قال: إن كنت لا تصنع في هذا شيئا فخلّ بيني و بينهم.
فقال: أنت و ذاك.
فجمع مروان بني أمية و حشمهم و مواليهم، و بلغ ذلك الحسين عليه السّلام فجمع أصحابه و أخذوا السلاح و حمل النعش، و خرج الناس ليصلّوا عليه و خرج سعيد بن العاص، فدفع الحسين في قفا سعيد و قال: «تقدم فلو لا السنّة لما قدّمتك».
يعني في ظاهر الأمر و التغلب، و لأن السلطان أو من أقامه السلطان للصلاة إذا حضر الجنازة كان أحقّ بالصلاة عليها، فصلى عليه سعيد بن العاص [3] و انحاز بنو
[1]- تاريخ المدينة للنميري: 1/ 111، تاريخ دمشق: 13/ 289، نظم درر السمطين: 204.
[2]- تاريخ بغداد: 1/ 150، تاريخ دمشق: 13/ 302، البداية و النهاية: 8/ 48، مطالب السئول: 2/ 44.
[3]- من الثابت أن المصادر التاريخية نسبت هذا القول- تقدم فلو لا أنّها سنّة ما قدمتك- للحسين بن علي، و التحقيق أنه اشتباه محض.-
أمية و مواليهم بالسلاح.
و جعل مروان يقول: يا رب هيجاء خير من دعة [1]، أ يدفن عثمان بالبقيع و يدفن الحسن مع النبي؟ و اللّه لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف.
فلمّا صلّوا عليه قام عبد اللّه بن جعفر فأخذ بمقدم السرير و مضى به نحو البقيع، فقال الحسين: «إلى أين يا عبد اللّه؟»
قال: عزمت عليك يا أبا عبد اللّه أن تلقي شرّا، اقض حاجتي.
- فقد صرّح الإمام المزي في تهذيبه في ترجمة الحسن بن علي بأن مقطع الصلاة هذا زائد و قال: زاد بعضهم: (و صلى عليه سعيد بن العاص و هو أمير المدينة)، بالاضافة إلى أن المصادر التالية قد صرّحت بصلاة الحسين على أخيه الحسن، انظر: ربيع الأبرار 4: 304، لباب الأنساب 1: 339 و 396، رسوخ الاخبار في منسوخ الاخبار للجعبي: 322، الاتحاف للشبراوي: 39، و قال المناوي في فيض القدير 4: 546 في تكبير الملائكة: (و كبّر الحسن بن عليّ على عليّ أربعا، و كبّر الحسين على الحسن أربعا)، و ذهب ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة إلى الجمع قائلا: (و صلى عليه سعيد بن العاص فإنه كان يومئذ واليا على المدينة من جهة معاوية، و صلى عليه الحسين). و قال الزرندي الشافعي في (معارج الوصول) بعد ذكر قول الحسين: و هذا غريب.
و الحق أن هذا الكلام- تقدم فلو لا أنّها سنّة- نسب إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، قاله لوالي المدينة يومئذ أبان بن عثمان بن عفان عند وفاة أبيه محمد بن الحنفية، و نتيجة لتشابه الوقائع و الاحداث بين الحالتين نقل هذا القول تدريجيّا و نسب إلى الحسين بن علي، انظر ترجمة عبد الله بن محمد بن الحنفية في مروج الذهب، و الطبقات الكبرى 5: 16.
و بغض النظر عمّا تقدم فإن التاريخ يذكر بأن الإمام عليّ كرّم الله وجهه قتل العاص والد سعيد في بدر، فكيف يعقل أن يصلي على ابن قاتل أبيه!
[1]- مطلع أرجوزة للبيد أنشدها النعمان بن المنذر، انظر الاغاني: 16/ 22.
و جعل يسأله و يذكر له وصية الحسن في أن لا يهاج في ذلك شرّ، و أن يدفن بالبقيع إلى جانب أمّه، و لم يزل به حتى أجابه إلى ذلك و افترقوا.
و انتهى الأمر إلى معاوية أن الحسن أوصى أن يدفن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: إن صدق ظنّي بمروان بن الحكم فإنه سيمنع من ذلك، و جعل يقول: إيها مروان أنت لها.
فلمّا جاءه الخبر سرّ بما بلغه من ذلك، و أثنى على مروان- لعنة اللّه- خيرا [1].
[خروج الحسين عليه السّلام و مقتله]
و قام الحسين عليه السّلام بالإمامة و دعى إلى نفسه و اعتقد المؤمنون إمامته، و مات معاوية لعنة اللّه و قام ابنه يزيد لعنه اللّه مقامه، و بلغته أخبار الحسين، فتواعده و بلغ ذلك الحسين عليه السّلام و بلغته فساد يزيد بالعراق، فخرج من المدينة بأهله و ولده و من خفّ معه من أهل بيته و بدأ بالحج فحج، فلمّا قضى حجّه توجه إلى العراق لقيه ابن الزبير فقال له: يا أبا عبد اللّه إنك مطلوب، فلو أقمت بمكة فكنت أحد حمام هذا البيت، و استجرت بحرم اللّه.
فقال: «ليمنعني من ذلك قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنه سيستحل هذا الحرام من أجلي رجل من قريش. و اللّه لا أكون أنا ذلك الرجل صنع اللّه بي ما هو صانع» و خرج يريد العراق، فلمّا مرّ بباب المسجد الحرام تمثل و قال:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح * * * مغيرا و لا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما * * * و المنايا يرصدنني أن أحيدا [2]
و سار يريد العراق و بلغ يزيد سيره، و قيل له: إن صار إلى العراق قام معه أكثر أهله، و كان مسلم بن عقيل بن أبي طالب قد قام بالكوفة بدعوة الحسين عليه السّلام و أجابه أهلها،
[1]- تاريخ دمشق: 13/ 290، شرح نهج البلاغة: 16/ 50، اسد الغابة: 2/ 15.
[2]- البيتان ليزيد بن مفرغ الحميري.
و بلغ ذلك عامل يزيد عليها و هو النعمان بن بشير الأنصاري، فقال: ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحبّ إلينا من ابن بنت بجدل، يعني يزيد لعنه اللّه.
فعزله يزيد لعنه اللّه و ولّى عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه، فقبض على مسلم و رفعه إلى أعلى القصر فضرب عنقه و الناس ينظرون إليه و صلبه على الكناسة، فلمّا انتهى خروج الحسين عليه السّلام من مكة إلى يزيد لعنه اللّه أرسل إلى عبيد اللّه بن زياد و قال له:
عليك بالحسين بن علي لا يفوتن، بادره قبل أن يصل إلى العراق.
فأرسل إليه عبيد اللّه بن زياد الحر بن يزيد الحنظلي في عسكر فلقيه بكربلاء فواقفه و تهيّب الحر قتاله، فاتبعه عبيد اللّه بعمر بن سعد في عسكر ضخم، فقطع عليه بالطف من كربلاء، فلمّا رآهم الحسين و أيقن أنهم قاتلوه، قام في أصحابه خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
«قد ترون ما نزل من الأمر و أن الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت، و أدبر معروفها و استمرت، حتى لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، و إلّا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أ لا ترون أن الحق لا يعمل به و أن الباطل لا يتناهى عنه، فليرغب المؤمنون في لقاء اللّه، فإني لا أرى الموت إلّا سعادة و الحياة مع الظالمين إلّا برما».
و قتل صلوات اللّه عليه بالطف يوم عاشوراء سنة إحدى و ستين، و هو ابن ست و خمسين سنة، و قيل: هو ابن ثمان و خمسين سنة.
قتله سنان بن أنس النخعي، و أجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، و أجتزّ رأسه و أتى به عبيد اللّه بن زياد و هو يقول:
أوقر ركابي فضة و ذهبا * * * إني قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أمّا و أبا [1]
[1]- الفتوح لابن أعثم: 5/ 85- 139، مقتل الحسين لابي مخنف: 197، الاخبار الطوال: 249،-
و أقامت بعد مقتله أفق السماء محمرّة أربعين يوما، و قيل: إنه لم يبق ممّن شهد مقتل الحسين صلوات اللّه عليه إلّا قتل أو أصابه بلاء [1].
و روي أن رجلا أتى إلى السدي فقال له: إني كنت فيمن شهد قتل الحسين، و اللّه ما رميت بسهم و لا طعنت برمح و لا ضربت بسيف، و إني رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت و كأن الناس قد حشروا، فمررت برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: «أنت ممّن شهد قتل الحسين».
فقلت: نعم، و لكني و اللّه يا رسول اللّه ما أعنت عليه و لا على أحد ممّن معه، و ما طعنت برمح و لا ضربت بسيف و لا رميت بسهم.
قال: فبخص بإصبعيه في عيني، فأصبحت كما ترى أعمى.
فقال له السدي: ترو من الماء البارد [2].
و قال عبد الرزاق: سمعت رجلا من الأنصار يحدّث معمرا قال: كنت بمنى يوم عاشوراء، فلمّا أمسيت قمت من الليل فسمعت صوت امرأة على كبكب جبل ممّا يلي المسجد الحرام، و ذلك في جوف الليل و قد هدأ كل جرين، و هي تقول و تمد صوتها كالنياحة: أبك أبكي حسينا أيّما.
فأجابتها أخرى من ثبير كذاك تقول: أبك ابكي ابن الرسول أيّما.
قال الرجل: فراعني ما سمعت و كتبت ذلك اليوم، فاذا هو اليوم الذي أصيب فيه الحسين صلوات اللّه عليه.
- تاريخ الطبري: 4/ 293، المعجم الكبير: 3/ 116- 117، تاريخ دمشق: 14/ 252، اسد الغابة: 2/ 21.
[1]- تاريخ دمشق: 14/ 234، تذكرة الخواص: 225.
[2]- مقتل الحسين للخوارزمي: 2/ 104، كشف الغمة: 2/ 269، كفاية الطالب: 436، جواهر العقدين: 2/ 331.
و قالت أم سلمة: ما سمعت نوح الجن بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتى كانت الليلة التي قتل فيها الحسين عليه السّلام- في اليوم الذي قبلها- سمعت في جوف الليل قائلة تقول:
ألا يا عين فاحتفلي بجهد * * * و من يبكي على الشهداء بعدي
على رهط تقودهم المنايا * * * إلى متجبر ملك عنيد [1]
و روى عبد اللّه بن مسلم المتلالي عن أبيه عن جدّه قال: سمعت نوح الجن على الحسين عليه السّلام و قائلة تقول في جوف الليل:
أبك ابن فاطمة الذي * * * من موته شاب الشعر
و لقتله زلزلتم * * * و لقتله كسف القمر [2]
و روي عن ابن جرثومة الكلبي قال: لمّا قتل الحسين عليه السّلام سمعت من الليل قائلا يقول:
أيها القاتلون جهلا حسينا * * * أبشروا بالعذاب و التنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم * * * من نبي و مالك و قتيل
قد لعنتم على لسان ابن داود * * * و موسى و صاحب الإنجيل [3]
و لمّا بلغ زيد بن أرقم قتل الحسين بن علي عليه السّلام قال: فعلوها، أشهد لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول للحسن و الحسين: «اللهم إني استودعك إياهما و استودعهما صالح المؤمنين».
[1]- الهواتف لابن أبي الدنيا: 87، مقتل الحسين لابي مخنف: 235، المعجم الكبير: 3/ 122 ح 2896.
[2]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 219، كامل الزيارات: 195.
[3]- مقتل الحسين لابي مخنف: 230، الهواتف: 87، تاريخ الطبري: 4/ 357، تاريخ دمشق: 14/ 240.
ثم دخل على عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه فأجلسه معه على سريره، ثم أتى برأس الحسين عليه السّلام فوضع بين يديه، فجعل ينكت ثناياه بقضيب كان في يده، فقال له زيد:
نح قضيبك، فإني أراك تضعه موضعا طالما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يضع فاه عليه يقبّله، ثم وثب عن سريره و ألصق جبينه بالأرض و قال: اللهم أشهد لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد وضع يده على هذا الرأس و هو يقول: «اللهم إني أستودعك و صالح المؤمنين» فما حفظتم و اللّه وديعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و خرج.
فقال له عبيد اللّه بن زياد: أنت شيخ قد خرفت [1].
و بعث عبيد اللّه بن زياد برأس الحسين عليه السّلام و رءوس من أصيب معه من ولده و أهل بيته، و وجه بنسائهم إلى يزيد بن معاوية لعنه اللّه، و سنذكر بعد هذا بقية أخبارهم في موضعها إن شاء اللّه تعالى.
[مثالب يزيد بن معاوية]
[يزيد بن معاوية]
فأمّا يزيد بن معاوية فقد ذكرنا لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إياه مع أبيه و جدّه و كفاه بذلك خزيه، و من لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقد لعنه اللّه، و من لعنه اللّه أصلاه جهنم و ساءت مصيرا، و في هذا ما يكتفى به من ذكر مثالبه و نقصه و معايبه، و كان مع ذلك من سوء الحال على ما لا يشك فيه و لا يدفع عنه، و على ما كان عليه أبوه و جدّه من إظهار الإسلام و اعتقاد الكفر، و ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما عنده فقال:
تلاعب بالبرية هاشمي * * * بلا وحي أتاه و لا كتاب [2]
تكذيبا منه لعنه اللّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
[1]- مقتل الحسين للخوارزمي: 2/ 45، المعجم الكبير: 5/ 186 (بنحوه)، جواهر المطالب: 2912.
[2]- مروج الذهب: 3/ 228.
و لمّا عهد إليه معاوية في حياته أنكر الناس ذلك عليه إنكارا شديدا، و قال بعض الصحابة: جعلها معاوية هرقلية [1].
و قال الحسين بن علي عليه السّلام فيه: «ولي يزيد رقاب المسلمين و هو غلام يشرب الشراب و يلعب بالكلاب» في كلام ذكره في معاوية طويل [2].
و قيل: إن الحسين عليه السّلام اجتمع مع عبد اللّه بن جعفر عند معاوية، فخرج بخروجه فقال له ابن جعفر: يا ابن رسول اللّه إن لي إلى يزيد حاجة فلو وقفت معي إليه.
قال: «نعم».
فأتياه فأصاباه يشرب الخمر و عنده مسلم بن عمرو الباهلي يغنّيه، و كان يضرب بالطنبور.
و قيل: إنه أول من تغنى بالشراب.
[و روي أنه لمّا حجّ الناس في خلافة معاوية، جلس يزيد بالمدينة على شراب، فاستأذن عليه ابن عباس و الحسين بن علي] [3] فأذن لهما و هو على حاله، فلمّا رآه الحسين عليه السّلام تعاظم أمره
فقال يزيد للساقي: اسقهما.
فنظر الحسين عليه السّلام نظرا منكرا و أمسك الساقي هيبة له.
فقال يزيد لمسلم: يا مسلم غنّني:
ألا يا صاح للعجب * * * دعونا فلم يجب
إلى القينات و اللذات * * * و الشهوات و الطرب
[1]- تاريخ دمشق: 35/ 35، اسد الغابة: 3/ 306، تفسير القرطبي: 16/ 197، البداية و النهاية: 8/ 96.
[2]- الامامة و السياسة: 1/ 204، النصائح الكافية: 66.
[3]- العبارة مشوشة في المخطوط، و ما أثبتناه من المصادر و موافقة للسياق.
و باطية مكللة * * * عليها سادة العرب
و فيهن التي تبلت * * * فؤادك ثم لم تثب
و كان معاوية قد عهد إلى يزيد، فقال الحسين: «أعطي اللّه عهدا لئن خلص الأمر إليك و أنا في الحياة لا أعطيتك إلّا السيوف بعد أن شهدت عليك بهذا المشهد» و قام، فخرج معه عبد اللّه بن جعفر.
فقال يزيد لمسلم و هما موليان غنّني فغنّى:
تحمل أهلها عنها فبانوا * * * على آثار من ذهب العفاء
فقال الحسين عليه السّلام: «بل عليك يا ملعون» [1].
و لم تكن ليزيد فضيلة يستحق بها الخلافة عند خاص و لا عام، و كانت ولايته ثلاث سنين قتل فيها الحسين عليه السّلام، و تلك خطيئة من خطاياه ملأت ما بين السماء و الأرض، و لم يرضها أحد من المسلمين و لا ممّن يدين بدين اللّه، و لا شك أحد من المسلمين في أن من قتل الحسين أو أعان عليه من أهل النار [2] خلا طائفة زعمت أن
[1]- تاريخ دمشق: 65/ 407، الكامل في التاريخ: 2/ 603.
[2]- قال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين أو أمر به أو أجازه أو رضي به، ثم قال: و الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين و استبشاره بذلك و إهانته أهل بيت رسول اللّه (ص) ممّا تواتر معناه عليه و على أنصاره و أعوانه انتهى.
و قال عبد الحي بن عماد في شذرات الذهب: فما نقل عن قتلة الحسين و المتحاملين عليه يدل على الزندقة و انحلال الايمان من قلوبهم و تهاونهم بمنصب النبوة، و ما أعظم ذلك فسبحان من حفظ الشريعة و شيد أركانها حتى انقضت دولتهم.
و قال المناوي في فيض القدير: 6/ 459 ح 9593 في شرحه لقوله (ص): (هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش) قال: قال جمع منهم القرطبي: منهم يزيد بن معاوية و أضرابه من أحداث-
الحسين خرج إلى يزيد و رأوا أن يزيد كان إماما، و هذا من قولهم يدل على استحلال دم الحسين عليه السّلام، فهم في جملة قاتليه، لعن اللّه منتحلي ذلك و قائليه.
و قد ذكرنا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم: «أنا سلم لمن سالمتم و حرب لمن حاربتم» فهؤلاء حزب اللّه و رسوله و من تولاهم فهو منهم، لقول اللّه جلّ من قائل: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [1].
و قد ذكرنا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الحسن و الحسين: «من أبغضهما أبغضته و من أبغضته أبغضه اللّه و من أبغضه اللّه أصلاه جهنم و ساءت مصيرا» فأوجب النار في بغضهما فكيف بقتلهما؟
و كانت أيام يزيد اللعين كلها ظلما و فتنة، و بعد أن قتل الحسين و قتل من معه من أهل بيته و بنيه، و سيق إليه حرمه و أطفاله سبايا على أقتاب الجمال يسار بهم على أعين الرجال، و هم ذراري رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و حرمه و أهل بيته و عترته، و فعل ما فعل بهم و به، قيل له: إن ابن الزبير يريدك.
- ملوك بني أمية، فقد كان منهم ما كان من قتل أهل البيت و خيار المهاجرين و الانصار بمكة و المدينة و سبي أهل البيت، و غير خاف ما صدر عن بني أمية و حجاجهم من سفك الدماء و اتلاف الاموال و اهلاك الناس بالحجاز و العراق و غيرهما، ثم قال: و بالجملة فبنو أمية قابلوا وصية المصطفى (ص) في أهل بيته و أمته بالمخالفة و العقوق، فسفكوا دماءهم و سبوا نساءهم و أسروا صغارهم و خربوا ديارهم و جحدوا شرفهم و فضلهم، و استباحوا نسلهم و سبيهم و سبّهم، فخالفوا رسول اللّه (ص) في وصيته و قابلوه بنقيض قصده و أمنيته، فيا خجلهم إذا التقوا بين يديه، و يا فضيحتهم يوم يعرضون عليه.
[1]- سورة المائدة: 51.
فجهّز الجيوش و بعث بها إليه مع مسلم بن عقبة إلى مدينة النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو حرمه الذي حرّمه كما حرّم إبراهيم مكة، و لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من أحدث في المدينة حدثا، فقتل أهلها و أباحها ثلاثة أيام يقتل فيها الرجال و يسبي النساء و ينتهب الأموال، ثم سار إلى مكة فمات بطريق مكة [1] و ولّي يزيد الحصين [2] مكانه فانتهى إلى مكة فأباحها، و أضرم النار في أستار الكعبة فاحترقت و احترق سقفها و سقط جدارها، و هي حرم اللّه الذي حظره و حرّمه و عظّمه، و لم يتقدم عليه المشركون و لا أهل الجاهلية في جاهليتهم تعظيما له و لحرمته.
و أظهر يزيد في أيامه شرب الخمر و المعازف و أباح المحارم و عطّل الأحكام،
[1]- و هذه واقعة الحرة و سببها: أن وفدا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فاكرمهم و أحسن جائزتهم و أطلق لأميرهم- و هو عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر- قريبا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد و ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعث إليهم سرية، يقدمها رجل يقال له مسلم بن عقبة و يسميه السلف: مسرف بن عقبة لما عرف به من سفك الدماء، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غضون هذه الايام بشرا كثيرا حتى كاد لا يفلت منه أحد من أهلها و قال المسعودي في مروج الذهب: انه قتل من قريش بضع و تسعون و مثلهم من الانصار و أربعة آلاف من سائر الناس دون من لم يعرف. و قال ابن أعثم في الفتوح: انه قتل من أبناء الانصار ألف و سبعمائة و من العبيد و الموالي و سائر الناس ثلاثة آلاف و خمسمائة و من أولاد المهاجرين ألف و ثلاثمائة، و زعم بعض علماء السلف: انه قتل (و في بعض المصادر: افتضّ) في غضون ذلك ألف بكر. و قال عبد اللّه بن وهب عن الامام مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن. راجع: الطبقات الكبرى: 5/ 71، تاريخ دمشق: 8/ 230 و 14/ 386، البداية و النهاية: 6/ 262.
[2]- و هو الحصين بن نمير السكوني.
و عيوبه و مثالبه أكثر من أن تحصى، و ما علمنا أن أحدا ادّعى له فضلا فيدخل فينا و يحتج بمعايبه عليه، و الذين زعموا أنه إمام لا ينكرون سوء حاله، و لكنهم يزعمون:
أن الفاجر يكون إماما.
و هذا ردّ لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنه يقول: «يؤمكم أفضلكم و إمام القوم وافدهم إلى اللّه» [1] و يزيد على هذا أفضل من هؤلاء الذين ائتموا به على سوء حاله، و هو وافدهم و قائدهم إلى نار اللّه و غضبه و لعنته بتولّيهم إياه، و هو من الأئمة الذين ذكر اللّه عزّ و جلّ أنهم يدعون إلى النار.
[مروان بن الحكم]
و أمّا مروان بن الحكم: فقد ذكرنا فيما تقدم أنه جزء من لعنة اللّه، و أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعن أباه و هو في صلبه، و أنه لمّا ولد أتي به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يحنّكه كما كان يفعل بأبناء المسلمين، فلم يفعل و ردّه محروما من خيره و قال: «أتوني بأزرقهم» [2].
و ذكرنا مباينته للحسن و الحسين عليهما السّلام و ما كان من منعه أن يدفن الحسن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و انتصابه لحرب الحسين عليه السّلام في ذلك، فدخل في جملة حرب اللّه و رسوله، لقوله صلّى اللّه عليه و آله للحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما: «أنا سلم لمن سالمتم و حرب لمن حاربتم» [3] و فيمن أوجب له النار في بغضهما لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «من أبغضهما أبغضته و من أبغضته أبغضه اللّه و من أبغضه اللّه أصلاه جهنم و ساءت مصيرا» [4]، فمروان
[1]- من لا يحضره الفقيه: 1/ 377 ح 1100، بغية الباحث: 56 ح 139، منتهى المطلب: 3751.
[2]- الفتن للمروزي: 72، و فيه: (ابن الزرقاء هلاك عامة أمتي على يديه و يدي ذريته).
[3]- سنن الترمذي: 5/ 360 ح 3962، سنن ابن ماجة 1/ 25 ح 145، المعجم الكبير: 3/ 40 ح 2619.
[4]- المعجم الكبير: 3/ 50 ح 2655، أخبار اصفهان: 1/ 56، تاريخ دمشق: 14/ 156، مجمع-
على هذا من أهل هذه الطبقة الذين حاربوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و صاروا إلى نار اللّه.
و لمّا أتي برأس الحسين عليه السّلام إلى عمرو بن سعيد و هو عامل يزيد على المدينة، و كان يزيد أرسله إليه و عنده بنو أمية مجتمعون، سمعوا صياح نسوة فقال عمرو بن سعيد: ما هذا؟
قيل: نساء بني هاشم يبكين لمّا رأين رأس الحسين.
فقال مروان لعنة اللّه عليه متمثلا و كان فيمن حضر:
عجت نساء بني زياد عجّة * * * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب [1]
يعني اللعين: أن هؤلاء عججن كعجيج نسوة قريش بمصاب أهل بدر، فاستفزّ اللعين الفرح إلى أن أبدى ضغنه و أظهر مسرّه، و هذه ذحول بني أمية التي طالبوا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته صلى اللّه عليهم و نالوا بها ما نالوه منهم، فقال عمرو بن سعيد: و اللّه لوددت أن أمير المؤمنين لم يكن بعث برأس الحسين إليّ.
فقال له مروان: اسكت لا سكّت فليس كما قلت، و لكن كما قال الأول:
ضربوا رأس شريف ضربة * * * أثبتت أوتاد ملك فاستقر
ثم قال لحامل الرأس: هاته.
فناوله إياه فأخذه بيده فجعل يقول:
يا حبذا بردك في اليدين * * * و لونك الأحمر في الخدّين [2]
فهذه العداوة الأصلية و الطلب القديم بثار الجاهلية، لم يستطع مروان اللعين
- الزوائد: 9/ 181.
[1]- مقتل الحسين لابي مخنف: 223، تاريخ الطبري: 4/ 357.
و الأرنب: وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، و البيت لعمرو بن معد كرب.
[2]- أنساب الأشراف: 217، شرح نهج البلاغة: 4/ 71.
سترها، و لم يتمالك أن أبدى ما في ضميره من حقدها، لنفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إياه و لعنته إياه، و لو وجد سبيلا إلى إظهار الكفر لأظهره أو إلى تكذيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما ستره، و قد ذكرنا من عداوته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته ما أبداه من منع الحسن أن يدفن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قبل ذلك ما أشار على معاوية و قد صار إلى الكوفة أن ينبش قبر علي عليه السّلام، فجعل معاوية يسأل عن مكان قبر علي عليه السّلام و قد كان الحسن أخفاه خوفا عليه، فأتى معاوية رجل من أهل الكوفة فقال: أنا أدلك على قبر علي.
فقال لمروان: ما تقول؟
فقال متمثلا:
أجنوا أخاهم في الحفير و وسدوا * * * أخاهم فألقوا عامرا لم يوسّد
و حرّضه على نبش قبر علي عليه السّلام، فقال معاوية لعنه اللّه لعبد اللّه بن عامر بن كريز:
ما تقول؟
فقال: ما أحب أن تعلم مكان قبره و لا تسأل عنه، و لا أحب أن تكون هذه العقوبة بيننا و بين قومنا.
فقبل معاوية من عبد اللّه ما أشار به عليه و أعرض عن ذلك.
هذا و قد كان علي عليه السّلام أسر مروان هذا يوم الجمل، و أشار عليه أصحابه بقتله لما يعلمون من سوء حاله، فمنّ عليه علي عليه السّلام و أطلقه، فما حفظ ذلك الامتنان و لا رعى ذلك الإحسان، بل زاده عداوة لخساسة نفسه و لؤم أصله.
و جعل يزيد الأمر من بعده لابنه معاوية، فلمّا مات يزيد ولّى معاوية بعده فقيل:
إنه تحرّج منها و علم اغتصاب أبيه و جدّه إياها، و أراد أن يسلمها إلى أهلها، فعمل عليه مروان و بنو أمية فسمّ.
و قيل: بل قتل، و قيل: بل طعن.
و ذلك بعد وفاة أبيه يزيد بأربعين يوما، و قيل: بل عشرين يوما.
و زعم الذين قالوا: إنه تحرّج من الخلافة و خرج منها، أنه أمر فنودي في الناس
الصلاة جامعة، فاختلفوا في المسجد، فخطبهم فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، فقد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت رجلا لكم مثل عمر بن الخطاب حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في الشورى مثل ستة عمر فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم.
ثم نزل فدخل منزله فلم يخرج إلى الناس حتى مات، فقيل: دس إليه سمّ فسقاه و مات، و قيل: بل طعن. و كانت أيام طاعون فمات، و كان يكنى أبا ليلى، و فيه يقول الشاعر:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها * * * فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا [1]
[خلافة مروان بن الحكم]
و اضطرب أمر بني أمية، و كان ابن الزبير قد غلب على مكة و المدينة و مصر و العراق و نفى من هنالك من بني أمية إلى الشام، فاجتمعوا هناك و دعى أكثر أهل الشام إلى ابن الزبير، و أخذ مروان ابن الحكم في المسير إليه ليبايعه و خافه بنو أمية، فأجمعوا على أن يقدّموا خالد بن يزيد و هو يومئذ غلام حدث، إلّا أنه كان ذا بلاغة و جزالة، و اجتمع نفر من بني أمية بالجابية [2] و تفاوضوا في ذلك، و اجتمع أهل الجابية في المسجد الجامع بها بعد أن تواعدوا للاجتماع ليقيموا رجلا يبايعونه، و كان رأي من حضر يومئذ من بني أمية البيعة لخالد بن يزيد و كان صغيرا و قالوا: ننظر في رجل منّا يلي عليه و يكفله إلى أن يدرك.
فدسّ مروان من يذكره لذلك و قال: أين لهذا الأمر مثل مروان.
[1]- الطبقات الكبرى: 4/ 169 و 5/ 39، فتوح البلدان: 1/ 270، تاريخ دمشق: 8/ 42، مروج الذهب: 3/ 88.
[2]- الجابية: قرية من أعمال دمشق، و يقال لها: جابية الجولان. معجم البلدان: 2/ 91.
و مشوا له في ذلك ليلا إلى جماعة، و عاقده عمرو بن سعيد بن العاص على أن يسعى له في ذلك، و أن يجعل الأمر له من بعده و كان يومئذ أسنّهم، ثم اجتمعوا من غد في جماعة الناس فتفاوضوا في ذلك، فقام عمرو بن سعيد فقال: من لهذا الأمر مثل مروان شيخ بني أمية اليوم، لقد شاب حتى شابت ذراعاه.
فلم يجد له فضلا يومئذ يذكره غير ذلك، و قد كان مثله من شيوخ السوء كثير أسنّ منه يومئذ، فقام كل من عوقد على ذلك من الليل فقالوا: نعم هو أهل لذلك، حتى كثر القول فيه فقال بعض من شهد: هذا أمر مشى فيه بليل.
و ولّوه فتزوج بأم خالد ليضعه و يصغر شأنه، و كان إذا احتفل الناس عنده و رآه أزرى به و عابه، ثم لمّا تمكن أمره عهد إلى ابنه عبد الملك فوجدت لذلك أم خالد، و دخل إليه خالد يوما و عنده جماعة فقال له: يا ابن الرطبة.
كنحو ما كان يصغر إليه نفسه و يرى ذلك من شهده، ليضع عندهم منه فأخبر خالد بذلك أمّه، فنقمته عليه و أتته و هو نائم فألقت على وجهه و سادة و قعدت عليه حتى مات، فهو يعد فيمن قتلته النساء، و كان الذي ولّى له السعي في أمره و ألّف من ألّف من الناس له عمرو بن سعيد بن العاص، على أن شرط عليه و عاهده أن يجعل الأمر من بعده له، و ذلك بعد أن قام عبيد اللّه بن زياد بالبصرة يطلبها لنفسه، و قدّم أهل الشام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فعمل فقتل.
و قيل: إنه طعن كما قيل في معاوية بن يزيد، ثم أرادوا أن يقدّموا عثمان بن عتبة، فامتنع و قام ابن الزبير و ملك مكة و الحجاز و البصرة و الكوفة و اليمن و خراسان، و اضطرب أمر بني أمية فلم يزل عمرو بن سعيد يحتال لمروان لما عاقده عليه، حتى ولي فنقض عهده و ولى ابنه من بعده.
و قتل عبد الملك عمرو بن سعيد لمّا صار الأمر إليه بعد أبيه، من بعد أن أبلى مع مروان حتى استقام له الأمر، و كان مروان بن الحكم خال عمرو بن سعيد، و كانت أم
عمرو أم البنين بنت الحكم [1].
و نازع مروان الضحاك بن قيس الفهري، و كان قد استولى على عمل دمشق و خرج في عسكر معه لحرب مروان، فخالفه عمرو بن سعيد إلى دمشق و لقيه مروان فهزمه و قتله، و في ذلك يقول مروان:
لمّا رأيت الأمر أمرا صعبا * * * دعوت غسان له و كلبا
و السكسكين رجالا غلبا * * * بالاعوجيات يثبن وثبا
لا يأخذون الملك إلّا غصبا [2]
فاغتصب مروان أمر الإمامة كما ذكر، و عبث فيها و بطر، و لمّا قتل عبد الملك عمرو بن سعيد فهو ابن عمته أم البنين بنت الحكم، و كان سبب قتله إياه قيامه بأبيه و ما جعل له على نفسه أن يولّيه بعده، فخافه عبد الملك فقتله بيده، و ذلك أنه دخل إليه في جماعة من مواليه فأظهر أن له معه سرّا فخلا به، و قد أعدّ جامعة فرماها في عنقه و شدّه و قال لبنيه و مواليه: شأنكم به فاقتلوه.
و خرج إلى المسجد ليصلي، فلمّا صلّى ركعتين خاف أن يقتلهم، فوضع يده على أنفه يوهم المصلين أنه رعف، و قدّم رجلا مكانه و رجع فأصابهم لم يقتلوه فقتله، و علم أهله و مواليه فثاروا و ثار الناس معهم عليه، ففتح لهم بيت المال فانتهبوه و استغلوا بذلك منه إلى أن تفرقوا، فقتل كل من كان قد قام عليه بالحيل، حتى أباد كل من يخاف منه جانبه، و أسرف في القتل [3].
[1]- الأخبار الطوال: 286، الطبقات الكبرى: 5/ 35- 45، شرح نهج البلاغة: 6/ 165 و 23515، تاريخ دمشق: 57/ 257، البداية و النهاية: 8/ 282.
[2]- تاريخ الطبري: 4/ 416، التنبيه و الاشراف: 267، شرح نهج البلاغة: 6/ 163.
[3]- الطبقات الكبرى: 5/ 228، الأخبار الطوال: 286، تاريخ خليفة: 204، تاريخ الطبري: 2712.
فمن ذاك قيل: إنه هو الذي وطّد أمر بني أمية و لم يكن من تقدمه يفعل مثل ذلك، و كانوا يصفحون عمّن انصرف إليهم ممّن كان خالفهم، و قليل من قتلوه ممّن كان يأتيهم.
و كان مروان اللعين يسبّ عليا صلوات اللّه عليه على المنبر و ينال منه [1].
و قيل: إنه أتى سعد بن أبي وقاص لمّا حضرت سعد الوفاة، فاستأذن عليه فلم يأذن له فقال له بنوه: إنك إن فعلت خفناه على أنفسنا بعدك.
فلمّا دخل عليه قال: يا أبا إسحاق أ توصي بشيء لك حاجة؟
قال سعد: أجلسوني.
فأجلسوه فقال: لو لا كلمة سمعتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما ذكرت لك شيئا، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «إن من حق المسلم على أخيه أن ينصح له» [2] و أني أنهاك عن سبّ علي بن أبي طالب.
فسكت مروان لعنه اللّه ثم نهض ليقوم، فوضع سعد عليه يده و قال: اجلس فليس هذا حين القيام، و جعل يحدّثه عمّا سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من فضائله، و عمّا شهده من مناقبه، و مروان يتفلّت و يريد القيام، و سعد يكف بيده و يقول: اجلس، و مروان يتلون، حتى إذا أكثر من ذلك عارضه بنوه و قطعوا عليه، و قام مروان لعنه اللّه يجر رجليه و قد أربد وجهه و تغير.
و تغلب على أمر الناس بلا سبب يوجب ذلك و لا نسب و لا عهد إليه و لا اتفاق ممّن تراضى عليه، خلا من صانعه من أهل الجابية ممّن لا يجوز بعقدهم على ملّي و لا ذمي عقد بيع بدانق لو عقدوه و لا غرم فلس لو أوجبوه.
و قد ذكرنا فيما تقدم فساد عقد الجماعة على غيرهم لو كانوا ممّن يرتضى،
[1]- انظر: تاريخ دمشق: 2/ 129 و 57/ 243، البداية و النهاية: 8/ 284.
[2]- مسند أحمد: 2/ 321.
و كيف ممّن لا خلاق له فيما مضى؟ و كفى بهذا على قوم هذا أصل دعواهم، و به استحقوا الفضل بزعمهم على من سواهم أبناء لعنة اللّه و ذرية أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أغصان الشجرة الملعونة في كتابه.
و عاش بعد أن ولّي تسعة أشهر [1]، و قيل: عشرة أشهر غير ثلاثة أيام [2].
و مات و هو ابن ثلاث و ستين سنة [3]، و قيل: ابن إحدى و ستين سنة [4].
[1]- تاريخ خليفة: 195، تاريخ اليعقوبي: 2/ 257، التنبيه و الاشراف: 269، البداية و النهاية: 2828.
[2]- تاريخ دمشق: 57/ 256، البداية و النهاية: 8/ 282، تهذيب الكمال: 27/ 389.
[3]- الاخبار الطوال: 286، تاريخ خليفة: 202، تاريخ دمشق: 57/ 278، البداية و النهاية: 2828.
[4]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 258، التنبيه و الاشراف: 269، تهذيب الكمال: 27/ 389.
ذكر مناقب علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام و مثالب عبد الملك بن مروان لعنة اللّه عليه و على آبائه و أبنائه.
[مناقب علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام]
[مع أحزان كربلاء]
و ولد الحسين صلى اللّه عليه: عليّان الأكبر و الأصغر، فأمّا علي الأكبر فقيل: إنه قتل معه بالطف، و أمّه ليلى بنت أبي مرّة و أمّها ميمونة بنت أبي سفيان [1].
و لمّا تواقف أصحاب الحسين عليه السّلام و أصحاب عمر بن سعد بالطف قال لهم الحسين عليه السّلام: «ما تريدون منّا؟»
قالوا: نريد قتالك.
قال: «و لم؟»
قالوا: لأنك جئت لتفسد أهل هذا المصر- يعنون الكوفة- على أمير المؤمنين، يعني يزيد اللعين.
قال: «ما جئت لذلك».
قالوا: بلى، و انتهى إلى أمير المؤمنين أن قوما منهم كاتبوك على ما يبايعونك.
و قيل: إن ذلك افتعل عليهم.
قال: «فإن كان ذلك فأنا أنصرف إلى المدينة».
فكتبوا إلى عبيد اللّه بن زياد بقوله فقال: الآن لمّا علقته أيدينا ندعه؟ لا و اللّه إلّا أن
[1]- مقاتل الطالبيين: 52، و قال: و هو أول من قتل في الواقعة، الطبقات الكبرى: 5/ 211، تاريخ اليعقوبي: 2/ 246، البداية و النهاية: 8/ 201، و قال: و كان أول قتيل قتل من أهل الحسين من بني أبي طالب.
يأتي إليّ على حكمي فأنفذ فيه ما رأيته.
فقالوا له ذلك فقال: «فأنا أمضي إلى يزيد حتى أضع يدي في يده» فأبوا عليه.
و كان الحر بن يزيد الحنظلي قد جاء قبل عمر بن سعد في عسكر، فواقف الحسين ثم لحق به عمر بن سعد في عسكر آخر، فقال الحر لعمر بن سعد: و اللّه لو سألنا مثل هذا الترك و الديلم لما وسعنا قتالهم، أقبلوا ذلك منه.
قال عمر: قد أمرنا الأمير- يعني عبيد اللّه بن زياد- بأمر لا نخالفه.
فضرب الحر وجه فرسه إلى الحسين عليه السّلام و كان معه حتى قتل مع أصحابه، و لمّا تواقفوا للقتال نادى رجل من أهل الشام علي بن الحسين الأكبر، فقال له: إن لك قرابة من أمير المؤمنين- يعني يزيد اللعين، يريد أن ميمونة بنت أبي سفيان جدته لأمّه- فإن شئت آمناك و صرت إلينا.
فقال علي: قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحق أن ترعى، ثم شدّ عليهم و هو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي * * * أنا و بيت اللّه أولى بالنبي
أضربهم بالسيف أحمي عن أبي * * * تاللّه لا يحكم فينا ابن الدعي
فلم يزل يجلي فيهم و يضرب ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أبت العطش.
فيقول له: «اصبر حبيبي فلعلك لا تمسي حتى يسقيك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» حتى رمي بسهم فوقع في حلقه.
و يقال: بل حمل عليه مرّة بن منقذ بن النعمان بن عبد القيس لعنه اللّه فطعنه فأنفذه فانصرف، فأخذه الحسين صلوات اللّه عليه فضمّه إليه فجعل يقول له: يا أبت هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لك: عجّل القدوم إلينا، فلم يزل كذلك على صدره حتى مات.
فقال عليه السّلام و قد نظر إليه ميتا: «على الدنيا بعدك العفا» [1].
[1]- مقتل الحسين لابي مخنف: 101- 163، مقاتل الطالبيين: 77، الاخبار الطوال: 254-
ثم دعى عليّا الأصغر فعهد إليه، و كان يومئذ معه عليلا قد نهكته العلة، و هو يومئذ ابن ثلاث و عشرين، هذا هو المتعارف عند الناس.
و قال أهل العلم و الخبرة بذلك: علي الأصغر هو الباقي منهما، و هو كان ولي عهد الحسين صلوات اللّه عليه في حياته و الإمام بعد وفاته، و الأكبر هو المقتول [1].
و قيل: إنه قتل يومئذ و في أذنه شنف [2].
فلمّا قتل الحسين و أصحابه أتي بعلي بن الحسين و هو لما به من العلة إلى عمر بن سعد، فلمّا رأى ما به تركه و أمر أن لا يعرض له.
قال علي بن الحسين: «فلمّا تركني عمر بن سعد لعنه اللّه بقيت مطروحا لما بي، و أتاني رجل من أهل الشام فاحتملني و مضى بي و هو يبكي و قال لي: يا ابن رسول اللّه إني أخاف عليك فكن عندي، و مضى بي إلى منزله، فأكرم نزلي و كان يبكي كلما دخل و كلما خرج و نظر إلي، فكنت أقول في نفسي: إن يكن أحد عنده خير من هؤلاء القوم فهذا الرجل.
فلمّا صرنا إلى عبيد اللّه بن زياد سئل عني فقيل: قد ترك، و طلبت فلم أوجد، فنادى مناديه: ألا من وجد علي بن الحسين فليأت به و له ثلاثمائة درهم، فدخل علي الرجل و هو يبكي و جعل يربط يدي إلى عنقي و يقول: أخاف على نفسي يا ابن رسول اللّه إن سترتك عنهم أن يقتلني، و أخرجني فدفعني إليهم مربوطا و أخذ ثلاثمائة درهم، و أنا أنظر إليه».
- 260، الامامة و السياسة: 2/ 11، تاريخ الطبري: 4/ 314 و 340، تاريخ دمشق: 45/ 25- 55.
[1]- مقتل أبي مخنف: 201، الطبقات الكبرى: 5/ 211، تاريخ دمشق: 41/ 367، البداية و النهاية: 9/ 122.
[2]- الشنف: بفتح الشين، الحلي التي تلبس في الأذن، أي القرط. النهاية لابن الأثير: 2/ 505.
و مضى بعلي بن الحسين صلوات اللّه عليه إلى عبيد اللّه بن زياد، فلمّا صار بين يديه قال له: من أنت؟
قال: «أنا علي بن الحسين».
قال: أو لم يقتل اللّه عليا؟
قال: «كان علي الأكبر أخي و قد قتله الناس».
فقال عبيد اللّه: بل قتله اللّه.
قال علي: «اللّه يتوفى الأنفس حين موتها».
فأمر عبيد اللّه بن زياد بقتله، فصاحت زينب بنت علي عليه السّلام: يا ابن زياد حسبك من دمائنا، أنشدك اللّه إن قتله لتقتلني معه.
فتركه و وجّه به إلى يزيد مع من وجّه من حرم الحسين عليه السّلام، فأدخل على يزيد و هو عليل دنف و أدخل معه حرم الحسين عليه السّلام، فلمّا صاروا بين يديه قام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين نساءهم لنا حلال؟
فقال علي بن الحسين: «كذبت إلّا أن تخرج من ملة الإسلام فتستحل ذلك بغيرها».
فأطرق يزيد مليّا و أمر بالنسوة فأدخلن إلى نسائه، ثم أمر برأس الحسين عليه السّلام فرفع على سنان قناة، فلمّا رأين ذلك النساء أعولت، فدخل يزيد اللعين على نسائه فقال: ما لكن لا تبكين مع بنات عمّكن، فأمرهن بأن يعولن معهن تمردا على اللّه و على أوليائه، ثم قال:
نفلق هاما من رجال أحبة * * * إلينا و هم كانوا أعق و أظلما
و جعل الطرب يستفزّه و النساء يبكين و يندبن و نساءه معهن و يقول:
شجي بكى شجوة فاجعا * * * قتيلا و باك على من قتل
فلم أر كاليوم في مأتم * * * كان الظباء به و النفل
و كذب عدو اللّه لو شجاه قتله، لما عبث برأسه و رفعه على القناة و طاف به و أرسل
به إلى البلدان، و لمّا أمر بقتله و كان له إذ خافه فيما زعم على نفسه في حبسه و التوثق منه بلغة عند نفسه، لا أن ذلك له، أعني اللعين و لا لغيره، فيمن أوجب اللّه طاعته و آكد إمامته، و لكنها ذحول بني أمية بدماء الجاهلية.
و لمّا بلغ من أمره ما أراد، أمر بإطلاق علي بن الحسين عليه السّلام و خيّره بين المقام عنده و الانصراف، فاختار الانصراف إلى المدينة فسرّحه.
و كان الحسين لمّا انتهى إليه أمر عبيد اللّه بن زياد، و أنه قتل مسلم بن عقيل بسببه و جهّز العساكر إليه، و أن شيعته بالكوفة خافوا فتفرقوا، جمع أصحابه فأعلمهم الخبر و قال: «من أحب منكم الانصراف فلينصرف».
فانصرف عنه عامّة من كان معه، فلم يبق معه إلّا أقل من سبعين رجلا رضوا بالموت معه حتى قتلوا عن آخرهم.
و كان جميع من قتل من أصحاب الحسين عليه السّلام و من أخوته و بنيه و أهل بيته الذين قتلوا معه اثنين و سبعين رجلا، و قتلوا من أصحاب عمر بن سعد في المعركة ثمانية و ثمانين رجلا سوى من أدركته الجراح بعد ذلك فمات منها.
و كان ممّن قتل مع الحسين عليه السّلام من بنيه: علي بن الحسين قتله مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي، و عبد اللّه بن الحسين، قتله هاني بن الحضرمي، و أبو بكر بن الحسين، قتله عبد اللّه بن عقبة الغنوي.
و قتل معه من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام: عبد اللّه بن الحسن قتله حرملة الكاهلي بسهم، و القاسم بن الحسن قتله سعد بن عمرو بن نفيل الأزدي.
و قتل معه من أخوته من ولد علي بن أبي طالب: العباس، و كان يومئذ صاحب راية الحسين قتله زيد بن رقاد الجنبي، و كان العباس بن علي لمّا منع الحسين الماء جعل يحمل على الناس فيفرجون حتى يأتي الفرات، و يأتي بالماء فيسقي الحسين و أصحابه فسمّي السقاء يومئذ، و قتل بين الفرات و مصرع الحسين عليه السّلام فثم قبره،
و قطعوا يومئذ يديه و رجليه [1].
[في رحاب زين العابدين عليه السّلام]
و صارت الإمامة إلى علي بن الحسين، و منه تناسل ولد الحسين كلهم، و ليس للحسين عقب إلّا منه، و كان و رعا عابدا فاضلا، يعرف ذلك له الخاص و العام و المؤالف و المخالف [2].
و كان يدعى: سيّد العابدين، و يقال له: ذو الثفنات [3]، لأنه كان بمواضع السجود منه كثفنات البعير من كثرة السجود، و كان يسقط منها الشيء بعد الشيء، فلمّا مات جعل ذلك معه في أكفانه.
و كان يصلي كل يوم و ليلة ألف ركعة، و يتصدق كل ليلة بما فضل عن قوته و قوت
[1]- مقتل الحسين لابي مخنف: 62- 214، مقاتل الطالبيين: 51- 85، الطبقات الكبرى: 2125، الاخبار الطوال: 261، تاريخ الطبري: 4/ 301- 358، تاريخ دمشق: 41/ 367.
[2]- قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أحدا أورع منه. حلية الاولياء: 3/ 141، صفة الصفوة: 992.
و قال الزهري: لم أر هاشميا أفضل من علي بن الحسين، و ما رأيت أحدا كان أفقه منه. حلية الاولياء: 3/ 141.
و قال ابن سعد: و كان علي بن الحسين ثقة مأمونا كثير الحديث، عاليا رفيعا و رعا. الطبقات الكبرى: 5/ 222.
و قال مالك: لم يكن في أهل بيت رسول اللّه (ص) مثل علي بن الحسين. تاريخ دمشق: 41/ 373.
و قال زيد بن أسلم: ما رأيت فيهم مثل علي بن الحسين قط. تهذيب الكمال: 20/ 387.
و قال ابن عساكر: و كان علي بن الحسين رجلا له فضل في الدين. تاريخ دمشق: 41/ 368.
[3]- أنساب الاشراف: 359، مروج الذهب: 3/ 160، تقريب التهذيب: 2/ 584، مطالب السئول: 2/ 85.
عياله، و لمّا مات و أخذوا في غسله نظروا على حبل عاتقه إلى أثر شاخص، فقالوا لابنه أبي جعفر عليه السّلام: ما هذا الأثر يا ابن رسول اللّه؟
قال: «أما إنه ما يعرف ما هو غيري و لو لا أنه مات لما ذكرته، كان إذا جنّة الليل و قام ليصلي نظر إلى كل ما فضل عن قوته و قوت عياله من الطعام، فجعله في جراب و رمى به على عاتقه و خرج متسللا لا يعلم به أحد غيري، فإني كنت ربّما علمت به من حيث لا يعلم، فيأتي دور قوم فقراء قد عرفوا وقت مجيئه و لا يعلمون من هو، فإذا رأوه مقبلا تباشروا به و قالوا: هذا صاحب الجراب قد أقبل، فيفرق عليهم ما فيه و ينصرف فيصلي باقي ليلته و هذا أثر ذلك الجراب» [1].
و روي عنه عليه السّلام أنه كان يصوم النهار و يقوم الليل، فإذا هدأت كل عين دعا بدعاء كان يدعوا به فيقول: «إلهي غارت نجوم سماواتك، و نامت عيون خلقك، و هدأت أصوات عبادك، و غلقت ملوك بني أمية عليها أبوابها، و طاف عليها حرّاسها، و احتجبوا عمّن يسألهم حاجة، أو يبتغي منهم فائدة، و أنت إلهي ملك حيّ قيّوم لا تأخذك سنة و لا نوم، و لا يشغلك شيء عن شيء.
أبواب سماواتك لمن دعاك مفتحات، و خزائنك غير مغلقات، و رحمتك غير محجوبة، و فوائدك لمن سألكها غير محظورات بل هي مبذولات.
إلهي أنت الكريم الذي لا ترد سائلا من المؤمنين سألك، و لا تحتجب عن طالب منهم أرادك، لا و عزتك ما تختزل حوائجهم دونك، و لا يقصرها أحد غيرك.
اللهم و قد ترى وقوفي و ذلّ موقفي بين يديك، و تعلم سريرتي، و تطلع على ما في قلبي، و ما يصلحني لآخرتي و دنياي.
إلهي و ترقّب الموت، و هول المطلع، و الوقوف بين يديك، نغّصني و مطعمي
[1]- حلية الاولياء: 3/ 135، ربيع الابرار: 2/ 149، صفة الصفوة: 2/ 96، مناقب آل أبي طالب: 3/ 293.
و مشربي، و غصّني بريقي، و أقلقني من وسادي، و هجعني و منعني من رقادي.
إلهي كيف ينام من يخاف بغتات ملك الموت في طوارق الليل و طوارق النهار».
ثم يبكي حتى ربّما أيقظ بكاؤه أهله، فيفزعون إليه فيجدونه قد ألصق خدّه بالتراب و هو يقول: «ربّ أسألك الراحة و الروح و الأمن و الأمان» [1].
و قال طاوس اليماني: حججت فدخلت الحجر ليلا فرأيت علي بن الحسين يصلي، فدنوت منه و قلت: رجل من الصالحين لعلّي أسمع منه دعاء فأنتفع به.
قال: فسمعته يقول في دعائه و هو ساجد: «عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك» ثم يدعو بما يريد.
قال طاوس: فأخذتهن عنه، فما دعوت بعد ذلك بهن في كرب إلّا فرّج عني [2].
و قيل: إن سائلا سأل في سكك المدينة في بعض الليل، فقال في سؤاله: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟
فنودي من ناحية البقيع لا يعرف من ناداه: ذلك علي بن الحسين عليه السّلام [3].
و قيل: إن الحسن بن الحسن بن علي وقف على علي بن الحسين فأسمعه بالشتم، فسكت علي بن الحسين و لم يجبه بحرف، و كان معه رجال من أصحابه فساءهم ذلك و غمّهم، فبعد أن مضى الحسن قال لهم علي بن الحسين: «قد سمعتم ما قال هذا الرجل؟»
قالوا: نعم سمعنا ذلك، و لقد كنّا نحبّ أن نقول له و تقول، فتلى صلوات اللّه عليه:
[1]- مصباح المتهجد: 133 ح 12.
[2]- ربيع الأبرار: 1/ 211، تاريخ دمشق: 41/ 380، صفة الصفوة: 2/ 100، مطالب السئول: 2/ 95.
[3]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 289.
وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [1].
ثم قال: «أريد أن تقوموا معي إلى منزله حتى تسمعوا ردّي عليه، فإنه لم ينبغ أن أرد عليه في مجلسي».
فقام القوم معه و هم يرون أنه يستنصف منه، فلمّا أتى إلى منزله استأذن عليه، فخرج إليه الحسن و هو يرى ذلك، فواثبه فقال: «على رسلك يا أخي قد سمعت ما قلت لي في مجلسي، و نحن في مجلسك فاسمع ما أقول لك: إن كنت قلت في ما هو في فإني أسأل اللّه أن يغفر لي، و إن كنت قلت في ما ليس في فإني أسأل اللّه أن يغفره لك».
فاستحى الحسن و قام إليه فقبّل رأسه و ما بين عينيه و قال: بل قلت و اللّه ما ليس فيك، و أستغفره و اعتذر إليه [2].
و كان إذا أخذ في وضوئه للصلاة تغيّر لونه و ارتعد و حال أمره، فقيل له في ذلك، فيقول: «إني أريد الوقوف بين يدي ملك عظيم» [3].
و فضله عليه السّلام معروف لا يدفع و مشهور لا يجهل، و العامة تروي له من الفضائل و تعرف له من المناقب و تذكر له من العجائب، ما تفرّق فيه حتى لقد قيل: إن بعض بني مروان كان يقول للزهري لمّا كان يروي و يحدّث به عنه: يا زهري ما فعل نبيّك؟
ينسبه فيه إلى الغلو و يزري بذلك عليه، لما كان يروي عنه و يحدّث به من فضله كحديثه عنه، و قد كان قارف ذنبا فتعاظمه، و وله من أجله و هام على وجهه و اختبل
[1]- سورة آل عمران: 134.
[2]- صفة الصفوة: 2/ 94، مختصر تاريخ دمشق: 17/ 245، مناقب آل أبي طالب: 3/ 296، مطالب السئول: 2/ 87.
[3]- حلية الاولياء: 3/ 133، العقد الفريد: 3/ 114، صفة الصفوة: 2/ 93، مطالب السئول: 852.
بعض عقله، فلقيه علي بن الحسين صلوات اللّه عليه فقال له: «يا زهري لقنوطك من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء أشدّ عليك ممّا تخوفته عليك من ذنبك، فتب إلى اللّه من ذنبك و استغفره بجرمك، فإن اللّه يحبّ التوابين كما ذكر، و يغفر للمذنبين كما أخبر ثم تلا عليه قوله عزّ و جلّ: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [1] الآية.
فتاب الزهري إلى نفسه و قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته [2].
و أخبره صلوات اللّه عليه: أنه ليس من الواجب على من قارف الذنوب أن يشعر نفسه اليأس من رحمة اللّه، و لا يقطع رجاءه من اللّه، و لكن الواجب عليه أن يتنصّل فما كان في ذنوبه من التباعات إلى أهلها و يتوب إلى اللّه و يستغفره فيما كان بينه و بينه منها، و يستشعر الندم على ما سلف منها، و يعقد قلبه على أنه لا يعود إليها، و يتوسل إلى اللّه بأوليائه كما قال عزّ و جلّ في كتابه: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [3] لا أن ييأس من رحمة اللّه و يستوحش من النار كما فعل الزهري و يهيم على وجهه، و قد جعل اللّه للمذنبين من عباده أبوابا يتوسلون بها إلى رحمة اللّه.
و كان علي بن الحسين عليه السّلام يقول: «الحلم هو الذل» [4].
و روي عنه: أن جارية له وقفت عليه توضئه بإبريق في يدها، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع إليها رأسه و نظر إليها فقالت: يا مولاي إن اللّه يقول:
[1]- سورة الزمر: 53- 54.
[2]- الطبقات الكبرى: 5/ 214، تاريخ دمشق: 41/ 398، البداية و النهاية: 9/ 125- 126.
[3]- سورة النساء: 64.
[4]- و هذا مستمد من قول الامام علي (ع) حين قال له قائل: علمني الحلم، فقال: (هو الذل، فاصبر عليه إن استطعت). شرح نهج البلاغة: 20/ 297 ح 402.
وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ.
قال: «قد كظمت غيظي».
قالت: و يقول: وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قال: «قد عفوت عنك».
قالت: و يقول: وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*.
قال عليه السّلام: «فأنت حرّة لوجه اللّه» [1].
و ولى هشام بن إسماعيل المخزومي المدينة، فنال من علي بن الحسين من الأذى و المكروه أمرا عظيما، فعزله الوليد بعد ذلك و أمر بأن يوقف للناس، فلم يكن من أحد أخوف منه من علي بن الحسين عليه السّلام لما ناله منه، أن يرفع عليه و يقول، فلم يقل شيئا فيه و نهى خاصته و أهل بيته و كل من يسمع له عن القول فيه بسوء، ثم أرسل إليه و هو واقف عند دار مروان: «أنظر ما أعجزك من مال تؤخذ به، فعندنا ما يسعك لذلك و طب نفسا منّا و من كل من يطيعنا».
فنادى هشام و هو قائم بأعلى صوته: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته [2].
و روي أن علي بن الحسين نادى مملوكا له، فلم يجبه و هو يسمعه.
فقال: «يا بني أناديك فلا تجيبني، أ ما تخاف أن أعاقبك».
قال: لا و اللّه ما أخافك، و ذلك الذي حملني على أن لم أجبك.
فقال علي بن الحسين عليه السّلام: «الحمد للّه الذي جعل مملوكي آمنا منّي» [3].
و روي عن علي بن الحسين عليه السّلام أنه قال: «خرجت يوما من منزلي أيام فتنة ابن
[1]- صفة الصفوة: 2/ 100، تاريخ دمشق: 41/ 387، البداية و النهاية: 9/ 125، الدر المنثور: 2/ 73.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 217، تاريخ اليعقوبي: 2/ 284، البداية و النهاية: 9/ 86.
[3]- تاريخ دمشق: 41/ 387، مناقب آل أبي طالب: 3/ 296.
الزبير، و قد ضاق صدري بما ينتهي إليّ منها، فانتهيت إلى حائط لي فاتكأت عليه و وقفت كذلك مقاربا، فإني على ذلك إذ وقف عليّ رجل عليه ثياب بيض، فنظر إلى وجهي و ما أعرفه فقال لي: يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا، أعلى الدنيا حزنك، فرزق حاضر للبر و الفاجر.
فقلت: اللهم لا، ما آسى على شيء من الدنيا.
قال: أ فعلي الآخرة حزنك، فهو وعد صادق يحكم فيه ملك قادر.
قلت: اللهم لا، و لا لذلك كان ما ترى.
قال: ففيم حزنك؟
قلت: تخوفت فتنة ابن الزبير [1].
فضحك و قال: يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا قط توكل على اللّه فلم يكفه؟
قلت: لا.
قال: يا علي هل رأيت أحدا خاف اللّه فلم ينجه؟
قلت: لا.
قال: يا علي هل رأيت سائلا سأل اللّه فلم يعطه؟
قلت: لا.
[1]- هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام، و كان ممن امتنع من مبايعة يزيد لعنه اللّه و آوى إلى مكة فحاصره أصحاب يزيد، و نصبوا له المنجنيق على الكعبة و رموها بالنار، فلمّا مات يزيد في سنة أربع و ستين بايعه أهل الحرمين بالخلافة بعد أن بقي الناس بغير خلافة أكثر من شهرين، ثم بايعه أهل العراق و اليمن، و في سنة ثلاث و سبعين نازل الحجاج ابن الزبير بأمر من عبد الملك بن مروان، فحاصره و نصب المنجنيق و رمى الكعبة و دام القتال أشهرا، حتى قتل في هذه الفتنة خلق كثير، و لذلك كان الإمام عليه السّلام يتخوف على الناس من هذه الفتنة.
فسكت و بقيت مفكّرا في قوله، ثم رفعت عيني فلم أر أحدا» [1].
و قيل: إنه كان بالمدينة عدّة بيوت يأتيهم قوتهم من علي بن الحسين عليه السّلام، و لا يدرون من أين يأتيهم ذلك، فما عرفوا ذلك حتى مات و انقطع عنهم، لأنه كان يسرّ ما يرسله إليهم رجاء ثواب صدقة السرّ.
و قيل: إن تلك البيوت حصيت فوجدت مائة بيت في كل بيت جماعة من الناس [2].
و لمّا احتضر زيد بن أسامة بن زيد، جعل يبكي و عنده علي بن الحسين عليه السّلام فقال له: «ما يبكيك؟»
فقال: خلّفت عليّ خمسة عشر ألف دينار دينا، و ليس فيما أخلف وفاء ذلك.
فقال له علي بن الحسين عليه السّلام: «فطب نفسا عليّ وفاء ذلك عنك» فوفاه عنه [3].
و قيل: إن مولى لعلي بن الحسين عليه السّلام كان يعمّر له ضيعة، فجاء فأصاب فيها فسادا، فقرعه بسوط كان بيده قرعة واحدة و مضى، ثم أرسل إليه فظنّ أنه يريد
[1]- حلية الاولياء: 3/ 134، تاريخ دمشق: 41/ 383، البداية و النهاية: 9/ 133، مطالب السئول: 2/ 90.
و الغريب أن بعض المصادر ذكرت الرواية و لكن مؤلفيها لم تطاوعهم قلوبهم أن يذكروا اسم علي بن الحسين، و نسبوها لرجل في بستان بمصر! فهل أن هذا الرجل الذي يأتيه الخضر لم يعرف؟ أم لأنه علي بن الحسين!
انظر: المصنف لابن أبي شيبة: 8/ 206 ح 9، الهواتف لابن أبي الدنيا: 88، الاصابة: 2/ 272.
[2]- الطبقات الكبرى: 5/ 222، حلية الاولياء: 3/ 136، ربيع الابرار: 2/ 149، تاريخ دمشق: 41/ 384.
[3]- حلية الاولياء: 3/ 141، صفة الصفوة: 2/ 101، تاريخ دمشق: 41/ 385، البداية و النهاية: 9/ 123.
عقوبته، فوجد السوط بين يديه فقال له: «يا هذا حملني الغضب على أن ضربتك، فخذ السوط و اقتصّ مني».
فقال: يا مولاي و اللّه إن ظننت إلّا إنك تريد عقوبتي و إني لأستحق ذلك، فكيف أقتصّ منك؟
فقال: «ويحك اقتصّ مني».
فقال: يا مولاي معاذ اللّه أنت في حلّ وسعة، فكرر ذلك عليه و المولى يحلّله، فلمّا لم يره يقتصّ منه قال: «الضيعة صدقة عليك» و أعطاه إياه [1].
و كان يتصدق بكسوته في الشتاء إذا انقضى الشتاء و بكسوته في الصيف إذا انقضى الصيف، و كان يلبس من خز الثياب، فقيل له: تعطيها من لا يعرف قيمتها و لا يليق به لباسها، فلو بعتها فتصدقت بثمنها.
فقال: «إني لأكره أن أبيع ثوبا صلّيت فيه» [2].
و كان صلوات اللّه عليه إذا وقف في الصلاة لم يسمع شيئا و لم يشتغل بغير صلاته، و كان أهله قد عرفوا ذلك منه، فسقط بعض ولده في بعض الليالي و هو يصلي، فصاح أهل الدار و أتاهم الجيران، و أرسل أبو جعفر إلى المجبّر فجبّر الصبي و هو يصيح من الألم، و كل ذلك لا يسمعه علي بن الحسين عليه السّلام لشغله بالصلاة، فلمّا أصبح و رأى يد الصبي مربوطة إلى عنقه قال: «ما لهذا؟» فأخبروه [3].
و كان علي بن الحسين صلوات اللّه عليه و رعا عابدا عاقلا حليما وقورا جميلا.
و قيل: إنه حجّ، فجعل الناس ينظرون إلى جماله و كماله، و يقول من لم يعرفه منهم لمن عسى أن عرفه: من هذا؟ فيخبره.
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 297.
[2]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 294.
[3]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 290.
و قال قائل من الناس للفرزدق: من هذا؟
فأنشد يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * * * و البيت يعرفه و الحل و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * * * هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته * * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء و يغضى من مهابته * * * فما يكلم إلّا حين يبتسم
إذا رأته قريش قال قائلها * * * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
أي القبائل ليست في رقابهم * * * لأولية هذا أوله نعم [1]
و بلغ علي بن الحسين عليه السّلام. أن مسرفا ولّي المدينة و أنه تواعده بسوء، فلمّا قدم المدينة أرسل في طلبه فمضى إليه و هو يدعو، و كان ممّن حفظ عنه من دعائه:
«ربّ كم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ لك عندها شكري، و كم من بلية ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، و يا من قلّ عند بليته صبري فلم يخذلني، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، و يا ذا النعماء الذي لا يحصى لها عدد، صل على محمد و على آل محمد، و بك أدفع في نحره، و أستعيذك من شرّه».
فلمّا دخل عليه وجد عنده مروان بن الحكم، و قد جاء لما بلغه أنه أرسل إليه ليغريه به، فلمّا دخل عليه رحّب به و قام إليه، فسلّم عليه و أكرمه و أجلسه إلى جانبه، و أقبل إليه إقبالا حسنا.
فلمّا رأى ذلك مروان جعل يثني عليه و يذكر من فضله، فقال له مسرف: دعنا عنك فليس الذي صنعنا إليه من أجل قولك.
[1]- ديوان الفرزدق: 2/ 178، حلية الاولياء: 3/ 139، المعجم الكبير: 3/ 101 ح 2800، صفة الصفوة: 2/ 99.
ثم قال له: لو لا أنّا نخاف أن يسيء ظن أهلك لسألناك أن تؤنسنا بنفسك، فانصرف إليهم و قدّموا دابته.
فقيل له: ما له دابة.
فقال: قدّموا إليه دابتي، و عزم عليه أن لا ينصرف إلّا عليها [1].
و مات علي بن الحسين سنة أربع و تسعين، و هو ابن ثمان و خمسين سنة [2].
و قيل: إنه لمّا دفن ضربت امرأته على قبره فسطاطا، و كانت له ناقة يركبها و يحج عليها يقال لها: درّة، فجاءت يوما من المرعى إلى الفسطاط الذي فيه قبر علي بن الحسين عليه السّلام، فبركت و ضربت بجرانها في الفسطاط، و جعلت نحن حنينا دائما، فجاء الناس ينظرون إليها، و بلغ ذلك أبا جعفر فأمر غلاما له أن يزيلها، لئلا تصير من ذلك شناعة، فأتي فأخذ بمشفرها فما أقامها إلّا عن جهد [3].
و لمّا استشهر فضل علي بن الحسين عليه السّلام و هو مع ذلك يخمله و يخفيه، و حمل العلم عنه و احتاج الناس فيه إليه، سمّي سيّد العابدين.
و أراد بنو أمية قتله و سعوا فيه، و اللّه يمنعهم في ذلك كله و يقيه، ليتمّ أمره.
و كان علي بن الحسين عليه السّلام بعد قتل الحسين عليه السّلام يدعو دبر كل صلاة فيقول:
«اللهم أبقني حتى تبلغني أملي».
فقيل له: و ما أملك؟
قال: «أن أرى قاتل أبي مقتولا».
[1]- كتاب الشكر للّه لابن أبي الدنيا: 85 ح 42، مناقب آل أبي طالب: 3/ 302.
[2]- التاريخ الكبير: 1/ 242، الطبقات الكبرى: 5/ 221، المعارف لابن قتيبة: 125، تاريخ دمشق: 41/ 411 و 414.
[3]- الكافي: 1/ 468 ح 4، بصائر الدرجات: 503 ح 11، مناقب آل أبي طالب: 3/ 283، كشف الغمة: 2/ 322.
فلمّا قتل المختار عمر بن سعد و عبيد اللّه بن زياد لعنهما اللّه بعث برأسيهما إلى علي بن الحسين صلوات اللّه عليه، و قال لرسوله: إنه يقوم من الليل فإذا صلى الفجر نام شيئا، ثم يقوم و يستاك و يقدم إليه طعامه، فقس عليه إذ وضعت المائدة بين يديه فأدخل وضع الرأسين عليهما.
ففعل، فسجد علي بن الحسين صلوات اللّه عليه و قال: «الحمد للّه الذي بلغني أملي في دنياي و أقرّ عيني بقتل عدوي» [1].
[مثالب عبد الملك بن مروان بن الحكم]
[عبد الملك بن مروان بن الحكم]
و أمّا عبد الملك بن مروان، فقد ذكرنا تغلّب أبيه على ما ادّعاه من الخلافة، و كيف يحتال و احتيل له إلى أن صار إلى ذلك، بعد أن أوجب لعمرو بن سعيد- هو الذي سعى له في ذلك- أن يجعل الأمر إليه بعده، فلو كان ذلك له صار عنه إلى عمرو بن سعيد بن العاص بتصييره إياه إليه و للشرط الذي جعله في ذلك عليه، و ذكرنا قتل عبد الملك إياه بعد أبيه و جلوسه مجلسه، و تغلّبه على من كان تغلّب عليه بلا حجة و لا برهان و لا دليل و لا بيان، و هو على ذلك لعنة اللّه عليه نسل و نجل طريدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و قد ذكرنا شأنهما و ممّا يؤثر عنه و يعرف من قوله في أول بدىء أمره: أنه لمّا أتاه رسول أبيه ليعهد إليه و بشّره الرسول بذلك، وجده يقرأ في المصحف فطواه و قال:
هذا فراق بيني و بينك [2].
فأظهر اللّه ذلك على لسانه و فارق كتاب اللّه بشهادته على نفسه، و ما كان قبل ذلك مع كتاب اللّه جلّ ذكره هو و لا من تقدمه من سلفه حزب الشيطان و أغصان الشجرة
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 285، درر السمط لابن الأبار: 108 باختصار.
[2]- تاريخ بغداد: 10/ 389، تاريخ دمشق: 37/ 128، البداية و النهاية: 9/ 76.
الملعونة في القرآن، و كان على ذلك من سوء حاله بالنذالة موصوفا، و بالقذارة معروفا، كان يلقّب: (رشح الحجر) لبخله [1]، و يكنى أبا ذباب لبخره، و كان شديد البخر [2].
و قيل: إنه ربّما مرّت الذبابة بفيه فتسقط لشدة رائحته.
و هو الذي قتل مصعب بن الزبير و استعمل الحجاج بن يوسف و بعثه إلى عبد اللّه ابن الزبير فقاتله بمكة، فلمّا غلب عليه لجأ ابن الزبير إلى البيت فنصب الحجاج عليه من المنجنيق.
قال الليث بن المظفر في كتاب العين: حدثني شيخ من بني شيبة في مسجد مكة قال: إني لأذكر حدين نصب الحجاج المنجنيق على جبل أبي قبيس و ابن الزبير قد تحصّن في البيت، فجعل يرميه بالحجارة و النيران، فاشتعلت النار في أستار الكعبة حتى أسرعت فيها، فجاءت سحابة من نحو جدّة مرتفعة كأنها ملأة، يسمع منها الرعد و يرى فيها البرق، حتى استوت فوق البيت فمطرت، فما جاوز مطرها البيت و مواضع الطواف، فأطفأت النيران و سال الميزاب في الحجر، ثم عدلت إلى جبل
[1]- قال الشيرواني و غيره: كان عبد الملك أول من غدر بالاسلام، و أول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء و كان الناس قبله يراجعونهم، و أول بخل، و أول من نهى عن الامر بالمعروف، فانه قال في خطبة بعد قتل ابن الزبير: و لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.
انظر: مناقب أهل البيت للشيرواني: 475، الكامل في التاريخ: 2/ 140.
[2]- تاريخ دمشق: 37/ 153، و قال ابن عساكر: كان عبد الملك فاسد الفم، فعض تفاحة فألقاها إلى امرأة من نسائه فأخذت سكينا فاجتلفت ما عاب منها، فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أمطت الاذى عنها، فطلقها.
و البخر: النتن يكون في الفم و غيره. لسان العرب: 4/ 47.
أبي قبيس فرمت بصاعقة فأحرقت المنجنيق و من عليها.
قال الليث: فحدّثت هذا الحديث بالبصرة قوما و فيهم رجل من أهل واسط، فقال:
إني سمعت أبي يحدّث بهذا الحديث، و أن الحجاج لمّا رأى ذلك ذعر منه و أمسك عن القتال، و كتب إلى عبد الملك بالخبر.
فكتب إليه عبد الملك: أن بني إسرائيل كانوا إذا قرّبوا قربانا فتقبله اللّه منهم بعث نارا من السماء فأكلته، و أن اللّه عزّ و جلّ قد رضى عملك و تقبّل قربانك فجد في أمرك [1].
فهذا العتق و العنود على اللّه و التمادي على ما أسخطه بعده تخويفه، نعوذ باللّه من الإصرار على معاصيه.
و كان الحجاج جلدة ما بين عيني عبد الملك و أحب الناس إليه [2]، و الحجاج عدو اللّه من الظلم و الغش و الجور و الفسق، في غاية لا يدفع ذلك عنه دافع، و لا يريه منه ولي له و لا مكابر، و هو على ذلك أقرب الناس من عبد الملك و أخصّهم به و أحضاهم لديه، فلو لم يكن لعبد الملك خطيئة إلّا الحجاج و توليته إياه رقاب المسلمين بالحرمين و العراقين، يسومهم الخسف، و يسير فيهم بالعنف، و يحكم فيهم بخلاف كتاب اللّه و سنة رسوله، يعاقب الولي بالولي و السمي بالسمي، و يسفك الدم الحرام، و يرتكب الكبائر و الآثام، و هو في ذلك يؤيده و يقوّي أمره، و يرتضي عمله، و يشكر فعله، و يحتج بالباطل له، و ينال ممّن اشتكى و يعاقب من تظلم منه [لكفاه].
و ضيّع عبد الملك بن مروان جهاد المشركين و أقبل على استهلاك المسلمين،
[1]- كتاب العين: 3/ 183 (في الهامش)، لسان العرب: 3/ 389.
[2]- هذا ما ثبت عن عبد الملك انه قال: ان الحجاج جلدة ما بين عيني و أنفي.
و زاد ابنه الوليد بن عبد الملك: ألا و اني أقول ان الحجاج جلدة وجهي كله. انظر: البيان و التبيان: 1/ 292، شرح نهج البلاغة: 5/ 37.
حتى قوى أمر الروم و طمعوا في الإسلام و غزوه في أرض الشام و أشرفوا عليه، فصالحهم على أن يؤدي إليهم في كل جمعة ألف دينار [1]، فنقص بذلك الإسلام و المسلمين، و صنع صنيعا لم يسبق إليه، و احتقب به إثما و نقصا عليه بإعطائه الدنية في دينه للمشركين، و إعطائهم الجزية و وادعهم، و ترك حربهم و أقبل على حرب ابن الزبير، و لو كان إنما وادعهم عن غير منقصة لحرب من حاربه، لكان معذورا، و لكنه أعطى الدنيّة من نفسه و أدخل النقص على المسلمين بسوء رأيه، و لو حاربهم و ردّ وجهه و شوكته إليهم، لما خاف جانب ابن الزبير و لا غيره، بل كانوا يكونون في حربهم معه، و هو على هذا من سوء حاله أشرف من ولّي من بني أمية عندهم، و الذي وطّد لهم فيما زعموا سلطانهم و أسس ملكهم، و أكثر ما يصفونه به من جميل الحال ما تقدم له قبل أن يصير إلى ما صار إليه ممّا كان يرى به تصنعا لما تغلب عليه، فهم يقولون: إن الخلافة وضعته لما لم يجد، و أستر لعيوبه فيها و ظلمه لما تغلب عليها.
ثم ما يصفونه من الدهاء و المكر و شدة الوطأة بالظلم، و ذلك من أقبح المعايب و أجلّ المثالب، لأن من تعدى حدود اللّه جلّ ذكره و خالف كتابه و غيّر سنن رسوله، فهو من أسوإ الناس حالا و أكثرهم عيبا.
و كان يكنى أبا الوليد، فقال له أرطاة بن شبهة المري، لمّا عظم على الأمة أمره، و استبعد الناس أجله و استطالوا مدته و تمنوا موته:
رأيت المرء تأكله الليالي * * * كأكل الأرض ساقطة الحديد
و ما تجد المنيّة حين تأتي * * * على نفس ابن آدم من مزيد
و اعلم أنها ستكرّ حتى * * * توفي نذرها بأبي الوليد
و كان الشعراء قد تناذروه و خافوه أن يقولوا فيه شيئا، فانتهت هذه الأبيات إليه
[1]- راجع: تاريخ الطبري: 5/ 2، البداية و النهاية: 8/ 344، تاريخ ابن خلدون: 3/ 70.
فأشخص إليه أرطاة فلم يشك أنه قاتله، فلمّا مثل بين يديه قال له: ما أنت و ذكري في شعرك؟
قال: و أين ذكرتك يا أمير المؤمنين؟
قال: أ لست القائل هذه الأبيات؟ فأنشده إياها.
قال: نعم أنا قائلها و لم أعنك، و إنما عنيت نفسي و أنا أبو الوليد.
و كذلك كان يكنى، فسأل عن ذلك عبد الملك فوجده كما قال، فأفلت منه و خلى سبيله و انصرف إلى بلدة، فلمّا قرب منه قال:
إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف [1] * * * فبشر رجالا يكرهون إيابي
و خبّرهم أن قد رجعت بغبطة * * * أحدّ أظفاري و أصرف نابي
و إني ابن حرب لا تزال تهرني * * * كلاب عدو أو تهر كلابي [2]
و كفى بهذا ردعا للناس و تخويفا لهم و نهيبا فيهم، لا سيّما الشعراء الذين لا يرجعون عن القول فيمن صغر و كبر و جلّ و قلّ، و في مثل هذا من القول الذي لا شك فيه و لا بد منه: أن الموت حتم لا حائل دونه و سبيل لا معدل عنه، و بمثل هذه الغلظة و الخيفة قطع عبد الملك ذكر فضائل علي عليه السّلام و أخذ على أيدي المحدثين: أن لا يذكروا شيئا منها و لا يظهروا كتابا فيها، و أمر من استعماله منهم بدنياه و أناله منها و أرضاه، أن وضع له أخبارا في فضائل بني أمية لعنة اللّه عليهم و أظهر لعن علي عليه السّلام على المنابر، و تتبع من ينتحل فضله و يقول بإمامته بالقتل و التشريد.
و من تعارفه في التهيّب عند الناس و تخوفهم نفسه، أنه خطب فيما روي عنه فقال: إني و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف، و لا بالخليفة المداهن، و لا بالخليفة
[1]- لفلف: بلد قبل برد من حرة ليلى. معجم ما استعجم: 4/ 1159.
[2]- العمر و الشيب لابن أبي الدنيا: 64، الاغاني: 13/ 37، تاريخ دمشق: 8/ 4- 6، البداية و النهاية: 9/ 84.
المأبون [1].
يعني بالمستضعف: عثمان، و بالمداهن: معاوية، و بالمأبون: يزيد لعنه اللّه، و هؤلاء أئمتهم و بهم توسل إلى ما تغلب عليه و صار إلى ما صار إليه، و من كان كما وصفه لم يجز أن يكون خليفة، و إذا كان ذلك كذلك بطلت دعواه، فإن كان صادقا في قوله، فقد أوهن أمر نفسه من حيث أراد أن يتقنه، و هدمه من حيث أراد أن يبنيه، و أقل ما يدخل في ذلك عليه أنه أراد تعجيز أئمته، و في ذلك بيان فساد رأيه و الدليل على فساد عقله و سخفه.
و مات عبد الملك لعنه اللّه بدمشق يوم الخميس، النصف من شوال سنة ست و ثمانين، و كانت ولايته من يوم بويع إلى يوم توفي إحدى و عشرين سنة و شهرا و نصفا، أقام منها تسع سنين يقاتل عبد اللّه بن الزبير، و لم يسلّم عليه بالخلافة إلّا بعد مقتل مصعب، و لم يجتمع له الأمر إلّا بعد مقتل عبد اللّه بن الزبير، و عاش بعد ذلك ثلاث عشرة سنة و أربعة أشهر إلّا سبع ليال، و مات و هو ابن ستين سنة، و قيل: ابن ثلاث و ستين سنة [2].
[1]- شرح نهج البلاغة: 6/ 17، تاريخ دمشق: 37/ 135، البداية و النهاية: 9/ 78، النزاع و التخاصم: 42.
[2]- الطبقات الكبرى: 5/ 235، تاريخ الطبري: 5/ 211، تاريخ بغداد: 10/ 390، تاريخ دمشق: 37/ 163.
ذكر مناقب محمد بن علي و جعفر بن محمد صلوات اللّه عليهما و مثالب من ولّي من بني مروان لعنة اللّه عليهم في أيامهما
[مناقب محمد بن علي و جعفر بن محمد صلوات اللّه عليهما]
كان محمد بن علي صلوات اللّه عليه، أول من اجتمعت فيه ولادة الحسن و الحسين [1]، كانت أمّه أم عبد اللّه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه.
و هو كان أعلم أهل زمانه، و يسمّى باقر العلم، لأنه أول من بقر عنه و تكلم فيه و صنّفه و أخذ عنه و عرف به [2]، و روى ذلك عنه أكابر رواة الشيعة، و المشهورون بالسبق و المنسوبون إلى العلم و الحديث من العامة، ممّن أدرك عصره و لحق منهم أيامه من أكابر التعليم آثروا عنه و سمعوا منه، و كان عندهم و عند من تعقّبهم من بعدهم و عند سائر أهل العلم قدوة فيه، و غاية في الثقة لمن أخذ عنه و فيما يسند إليه.
حتى أن المقطوع من الحديث عندهم عنه يعد موصولا و يذكر مرفوعا، لصدقه عندهم و ثقته، و لأنه لا يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلّا ما ثبت عنه أنه قد قاله، و إن لم يذكر إسناده و يسم من روى عنه ذلك، و حجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حجة الوداع لم يروها الناس على التمام بما جاء فيها من السنن و الأخبار، إلّا عنه عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، حتى لقد بسّط بعض المتأخرين منهم ما ذكر فيها من الفرائض
[1]- سر السلسلة العلوية: 33/ المجدي: 94.
[2]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 320، تفسير القرطبي: 1/ 446، البداية و النهاية: 9/ 339، سير أعلام النبلاء: 4/ 402.
و السنن و شرح ذلك و بيّنه فكمل عنه كتاب كبير [1].
و كان جابر بن عبد اللّه سأل عن ولد ولد الحسين، هل ولد فيهم من اسمه محمد؟
إلى أن مرّ يوما و قد كفّ بصره بباب علي بن الحسين، و خادمة تدعو محمدا عليه و على آبائه أفضل الصلاة: يا محمد.
فقال لقائده: أ ليست هذه دار علي بن الحسين عليه السّلام؟
قال: نعم.
فقال للخادمة: و من محمد هذا الذي دعوت به؟
قالت: محمد بن علي بن الحسين عليهم السّلام.
قال: قرّبيه مني.
فقرّبته منه و هو صبي فضل يلتزمه و يمرّغ وجهه عليه و يقبّل يديه و رجليه و يقول:
يا ابن رسول اللّه جدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقرؤك السلام.
فقيل لجابر في ذلك، فقال: رأيت الحسين بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «يا جابر إنك ستعيش حتى تدرك ولد ولد هذا، يقال له محمد الباقر، يهب اللّه له النور و الحكمة فاقرأه مني السلام» [2].
و له يقول القرظي:
[1]- الكتب الشارحة لحجة الوداع كثيرة منها: كتاب حجة الوداع لابن حزم الفارسي (ت 456)، كتاب خطبة الوداع لابي العباس نصر بن خضر الاربلي الشافعي (ت 619)، شارع النجاة في حجة الوداع لتقي الدين المقريزي (ت 845)، الاطلاع على حجة الوداع لإبراهيم بن عمر البقاعي: (ت 885)، و غيرها من المصادر الكثيرة.
[2]- سر السلسلة العلوية: 32، تاريخ ابن الخشاب: 183، مختصر تاريخ دمشق: 23/ 78، مطالب السئول: 2/ 106.
يا باقر العلم لأهل الهدى * * * و خير من لبّى على الأجبل [1]
و له يقول مالك بن أعين الجهني:
إذا طلب الناس علم القرآن * * * لكانت قريش عليه عيالا
و إن قيل هذا ابن بنت النبي * * * رأيت لذلك فرعا طوالا
نجوم تهلل للمدلجين * * * جبال تورث علما جبالا [2]
و روي عن عبد اللّه بن عطاء المكي أنه قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، و لقد رأيت الحكم بن عيينة بين يديه كأنه صبي متعلم [3].
و قيل: إن هشام بن عبد الملك حج فدخل المسجد الحرام و هو يتكئ على سالم مولاه، فنظر سالم إلى محمد بن علي عليه السّلام و هو جالس في المسجد فقال لهشام: يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين.
فقال له هشام: المفتون به أهل العراق.
قال: نعم.
قال: اذهب فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس و يشربون يوم القيامة إلى أن يفصل بينهم؟
فذهب إليه سالم و قال ذلك له.
فقال له محمد بن علي عليه السّلام: «يحشر الناس يوم القيامة على مثل قرصة تقي،
[1]- سر السلسلة العلوية: 33، الأئمة الاثنا عشر: 81، تاريخ دمشق: 54/ 271، عمدة الطالب: 195.
[2]- سر السلسلة العلوية: 33، تاريخ دمشق: 54/ 271، سير أعلام النبلاء: 4/ 404، معجم الشعراء للمرزباني: 268.
[3]- حلية الاولياء: 3/ 186، تاريخ دمشق: 54/ 278، البداية و النهاية: 9/ 340.
فيها الأنهار مفجرة فيأكلون منها و يشربون- و تلى قوله اللّه عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ [1] قال: فيجعل اللّه عزّ و جلّ معاشهم من تلك الأرض يأكلون منها إلى أن يفصل بينهم».
فرجع سالم إلى هشام فأخبره، فقال: اللّه أكبر، و ضحك و رأى أنه قد ظفر.
و قال لسالم: ارجع إليه و قل له: إنما في هول يومئذ ما يشغل عن الطعام و الشراب؟
فرجع إليه بذلك فقال له محمد بن علي عليه السّلام: «هم في النار أشدّ شغلا منهم يومئذ، فما شغلهم ذلك عن أن قالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [2] و إن أكلوا فيها الضريع و الزقوم و أشربوا المهمل و الحميم، إن ابن آدم خلق أجوف لا بدّ له من الطعام».
فرجع سالم إلى هشام فأخبره، فأطرق و لم يحر جوابا [3].
و قال محمد بن المنكدر: ما كنت أظن أني أرى مثل علي بن الحسين عليه السّلام حتى رأيت ابنه محمدا، و لقد لقيته مرّة فأردت أن أعظه فأوعظني، قيل له: و كيف ذلك؟
قال: لقيته و قد أقبل من بعض أمواله في يوم شديد الحرّ في الهاجرة، و هو بين عبدين له يعتمد عليهما، و كان رجلا بدينا ثقيلا و قد تعب و عرق، فاستعظمت ما رأيته منه و قلت في نفسي: و اللّه لأعظنّه، فواجهته فسلمت عليه فردّ عليّ و هو منبهر و قد تصبب عرقا، فقلت: أصلحك اللّه شيخ من أشياخ قريش في مثل هذه الساعة تحل نفسك هذه المحل في طلب الدنيا، أ رأيت لو جاءك الموت و أنت على هذه الحال؟
[1]- سورة إبراهيم: 48.
[2]- سورة الأعراف: 50.
[3]- تاريخ دمشق: 54/ 279، سير أعلام النبلاء: 4/ 405.
فقال: «لو جاءني و أنا على هذه الحال لجاءني و أنا على طاعة اللّه، أكفّ بها نفسي عن الناس، و إنما كنت أخاف أن لو جاءني الموت و أنا على معصية من معاصي اللّه».
قلت: رحمك اللّه أردت أن أعظك فوعظتني [1].
و قيل: إن أبا هاشم ابن محمد بن الحنفية وقف على أبي جعفر محمد بن علي عليه السّلام و هو في مسجد المدينة و الناس حوله يستمعون منه، فحسده، فشتمه و شتم أباه علي بن الحسين عليه السّلام و قال: تدّعون وصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالأباطيل و الكذب.
فأقبل إليه أبو جعفر غير مكترث فقال: «قل ما بدا لك أنا ابن فاطمة و أنت ابن الحنفية».
و وثب الناس إلى أبي هاشم، فرموه بالحصى و النعال حتى أخرجوه من المسجد.
و توفي محمد بن علي عليه السّلام سنة أربع عشر و مائة، في زمن هشام بن عبد الملك، و هو ابن ثمان و خمسين سنة [2].
[زيد بن علي]
و كان أخوه زيد بن علي بن الحسين قد قام على هشام فنهاه محمد عن ذلك و قال له: «احذر أن تكون المصلوب غدا بالكناسة» فلم يقبل منه.
فقال محمد بن علي: «إنما مثل القائم من أهل البيت قبل أوان قيام مهديّنا، بمنزلة فرخ طائر طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان يتلاعبون به».
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 332.
[2]- التاريخ الصغير للبخاري: 1/ 309، اكمال الكمال: 1/ 173، تاريخ دمشق: 54/ 273.
و كان كما قال فيه، و حذّره صلوات اللّه عليه [1].
[1]- هذا ينافي ما ورد في زيد الشهيد، فقد قال له أبوه الامام السجاد و أخوه الامام الباقر و ابن أخيه الامام الصادق عليهم السّلام: «اعيذك باللّه أن تكون المصلوب بالكناسة»، مقاتل الطالبيين: 89، الكافي: 1/ 357، أمالي الصدوق: 94 ح 72.
و أجاب المحدث الخزاز القمي عن ذلك قائلا:
إن زيد بن علي خرج على سبيل الامر بالمعروف و النهي عن المنكر لا على سبيل المخالفة لابن أخيه جعفر بن محمد عليهم السّلام، و انما وقع الخلاف من جهة الناس، و ذلك أن زيد بن علي لما خرج و لم يخرج جعفر بن محمد توهم من الشيعة أن امتناع جعفر كان للمخالفة، و انما كان لضرب من التدبير، فلما رأى الذي صاروا للزيدية سلفا قالوا: ليس الامام من جلس في بيته و أغلق بابه و أرخى ستره، و انما الامام من خرج بسيفه يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، فهذا كان سبب وقوع الخلاف بين الشيعة، و أما جعفر و زيد فما كان بينهما خلاف، و الدليل على صحة قولنا:
قول زيد بن علي: من أراد الجهاد فإلي و من أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر. و لو ادعى الامامة لنفسه لم ينف كمال العلم عن نفسه، إذ الامام أعلم من الرعية.
و من المشهور قول جعفر عليه السّلام: «رحم اللّه عمي زيدا لو ظفر لوفى، انما دعى الى الرضا من آل محمد (ص) و أنا الرضا».
و تصديق ذلك ما حدثنا به ... عن المتوكل بن هارون قال: لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه و هو متوجه إلى خراسان، فما رأيت رجلا في عقله و فضله، فسألته عن أبيه عليه السّلام فقال: انه قتل و صلب بالكناسة. ثم بكى و بكيت حتى غشي عليه، فلمّا سكن قلت له: يا ابن رسول اللّه و ما الذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغية، و قد علم من أهل الكوفة ما علم؟ فقال: نعم لقد سألته عن ذلك فقال: سمعت أبي يحدث عن أبيه الحسين بن علي قال: «وضع رسول اللّه (ص) يده على-
و كان سبب قيام زيد على هشام، أنه طلبه و أمر بالقبض عليه، و ذلك لمّا عزل خالد بن عبد اللّه القسري عن الكوفة و أخذه يوسف بن عمر بمكة، و اتهمه أن يكون عنده مال خالد و أخذ معه داود بن علي، ففي ذلك يقول كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي:
يأمن الطير و الحمام و لا يأ * * * من أهل النبي عند المقام
طبت بيتا و طاب أهلك أهلا * * * أهل بيت النبي و الإسلام
رحمة اللّه و السلام عليكم * * * كلما قام قائم بسلام
حفظوا خاتما و جر رداء * * * و أضاعوا قرابة الأرحام
ثم أطلقه يوسف بن عمر، فغضب له الشيعة فأتوه فسألوه القيام، فقام معهم و قال:
ليس الإمام إلّا من أشهر سيفه و قام بأمر اللّه، لا من قعد في بيته و أغلق عليه بابه [1].
يعني أبا جعفر عليه السّلام، إذ قد علم أنه الإمام و علم ذلك شيعته، فلبس عليهم بهذا القول، و لو تدبروه لعرفوا فساده، و قد أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صدرا من نبوته لا يقاتل أحدا، و أقام كذلك علي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و من بعده من الأئمة من ولده ألّا يقاتلون في غير حال الإمكان، و في هذا وجوه يطول ذكرها، و في هذا القول كفاية منها إن شاء اللّه.
- صلبي فقال: يا حسين يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يقتل شهيدا، فاذا كان يوم القيامة يتخطى هو و أصحابه رقاب الناس و يدخل الجنة» فاحببت أن أكون كما وصفني رسول اللّه (ص). ثم قال: رحم اللّه أبي زيدا كان و اللّه أحد المتعبدين، قائم ليله صائم نهاره يجاهد في سبيل اللّه عزّ و جلّ حق جهاده. فقلت: يا ابن رسول اللّه هكذا يكون الامام بهذه الصفة؟ فقال: يا أبا عبد اللّه ان أبي لم يكن بامام و لكن كان من سادات الكرام و زهادهم، و كان من المجاهدين في سبيل اللّه ... راجع: كفاية الاثر: 308.
[1]- تاريخ دمشق: 19/ 467، شرح نهج البلاغة: 15/ 256.
و قيل: لمّا استفحل أمر زيد بن علي و اتبعه أكثر الشيعة، و خاف محمد عليه السّلام أن تكون من ذلك فتنة و فسادا في الدين، تقدم إلى رجل من المؤمنين كان وثق به في أن يصير إليه أمره بما يعمل به، فصار إليه ذلك الرجل و دخل في جملته و احتفل يوما عنده أصحابه، فانتدب ذلك الرجل إليه و قال له: يا ابن رسول اللّه هذا الأمر الذي دعوت إليه من قيامك و نصرتك أوصى أبوك إليك فيه و أقامك إماما من بعده؟
قال: لا، و معاذ اللّه أن أقول عليه ما لم يقله، و لكن الإمام منّا من شهر سيفه و قام بأمر الإمامة، لا من قعد في بيته و أرخى عليه ستره.
قال له الرجل: فإن لم يقم أحد لم يكن منكم إمام، و إن قام منكم جماعة يكونون كلهم أئمة؟
فسكت و لم يحر جوابا، و علم من حضر فساد قوله.
ثم قال له الرجل: إن أخاك أبا جعفر أخبرنا أن أباكما عهد إليه و أقامه من بعده مقامه.
قال له زيد: لو قد فعل ذلك أبي لكان أطلعني عليه، و اللّه لقد كان ينفض المخ من العظم، فإذا رآه حارا نفخ عليه يبرّده ثم يطعمني إياه، و هو يتّقي عليّ من حرّ المخ و لا يتقي عليّ من حرّ النار فيخبرني أنه عهد إلى أخي بيعته و يطلع على ذلك شيعته؟
قال له الرجل: فما بال يعقوب قال ليوسف: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، يحذّره من أخوته و كتم أمره عنهم، و لم يكتم ذلك و لا حذّره من الناس؟
فسكت زيد و لم يحر جوابا و انتهر الرجل.
فعلم فساد دعواه أهل البصائر من الشيعة فافترقوا عنه [1].
[1]- مناقب آل أبي طالب: 1/ 223، و قال الشيخ المفيد: اعتقد فيه كثير من الشيعة الامامة، و كان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمد (ص) فظنوه يريد-
و قيل: بل كان ذكر لهم أنه عن أمره قام، و أنه أمره بالقيام و دعا إليه فاتبعوه، فسئل بعد ذلك و قد اجتمعت إليه الشيعة عن أبي بكر و عمر فتولّاهما، فافترقت الشيعة عليه فرقتين: فرقة أقاموا معه على ما قال فسمّوا الزيدية، و فرقة فارقوه و رفضوا أمره فسمّوا الرافضة [1].
و غلب عليه هشام فقتل و صلب و أحرق بالنار، و كان قتله يوم الإثنين لليلتين خلتا من صفر سنة [اثنين] [2] و عشرين مائة. و هو ابن اثنين و أربعين سنة [3].
[عبقات من جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام]
و أمّا جعفر بن محمد بن علي صلوات اللّه عليه فصار أمر الإمامة إليه عن أبيه عليه السّلام، و هو أبو عبد اللّه.
و روى للناس الفقه و الحديث عن أبيه، و سمع الناس منه و أخذوا عنه و عن أبيه، و ممّن أخذ عنه من أكابر فقهاء العامة [4]، و لقيه أبو حنيفة النعمان بن ثابت صاحب الرأي الكوفي، و مالك بن أنس فقيه أهل المدينة، و سفيان الثوري، و شعبة، و سفيان
- بذلك نفسه، و لم يكن يريدها له لمعرفته عليه السّلام باستحقاق أخيه للامامة من قبله و وصيته عند وفاته إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام ... و لمّا قتل بلغ ذلك من أبي عبد اللّه عليه السّلام كل مبلغ و حزن عليه حزنا عظيما حتى بان عليه، و فرّق من ماله على عيال من اصيب معه من أصحابه ألف دينار.
الارشاد: 2/ 172- 173.
[1]- الانساب للسمعاني: 3/ 188، عمدة الطالب: 257.
[2]- في المخطوط: (ثمانية) و الظاهر أنها تصحيف، و ما أثبتاه من المصادر.
[3]- الطبقات الكبرى: 5/ 326، سر السلسلة العلوية: 59، تاريخ دمشق: 19/ 456 و 479.
[4]- قال الشيخ المفيد: إن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. الارشاد: 2/ 179.
بن عيينة، وحي بن صالح، و أيوب السجستاني، و عمرو بن دينار، و كثير من علماء الأمصار [1].
و كان عالما، ورعا، فاضلا، لا ينكر فضله، و لا يجهل مقامه.
و قيل: إن أبا حنيفة [2] استأذن عليه يوما ليسمع منه، فخرج إليه يتوكأ على عصى، فقال له أبو حنيفة: ما بلغت من السن يا أبا عبد اللّه ما تحتاج معه إلى عصى.
قال: «هو كذلك، و لكنها عصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أردت أن أتبرك بها».
قال أبو حنيفة: و اللّه لو علمت أنها عصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لقبّلتها.
فنظر إليه أبو عبد اللّه عليه السّلام ثم حسر له عن ذراعه و أومى إليه فقال: «و اللّه لقد علمت أن هذا من شعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هذا من بشره فما قبّلته، فتقبّل عصاه؟»
فعلم أبو حنيفة أنه قد أخطأ في قوله: لو علمت أنها عصى رسول اللّه، بعد أن أخبره أنها عصاه، و قام فأهوى إلى يده يريد أن يقبّلها، فضمها إليه أبو عبد اللّه عليه السّلام و قام فدخل بيته و لم يسمعه يومئذ شيئا [3].
و قيل: إن مالك بن أنس كان إذا قال: حدّثني الثقة، فإنما يريد جعفر بن
[1]- انظر: التاريخ الكبير: 2/ 198 ترجمة 2183، حلية الاولياء: 3/ 199، تهذيب التهذيب: 2687 ترجمة 521، صفة الصفوة: 2/ 174، و قال كمال الدين ابن طلحة الشافعي: و عدّوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها و فضيلة اكتسبوها. مطالب السئول: 2/ 110.
[2]- هو النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، مولى تيم اللّه بن ثعلبة الكوفي، أحد الأئمة الاربعة، صاحب الرأي و القياس، ولد بالكوفة سنة 80 هجرية، عاصر بعض معمري الصحابة، رفض أن يكون قاضيا للمنصور، فسجنه و عذبه و مات في السجن سنة 150 هجرية، و قبره معروف ببغداد. الجرح و التعديل: 8/ 449، تهذيب الكمال: 29/ 417، سير أعلام النبلاء: 6/ 390.
[3]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 372.
محمد عليه السّلام [1].
و قيل: إن سفيان الثوري قال له يوما و قد تكلم بكلام أعجب سفيان فقال: هذا و اللّه يا ابن رسول اللّه الجوهر.
فقال له أبو عبد اللّه: «و اللّه خير من الجوهر، و هل الجوهر إلّا حجر» [2].
و سأله الحسن بن صالح بن حي يوما فقال: يا ابن رسول اللّه ما تقول في قول اللّه:
أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [3] من أولو الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم؟
فقال: «العلماء».
فلمّا خرج من عنده قال لمن كان معه من أصحابه: ما صنعنا شيئا فارجعوا.
فرجعوا معه فقال له: يا ابن رسول اللّه من هؤلاء العلماء؟
قال: «الأئمة منّا أهل البيت» [4].
فعلى مثل هذا روت العامة كثيرا ممّن كان يفتي فيه بمجمل من القول على التقية، فيحمله من حمله عنه على ظاهر قوله، كقوله الأول للحسن بن صالح بن حي.
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 372، و قال مالك بن أنس: كنت أرى جعفر بن محمد و كان كثير الدعابة و التبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلّى اللّه عليه و آله اخضرّ و اصفرّ، و لقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلّا على ثلاث خصال: إما مصليا و إما قائما و إما يقرأ القرآن، و ما رأيته يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلّا على طهارة ... أمالي الصدوق: 234 ح 3.
و قال ابن حجر: قال يحيى بن معين: إذا حدّث عن جعفر بن محمد الصادق فحديثه مستقيم. لسان الميزان: 6/ 60.
[2]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 373.
[3]- سورة النساء: 59.
[4]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 373.
و قال يوما لأبي حنيفة- أي نعمان-: «ما الذي تعتمد عليه فيما تفتي به؟»
قال: كتاب اللّه و سنّة رسوله.
قال: «فما لم تجده نصّا في ذلك؟»
قال: أقيسه على ما وجدته فيه.
قال: «ويحك يا نعمان إن أول من قاس إبليس فأخطأ قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* [1] فرأى أن النار أشرف من الطين، و أن الفاضل لا يسجد للمفضول، و كان في قياسه هلاكه، ما تقول يا نعمان أيهما أطهر، البول أم المني؟»
قال: المني.
قال: «فكيف جعل اللّه في البول الوضوء و في المني الغسل و هو أطهر؟ هل يحسن هذا في القياس؟ و أيهما أعظم الزنا أم قتل النفس؟»
قال: قتل النفس.
قال: «و قد جعل اللّه في قتل النفس شاهدين و في الزنا أربعة، و كان القياس أن يكون الأربعة في القتل؟ و أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟»
قال: الصلاة.
قال: «فقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الحائض أن تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟»
فسكت أبو حنيفة و لم يحر جوابا [2].
و قال يوما لابن أبي ليلى و قد جلس إليه: «أ تقضي بين الناس يا عبد الرحمن؟»
قال: نعم يا ابن رسول اللّه.
قال: «بما ذا تقضي؟»
قال: بكتاب اللّه.
[1]- سورة الأعراف: 12.
[2]- حلية الاولياء: 3/ 196، المجدي: 94.
قال: «فما لم تجده في كتاب اللّه؟»
قال: ألتمسه في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
قال: «فما لم تجده فيها؟»
قال: آخذه بقول الصحابة.
قال: «بقول أيهم؟»
قال: يقول من رأيته منهم.
قال: «و إن اختلفوا؟»
قال: نعم.
قال: «فهل تخالف شيئا ثابتا عن علي عليه السّلام؟»
قال: ربّما فعلت ذلك إذا رأيته في قول غيره.
فسكت أبو عبد اللّه مليّا ثم قال: «يا عبد الرحمن فما يكون جوابك إذا أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم القيامة بيدك و وقفك بين يدي ربّك فقال: أي رب إن هذا بلغه عنّي قول فخالفه».
فقال: يا ابن رسول اللّه و كيف أخالف قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟
قال: «أ فلم يبلغك عنه أنه قال: أقضاكم علي؟»
قال: نعم.
قال: «فإذا خالفته أ فليس قد خالفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟»
فلم يحر ابن أبي ليلى جوابا [1].
و حج جعفر بن محمد عليه السّلام فجلس في مسجد منى، و قد احتفل و تحلق الناس فيه يتناظرون في العلم، فلمّا رأوه تقوضت إليه الحلق و أحاطوا به، و جاء ابن شبرمة فلم يصل إليه، فنادى من وراء الناس: يا ابن رسول اللّه أنا ابن شبرمة، هل لي أن أسألك؟
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 313
قال: «سل عمّا بدا لك»، و سكت الناس.
فقال: إني أقضي بين الناس بما وجدت في كتاب اللّه، فما لم أجده فيه التمسته في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فما لم أجده فيها آخذ بقول الصحابة، فما لم أجده قسته على ما وجدته.
قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: «فبأي أصحاب رسول اللّه تريد أن تقتدي؟»
فقال: و اللّه إني لأحب أن أقتدي بعلي بن أبي طالب عليه السّلام.
قال: «فإن علي بن أبي طالب عليه السّلام يأبى عليك القياس».
و قال سفيان الثوري: ما رأيت مثل جعفر بن محمد عليه السّلام، إنّا عنده يوما نستمع منه و كأن وجهه قمر، فسمع صيحة في داره فقال: «لا حول و لا قوة إلّا باللّه» و قام عنّا و قال: «أثبتوا مكانكم».
فأقام ساعة و هدأ الصوت، ثم خرج إلينا فأنكرنا وجهه، قلت: أ لا خير يا ابن رسول اللّه.
قال: «كل ما جاء من عند اللّه فهو خير، لي ولد صغير كانت تحمله جارية فسقط من يدها عن السطح فمات و تنحت الجارية، و اللّه ما بي إلّا ذعرها».
فقيل له: قد ظهرت يا ابن رسول اللّه.
قال: «قولوا لها: لا عليك أنت حرّة لوجه اللّه، و لك مثل ما ثمنك ألف و سبعمائة درهم».
فتعجبنا من ذلك و قلنا: قد كانت بالعقوبة أحق!
قال: «كلّا إنّا لا نؤاخذ بما لم تتعمده، و ما عمدت لذلك، و قد خافت منّا فحقيق علينا أن نؤمن خوفها و نحسن إليها، و جميع ما نحن فيه عواري من اللّه عندنا، يمتعنا بما يشاء من ذلك و يرتجع منه ما يشاء، و حمده و شكره واجب علينا فيما أمتع و ارتجع».
قال سفيان: فقلت اللّه أعلم حيث يجعل رسالته [1].
و لمّا قتل داود بن علي المعلى بن خنيس و أخذ ماله، أتاه جعفر بن محمد عليه السّلام فقال: «قتلت مولاي و أخذت مالي».
قال: ما قتلته.
قال: «و من قتله؟»
قال: هذا، و أومى إلى شرطي بين يديه.
فهمّ به جعفر بن محمد عليه السّلام، فجعل الشرطي يقول: تأمرني بقتل الرجل فإذا قتلته بأمرك قلت: هو قتله؟
و دار بين جعفر بن محمد عليه السّلام و داود بن علي كلام، فقام جعفر بن محمد عليه السّلام عنه و هو يقول: «و اللّه لأدعون اللّه عليك».
فقال داود: يهددنا بدعائه.
فقام جعفر بن محمد عليه السّلام ليلته تلك قائما و ساجدا و داعيا، و سمع يقول في دعائه: «يا ذا القوة المتين، و يا ذا المحال الشديد، و يا ذا العزّة التي كل خلقك لها ذليل، عجّل أخذك لداود و انتقامك منه».
فما أصبح حتى سمع الهائعة على داود، فإذا به قد مات تلك الليلة [2].
و سعي بجعفر بن محمد عليه السّلام إلى أبي الدوانيق و أوغر [3] عليه صدره، فقال للربيع حاجبه: يا ربيع أتني بجعفر، قتلني اللّه إن لم أقتله.
فأحضره فلمّا قرب منه دعا بدعاء ثم دخل عليه فقال له: يا جعفر حاولت الفتنة و أردت سفك دماء المسلمين، تلحد في سلطاني و تبغني الغوائل.
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 395.
[2]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 357.
[3]- أوغرت صدره: أي حميته من الغيظ. لسان العرب: 5/ 287.
فقال له جعفر بن محمد عليه السّلام: «يا أمير المؤمنين ما فعلت و لا أردت، فإن بلغك ذلك فمن كاذب- ثم قال-: و لو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر، و ابتلي أيوب فصبر، و أعطى سليمان فشكر، و هؤلاء أنبياء اللّه و إليهم يرجع نسبك».
قال: أجل ارتفع هاهنا.
فرفعه إليه و أجلسه على فراشه إلى جانبه، ثم دعا برجل فقال: أ لست القائل في هذا كذا و كذا.
قال: نعم.
قال: و أنت سمعت ذلك منه أو بلغته.
قال: بل سمعته.
قال: أ فتحلف على ذلك؟
قال: نعم.
ثم ابتدأ يحلف باللّه الذي لا إله إلّا هو.
فقال جعفر عليه السّلام: «دعني أحلّفه يا أمير المؤمنين، فإن العبد إذا مجّد اللّه و وحّده استحى أن ينتقم منه و إن كذب».
قال: استحلفه كيف شئت.
قال له جعفر عليه السّلام: قل: «برئت من حول اللّه و قوته و أسلمت إلى حولي و قوتي إن لم يكن جعفر بن محمد قال كذا و كذا».
فقال الرجل ذلك، فما برح من مكانه حتى صرع ميتا.
فقال أبو الدوانيق: خذوا برجله لعنه اللّه، فجرّوه.
فلمّا انصرف أبو عبد اللّه عليه السّلام لحقه الربيع فقال له: يا ابن رسول اللّه رأيتك لمّا دخلت عليه حرّكت شفتيك، و أحسب أنك دعوت، فعلمني ما دعوت به.
فقال: «دعوت بدعاء جدي الحسين بن علي عليه السّلام: يا عدّتي عند شدّتي، و يا
غوثي عند كربتي احرسني بعينك التي لا تنام، و اكفني برحمتك التي لا ترام» [1].
و أرسل إليه أيضا في شيء بلغه عنه فأتاه، فلمّا دخل عليه حرّك شفتيه فرآه فقال:
ما قلت؟
قال: «يا أمير المؤمنين قلت: اللهم إنك تكفيني من كل شيء، و لا يكفيني منك شيء، فاكفنيه يا كافي كل شيء».
قال له أبو الدوانيق: لا و اللّه مثلك يترك.
فقال له أبو عبد اللّه: «يا أمير المؤمنين قد بلغت سنّا من الكبر لم يبلغه أحد من آبائي في الإسلام، ما أرى أصحبك إلّا قليلا، و ما أرى هذه السنة تتم لي».
قال: فإن بقيت.
قال: «ما أراني أبقى».
فرّق له فخلى سبيله، فمات في تلك السنة [2].
و كان موته سنة ثمان و أربعين و مائة، و هو ابن ثمان و ستين سنة [3].
و قال فيه بعض الشعراء يرثيه:
يا عين ابك جعفر بن محمد * * * زين المشاعر كلها و المسجد [4]
ثم قال فيه مالك بن أعين الجهني يرثيه:
[1]- صفة الصفوة: 2/ 96، كفاية الطالب: 455، تذكرة الخواص: 309، الفصول المهمة: 225.
[2]- كشف الغمة: 2/ 379، و في مقاتل الطالبيين 184: لقى جعفر بن محمد أبا جعفر فقال: اردد عليّ عين أبي زياد آكل من سعفها. قال: إياي تكلم بهذا الكلام؟ و اللّه لازهقن نفسك. قال: لا تعجل قد بلغت ثلاثا و ستين، فيها مات أبي و جدي علي بن أبي طالب، فعليّ كذا و كذا إن آذيتك بشيء أبدا و إن بقيت بعدك إن آذيت الذي يقوم مقامك. فرّق له و أعفاه.
[3]- تاريخ ابن الخشاب: 29، سر السلسلة العلوية: 34، مشاهير علماء الامصار: 206 ح 997.
[4]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 397.
فيا ليتني ثم يا ليتني * * * شهدت و إن كنت لم أشهد
فآسيت في بثه جعفرا * * * و ساهمت في لطف العود
فإن قيل نفسك قلت الفدا * * * و كف المنية بالمرصد
عشية يدفن فيك الندى * * * و غرة زهر بني أحمد [1]
[مثالب]
[خلافة الوليد بن عبد الملك]
و ولي بعد عبد الملك بن مروان ابنه الوليد بن عبد الملك لعنه اللّه، و كان قبيح الفعل، خبيث الولاية، بذيء اللسان سفيها، و ذكره الواقدي فقال: كان جبارا عنيدا، و هو أول من غيّر مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن بنائه الذي بناه، و ذلك في صفر سنة ثمان و ثمانين، و كان قد ولّى عمر بن عبد العزيز المدينة، فكتب إليه يأمره بهدم مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هدم بيوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله التي كان فيها أزواجه و إدخالها في المسجد و إدخال ما يليها من الدور، حتى تكون مائتي ذراع في مائتي ذراع.
و أمره أن يقدّم القبلة، و أمره أن يعرض على أهل الدور التي تلي المسجد ببيعها، فإن باعوها منه و إلّا أكرههم و أعطاهم قيمتها، ففعل ذلك عمر.
و كتب الوليد إلى ملك الروم يستعينه في بناء مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله، و يخبره أنه قد هدّمه، ففرح بذلك ملك الروم و أرسل إليه مائة ألف دينار و مائة عبد يعملون، و أرسل إليه من الفسيفساء أربعين جملا.
و أمر بأن يتتبع ما في المدائن التي خرّبت، و يوجه بما وجد منها إلى الوليد، و أعجبه تغيير مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هدمه، و أن يكون بناءه بماله و رجاله، ليرى الناس أنه أهل له، فأرسل ذلك الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فبنى به مسجد
[1]- مناقب آل أبي طالب: 3/ 397، تهذيب الكمال: 5/ 97.
النبي [1].
و احتفر الوليد بن عبد الملك بئرا بمكة بين طوى و الحجون، فخرج ماؤها عذبا و ترك الناس زمزم و كانوا يستقون منها، فأخبر بذلك الوليد فكتب إلى خالد بن عبد اللّه القسري و كان قد استخلفه على مكة: أن يخطب الناس و يعرّفهم فضله بذلك.
و خطبهم على المنبر فقال: أيها الناس، أيّهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟
و اللّه لو لم تعلموا فضل الخليفة على الرسول إلّا بما شاهدتموه، إن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه لابنه اسماعيل فسقاه ملحا أجاجا، و استسقاه الخليفة لكم فسقاكم عذبا زلالا.
فأكبر الناس ذلك من قوله، و انتهى إلى الوليد فأعجبه و حمده له، فأصبح الناس يوما إلى تلك البئر التي احتفرها الوليد ليستقوا منها، فأصابوها قد غارت و هوت و ارتدمت، فلم يدر أين مكانها إلى اليوم [2].
و أبقى الوليد خالدا بن عبد اللّه القسري على مكة إلى أن هلك الوليد لم يعزله، و لا أنكر عليه ما قاله فيه من تفضيله على النبيين، لعنهما اللّه و من والاهما من الناس أجمعين [3].
[1]- الاخبار الطوال: 327، تاريخ الطبري: 5/ 223، تاريخ ابن خلدون: 3/ 60.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 225، الكامل في التاريخ: 4/ 205، البداية و النهاية: 9/ 92.
[3]- قال ابن الاثير في كامله 5/ 280: و كانت أم خالد نصرانية رومية، ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها خالدا و أسدا، و لم تسلم، و بنى لها خالد بيعة فذمّه الناس و الشعراء، و من ذلك قول الفرزدق:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية * * * أتتنا تهادى من دمشق بخالد
-
و كان خالد بن عبد اللّه يخطب على منبر مكة فيقول: و اللّه لا أوتي بأحد يطعن على أمير المؤمنين- يعني الوليد لعنه اللّه- إلّا صلبته في الحرم، و لا تقولوا كيت و كيت، إنه لا رأى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلّا أمضاه، و بلغني أن قوما من أهل الخلاف يأتون مكة فينزلون عند بعض أهلها، و لا أوتي بأحد نزل عنده أحد من أهل الخلاف إلّا هدّمت منزله، فانظروا من تنزلونه [1]. و ذلك أن الحجاج كان أشار بولايته، فنظر إلى كل من هرب من العراق من الحجاج فأخرجهم من مكة و وجّه بهم إليه.
و كان فيمن وجّه إليه سعيد بن جبير، فقال الحجاج: لعن اللّه ابن النصرانية- يعني خالدا- أ ترى أني لم أعرف مكان سعيد بمكة؟ و اللّه لقد عرفت ذلك، و عرفت الدار التي كان بها.
و كان كره قتله فقتله الحجاج، و لم يلبث بعده إلّا نحوا من أربعين يوما لم ينم فيها، كان إذا نام رآه آخذا بمجامع ثيابه يقول: لم قتلتني يا عدو اللّه.
فينتبه فيقول: مالي و لسعيد بن جبير [2].
و حج الوليد سنة إحدى و تسعين، فأكرم خالدا و عظم حرمته، و توجه إلى المدينة و مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يبنى، فأمر بإخراج من فيه و دخل وحده مع عمر بن عبد العزيز ينظر إلى عمله، و كان في المسجد سعيد بن المسيب، فلم يقم إليه و لم يخرج فيمن خرج، فجعل عمر بن عبد العزيز ينكب به عنه لئلّا يراه، إلى أن حانت من
-
فكيف يؤم الناس من كان أمّه * * * تدين بأن اللّه ليس بواحد
بنى بيعة فيها النصارى لأمّه * * * و يهدم من كفر منار المساجد
.
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 243.
[2]- الاخبار الطوال: 329، تاريخ الطبري: 5/ 262- 263، البداية و النهاية: 9/ 115، تهذيب الكمال: 10/ 373.
الوليد التفاتة فرآه فقال: من هذا؟ لعله سعيد.
فقال عمر بن عبد العزيز: هو يا أمير المؤمنين، و من حاله و حاله، و جعل يطريه و قال: هو ضعيف البصر، و لو رآك لأتاك و سلّم عليك.
و مشى الوليد حتى وقف عليه و سلّم عليه و سأله عن حاله.
فقال: أنا بخير و الحمد للّه ربّ العالمين.
و لم يقم إليه و لا حفل به، لعلمه بسوء حاله، و قيل له قبل أن يأتيه: هذا أمير المؤمنين فقم إليه.
فقال: لا و اللّه و لا كرامة له.
و خطب الناس بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم جمعة، فخطب الخطبة الأولى جالسا، فقيل له في ذلك.
فقال: كذلك فعل معاوية.
قيل له: فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الخلفاء بعده لم يفعلوه؟
فقال: ما سنّه لنا معاوية اقتدينا به فيه.
و إنما فعل ذلك معاوية لمّا أسنّ و ضعف، و لم يكن له أن يفعل ذلك إلّا أن يخالف سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [1].
و كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد يخبره بما يتصل به عن الحجاج من ظلمه و فسقه و غشّه و ما حلّ بأهل العراق منه و ينصح له فيه، و ذلك أن قوما هربوا من العراق من جوره و نزلوا المدينة، و لم يلتفت إلى قوله، و بلغ الحجاج ذلك، فكتب إلى الوليد: أن من مراق أهل العراق قد لجئوا إلى المدينة و لاذوا بعمر بن عبد العزيز، و أني لا آمنه عليك.
فعزله الوليد عن المدينة و استعمل مكانه عثمان بن حيان، و كان الحجاج هو أشار
[1]- تاريخ اليعقوبي: 2/ 285، تاريخ الطبري: 5/ 245.
به عليه، و هو أشار أيضا عليه بتولية خالد بن عبد اللّه القسري على مكة، على أن عمر ابن عبد العزيز لم يأل الوليد طاعة [1].
و قد كتب إليه في ضرب حبيب بن عبد اللّه بن الزبير، فضربه بالسياط في يوم شات، و صبّ عليه قربة من ماء بارد، و وقفه على باب المسجد حتى كزّ [2] فمات، فما نفعه ذلك عنده و لا أغنى عنه لديه [3].
و صيّر عثمان على من كان وجده من أهل العراق في عمله في جوامع، و بعث بهم إلى الحجاج، و خطب أهل المدينة فتوعّدهم و حذّرهم أن يأوي أحد منهم أحدا من أهل العراق، إلّا عاقبه أشد العقوبة و هدم منزله، و قال في خطبته: و اللّه ما اختبرت أحدا من أهل العراق قط إلّا وجدته يقول في آل أبي طالب ما يقول [4]، يعني يتولاهم.
و كانت ولاية عثمان [على] المدينة سنة أربع و تسعين.
و خرج الوليد يريد الحج، فلمّا كان بوادي القرى جرى بينه و بين أخيه مروان كلام فشتمه الوليد شتما قبيحا تجاوز فيه إليه و أمضه، فأراد مروان أن يردّ عليه فبادر عمر بن عبد العزيز فوضع يده على فيه ليسكته، فقال: ويحك قتلتني رددت غيظي في جوفي.
فما راحوا من وادي القرى حتى دفنوه، و فيه يقول الشاعر:
لقد غادر الركب اليمانون اذ غدوا * * * بوادي القرى جلد الجنان مشيعا
[1]- راجع: تاريخ الطبري: 5/ 256، تاريخ ابن خلدون: 3/ 65.
[2]- الكزاز: بالضم، داء يأخذ من شدة البرد. الصحاح: 3/ 893.
[3]- التاريخ الصغير: 1/ 250، تاريخ الطبري: 5/ 256، شرح نهج البلاغة: 15/ 254، البداية و النهاية: 9/ 103.
[4]- تاريخ الطبري: 5/ 259، تاريخ دمشق: 38/ 344.
فسيروا فلا مروان للقوم إذ غدوا * * * و للركب إذ أمسوا مكلين جوعا [1]
و كان الوليد يوصف بالحمق و الرقاعة [2] و السفه، و هذا من إفراط ذلك فيه أن يكون من تسمّى بالخلافة و ادّعى أمرة المؤمنين، يسفّه على أخيه و يشتم شتما قبيحا يبلغ به الموت.
و مات الحجاج لعنه اللّه في زمن الوليد بدمشق، ثم مات الوليد بدمشق سنة ستة و تسعين، و هو ابن ثمان و أربعين سنة، و كانت ولايته تسع سنين و ثمانية أشهر.
[خلافة سليمان بن عبد الملك]
ثم ولي من بعده سليمان بن عبد الملك، و كان نهما مستهترا بالنساء، همّه بطنه و فرجه، لا يبالي من حيث نال ذلك، و مضى على سيرة من تقدمه من إظهار لعن علي عليه السّلام و سوء السيرة و الاستيثار بأموال المسلمين، و كان معجبا بنفسه، يطري بجماله و كماله [3].
و قيل: إن جارية من جواريه نظرت إليه يوما و هو يراها و هي بين يديه فأدامت النظر، فقال لها: ما تنظرين؟
فأنشأت تقول:
أنت خير المتاع لو كنت تبقى * * * غير أن لا بقاء للإنسان
ليس ممّا علمته فيك عيب * * * كان في الناس غير أنك فان
فلم يعجبه أن نعته إلى نفسه، و غضب و نفض عمامته و انزوى عنها [4].
[1]- نسب قريش: 162، تاريخ دمشق: 57/ 310.
[2]- الرقاعة و الرقيع: الاحمق الذي يتمزق عليه عقله و قد رقع. لسان العرب: 8/ 132.
[3]- راجع: البداية و النهاية: 9/ 204، التنبيه و الاشراف: 275.
[4]- تاريخ الطبري: 5/ 305، تاريخ دمشق: 31/ 296، تهذيب الكمال: 15/ 365.
و قيل: إنه دعا يوم جمعة بثياب ليلبسها و يخرج إلى الجمعة فلم تعجبه، فدعا بغيرها فلم تعجبه، حتى دعا بكثير من الثياب كل ذلك لا يعجبه فردها، إلى أن أتي بثياب خضر من خز بعث بها يزيد بن المهلب فأعجبته فلبسها، ثم أعتم فنظر في المرآة فأعجبته نفسه، فقال لمن كان بحضرته: كيف تروني؟
فقالوا: من أحسن ما رأينا.
فحسر عن ذراعيه و قال: أنا الملك الشاب.
إعجابا بنفسه، و خرج إلى الجمعة فصلى بالناس، و كان آخر جمعة صلاها [1].
و مات يوم الجمعة لعشر ليال مضين من صفر، و كانت ولايته سنتين و ثمانية أشهر إلّا خمسة أيام [2].
و كان سبب موته: أن بعض من كان يهاديه قبل أن يلي قال له لمّا ولّي: لا تقطع عني ما كنت عليه.
قال: فأتيته بزنبيلين: أحدهما فيه بيض مسلوق، و الآخر فيه تين.
فقال: قرّبه إلي و ناولني منه.
قال: فجعلت أقشّر البيضة و أضعها على التينة فيأكلها حتى أتى على جميعه.
و كان ذلك سبب موته، و كان من المنهومين و المعدودين من المستأكلين [3].
قال الشمرذل: مرّ سليمان بن عبد الملك يريد الطائف فدخلت عليه، فقال:
يا شمرذل ويحك أ عندك شيء تطعمني إياه؟
و كنت قد عرفت ذلك منه، فأعددت له فقلت: بلى و اللّه إن عندي لجديا كانت
[1]- الطبقات الكبرى: 5/ 335، تاريخ اليعقوبي: 2/ 299، تاريخ الطبري: 5/ 307، تاريخ دمشق: 10/ 104.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 304، البداية و النهاية: 9/ 209، التنبيه و الاشراف: 275.
[3]- شرح نهج البلاغة: 18/ 399.
تروح عليه بقرة و تغدو أخرى.
قال: أعجل عليّ به.
فأتيته به كأنه عكّة سمن، و كان معه عمر بن عبد العزيز فقال: ادنه يا أبا حفص.
قال: إني صائم.
فأكل وحده حتى أتى على الجدي، فقال: ويحك يا شمرذل ما عندك غير هذا؟
قلت: نعم عندي ست دجاجات كأنهن ريبال النعام.
قال: قرّبهن.
فقربتهن إليه فأتى عليهن، قال: و كان ذلك هو الذي أعددت له.
قال: فقال: ويحك يا شمرذل أ عندك شيء؟
قلت: لا و اللّه إلّا أن عندي جذيذة كأنها قراضة الذهب.
قال: هاتها.
فأتيته منها بعيس يغيب الرأس فيه، فجعل يشرب حتى أتى عليه، ثم تجشأ كأنه صاح في جيب، ثم قال لطباخه: يا غلام أفرغت من غدائنا؟
قال: نعم.
قال: أعرضه عليّ.
فأتاه به قدرا قدرا، و قد وضع بين يديه طبقا مملوءا رقاقا، و أكل من كل قدر عرضها عليه من ثلاث لقم إلى لقمة، و كانت نيفا و ثمانين قدرا، ثم قال: ائذن.
فأتاه أهل مائدته و جلس معهم فأكل كأكل أنهمهم.
و قيل: إنه لم يوجد له ثوب إلّا و فيه أثر الدسم من شدة نهمته، فترك عمر بن عبد العزيز لولده كل ثوب رأي فيه ذلك كان في خزانته، و ضم ما لم يجد ذلك فيه إلى بيت المال، و علم أنه لم يكن يلبسه، و إنما كان ترك لولده من ثيابه ما كان قد لبسه، و هذه من همم الأشرار و أفعال الكفار.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «المؤمن يأكل في معاء واحد و الكافر في سبعة أمعاء» [1].
[خلافة عمر بن عبد العزيز]
و لم يكن له ولد كبير، فلمّا عهد إلى بعض بنيه و هو صغير لم يبلغ، قيل له: إن مثله لا يقوم بهذا الأمر، اعهد إلى عمر بن عبد العزيز، و اجعل العهد بعده ليزيد بن عبد الملك، و كان غائبا.
و قال: إن لم أجعل لبني عبد الملك أمرا يرضيهم لم يتم لعمر معهم ما يريد.
و غضب هشام و أبى أن يبايع عمر، حتى همّوا بقتله، و أظهر عمر بن عبد العزيز كراهة ذلك الأمر و لم يدعه، فلمّا ولّي بعده عمر بن عبد العزيز، أمسك عن لعن علي عليه السّلام و نهى عنه، ورد فدكا لولد فاطمة عليها السّلام.
فقام في ذلك عليه بنو أمية و قالوا: أ تظلم أبا بكر و عمر و من مضى من سلفك؟
فاسترجع ذلك، و كان يغتله و يزيد عليه و يبعث به سرّا إلى ولد فاطمة عليها السّلام فيقسم فيهم [2].
و أظهر التعفف و التورع عمّا كان عليه سلفه، فذهب الناس به و رأوا أنه قد عدل، و كان إذا خلا مع من يأمنه و يثق به ذكر ظلم سلفه و اغتصابهم ما هو في يديه.
فقال له ابنه عبد اللّه يوما: يا أبت فهل برئت من هذا الأمر و رددته إلى أهله من ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟
فقال: يا بني لو فعلت ذلك لقتلت و قتلوا.
[1]- مسند أحمد: 2/ 21، سنن الترمذي: 3/ 173 ح 1878، مصنف ابن أبي شيبة: 5/ 569 ح 2.
[2]- فتوح البلدان: 1/ 36، تاريخ دمشق: 45/ 178- 179، البداية و النهاية: 9/ 225، تهذيب الكمال: 21/ 443.
و تكلم يوما مع شوذب الخارجي فذكر ظلم سلفه، فقال له شوذب: فلم لا تلعنهم و تبرأ منهم؟
فقال له: فمتى عهدك أنت تلعن فرعون و البراءة منه؟
قال شوذب: لا عهد لي بذلك.
قال: أ يسعك ترك ذلك من فرعون و لا يسعني تركه من قومي [1]؟
فرأى أنه جاء بحجة و هذه غاية الجهل بالمناظرة، و شوذب لم يتوسل بفرعون إلى شيء هو في يديه و لا تولاه كما تولّى هذا قومه، و حاز ما اغتصبوه من بعدهم و جلس مجلسهم، و شهادته بالظلم عليهم و هو يتوالاهم و يركن إليهم، شهادة لنفسه بالنار و لهم باللعنة، لأن اللّه يقول: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [2] و قال: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [3].
و قد قيل: إن سيرة عمر بن عبد العزيز إنما حمدت و ذكرت بخير، لما كانت ولايته بعقب ولاة قد بدّلوا أكثر شرائع الدين و سنن الإسلام، و كان الناس معهم من الجور و الظلم و التهاون بحرمات الدين في شيء صغر في جنب ما عاينوه منه، فوصفوه بالورع و النسك.
قالوا: و كيف يكون كذلك من جلد خبيب بن عبد اللّه بن الزبير مائة سوط في يوم بارد ثم صبّ عليه جرة ماء بارد حتى كزّ فمات، فما ودّاه و لا استغفر وليّه من دمه، و ما كان خبيب ممّن لزمه ذلك، و لو لزمه الضرب فكيف يعذّب بمثل هذا العذاب
[1]- الامامة و السياسة: 2/ 135، تاريخ اليعقوبي: 2/ 307، شرح نهج البلاغة: 15/ 255 و 16/ 278.
[2]- سورة هود: 18.
[3]- سورة هود: 113.
المميت [1]؟
قيل: و ممّا يدل على أنه على ما كان عليه من قبله، من سوء الحال الذي حسنت حاله بعدهم عند الناس، أن كثير عزة لمّا بالغ في مدحه قال:
ولّيت فلم تشتم عليّا و لم تخف * * * بريئا و لم تتبع مقالة مجرم [2]
فدل ذلك على أن من كان قبله كانوا يفعلون ذلك، و قد فعلوا أكثر منه، و خالفوا أحكام الدين و تركوا أمر ربّ العالمين، و حكموا بأحكام ملوك العجم، و زعموا أن ذلك من الرأي في الحكم و التدبير، كأن الناس عندهم لا يصلحون على تدبير أحكامه اللّه و سنن رسوله و أنبيائه، و إنما يصلحون على تدبير ملوك الأرض، و هذا من أعظم الرد على اللّه و على رسله، و لو لم يعب عمر فعلهم، لكان أجدر به من أن يعيبهم و يتولاهم.
و قد قيل: إنه لمّا جاء موت الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك قال له: ما كان أحسن رأي الحجاج فيك يا أبا حفص؟
فقال: فهل كان الحجاج يا أمير المؤمنين إلّا منّا أهل هذا البيت [3]، و كفى بمن تولّى الحجاج فيه.
و قيل: إنه لمّا بلغه أن سليمان بن عبد الملك يوصي، جلس على طريق من يدخل إليه، فمرّ به رجاء بن حيوة و هو يريد الدخول إلى سليمان، فقال له: أنشدك باللّه أن تذكرني لهذا الأمر و تشير بي، فو اللّه ما لي عليه طاقة.
[1]- راجع: شرح نهج البلاغة: 15/ 256.
[2]- الطبقات الكبرى: 5/ 394، تاريخ اليعقوبي: 2/ 305، تاريخ دمشق: 5/ 93، البداية و النهاية: 9/ 280.
[3]- شرح نهج البلاغة: 15/ 254.
فقال له رجاء: قاتلك اللّه ما أحرصك عليها [1].
و هذا من أقبح الحرص و أقبح التعريض و الاستخفاف بالرأي.
و استجداه رجل من أهل بيته و ذكر له دينا فادحا لزمه، و عيالا كثيرا له، فاعتل عليه و لم يأمر له بشيء.
فقال له الرجل: فهلّا اعتللت على عبد اللّه بن الحسن؟
فقال له: و متى شاورتك؟
قال له الرجل: أو مشير تراني؟
قال: أو هل أعطيته إلّا بعض حقه؟
قال: و لم قصرت به عن كله؟
فأمر بإخراجه و أقصاه و حرمه و كان آخر عهده به [2].
و ولى عبد الرحمن بن عبد اللّه القشيري أحد بني الأعور الخراج بخراسان، و ولى عبد الرحمن بن النعيم الصلاة و الحرب بها، و كتب إلى أهل خراسان: أني استعملتهما عن غير معرفة مني بهما، فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا اللّه، و إن كانا على غير ذلك فاستعينوا باللّه و لا حول و لا قوة إلّا به [3]
و مثل هذه الأمور لا ينبغي أن يستعمل عليها من لا يعرف، و من العجب أنه كتب في عهد عبد الرحمن بن نعيم لمّا بعثه هذا المبعث: أما بعد، فكن عبدا ناصحا للّه في عباده و لا تأخذك في اللّه لومة لائم، فإن اللّه أولى بك من الناس و حقّه عليك أعظم، و لا تولين شيئا من أمور المسلمين إلّا المعروف بالنصيحة لهم و التوفير عليهم، و أداء
[1]- الطبقات الكبرى: 5/ 339، شرح نهج البلاغة: 15/ 254، تاريخ دمشق: 45/ 157، سير أعلام النبلاء: 5/ 123.
[2]- شرح نهج البلاغة: 15/ 256.
[3]- تاريخ الطبري: 5/ 316، البداية و النهاية: 9/ 213.
الأمانة فيما استرعى، و إياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق، فإن اللّه لا تخفى عليه خافية، و لا تذهبن عن الحق مذهبا، فإنه لا ملجأ من اللّه إلّا إليه [1].
فأمره أن لا يولّي إلّا من يعرفه بالخير و هو قد ولّاه على الدين و الأنفس و لا يعرفه، و ذلك ما لا ينبغي اختيار الناس فيه من غير معرفتهم و نقض قوله بقوله.
و ممّا يؤكد ذلك عليه: أنه ولّى الخراج بخراسان بعد القشيري عقبة بن زرعة الطائي، و كتب: إن للسلطان أركانا لا يثبت إلّا بها، فالوالي ركن، و القاضي ركن، و صاحب بيت المال ركن، و الركن الرابع أنا، و ليس من ثغور المسلمين ثغرا أهم إليّ و لا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج و أحوزه في غير ظلم، فإن كان كفافا فامر عطائهم فسبيل ذلك، و إلّا فاكتب إليّ أحمل إليك الأموال [2].
فهذا أيضا ما يؤكد أمر ما غرر فيه أولا و لو كان هذا من غيره، لكان حجة عليه، فكيف و هو منه عليه؟
و مات عمر بن عبد العزيز بخناصرة [3]، يوم الأربعاء لخمس ليال بقين من رجب، سنة إحدى و مائة و هو ابن تسعة و ثلاثين سنة و أشهر، و دفن بدير سمعان [4].
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 316، البداية و النهاية: 9/ 213.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 321.
[3]- خناصرة: بليدة من أعمال حلب تحاذي قنسرين نحو البادية، و هي قصبة كورة الاحص. معجم البلدان: 2/ 390.
[4]- الطبقات الكبرى: 5/ 408، تاريخ الطبري: 5/ 318، البداية و النهاية: 9/ 216.
دير سمعان: بكسر السين و فتحها، هو دير بنواحي دمشق في موضع نزهة و بساتين محدقة به. معجم البلدان: 2/ 517.
[خلافة يزيد بن عبد الملك]
و ولي بعد عمر بن العزيز يزيد بن عبد الملك، و كان منهمكا في الخلاعة و البطالة، و هو صاحب حبابة و سلامة المشهور بهما، و سمّاع للغناء و اللهو، لا يرفع رأسه منه.
قال الميداني: و كانت حبابة و سلامة قينتين بالمدينة، فأمّا سلامة فكانت لسهيل بن عبد الرحمن، و لها يقول ابن قيس الرقيات:
لقد فتنت ريّا و سلامة القسا * * * فلم تتركا للقس عقلا و لا نفسا
فتاتان أما منهما شبيهة * * * الهلال و أخرى منهما تشبه الشمسا
اختان إحداهما كالشمس طالعة * * * في يوم دجن و أخرى تشبه القمرا [1]
هذا هو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية، و كان قد فتن بسلامة، و فيها يقول:
أهابك أن أقول بذات نفسي * * * و أني لو اطعت القلب قالا [2]
و كان القيس هذا عابدا ورعا، فسمع غناء سلامة عن غير تعمد، فبلغ ذلك منه كل مبلغ، فرآه مولاها فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟
فأبى، فقال له مولاها: اقعدها لك في موضع تسمع غناءها و لا تراها و لا تراك.
فأبى، فلم يزل به حتى دخل و أسمعه غناءها، فزاد إعجابا بها فقال له مولاها: هل لك أن أخرجها إليك؟
فأبى، فلم يزل به حتى أخرجها و أقعدها بين يديه، فتغنّت فشغف بها و شغفت به و اختلف إليها.
فقالت له يوما: أنا و اللّه أحبك.
[1]- ديوان عبيد اللّه بن قيس الرقيات: 33، تاريخ دمشق: 69/ 232.
[2]- الاغاني: 8/ 335، تاريخ دمشق: 69/ 233.
قال: و أنا و اللّه أحبك.
قالت: و أحب أن أضع فمي على فمك.
قال: و أنا أحب ذلك.
قالت: و أحب أن ألصق بطني ببطنك.
قال: و أنا أحب ذلك.
قالت: فما يمنعك، فو اللّه إن الموضع لخال؟
قال: إني سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [1] و أنا أكره أن تكون خلّة ما بيني و بينك [تؤول بنا] عداوة، ثم قام فانصرف، و عاد إلى ما كان عليه من النسك [2].
و من قوله فيها أيضا:
إن التي طرقتك بين ركائب * * * تمشي بمزهرها و أنت حرام
لتصيد قلبك أو جزاء مودة * * * إن الرفيق له عليك ذمام
باتت تعللنا و تحسب أننا * * * في ذاك أيقاظا و نحن نيام
حتى إذا سطح الصباح لناظر * * * فإذا و ذلك بيننا أحلام
قد كنت أعذل في الصبابة أهلها * * * فأعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم و أعلم إنما * * * سبل الضلالة و الهدى أقسام [3]
و قال فيها أيضا:
أ لم ترها لا يبعد اللّه دارها * * * إذا رجعت في صوتها كيف تصنع
تمد نظام القول ثم ترده * * * إلى صلصل من صوتها يترجع
[1]- سورة الزخرف: 67.
[2]- تاريخ دمشق: 69/ 335، كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي: 230 ح 89.
[3]- الاغاني: 8/ 336، تاريخ دمشق: 69/ 233.
و قال فيها أيضا:
ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر * * * و هل أنت عن سلامة اليوم مقصر
ألا ليت إني حيث طارت بها النوى * * * جليس لسلمى كل ما عج مزهر
و قال فيها أيضا:
سلام ويحك هل تحبين من مبتل * * * أو ترجعين على المحزون ما فاتا
و قال فيها أيضا:
سلام هل لي منكم ناصر * * * أم هل لقلبي عنكم زاجر
قد سمع الناس بوجدي بكم * * * فمنهم اللائم و العاذر
في أشعار له كثيرة قد شهر بها.
و أما حبابة، فكانت لرجل من أهل المدينة يقال له ابن سيناء [1]، فبلغ خبرها يزيد قبل أن يلي، فأعطاه فيها خمسة آلاف دينار و بلغ ذلك أخاه سليمان فأنكره عليه، فاستقال مولاها فأقاله، و كان اسمها يومئذ: عالية، فاشتراها رجل من أهل مصر فسار بها، فلمّا ولي يزيد اشترى سلامة القيس من مولاها سهيل بن عبد الرحمن، و سأل عن عالية، فأخبر بخبرها فتأسّف عليها.
فأرسلت سعدة امرأة يزيد- و كانت من آل عثمان بن عفان- مولاها فاشتراها من مصر بأربعة آلاف دينار و قدم بها عليها.
فهيأتها و أجلستها في بيت، و قالت له: هل بقي إليك شيء من الدنيا لم تنله؟
قال: نعم.
قالت: و ما هو؟
قال: العالية.
قالت: فتعرفها إذا رأيتها؟
[1]- في الطبري و البداية و النهاية: عثمان بن سهل بن حنيف.
قال: نعم و اللّه أعرفها.
فأخرجتها إليه فقال: نعم هي و اللّه.
قالت: فهي لك، و أحلتها فحظيت عنده لذلك الفعل الذي فعلته [1].
و أقبل يوما إلى البيت الذي هي فيه، و قام من وراء الستر فسمعها تترنّم، فوقف من حيث لا تراه و لا علمت به فسمعها تقول:
كان لي يا يزيد حبك حينا * * * كاد يقضي عليّ يوم التقينا
فرفع الستر، فرآها مضطجعة على خشبة لها، مقبلة بوجهها على الجدار، فعلم أنها لم تعلم، فألقى بنفسه عليها و وقعت منه موقعا، و سمّاها حبابة لحبّه إياها [2].
و غنته يوما فقال: أطير و اللّه.
قالت: فإلى من تدع الناس جعلت فداك؟
قال: إليك [3].
و غنّته يوما آخر بهذه الأبيات:
و بين التراقي و الفؤاد حرارة * * * مكان الشجى ما تطمئن فتبرد
فأهوى ليطير، فقالت: لا تفعل، بنا إليك حاجة.
و غلبت عليه هي و سلامة، فلم يكن ينفك مضطجعا و مغتبقا معهما و مع غيرهما من المغنين، و انهمك في ذلك و أعرض عن أمور الناس، فعاتبه مسلمة بن عبد الملك في ذلك و وبّخه و خوّفه سوء العواقب، و قال: تركت شهود الجماعة و الصلاة و الجلوس للناس و الركوب و النظر في مصالح الرعية.
فجلس للناس و أمر و نهى و نظر في الأمور.
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 375، البداية و النهاية: 9/ 259.
[2]- الاغاني: 15/ 127، تاريخ دمشق: 57/ 220.
[3]- تاريخ دمشق: 69/ 91.
فقالتا له: ما هذه الجفوة؟
فقال: خفت فساد الأمر.
فقالتا: فاجعل لنا منك حظا في الليل.
ففعل، و أرسلتا إلى الأحوص أن يقول في ذلك شعرا فقال:
و ما العيش إلّا ما تلذ و تشتهي * * * و ان لام فيه ذو الشنان و فنّدا
بكيت الهوى جهدي فمن شاء لا مني * * * و من شاء آسى في البكاء و أسعدا
و إني و إن فندت في طلب الهوى * * * لأعلم أني لست في الحب واحدا
إذا كنت عزفت عن اللهو و الصبا * * * فكن حجرا أملس الصخر جلمدا
فصاغتا له لحنا و غنّتاه، فضرب الأرض بخيزرانه و قال: صدقتما و اللّه، على مسلمة لعنة اللّه عليه و على ما جاء به.
و كان يزيد إذا دبّ فيه الشراب و طابت نفسه، عنّى و رقص و دار في جوانب الدار و صرخ، فلمّا رأتاه قد بلغ ما يفعل له ذلك غنّتاه من هذا الشعر و هو طويل، إذا بلغنا قوله:
و إني لأهواها و أهوى لقاءها * * * كما يشتهي الصادي الشراب المبردا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصبى * * * فأبلى و ما يزداد إلّا تجددا
فقام فرقص في جوانب الدار، و قال: لمن هذا الشعر؟
قالتا: للأحوص، فأمر له بصلة و كسوة [1].
[1]- الاغاني: 15/ 134، تاريخ دمشق: 69/ 90، مروج الذهب: 3/ 239.
و كان إذا أجلس حبابة عن يمينه و سلامة عن يساره فغنتاه:
و ترى لها دلا إذا نطقت * * * تركت بنات فؤاده صغرا
فاختلفتا فيه، فقال: ما هذا الاختلاف، من أين أخذت كل واحدة منكما؟
قالتا: من معبد.
فأرسل في طلب معبد فسأله فقال: القول ما قالته حبابة.
فقالت له سلامة: و اللّه يا ابن الفاعلة إنك لتعلم إن القول ما قلت، و لكنك علمت أن حبابة آثر مني عند أمير المؤمنين فاتبعت هواه.
فضحك يزيد و طرب و أخذ و سادة فصيرها على رأسه و قام يدور في الدار و يرقص و يصيح: السمك الطري أربعة أرطال، حتى دار الدار كله، ثم رجع فقال شعرا و أمر معبدا أن يغنّي به، و هو:
أبلغ حبابة استقي ربعها المطر * * * ما للفؤاد سوى ذكراكم خبر
إن ساد صحبي لم أملك تذكرهم * * * أو عرسوا فهم التذكار و السمر
فغنّاه، و بأشعار أخر فطرب و سرّ و وصله [1].
و قيل: إنه قال لحبابة يوما: قد وليت ما وراء بابي مولاي فلانا لكي أخلو معك.
قالت: فإني أنا قد عزلته.
فغضب عليها ثم رجع إليها فقال لها: قد عزلته.
قالت: فإني قد وليته.
قال: الأمر إليك.
و قيل: إن حبابة كانت قبل أن تصير إلى يزيد و هي بالمدينة، كان لها رجل يواصلها يقال له: البيداق، و كان يقرأ بألحان و يغنّي، فأطرته ليزيد فأمر بإحضاره، فأدخل إليه و هو على فراش و حبابة على فراش، فسلّم فأمرته حبابة بالجلوس فجلس، و قالت:
[1]- الاغاني: 15/ 141، تاريخ دمشق: 59/ 248.
هيّه.
فظن أنها تريد القرآن فقرأ، فانقبض يزيد، فأومت إليه أن غن فغنّاه شعرا:
أنت زودته الجوى * * * بئس زاد المزود
من لصب معمدها * * * ثم القلب مقصد
و لو أني لم أرتجيك * * * إذا خفّ عودي
تأويا تحت حفرة * * * عند رمس بفدفد
غير أني أعلل النفس * * * باليوم و الغد
فطرب يزيد و رماه بطبق ذهب كان بين يديه مرصع بجوهر.
فأومأت إليه حبابة أن يأخذه فأخذه و أدخله كمّه، فقال يزيد: يا حبابة أ لا ترين ما صنع؟
قالت: يا أمير المؤمنين إنه إليه لمحتاج.
فضحك و أمر له مع ذلك بمائة دينار.
و قيل: إن يزيد لمّا لم يجد فيه أحد ممّن كان يرجوه صلة، و انهمك في الخلوة بالقينات، كلّموا مولى له كان شيخا خراسانيا، و كان ذا بلاء عظيم عنده و كانت فيه لكنة، فكلمه و نصح له.
فقال له يزيد: اسمع هذا الذي تنهاني عنه فإن استقبحته فانهني عنه، و لكني أقول للجواري: إنك عمّ من عمومتي، و إياك أن تتكلم فيعلمن بك فينالك منهن ما تكره.
و قدّمه إليهن أن عمّه يريد أن يسمعهن و أن يأخذن أنفسهن بالتحفظ، و أدخله فسقاه كئوسا حتى خالطه الشراب، و أمرهن فغنّين بصوت واحد:
و قد كنت آتيكم بعلة غيركم * * * فأفنيت علاتي فكيف أقول
فطرب الشيخ و قال: لا قيف و اللّه، يريد لا كيف.
فعرفن أنه ليس بعمّه، فقمن بالعيدان إلى رأسه يردن أن يكسرنها عليه، فحال دونه و قال له بعد ذلك: كيف ترى أن ندع ما سمعت؟
فقال: لا و اللّه.
فكانوا إذا عذلوه قال: سلوا فلانا يخبركم عمّا سمع، فإن رأى تركه تركته.
و كان سليمان بن عبد الملك لمّا ولّي عمر بن عبد العزيز جعل يزيد بن عبد الملك بعده، و قد ذكرناه ذلك و العلّة فيه، فخرج قوم من الخوارج على عمر بن عبد العزيز فأرسل إليهم يناشدهم و قال: ابعثوا إليّ من أناظره، فإن كان الحق معكم صرت إليه.
فبعثوا إليه رجلين فناظراه، فكان ممّا قطعاه به أن قالا له: ما تقول في يزيد بن عبد الملك هل ترضاه للمسلمين؟
قال: لا.
قالا: فلم جعلته الخليفة بعدك؟
قال: غيري جعله.
قالا: فلو ولّيت مالا لغيرك فأجريته إلى غير مأمون عليه أ كنت أدّيت الأمانة؟
قال: انظراني ثلاثا أنظر في جواب هذا.
فخرجا عنه، و بلغ الخبر إلى يزيد، فقيل: إنه دسّ إليه سمّا، فسقاه فمات منه قبل الثلاث [1].
و ماتت حبابة في حياة يزيد، فجزع عليها جزعا شديدا و أقام أياما لا يخرج و لا يجلس للناس حتى عوتب في ذلك، و خاف أمر الناس فخرج و هو يقول:
فإن تسل عنك النفس أو يذهل الهوى * * * فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد [2]
و بقيت سلامة إلى أن مات، و خرجت أمام جنازته في وصائف لها و هي تقول:
لا تلمنا أن خشعنا * * * أو هممنا بالخشوع
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 311.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 375، تاريخ دمشق: 65/ 308، البداية و النهاية: 9/ 260، سير أعلام النبلاء: 5/ 151.
قد لعمري بت ليلي * * * كأخى الداء الوجيع
ثم بات الهمّ مني * * * دون من لي من ضجيع
للذي حلّ بي اليوم * * * من الأمر الفظيع
كلما أبصرت ربعا * * * خاليا فاضت دموعي
قد خلا من سيّد كا * * * ن لنا غير مضيع
ثم تنادي: وا أمير المؤمنين [1].
و كانت وفاته يوم الجمعة لخمس ليالي بقين من شعبان، سنة خمس و مائة، و هو ابن خمس و ثلاثين سنة، و صلى عليه الوليد ابنه و هو ابن خمس عشرة سنة، و مات ببلقاء [2].
[خلافة هشام بن عبد الملك]
و ولى بعده هشام بن عبد الملك، و طالت ولايته [حتى] بلغت زهاء عشرين سنة.
و كان موصوفا بالغلظة و الشدة في الأمور و البخل، و كان أحول، و مطل الجند بأرزاقهم عطاء بعد عطاء، حتى حصل له بذلك المطل عطاء سنة، فقيل: سرق الجند عطاء سنة، و سمّي لذلك الأحوال السراق [3].
و قيل: إنه أخرج لأهل المدينة عطاء في سنتين و ضرب عليهم فيه ثلاث بعوث.
و قال في ذلك بعض الشعراء شعرا:
كيف يصفوا لنا بها الدهر عيش * * * أو تخف الظهور من حمل دين
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 375.
[2]- تاريخ خليفة: 259، تاريخ الطبري: 5/ 374، البداية و النهاية: 9/ 260.
و البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام و وادي القرى، ذات قرى كثيرة و مزارع واسعة، و سميت بلقاء لأن بالق من بني عمان بن لوط عليه السّلام عمّرها. معجم البلدان: 1/ 489.
[3]- شرح نهج البلاغة: 15/ 253، النزاع و التخاصم: 40.
و بعوث ثلاثة في عطاء * * * و عطاء يكون في سنتين
و قيل: إن شاعرا أنشده شعرا يمدحه فيه، فقال فيما أنشد منه:
رجاك أنساني تذكر إخوتي * * * و مالك انساني بخرشين ماليا
فقال هشام: ذلك حمق لك.
و قال له أخوه مسلمة قبل أن يلي: أ تطمع في الخلافة و أنت جبان بخيل؟
قال: و إن كنت كذلك، فأنا حليم عفيف [1].
فاعترف بالجبن و البخل و هما من أسوأ الحالات، و ادّعى الحلم و العفّة و نفت عنه أفعاله ذلك.
و أنشده أبو النجم ارجوزة مدحه بها بعد أن استنشده إياها التي ابتداؤها:
الحمد للّه الوهوب المجزل.
و مرّ فيها، فما زال هشام يصفق بيده استحسانا لها إلى أن ذكر الشمس، فقال:
و هي في الأفق كعين الأحول.
فتغيّر هشام لما كان أحول، و أمر فوجئ قفاه [2].
و هذا ضد ما ادّعاه من الحلم، مع ضعف شديد و جهل عظيم.
فأمّا دعواه العفّة، فليس بعفيف من سرق الإمارة، و خان اللّه ماله، و اقتطع أموال عباده.
و ممّا يوصف من سخفه و ضعفه: أن حاديا حدى به و هو على بختي فقال:
إن عليك أيها البختي * * * اكرم من يمشي به المطي
فقال: صدق و اللّه و هذه الرقاعة العظيمة [3].
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 518، شرح نهج البلاغة: 15/ 253.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 519، شرح نهج البلاغة: 15/ 253.
[3]- شرح نهج البلاغة: 15/ 253، النزاع و التخاصم: 40.
و وقع بينه و بين سليمان بن عبد الملك اختلاف، فقال: و اللّه لأشكونه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك [1].
و هذا هو أيضا من الحمق البيّن و السخف و الضعف.
و قيل: إن عبد الملك رأى في منامه: أنه بال في محراب المسجد أربع مرات.
فقصّ رؤياه على بعض المعبّرين فقال له: يلي هذا الأمر أربعة من ولدك [2].
فأعجبه ذلك من عبارته، و البول في المسجد حدث في الدين لا سيّما في المحراب، و ولي من ولده أربعة هشام رابعهم، و هم كما رأى إحداث في الدين و نجس، كالبول الذي رآه أبوهم، بل هو و هم أنجس من ذلك.
و كان عمر بن عبد العزيز لمّا ولّي عمد إلى كل ثوب لبسه سليمان فتركه لولده، و ورثهم إياه و جعل ما سوى ذلك ممّا تركه في بيت المال، فاتخذ هشام من مال اللّه و أموال المسلمين من رفيع الطراز و خزّه ما قيل: إنه يحمل على سبعمائة جمل مقطوعا كله، قد لبس ذلك و آثر فيه ليورثه بنيه، و لئلا يعرض لهم فيه من يصير إليه الأمر من بعده.
و كان قد بالغ في استجادته و المغالات في أثمانه، ليوفر لهم الأموال، و علم ذلك أهل الطراز فكانوا يبالغون له في الجودة، ليكثر لهم الثمن إذ كان يزيدهم على القيمة و يعطيهم ما لا يجدونه من الثمن و يربحهم ربحا كثيرا، فبالغوا في تحسين الطراز و جودته لذلك، و لأنه لم يكن يشتري منه إلّا الرفيع.
و كان من بعض خيانته التي ادّعى معها العفاف، و أسوأ الخيانة حالا من استكثر من الخيانة لمن بعده، و تقلد له وزره و باء بإثمه و ارتحل بتباعاته لغيره، و لذلك قال هارون و قد سمع شعر الكثير يمدح به بعض بني مروان فاستحسنه، فقال له يحيى بن
[1]- شرح نهج البلاغة: 15/ 253، النزاع و التخاصم: 40.
[2]- البداية و النهاية: 9/ 383، سير أعلام النبلاء: 5/ 351.
خالد: يا أمير المؤمنين ما مدحكم به مروان بن أبي حفصة أجود من هذا، و هو الذي يقول:
نور الخلافة في المهدي نعرفه * * * و ذلك النور في موسى و هارونا
فقال هارون: دع هذا عنك يا أبا علي، فو اللّه لا نمدح بمثل شعر كثير حتى يحاك لنا مثل طراز هشام [1].
فخلّف هشام في هذا أموالا جسيمة لا يريد بها إلّا اقتطاعها لولده من أموال المسلمين، و لم يكن ذلك رغبة منه في اللباس و لا همّة فيه، بل كان من البخل و الشدة و سوء الهمّة في غاية اللؤم و أسوأ أحوال أهل البخل.
قال عقال بن شبة: دخلت على هشام حين وجهني إلى خراسان، فرأيت عليه قباء أخضر كنت أعرفه عليه قبل أن يلي، و جعلت أنظر إليه ففطن لي فقال: كأنك عرفت هذا القباء يا عقال؟
قلت: نعم يا أمير المؤمنين أظنّه الذي كنت رأيتك تلبسه قبل أن تلي الخلافة.
قال: هو و اللّه، و اللّه و ما لي قباء غيره [2].
و إنما كان يلبس من الثياب ليوفر فيها لتبقى لولده، لا لهمّة فيه و لا رغبة في التجمل به.
و ممّا يوصف من بخله: أنه أضاف إلى بعض مواليه ضيعة فأحسن القيام عليها، فجاءت بغلّة عظيمة فبعث بها مع ابن له، فسرّ بها هشام ثم عمّرها أيضا، فتضاعفت غلتها فبعث بالغلة مع ابنه، فقدم بها على هشام و أخبره عن الضيعة فشكر و أحسن الثناء عليه و على ابنه و بما جاء به و انبسط له.
فسأل الرجل حاجة تساوي عشرة دنانير، فتغيّر عليه و تقبّض و قال ما يرى أحدكم
[1]- تاريخ دمشق: 50/ 81.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 515، البداية و النهاية: 9/ 385.
عشرة دنانير عنده [في العطاء] كلا شيء، لا لعمري لا أفعل [1].
و رفع إليه ابنه سليمان: أن دابته عجزت عليه، و يسأله أن يأمر له بدابة.
فوافاه في رقعته: إن ضعف دابتك من تضييعك إياها و قلة عهدك لعلفها، فتعهد دابتك و القيام عليها بنفسك، تصلح لك إن شاء اللّه [2].
و جاءته كمأة [3] من بعض عمّاله فعرضت عليه فرأى بعضها قد تغيّر، فكتب إليه:
قد وصلت الكمأة التي بعثت و هي أربعون، و قد تغيّر بعضها و لم تؤت إلّا من حشوها، فإذا بعثت منها شيئا فأجد حشوها في الظرف الذي تجعلها فيه في الرمل، حتى لا تضطرب فتصيب بعضها بعضا [4].
و أرسل إليه بعض عمّاله بطيرين ظريفين، فدخل بهما الرسول عليه و هو على سرير له في عرصة الدار فقال: أرسلهما في الدار.
فأرسلهما، فلمّا رآهما أعجب بهما و استظرفهما، فلمّا رأى ذلك الرسول استوهبه شيئا.
فقال: ويلك ما أهبك على هذا، خذ أحدهما.
فجعل الرسول يعدو في الدار فلا يستطيع أخذهما حتى تعب و مضى [5].
و وقف على هشام محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر يبتغي نائلة فقال: مالك عندي شيء.
فلمّا ولى قال: إياك أن يغرك أحد فيقول لك: لم يعرفك أمير المؤمنين فترجع إليّ
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 16، و ما بين المعقوفتين من المصدر.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 516.
[3]- الكم: نبات ينقض الأرض فيخرج كما يخرج الفطر. لسان العرب: 1/ 148.
[4]- تاريخ الطبري: 5/ 517.
[5]- تاريخ الطبري: 5/ 517، البداية و النهاية: 9/ 384.
تعرّفني بنفسك، إني قد عرفتك، أنت محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فلا تقيمن تنفق ما معك، فليس عندي لك صلة، فالحق بأهلك [1].
و كان وفاة هشام يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر، سنة خمس و عشرين و مائة، و هو ابن خمس و خمسين سنة، و قيل: أربع و خمسين سنة، و قيل:
اثنين و خمسين [2].
توفى بالرصافة و بها قبره، و مات من الذبحة [3].
[خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك]
و ولى بعد هشام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، و كان خليعا ماجنا، ردئ الفرج [4]، سفيها، يشرب الخمر، و يعتكف على الملاهي، و يقول أشعار المغنّين، و يركّب عليها الألحان، و يغنّي بها، و هي إلى اليوم تذكر به في الأغاني و تنسب إليه، و كان يألف المغنّين، و يسمّي عمرو بن داود الودادي جامع شملي، و كان عمرو هذا مغنّيا مخنثا و ضرب له ابن صاحب الوضاء، و كان أيضا مخنثا، فأعجبه ضربه و قال له:
اسمع ضربي.
فضرب الوليد و استجاد الآخر ضربه، فقال له الوليد: فكيف لو سمعت ضرب
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 518، تاريخ دمشق: 53/ 53.
[2]- الثقات لابن حبان: 2/ 320، تاريخ الطبري: 5/ 514، تاريخ دمشق: 63/ 321، التنبيه و الاشراف: 279.
[3]- تاريخ الطبري: 5/ 514، البداية و النهاية: 9/ 386.
[4]- قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 5/ 373: قال سليمان أخوه بعد أن قتل الوليد: (بعدا له كان شروبا للخمر ماجنا لقد راودني على نفسي).
معلمي.
و كان للوليد غلام مغنّي يقال له: أبو كامل الغزيل، و كان من أهل الشام، و كان يغنّيه بأشعاره التي كان يسمعها للغناء.
و ممّا يعرف له ما كان يغنّى به من شعر الوليد بن يزيد:
أمدح الكأس و من أعملها * * * و اهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الراح نعيم باكر * * * فإذا ما غاب عنّا لم نعش
و غنّى أبو الكامل يومئذ الوليد بشعر للوليد:
جنباني ديار كل لئيم * * * إنه مستمات شرّ نديم
ثم إن كان في النديم لئيم * * * فأذيقوه بعض مس النعيم
إن تلك الفضول إن تك يوما * * * للئيم ترد فضل اللئيم
فطرب الوليد طربا شديدا و أعطاه قلنسوة كانت عليه من برود، فكان أبو كامل إذا دعاه أحد ليغنّي له ممّن يتجمل له لبسها و قال: هذه قلنسوة أمير المؤمنين.
و في أبي كامل يقول الوليد بن يزيد:
من مبلغ عني أبا كامل * * * إني إذا ما غاب كالهامل
و زادني شوقا إلى قربه * * * فيما مضى من دهرنا الحامل
إني إذا أعطيته مرة * * * ظلمت بيوم الفرح الجاذل
و حكى عن عمرو الودادي أنه قال: دخلت يوما إلى الوليد بن يزيد فأصبته يشرب الخمر و معه ندماؤه، و لم يكن لي بشربها عهد فقال لي: اشرب.
فشربت و لم أقدر أن أخالفه، ثم قال: غنّني فغنّيته:
حبست لهم نفسي على الحكم بالرضى * * * ليأمن ذو خوف و يدرك طالب
إذا أنت لم تصلح بحلمك ما جنى * * * تسفيهك كانت في الصديق معايب
فاستحسنه و قال: ويحك ما سمعتك غنّيت بهذا قط، فأعده عليّ.
فأعددته مرارا، ثم قال لي: خذه عليّ، فأخذته عليه حتى أحسنه فأدّاه كما هو، ثم قال لي: خذه على أصحابنا.
فأخذته عليهم واحدا واحدا حتى ضبطوه كلهم، ثم دعا بدفوف فأخذ واحدا منها و قال: ليأخذ كل واحد منكم دفّا، فأخذنا و قام فقمنا.
فقال: اضربوا بها كلها و خذوا هذا الصوت.
ففعلنا و مشى فمشينا خلفه، و هو يريد باب القصر، فبدر إليه الحاجب و قال: يا أمير المؤمنين الناس بالباب، فاللّه اللّه لما رجعت.
فقال: اسقوه.
قال: و اللّه ما شربتها، يعني الخمر.
فقال: اضجعوه، فأضجعوه.
و قال: صبّوا في فيه.
فجعل في فيه قمع، فما زال يصب في فيه و يشربه حتى سكر، فأعطي دفّا و قام يضرب معنا، و قد فاق سكرا فرأينا منه منظرا عجبا، و رجع فقال: هلموا بنا فلنشرب حتى نصير كما صار.
فأتينا بالأرطال و نحن قيام نغنّي و هو كذلك معنا و ما زلنا نشرب حتى سقطنا واحدا واحدا في صحن الدار، فمنّا واحد عند الكنيف و آخر مع حائط، و آخر عند باب بيت، ما يعقل أحد منّا كيف سقط.
و قال حماد الراوية: بينما أنا يوما عند يوسف بن عمر بالكوفة، إذ ورد عليه كتاب من الوليد بن يزيد، ففكّه و نظر فيه، ثم دفعه إليّ فإذا فيه: أما بعد، فإذا قرأت كتاب أمير المؤمنين فسرّح إليّ حماد الراوية على ما يشاء من دواب البريد و أعطه عشرة آلاف درهم يتأهب بها.
قال حماد: فقلت: السمع و الطاعة.
و أمر لي بالمال و سرت، حتى إذا دخلت عليه أصبت عنده معبدا و مالك بن أبي السمح و أبا كامل، و رأيت عليه حلتين صفراوين تقيان الزعفران، فتركني حتى سكن جأشي ثم قال: يا حماد أنشدني: أمن المنون و ريبها تتوجع.
فأنشدته إياها، فقال: يا شبرة اسقه.
فسقاني ثلاثة كئوس حيّرن ما بين الذوابة و النعل، ثم قال لمالك بن أبي السمح:
غنّني: ألا هل جاءك الأظعان إذ جاوزن مطلحا.
فغناه، ثم قال: غنّني: ابني إذ تودعني سلمى.
فغناه، ثم قال غنّني:
جلى أمية عني كل مظلمة * * * سهل الجناب و أوفى بالذي وعدا
إذا حللت بأرض لا أراك بها * * * ضاقت عليّ و لم أعرف بها أحدا
فغنّاه.
ثم قال: يا شبرة اسقني بربّ فرعون.
فأتاه بقدح طويل معوّج، فشرب ثم دخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين الذي طلبت بالباب.
فقال: ائذن له.
فدخل غلام ما رأيت وجها أحسن منه، إلّا أن برجليه فدعا [1] فأمره فجلس، ثم أقبل عليه الوليد فقال: غنّني.
فغنّاه:
طرق الخيال فمرحبا * * * أهلا بروية زينبا
فطرب الوليد و صفّق و صاح و زحف، حتى كاد أن يقع عن سريره، فغضب معبد فقال: يا أمير المؤمنين إنّا مقبلون بأسناننا و أقدارنا فتركتنا و أقلبت على هذا الغلام؟
[1]- الفدع: زيغ في القدم، بينها و بين عظم الساق. غريب الحديث لابن قتيبة: 2/ 79.
فقال: و اللّه يا أبا عباد ما فعلت ذلك جهلا بسنّك و قدرك، و لكن هذا الغلام طرحني على مثل الطناجير.
قال حماد: فسألت عن الغلام، فقيل: هو ابن عائشة.
و كان يزيد بن عبد الملك قد عقد الخلافة بعده لهشام أخيه و لابنه الوليد بعد هشام، و كان الوليد يوم عقد ذلك أبوه ابن إحدى عشرة سنة، فلم يمت حتى بلغ على الوليد خمس عشرة سنة، فندم يزيد على استخلافه هشاما أخاه بعده.
و كان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: اللّه بيني و بين من جعل هشاما ما بيني و بينك، يعني من أشار عليه ذلك، و كان الذي أشار عليه به مسلمة بن عبد الملك.
و كان يزيد إذا أراد أن يعقد لعبد العزيز بن الوليد قال مسلمة: يا أمير المؤمنين أولد عبد الملك أحبّ إليك أم ولد الوليد؟
قال: ولد عبد الملك.
قال: فأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك؟
قال: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها.
قال: فابنك لم يبلغ، فبايع لهشام ثم ابنك.
ففعل، و كان ذاك لأمر تخوّفه على نفسه، فلمّا لم يكن و كبر ابنه ندم على عقده لهشام، فلمّا مات يزيد و ولي هشام نظر إلى ما عليه الوليد من المجون و شرب الشراب، فعذله في ذلك و عاتبه عليه، فأظهر ندما و رجوعا، فولّاه الحج سنة ست عشرة و مائة، فمضى معه بالشراب و الكلاب في الصناديق.
فقيل: إنه سقط منها صندوق و انكسر فخرج منه كلب، و رأى ذلك أهل الموسم، و أراد هشام خلعه و البيعة لابنه مسلمة بن هشام، و أراده على أن يخلع نفسه فأبى له هشام، ثم قال له يوما: و اللّه يا وليد ما أدري ما دينك، أعلى إسلام أنت أم أطرحته؟
قال: و لم شككت فيّ يا أمير المؤمنين؟
قال: انهماكك في شرب الخمور و البطالة.
فقال الوليد:
يا أيها السائل عن ديننا * * * نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا و ممزوجة * * * بالسخن أحيانا و بالفائر
و أبو شاكر هو مسلمة بن هشام الذي رشّحه للعهد، و كان كذلك يشرب الشراب و يلهو بالكلاب، فعتب عليه أبوه فقال: هذا الوليد قد وجد فيك مطعنا و أنا أرشحك للخلافة.
فأظهر مسلمة النسك و الوقار و وصل بالأموال ليصرف إليه قلوب الرجال، فقال بعض من وصله و اصطنعه يردّ على الوليد:
يا أيها السائل عن ديننا * * * نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها * * * ليس بزنديق و لا كافر
يعرض بالوليد، و جعل هشام يعيب الوليد و يذكر مساويه، و وطّأ قوما على خلعه و عقد البيعة لمسلمة ابنه، فأجابه إلى ذلك قوم و أباه آخرون، و كان ممّن أبى ذلك خالد بن عبد اللّه القسري و قال: أنا أبرأ من خليفة يكنّى أبا شاكر [1].
و كان هشام يقول: أ ترى الناس يرضون بعدي بالوليد أو يقصوه.
فلمّا مات هشام و أتاه الخبر بموته و كان الوليد ببعض القرى قد نزع إليها و أقام بها، فأرسل في الختم على خزائنه فقيل: إنه طلب له قمقم يسخن فيه الماء لغسلة فما وجد له إلّا عارية، و ختم على خزائنه فلم يوجد له كفن، حتى كفّنه غالب مولاه، و قال الوليد لمّا أتاه نعيه:
طال ليلي و بت أسقي المدام * * * إذ أتاني البريد ينعى هشاما
و أتاني بحلة و قضيب * * * و أتاني بخاتم ثم قاما
و قال أيضا:
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 521- 522، البداية و النهاية: 10/ 3- 5.
إني سمعت خليلي نحو الرصافة رنّة * * * فقمت أسحب ذيلي كما أرى شأنهن
إذا بنات هشام يندبن و الدهن * * * يندبن شيخا كريما قد كان يكرمهن
يقلن ويلا و عولا و الويل حلّ بهن * * * أنا المخنث حقا أن لا أنيكهن
و ذلك أن هشاما كان يدعو المخنث، و كانت أشعاره هذه كلها يغنّى له بها و هو القائل:
أحبّ الغناء و شرب الطلا * * * و آنس النساء و ربّ السور
و هل الغواني و عزف القيان * * * و تغريدهن قبيل السحر
فأمّا الصياح فلقف القداح * * * و خيل نواج جواد جياد حضر
و نصف النهار عراك الجوار * * * و حل الأزار إذا ينبهر
فأما العصر فأمر حلي * * * و قتل الكمي بعضب ذكر
عينيتك النعومة بدل رخيم * * * و وجه نضير كشبه القمر
و خلق عميم و خد أسيل * * * كسيف صقيل يحير البصر
و كان يسمّي عمرو الودادي جامع لذتي و قال أيضا:
إن حظي اليوم من * * * كل معاش لي و زاد
قهوة أبذل فيها * * * طارفي ثم تلادي
قد يظل القلب فيها * * * هائما في كل وادي
إن في ذاك صلاحي * * * و فلاحي و رشادي [1]
و قال أيضا:
عللاني و اسقياني * * * من شراب أصبهاني
من شراب الشيخ كسرى * * * و شراب الفيرزاني
و امزج الكاس و لا * * * تكثر مزاج العسقلاني
[1]- تاريخ دمشق: 65/ 388.
إن بالكاس لمسكا * * * أو بكفي من سقاني
و لقد غودر فيها * * * حين صبت في الرداني
إنما الكاس ربيعا * * * يتعاطى بالبنان
و حميا الكاس دبت * * * بين عرقي و لساني
و قال أيضا:
اسقني يا زبير بالقرقارة * * * قد طربنا و حنّت بالزمارة
اسقني خمرة فإن ذنوبي * * * قد أحاطت فما لها كفارة
و قال أيضا و قد سئل عن بعث أراد إخراجه:
أصبح اليوم وليد * * * هائما بالفتيات
عنده طاس و ابريق * * * و راح بالسوات
ابعثوا خيلا لخيل * * * و رماة لرماة
و قال فيها أيضا:
اسقني يا زيد صرفا ا * * * و اسقني بالطرجهارة
اسقنيها مزّة تأ * * * خذني منها استدارة
اسقني كي تسلي * * * ما بقلبي من حرارة
و قال فيها أيضا:
ليت هشاما كان حيّا يرى * * * مكانه الأوفر قد أترعا
كلناه بالصاع الذي كالنا * * * و ما ظلمنا به أصبعا
و ما أتينا ذاك عن بدعة * * * أحله الفرقان لي أجمعا [1]
و تمادى الوليد في المجون و الخلاعة و مدّ يده إلى الحرام، فثقل على الناس أمره، و أراد أن يبايع لابنه الحكم، و هو الأكبر و عثمان و هو الأصغر، و كان الحكم الأكبر بعده
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 526، تاريخ دمشق: 63/ 325.
لم يبلغ الحلم، فأبى من ذلك عليه جماعة و قالوا: كيف نبايع لمن لا يصلي خلفه و لا تقبل شهادته؟
و فشا ذلك، فقال بعضهم للوليد: و اللّه ما تقبل شهادته، و لا تجب الصلاة بعده، فكيف نأتم به و هو على ما هو عليه من الفسق؟
و قيل: إنه كان يأتي أمهات أولاد أبيه، و يرمى بالكفر و الزندقة [1].
و كان يتعشق سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، و يقول فيها الأشعار و هي، أخت امرأته أم عبد الملك بنت سعيد و طلقها من أجل ذلك ليتزوج أختها، و ذلك أنه دخل يعود سعيدا أباها، فرآها فعلقها [2].
و قيل: إنه احتال لرؤيتها، و كانت بقزوين فذهب إليها، و مرّ بزيات يدور بالزيت فأخذ ثياب الزيات فلبسها، و ساق الحمار حتى أدخله قصر سعيد، و جعل ينادي:
من يشتري الزيت.
فخرجت الجواري ينظرن فقالت جارية منهن لسلمى: ما رأيت إنسانا أشبه بالوليد من هذا الزيات ابن اللخناء.
فنظرت سلمى إليه فقالت للجارية: ويحك هو و اللّه الوليد و قد رآني، قولى له: يا
[1] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 5/ 372: (أراد الوليد بن يزيد الحج و قال: أشرب فوق الكعبة، فهم بقتله قوم، فحذره خالد القسري).
ثم قال في تاريخ الإسلام 5/ 176 و 179: (قلت: مقت الناس الوليد لفسقه و تأثموا من السكوت عنه و خرجوا عليه، و لم يصح عنه كفر و لا زندقة، نعم اشتهر بالخمر و التلوط).
فهل أن من اشتهر بالخمر و المجون و التلوط، و أراد شرب الخمر فوق الكعبة، و رمى القرآن بالنبل حتى مزقه، و يأتي أمهات أولاد أبيه، و غيرها و غيرها، ليس بكافر و لا زنديق!! فكيف الكفر و الزندقة؟
[2]- تاريخ دمشق: 69/ 220، و للوليد فيها أشعار كثيرة.
زيات اخرج لا نريد رؤيتك.
فخرج و هو يقول:
إنني أبصرت شخصا * * * حسن الوجه المليح
و عليّ ثوب سوء * * * من عباء و مسوح
و أبيع الزيت بيعا * * * خاسرا غير ربيح
و فيها يقول و قد بلغه أنها خرجت في يوم عيد:
خبّروني أن سلمى * * * خرجت يوم المصلى
فإذا طير مليح * * * فوق غصن يتفلى
قلت من يعرف سلمى * * * قال أنا ثم تعلى
قلت أهل أبصرت سلمى * * * قال لا ثم تولى [1]
و قال فيها أيضا:
ألا ليت الإله يجيء بسلمى * * * كذاك اللّه يفعل ما يشاء
فيخرجها فيطرحها بأرض * * * فيرقدها و قد سقط الرداء
و يأتي بي فيطرحني عليها * * * فيوقظنا و قد قضى القضاء
و يرسل ديمة سحا علينا * * * فيغسلنا و لا يبقى عناء [2]
و قال أيضا فيها:
شاع شعري بسليمى و ظهر * * * و رواه كل بدو و حضر
و تهادته العذارى بينها * * * و تغنّين به حتى انتشر
قلت قولا لسليمى معجبا * * * مثل ما قال جميل و عمر
لو رأينا لسليمى أثرا * * * لسجدنا ألف ألف للأثر
[1]- الاغاني: 7/ 36، تاريخ دمشق: 69/ 222.
[2]- العقد الفريد: 4/ 420، تاريخ دمشق: 69/ 222.
و اتخذناها إماما مرتضى * * * و لكانت حجّنا و المعتمر
إنما بنت سعيد قمر * * * هل حرجنا إن سجدنا للقمر [1]
و فيها يقول أيضا:
أراني اللّه يا سلمى حياتي * * * و في يوم الحساب كما أراك
أ لا تجزين من همت دهرا * * * و من لو تطلبين لقد قضاك
و من لو ميت مات و لا تموتي * * * و لو أنسى له أجل بكاك
و من حقنا لو أعطى ما تمنى * * * من الدنيا العريضة ما عداك
ايتيني هائما كلفا معنى * * * إذا خدرت له رجل دعاك
و قال أيضا:
ويح سلمى لو تراني * * * لعناها ما عناني
متلفا في اللهو مالي * * * عاشقا حور الغواني
و لقد كنت زمانا * * * خالي الذرع لثاني [2]
و له فيها أيضا يقول:
بات من بات خليا من ألم * * * و بلائي بتّ ليلي لم أنم
احكمي في الوصل إذ وليته * * * ليس قتل الناس من عدل الحكم
إن سلمى و لنا من حبها * * * ديدن في القلب مشعور السقم
تيمتني بلذيذ طعمه * * * و ثنايا لم يتنهن قصم
و له أيضا:
نزلت سلمى بسلمى * * * منزلا ذا عدواء
فزجرت النفس عنها * * * لو تناهت لانتهاء
[1]- العقد الفريد: 4/ 420، تاريخ دمشق: 69/ 223.
[2]- الاغاني: 7/ 39، تاريخ دمشق: 69/ 223.
قلت يا نفس ذريني * * * ما لسلمى من رجاء
فلقد كان رجال * * * بهم أمثال دائي
نظرت سلمى و قالت * * * حين صدت يا نسائي
نظر الظبية ربيت * * * و هي و سنا في ظبائي
و له أيضا:
منازل قد تحل بها سليمى * * * دوائر من قد أضربها السنون
أرميت حفظ السر يا سلمى * * * إذا ما السرباح به الخئون
و له أيضا قوله:
وجدت العيش يا سلمى * * * سراج الكأس للكأس
إذا ما الكاس دارت ثم * * * هزت فروة الرأس
و فتيانا أنادمهم * * * كراما غير انكاس
أراني زائرا سلمى * * * و ما بالحب من بائس
خسرت اليوم في سلمى * * * براذيني و أفراسي
وجدت الحبّ بليه * * * تعادي الناس بالناس
و قال لمّا قاموا عليه ليخلعوه:
دعوا لي سلمى و النبيذ و قينة * * * و كأسا ألا حسبي بذلك مالا
إذا ما صفى عيشي برملة عالج * * * و عانقت سلمى لا أريد بدالا
خذوا ملككم لا ثبت اللّه ملككم * * * ثباتا يساوي ما حييت عقالا
و خلوا عناني قبل عثر و ما جرى * * * و لا عنفوني أن أموت ضلالا [1]
ثم قال لعمرو: يا جامع لذتي غنّني، فغنّاه بهذا الشعر.
و قاموا إليه و قد أحاطوا به، فقال: ما نقمتم مني، أ لم أزدكم في عطاياكم و أغنيت
[1]- الكامل في التاريخ: 5/ 287.
فقراكم و أخدمت زمناكم، و رفعت عنكم المؤن، فما نقمتم علي؟
فقالوا: نقمنا عليك بانتهاكك حرم اللّه، و شرب الخمور، و نكاح أمهات أولاد أبيك، و استخفافك بحق اللّه.
و رموه بالحجارة و قالوا: اقتلوا اللوطي قتل قوم لوط.
فانصرف و جلس و أخذ المصحف و قرأ فيه و قال: يوم كيوم عثمان، فدخلوا عليه و قتلوه [1].
و له في سليمى:
إن سليمى عليك زارية * * * غضبى ففيم الغداة تغضبها
أريد اتيانها فيمنعني * * * علمي بما عندها فأرهبها
أخشى هنات لها إذا غضبت * * * و حلفة لا تزال توجبها
قد اجتمعت هجرة و حملها * * * واش ملظ بما يحربها
يحلف باللّه لا يزال بها * * * يصدقها مرة و يكذبها
و له في سليمى قاله على لسانها:
أقرأ على الوليد سلاما * * * قل مني تحية للوليد
مني فقد تجشمت فينا * * * دلج الليل في سقوط الجليد
حسدا ما حسدت أخنى عليه * * * ربنا بيننا و بين سعيد
يعني أباها، و قال أيضا:
قربا مني خليلي * * * عبد لا دون الشعار
اسقياني و ابن حرب * * * و استرانا بالإزار
فلقد أيقنت أني * * * غير مبعوث لثار
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 551، تاريخ دمشق: 63/ 339، البداية و النهاية: 10/ 12، تاريخ ابن خلدون: 3/ 108.
لا و لا جنّة خلد * * * ذات روض و قرار
و اتركا من يطلب الجنة * * * يسقى في خسار
ساروض الناس حتى * * * يركبوا دين الحمار [1]
و له و قد عاتبه أهل بيته:
اسقني يا ابن سالم قد أتانا * * * كوكب الصبح و انجلى و استنارا
اسقني من سلاف ريق سلمى * * * و اسق هذا النديم كأسا عقارا
ربما سرك البعيد من الناس * * * و كان القريب نارا فنارا
و له أيضا فيها:
أم سلام لو لقيت من الوجد * * * عشير الذي لقيت بذاك
فأثيبي بالود صبا عمدا * * * و شقيقا يشجبه ما عنه باك
أنت تفدين عنه من كل سوء * * * و من السوء قد يكون فداك
من لقلب أمسى كئيبا حزينا * * * مستهاما قد ذاب بين التراك
أم سلام ما ذكرتك إلّا * * * شرقت بالدموع عني المآقي
حذرا أن تبين دار سليمى * * * و يصبح الناعي لها بفراقي
و قال فيها أيضا:
أنا في يمنى يديها * * * و هي في يسرى يديه
إن هذا لقضاء * * * غير عدل في القضية
ليت من لام صحبا * * * في الهوى لاقى البليه
فاستراح الناس منه * * * ميتة غير سويه [2]
فقال لمّا عذل و قيل له: إنك قد شبت:
[1]- أمالي المرتضى: 1/ 90.
[2]- العقد الفريد: 4/ 420، تاريخ دمشق: 69/ 223.
و لقد قضيت و إن تحلل لمتى * * * شيب على رغم العدى لذاتي
من كاعبات كالدمى و مناصف * * * و مراكب للصيد و النشوات
في ثنية يأبى الهوان وجوههم * * * شم الأنوف حجا حج سادات
إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها * * * أو يطلبوا لا يدركوا بترات
[خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك]
فبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك لعنه اللّه، فقاموا معه على الوليد فقتلوه، و كان مقتله يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الأخرى، في سنة ست و عشرين و مائة، و كان يكنى أبا العباس [1].
و اختلف في سنّه فقيل: قتل و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة، و قيل: ابن ست و ثلاثين، و قيل: ابن أربعين سنة، و قيل: ابن خمس و أربعين سنة، و قيل: ابن إحدى و أربعين سنة [2].
و ولّي بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك، و كان قدريا و غدا خبيثا، و قصرت أيامه عن أن يذكر فيها، و قامت عليه الثورة و كانت أيامه أيام حرب، و هو الذي يقال له:
الناقص، لأنه نقص الجند من العطاء فسمّي بذلك [3]، و لذلك يقول بعض بني أمية يرثي مسلمة بن عبد الملك:
و ليتك لم تمت و فداك قوم * * * تزيح أنينهم عنها الديار
سقيم الصدر أو عسر نكيد * * * و آخر لا يزور و لا يزار
قالوا: يعني بسقيم الصدر: يزيد الناقص ابن الوليد، و بالعسر النكد: هشام بن عبد الملك، و بالذي لا يزور و لا يزار: مروان بن محمد [4].
و ولّى يزيد بن الوليد العهد أخاه إبراهيم بن الوليد، و أخذ له البيعة على الناس.
[1]- تاريخ خليفة: 288، تاريخ الطبري: 5/ 556، تاريخ دمشق: 63/ 345، البداية و النهاية: 10/ 7.
[2]- انظر: تاريخ خليفة: 288، تاريخ الطبري: 5/ 556، نتريخ دمشق: 63/ 344.
[3]- الثقات لابن حبان: 2/ 321.
[4]- تاريخ دمشق: 58/ 45.
و مات يزيد سلخ ذي الحجة من سنة ست و عشرين و مائة، و كانت خلافته خمسة أشهر و ليلتين، و قيل: بل مات لعشر بقين من ذي الحجة، و قيل: سلخ ذي الحجة من هذه السنة بدمشق، و هو ابن ست و أربعين سنة، و قيل: ابن ثلاثين، و قيل: ابن سبع و ثلاثين [1].
[خلافة إبراهيم بن الوليد و مروان بن محمد]
و ولّي بعده أخوه إبراهيم بن الوليد فقام عليه مروان بن محمد، و ذلك أنه بلغته أبيات الحكم بن الوليد بن يزيد، و كان قد ولّاه أبوه و كان بنو أمية يروون أن ملكهم ينقطع على ابن أمة.
فقيل: إنهم لذلك كرهوا الحكم، فقال:
أ تنزع بيعتي من أجل أمّي * * * و قد بايعتم قبلي هجينا
و مروان بأرض بني نزار * * * كليث الغاب مفترشا عرينا
فإن أهلك أنا و ولي عهدي * * * فمروان أمير المؤمنينا
في شعر طويل له، فمن أجل قوله: فمروان أمير المؤمنينا، طلب ذلك مروان و كان بالشام [2].
فلمّا هلك يزيد بن الوليد و ولّى أخوه إبراهيم بن الوليد سار إليه مروان بأهل الجزيرة و أهل قنسرين و أهل حمص، و أرسل إليه إبراهيم بن الوليد سليمان بن هشام بن عبد الملك في أهل الشام، فالتقوا بأرض الغوطة، فانهزم سليمان و وصل إلى إبراهيم، و سار مروان في أثره فخلع إبراهيم نفسه و دخل في طاعته، و اجتمع الأمر
[1]- تاريخ خليفة: 293، تاريخ الطبري: 5/ 595.
[2]- تاريخ الطبري: 5/ 607، تاريخ دمشق: 15/ 83.
لمروان، فنبش يزيد بن الوليد و صلبه [1].
و قيل: إن خلع إبراهيم كان في شهر ربيع الآخر سنة سبع و عشرين و مائة، و كانت ولايته سبعين ليلة لم يتم له فيها أمر، مرّة يسلم عليه بالخلافة و لا بالإمرة، و مرّة لا يسلم عليه بالخلافة و لا بالإمرة، و بقي بعد أن خلع إلى أن حضر مروان يوم الزاب، فانهزم مع مروان فغرق مع من غرق في النهر يوم السبت لإحدى عشرة خلت من جمادي الآخر سنة اثنين و ثلاثين و مائة.
ثم اضطرب أمر مروان و كثر عليه القيام إلى أن قام عليه أبو مسلم، فانتزع الأمر من يديه و قتله و كان لأم ولد، فهم يرون أنهم كذلك كانت روايتهم: أن أمرهم ينقطع على يدي ابن أمة، فرأوا أن ذلك هو مروان.
و لمّا غلب مروان بن محمد على أمره جعلوا يطلبونه و هو يسير بين أيديهم كلما قربوا منه سار حتى أتى مصر، ثم انتهى إلى قرية من قرى الفيوم يقال لها: بوصير [2]، فقتل بها يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنين و ثلاثين و مائة، و هو ابن اثنين و ستين سنة في قول بعضهم، و قال آخرون: ابن ثمان و خمسين سنة، و قيل: ابن تسع و ستين [3].
و كانت أمّه أمة لإبراهيم بن الأشتر النخعي أصابها أبوه محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر في ثقله، فاتخذها مروان و ولدت على فراشه.
[1]- تاريخ الطبري: 5/ 606، البداية و النهاية: 10/ 25.
[2]- بوصير: اسم لأربع قرى بمصر: بوصير قورديس من كورة الاشمونين، و بوصير السدر من كورة الجيزة، و بوصير دفدنو من كورة الفيوم، و بوصير بنا من كورة السمنودية، و في أولاهن قتل مروان بن محمد بن مروان الذي انقرض به ملك بني أمية. معجم البلدان: 1/ 509.
[3]- تاريخ الطبري: 6/ 97، البداية و النهاية: 10/ 50.
و قيل: إنها كانت حاملا يوم أصابها أبوه به، و لذلك قال عبد اللّه بن عياش المنتوف لأبي العباس لمّا دخل عليه: الحمد للّه الذي أبدلنا بحمار الجزرة و ابن أمة النخع بابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [1].
و كانت أيام مروان كلها أيام حرب، و قام عليه الناس من كل جهة إلى أن قتل بها.
فأما الخبر المشهور عن علي عليه السّلام أنه كان يقول: «هلاك بني أمية على رجل أحول منهم» [2]، فإن الأحول منهم هو هشام، و رجل هاهنا: عقبه من بعده، و الهلاك هو دمارهم أجمعين، و قد بقيت منهم البقية الملعونة بأرض الأندلس عبد الرحمن، و يقال: إن آخرهم كذلك يكون عبد الرحمن كما كان أولهم بالمشرق مروان و آخرهم مروان، هذا فيما يحكى قديما و يؤثر، و اللّه بالغيب أعلم.
و كان قيام أبي مسلم على بني أمية بدعوة إمام الهدى من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السّلام، و أظهر القيام بثار الحسين و صبغ بالسواد أعلامه، و ألبسه رجاله إظهارا للحزن على الحسين عليه السّلام و الدعوة إلى الإمام من ولده، و هو مستور لا يظهر خبره، و مكتوم لا يعلم أمره.
فلمّا فشت الدعوة و ظهرت، و قام بها الدعاة و انتشرت، و انتقصت أطراف مروان بن محمد و هزمت جيوشه موقفا بعد موقف، و هو في ذلك على عزم قوي و كفاح شديد و مكابرة عظيمة، اضطر الدعاة إلى أمر خافوا الفتق من أجله أن يظهروا الإمام، و رأوا أنهم إن لم يفعلوا ذلك فسد الأمر عليهم و خافوا انحرافه في أيديهم، فطالعه في ذلك من يتصل به منهم، فامتنع من الظهور و سلطان أمية قائم و أمر مروان على ما كان عليه، فلمّا لم يجدوا في ذلك حيلة دبّروا أن يقيموا رجلا يظهرون أنه الإمام الذي دعوا إليه، حتى إذا أتوا على ما يريدون أزالوه و أظهروا الإمام.
[1]- تاريخ الطبري: 6/ 97، شرح نهج البلاغة: 7/ 157.
[2]- تهذيب الكمال: 13/ 545، البداية و النهاية: 9/ 386.
و كان أبو العباس عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس حينئذ مطلوبا مستترا و علموا موضعه، فرأوا من الرأي أن يظهروا أنه هو الذي دعوا إليه و لأنه أيضا من بني هاشم، فإذا تم له الأمر أخّروه و أظهروا الإمام، ففعلوا ذلك، فلمّا قتل مروان و أرادوا ذلك وجدوا عمومة أبي العباس و أهل بيته قد آزروه و منعوه، فلم يمكنهم فيه في ذلك الوقت، و خافوا أن ينفتق من ذلك فتق و رجال بني أمية بتوفرهم و هم قريبوا عهد سلطانهم، فجعلوا يقتلونهم و يشردونهم، و أمر أبي العباس بتسوي و استعماله بعض الدعاة ثم مات، و ولى أخوه أبو الدوانيق، و أراد أبو مسلم إظهار الأمر فعاجله أبو جعفر فقتله و استحكم له الأمر و استتر الإمام، و كانت في ذلك أخبار تخرج عن حدّ هذا الكتاب، و ليس إليها قصدنا فنستقصيها.
ذكر مناقب الأئمة القائمين بالإمامة المهديين و مثالب المتغلبين بأرض الأندلس من بني أمية الظالمين لعنهم اللّه
وقفنا في الباب الذي قبل هذا الباب من مناقب الأئمة، و على مناقب جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه، و ذكرنا ما كان من أمر الدعوة إليه و تغلب بني العباس عليها بالسبب الذي قدمنا ذكره فيما ذكرنا من أخبارها، فطالب بنو العباس كل من ركنوا عليه أن الدعوة كانت إليه، و كان الذي طالبهم أبو الدوانيق، و كان قبل ذلك قد حضر مجلس جعفر بن محمد و هو يرى حينئذ أنه من خاصته، و قد جرى ذكر تخلخل أمر بني أمية و ما داخلهم من الوهن، فقال لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليه السّلام بعض من كان أيضا يرى أنه من خاصته: يا أبا عبد اللّه إلى متى هذه الغفلة عن حقك و ترك زمام القيام بأمرك، و أنصارك كثير و شيعتك من كل بلد.
فقال له: «ليس هذا زمن ذلك، إنها و اللّه لا تصير إلينا حتى يتلاعب بها هذا و أبناؤه من بعده دهرا طويلا».
فكان إذا ذكر له جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه ذكر هذا الحديث، و يقول: أنا أعلم بجعفر، ليس هو ممّن يقوم في هذا الأمر.
فصرف اللّه عنه شرّه بذلك، على أنه قد رامه غير مرة فحاله اللّه بينه و بينه بقدرته.
و ابتدأ بنو العباس دولتهم بأمر و كيد و تغليظ شديد، فاستتر جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه، و استتر الإمام إلّا عن ولده و خاصة شيعته، و مضى الأمر على ذلك إلى وقت ظهور مهديّهم الذي دلت عليه العلامة، و تواترت بذكره عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الروايات بما لو ذكرنا بجملته لخرج عن حدّ هذا الكتاب قدره، و قد أفردنا لذلك كتابا مثله.
[المهدي الموعود و بعض روايات الظهور]
و نذكر في هذا الباب كما شرطنا نكتا منه:
فمن ذلك: ما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا» [1].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «أبشروا بالمهدي فإنه يبعث على تتابع من الفتن و غلظ من الزمن» [2].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «المهدي من ولد فاطمة يظهر من جهة المغرب فيملأ الأرض عدلا».
فقيل: يا رسول اللّه و متى يكون ذلك؟
فقال: «إذا ارتشت القضاة و فجرت الأمة، و هو الفريد الغريب».
قيل: و كيف ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «ينفرد من أهله، و يتغرّب عن وطنه» [3].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «تطلع الشمس من مغربها على رأس الثلاثمائة» [4].
فذهب الناس إلى أنها شمس السماء، فلم يكن ذلك مع صحة الحديث و اشتهاره، فعلم أنه صلّى اللّه عليه و آله أراد بالشمس هاهنا المهدي الذي بشّر به و أخبر أنه يظهر من
[1]- سنن أبي داود: 2/ 309 ح 4282، المعجم الاوسط: 2/ 55، مطالب السئول: 2/ 154.
[2]- تاريخ دمشق: 64/ 267، كنز العمال: 14/ 274 ح 38703 (بتفاوت).
[3]- فرائد السمطين: 2/ 310 ح 561، كنز العمال: 14/ 262 ح 38653 (بتفاوت).
[4]- مسند أحمد: 2/ 164، سنن أبي داود: 2/ 317 ح 3412، صحيح البخاري: 5/ 195، صحيح مسلم: 1/ 95.
المغرب، و هذا معروف في لسان العرب، يسمّون الرجل الشريف قمرا و شمسا، و قد ذكرنا أن هاشم بن عبد مناف كان يسمى: القمر.
فقال النابغة في النعمان:
لأنك شمس و الملوك كواكب * * * إذا طلعت لم يبد منها كوكب [1]
و قال فرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم * * * لنا قمراها و النجوم طوالع [2]
فقالوا: يعني بالقمرين الشمس و القمر، كما قالوا: العمران، لأبي بكر و عمر، لما كانت أيام عمر أطول و أشهر فنسب أبو بكر إليه [3]، و كذلك لمّا كان القمر يرى ليلا و نهارا و كانت الأبصار أكثر عليه وقوعا من الشمس كان أشهر عندهم فأضافوا الشمس إليه، فقالوا: القمران.
و قالوا: أراد الفرزدق هاهنا بالشمس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بالقمر إمام الزمان من أهل بيته، و مثل هذا في الشعر كثير.
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدرّي، اللون لون عربي و الجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل الأرض و أهل السماء» [4].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «يخرج المهدي من المغرب و فيه علامة، بين كتفيه شامة و في ساقه
[1]- تاريخ دمشق: 23/ 53، شرح نهج البلاغة: 20/ 158.
[2]- ديوان الفرزدق: 1/ 419، تاريخ الطبري: 6/ 541، الكامل للمبرد: 1/ 187، تاريخ دمشق: 17/ 173.
[3]- انظر: النهاية لابن الاثير: 1/ 372، لسان العرب: 3/ 227.
[4]- الفردوس بمأثور الخطاب: 4/ 221 ح 6667، كفاية الطالب: 501، جواهر العقدين: 2272.
شامة» [1].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «إذا ظهر المهدي في أمتي، أخرجت الأرض زهرتها و أمطرت السماء مطرها» [2].
و قال علي عليه السّلام: «ذكر رسول اللّه المهدي فقلت: هو منّا يا رسول اللّه أو من غيرنا؟
قال: بل منّا أهل البيت، بنا يختم الدين كما فتح بنا» [3].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «المهدي منّا أهل البيت يصلح اللّه له أمره كله في ليلة واحدة» [4].
و قال صلّى اللّه عليه و آله: «رأيت بني أمية على منابر الأرض، و سيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء لا يقاومهم أحد إلّا نطحوه، فانتظروا بهم اختلاف سفهائهم، فإذا اختلف سفهاؤهم ارتدوا على أعقابهم لا يرتقون فتقا إلّا فتق اللّه عليهم أعظم منه حتى يخرج مهديّنا» [5].
و قال صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام في مجلس ليس فيه غير بني هاشم: «يا أبا الحسن إن جبرئيل أخبرني أنك مقتول».
ثم نظر إلى بني هاشم فقال: «كأني بكم من بعده و قد وليكم بنو أمية يقصدون بكم الضرورة و يلتمسون بكم المشقة، ثم تكون دولة بني العباس يعملون فيها بأعمال الجبارين، فالويل لعترتي و لبني أمية منهم».
قالوا: يا رسول اللّه يكون هذا و نحن أحياء؟
[1]- الغيبة للنعماني: 216 ح 5 (بتفاوت).
[2]- مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 678 ح 184 و 199، الدر المنثور: 6/ 58.
[3]- الفتن للمروزي: 229، المعجم الاوسط: 1/ 56، تاريخ ابن خلدون: 1/ 318، ينابيع المودة: 3/ 392 ح 33.
[4]- كمال الدين: 152 ح 15.
[5]- الدر المنثور: 4/ 191، دون ذيل الحديث.
فقال: «و الذي نفسي بيده لمن في أصلاب فارس و الروم أرجى عندي لأهل بيتي منهم، ثم يخرج رجل من أهل بيتي فيملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما، يسقيه اللّه يوم القيامة من صوب الغمام».
و الحديث في هذا كثير كما ذكرنا و الدلائل مشهورة كما وصفناه، فهذه العلامات و الدلائل كانت في المهدي، و قد جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه ذكر المهدي عليه السّلام فوصف ما يكون من أمره في غير حديث فقالوا: يا رسول اللّه هذا كله يكون في عصر المهدي و وقته؟
فقال: «ما لم يكن في عصره و وقته من ذلك، فهو كائن في أعصار الأئمة من ولده».
و هذا أيضا في لسان العرب موجود، يضيفون فعل المرء إلى غيره إذا كان المضاف إليه يتصل به أو يتسبب بسببه أو يتولّاه أو عنه يكون أمره، كما يقال: ضرب الأمير فلانا، و إنما ضربه بأمره بعض أعوانه، و قتله إذا قتله بأمره بعض عمّاله، و فعل القوم كذا و فعله أسلافهم قال اللّه عزّ و جلّ: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [1] لقوم قتلهم أسلافهم، و قد ذكر اللّه في كتابه: أنه يظهر رسول اللّه بدينه على الدين كله، و قبضه إليه و لم يظهره إلّا على بعض ذلك، و أظهر من بعده من أوليائه و أهل دعوته، و يظهرهم كما وعد، و كما أن كل ظهور يكون للمسلمين، و كل فتح يفتح اللّه في الإسلام فهو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا كان أصله و سببه و عنه يفرع أمره، و كذلك ما يكون في أعصار الأئمة من ولد المهدي، فهو ينسب على هذا التنزيل إليه، إذ كان هو أول قائم بالحق منهم و صادع بأمر اللّه لهم.
و لمّا أفضت الإمامة إلى المهدي و فشت في أقطار الأرض دعوته، و أن من قيامه وقته، خرج مهاجرا إلى دعوة كانت له بناحية المشرق، فصدّ عنها فصار إلى أقصى
[1]- سورة البقرة: 91.
المغرب، و طلب من وقت خروجه من رحلته، و فرّقت الرسل و الكتب في أثره بطلبه، و اللّه يكلؤه في ذلك و يقيه و يكفّ عنه كل متطاول بسوء إليه، إلى أن بلغ أقصى مهاجرة من أرض المغرب مستترا، ثم بدأ ممّا هنالك ظاهرا كما جاءت به الروايات و دلّت عليه العلامات، و كان ذلك في الوقت الذي تقدم الخبر به و جاء الحديث بتحديده، و قام فريدا كما قيل فيه و حلّ غريبا كما وصف، و أيّد اللّه أمره و أعزّ نصره و أظهر أعلام الحق بقيامه و أعزّ دينه و سلطانه، و كانت له من المعجزات و البراهين و الآيات ما يخرج ذكره عن حدّ هذا الكتاب.
و لقد ألّفنا في ذلك كتابا، نذكر هجرته و قيامه و سيرته و دعوته و آياته في مقدار هذا الكتاب، فمن أراد استقصاء ذلك وجده فيه بتمامه، و كذلك أثبتنا سيرة القائم و المنصور من ولده و ما اقتفيا به آثاره من بعده، و أخبار الفتنة التي استدبرها القائم و استقبلها المنصور، و كل ما جرى في ذلك من خبر مذكور و أمر مشهور في كتاب أيضا في مقدار ذلك، فمن ابتغى ذلك أصابه فيه، و ذكرنا سيرة المعز من بعدهم صلوات اللّه عليهم و ما سمعناه منه و تأدّى إلينا عنه، من شريف كلمة و لفظة، فاضلة في كتابين: أحدهما في ذكر أيامه و سيرته، و الآخر في جزالة ألفاظه و حكمته، و نحن نجمع ذلك فيهما و ننظمه في أبوابهما إلى حين تأليف هذا الكتاب، فمن ابتغى أيما شيئا من ذلك وجده فيهما مضمّنا ملخصا، أصابه في أبوابهما مستوعبا مستقصى، و الذي انتهى إليه من كل واحد منهما يجاوز مقدار جمع هذا الكتاب بأسره، و يزيد ما اجتمع في كل واحد منهما على قدره، و ليس ما فيه فيهما و لا فيما ذكرنا، إنّا جمعناه من سير الأئمة قبلهما، ممّا يحسن إخراج البعض منه مختصرا إلى هذا لكتاب كما أخرجنا ما ذكرناه، إنّا أخرجناه من ذلك فيما تقدم من أبواب الكتاب، و لكثرة مذاهبه و فنونه و اتساع القول في غرر نوادره و عيونه، و لأن بعضه ببعض مقيّد و منظوم مؤكّد مشدّد، يشهد أوله لآخره و صادره لغابره، و لكنّا نذكر جلّ المعاني في ذلك بجملة واحدة، و ما الأمّة على تصديق قولنا فيه شاهدة غير جاحدة: إنهم قاموا يدعون
بكتاب اللّه ربّهم إلى إحياء سنّة رسول اللّه جدّهم صلّى اللّه عليه و آله و بحجج باهرة منهما لمّا دعوا إليه، و تأويل من كتاب اللّه قد جاء ذكره فيه، كما قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بتنزيله، إذ كان اللّه قد أودعهم علم تأويله، و جعله لهم برهانا و آية و دليلا عليهم و معجزة، لم يرعهم عن ذلك أن مكّن اللّه لهم و أظهر ملكهم و أقدرهم، فيدعون شكرا لرعاياه بإهمالها و تركها، و ما تخيرته من مذاهبها و انتحالها، كما فعل ذلك من كان غرضه من المتغلبين من بني أمية و بني العباس، أن يملك أمر ما تغلب عليه من أمور الناس، ثم لا يبالي بما انتحلوه و لا ما بدّلوه من دينهم و غيّروه و لا ما أحدثوه و ابتدعوه، إذا هو ظفر بدنياهم، فأعطوه أزمّة طاعتهم و مقاليد أمورهم، إذ كان منهاج الأئمة صلوات اللّه عليهم و قصدهم القيام بما حمّلهم اللّه من صلاح أمر عباده و تقويمهم على سبيل دينه و منهاجه، و غرض المتغلبين ما قصدوه من حطام الدنيا و عاجل متاعها، ثم لا يعبئون بما كان عليه أهلها.
و كان قصد الأئمة عليهم السّلام إقامة منهاج الدين و تبيان سبيل السنن و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و نشر عدل اللّه في بلاده، و إقامة حدوده على عباده، و حسم ما عليه ملوك بني أمية و بني العباس، من إظهار المعاصي و العدوان و شرب الخمور و عزف القيان و التفكّه بالعواهر و الغلمان، كفعل شرار الملوك الكفار و ذوي المعاصي من العوام و الأشرار، و على ذلك من القيام بأمر اللّه في عباده و بلاده.
و مضى من الأئمة السلف و عليه من بقي منهم من الخلف مع العدل و الإحسان و التطول على الرعايا و الامتنان، و قمع أهل التجاوز و العدوان، لم يوصم أحد منهم بزلة و لا ادّعى عليه بخزية و لا وسم بمعصية و لا هفوة، و سوآت من نازعهم الأمر في ذلك بادية، و عيوبهم للخلائق مكشوفة ظاهرة، لا ينكرها وليّهم و لا يدفعها من احتج لهم، و لا يرى من استقضوه قبول شهادتهم، و لا يعتقد من تغلبوا عليه لهم عدالة في إمارتهم.
[خلافة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك و ولده]
و أمّا فرع بني أمية عند ما ذكرناه من انقطاع مدتهم ممّن نزح إلى أرض الأندلس، لخوف بني العباس و سطوتهم، فإن بني العباس لمّا انتزعوا ملكهم من أيديهم و تغلبوه بالقهر- كما ذكرناه- عليهم يطلبونهم بالقتل في مظانهم و يشرّدونهم عن أوطانهم و مكانهم، فنزح عبد من بعض عبيدهم بغلام، ذكر ذلك النازح به أنه: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بزعمه، و قد قيل: إنه دعي، و قال قوم: هو منسوب لغير رشده، فإن يرد لذلك النقص فلا أنقص ممّن انتسب إليه و لا أحسن ممّن ادّعاه و اتصل به، و لأن يكون دعيا و لغير رشده خير له من النسب الذي نسب إليه و قام به.
و كان الغلام الذي أتى به زعم أنه إنما أتى به فارا بزعمه من بني العباس مخافة منهم عليه، و هو يومئذ غلام حدث، و زيّاه بزي العبيد، و كان إذا مرّ به من يخافه عليه أن يعرّفه ابن عمه، عمد إليه فصقع قفاه لئلّا يؤبه به، إلى أن وصل به أرض الأندلس و بها يومئذ عامل بني أمية، و قد انتهى إليه انقطاع مدتهم و ذهاب سلطانهم، فسلّم العمل خوفا ممّا يأتيه و حذرا من سوء العاقبة فيه، و كان الذي استعمله عليه صاحب إفريقية، و كانت أرض الاندلس من عمله، فهاجت بإفريقية فتنة الفهري و هجومه و تغلبه على أهلها.
و طالت الأيام بها و انقطع عن أرض الاندلس أمرها و بقي أهلها هملا، فدخل هذا الغلام بعبد الرحمن هذا إليها [1]، و جعل يدور به في أقاليمها يستجدي له الناس، و يسألهم من صدقاتهم له و ينسبه لهم و يصف ما بينه و بين أمية، فمن رقّ له أعطاه و من شاء أحرمه، فقيل: إنه لمّا تأمّر بعد ذلك و قوى أمره حاسب أهل القرى على ما
[1]- و لذلك يسمّى بالخليفة الداخل، انظر: نسب قريش: 168، تاريخ دمشق: 35/ 445.
كانوا يعطونه، فأوجب على كل من أعطاه (...) [1] كان عنده أن ذلك الذي أعطاه إنما أعطاه من صدقة وجبت على المعطي، و من لم يعطه شيئا لم يعرض له، فكان ذلك ممّا عرف من خساسته و سوء مذهبه و نذالته.
و لم يزل كذلك يستجدي له الناس، و يطوف في أقاليم الاندلس إلى أن شبّ و كبر، و خاف من كان من العمال بالاندلس سوء عواقب الزمان و حذروا طلب بني العباس، فسلموا الأعمال، و احتال ذلك العبد الذي جاء على تسليم ذلك له، فإن كان ما يكره وقع به تسمّى بالأمير على وهن و ضعف و تغرير.
و دامت الغفلة عن أرض الاندلس و استقلها و استعبدها من ولي إفريقية من ولاة بني العباس، لأنها كانت من أعمال إفريقية، و استصغروا ما يكون منها في جانب ما يلزم في غزوها، و اشتغلوا بتوثب الجند عليهم واليا بعد والي.
و امتد الأمر لعبد الرحمن و لمن ولّي بعده من نسله لهذه العلة و السبب، و هم على ذلك من حال عبد الرحمن يتّسمون بالأمراء، و إذا عظّم الواحد منهم من أراد تعظيمه قال: يا ابن الخلائف.
و كان تأمير عبد الرحمن أولهم على ما تأمّر عليه بلا سبب يوجب ذلك له من حق و لا باطل و لا بحجة له من تغلب و لا واجب، لأن جدّه هشاما لم يكن عهد إلى أبيه و لا صار شيء من ذلك الأمر المغتصب إليه، و لا هو من أهله، و لا استعمل أحد على ما وليه، فولى ذلك أيام حياته و ولى كذلك بنوه بعد وفاته.
و كان دخوله أرض الاندلس سنة ثمان و ثلاثين و مائة، فيقال: إنه لمّا استحكم أمره قتل ذلك العبد الذي كان قد خلّصه و أصاره إلى ما صار إليه، و ذلك أنه نقم عليه صقعه لقفاه.
[1]- كلمات غير مقرؤة.
و يقال: بل قطع يده فمات [1].
و ولى بعده ابنه هشام، و ولي بعد هشام ابنه الحكم، ثم عبد الرحمن بن الحكم، ثم محمد بن عبد الرحمن، ثم المنذر بن محمد، ثم عبد اللّه بن محمد، ثم عبد الرحمن بن محمد [2].
و كل هؤلاء كان خبث الولاية، رديء الفرج، دنيء الهمّة، يشرب الخمور، و يلهو بالمعازف، و يتفكّه بالغلمان، و ينادم المجان، و يستمع القيان، و يأكل الحرام، و يتعدى في الأحكام، كسبيل من مضى من أسلافهم، و كانوا كلهم يتّسمون بالأمراء، لا يدّعون الخلافة، و لا يتّسمون بالإمامة، و لا يخطبون على منبر و لا يخطب لهم عليه، و لا يضرب بأسمائهم دينار و لا درهم، و لا يسمّون في طراز و لا علم، و كانت السكة عندهم تضرب باسم صاحب إفريقية من أمراء بني العباس، و ذلك كله على ما جرت عليه رسوم البلد مع عمّاله، لم يكن ينساغ لهم تعدي ذلك، و لا مخالفة شيء منه، و لا لخروج عن حدود من تقدمهم فيه من ولاة البلدان، الذين جلسوا مجالسهم و تغلبوا على مكانهم، إلى أن مضى صدر من أيام عبد الرحمن بن محمد، فتعدى طوره و تجاوز إلى ما لم يتجاوز سلفه، و سوّغه ذلك من طغام أهل الأندلس ما لو رامه آبائه لم يسوغهم ذلك آبائهم و لا رضوا به لهم، فتسمّى بأمير المؤمنين بزعمه، و نقش السكة و طرّز الطراز باسمه، و بائن أوليائه بعداوته على سوء حاله و خساسة طبعه و همته و قبح رأيه، و علته أنه جمع إلى ما ذكرناه من سوء أحوال سلفه، أنه كان مرهونا في نفسه مفعولا به، لا يستر في ذلك من حاله و لا يدرءوه عنه من عسى أن يقوم بحجته، قد عرف بذلك و اشتهر به و اتخذ من ذوي الجلد و القوة على الباه من الغلمان قوما بعد قوم له، قد عرفوا بذلك و وسموا به، مع إظهاره شرب الخمور،
[1]- التنبيه و الاشراف: 285- 288، البداية و النهاية: 10/ 80.
[2]- تاريخ دمشق: 35/ 446، البداية و النهاية: 10/ 81.
و سماع القيان، و ضرب الطنابير و العيدان، يفد أصحاب الملاهي عليه من شاسع البلدان، و ينزلهم لديه لذلك في أقرب المكان، و يؤثرهم بأجزل العطاء و الإحسان، و يظهر العبث بالمردان و إن كان هو المعبوث به لا محالة، و لكن هو يدّعي ذلك للتمويه و النذالة، و يعتقد على رعيته في حسن السيرة بزعمه، بأن أباح هذه المعاصي لها و ترك النكير فيها عليها، و خلاها و ما يعتقده من مذاهبها، فتفكّهوا بالغلمان و جاهروا باللواط عن إعلان، و فشت فيهم الأبنة لما اعتادوها صغارا فدرجوا عليها كبارا، و ظهر فيهم الزنا، و جاهروا بالمعاصي و الغناء، و تاجروا بالخمر في أسواقهم، و أمن لديه من ظاهر بالمعاصي من فساقهم، فهو يعتد بذلك عليهم و يذكر من يريد طراء ذلك من أهل البلدان إليهم، و يفخر بمن نزع إليه منهم، على أن ذلك لو كان مفخرا لكان عليه لا له، لما انتشر في أقطار الأرض و نواحي البلدان من أهل بلده، ما لو تأملهم متأمل و اختبرهم مختبر، لم يجد قرية يجتمع فيها المسلمون بالمشرق و المغرب إلّا و فيها طائفة منهم ممّن قد نزح عن علمه رغبة عنه و خوفا من سخط اللّه أن يحل بمن فيه، و ما ذلك إن شاء اللّه ببعيد منه بأيدي أوليائه كما وعدهم و أنصار دينه كما كتب لهم، ثم تعرض لشقوته و لما أراده اللّه جلّ ذكره من أن يحلّ به من نقمته بحرب المعز لدين اللّه، فأذاقه اللّه لما تعرض له منه أليم بأسه، و أناله الذلة و الخزية في عقر داره، و منح اللّه النصر لوليه و أعلا عليه كلمته، و قد ذكرت ما جرى من ذلك في سيرة المعز لدين اللّه، و لو أعدته في هذا الكتاب لكان تكرارا و تطويلا و إكثارا، و لخرج الكتاب بذكر جملته عن حدّه و المعنى الذي بسط من أجله، و من أراد علم ذلك و ما ذكرناه أثبتناه في غير هذا الكتاب فالتمسه تجده كاملا فيما ذكرناه إن شاء اللّه تعالى، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه وحده لا شريك له، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و نعم المولى و نعم النصير.
اللهم صل على محمد و على آل محمد و بارك و سلم.
تم كتاب المناقب لأهل بيت رسول اللّه النجباء، و المثالب لبني أمية اللعناء، بعون
اللّه الملك العلّام و ماده وليّه في أرضه عليه السّلام في يوم الأحد في اليوم الحادي و العشرين، من شهر صفر المظفر سنة 1348 ثمان و أربعين و ثلاثمائة من الألف، من هجرة النبي المختار صلى اللّه عليه و على آله الأطهار، ما أظلم الليل و أشرق النهار، بخط أقل الأقلين محمد علي بن ملا سلطان علي، في زمان فترة و أوان حيرة، كتبه لنفسه و لأبناء جنسه اللهم اغفر لي و لقارئيه و لمستمعيه و لمن دعا لي بالمغفرة، آمين يا ربّ العالمين، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و نعم المولي و نعم النصير، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، اللهم صل على محمد و آله غفر الإله ذنوب هذا الساطر و ذنوب قارئيه و ناظريه، بحمد اللّه شكرا شكرا.
الفهارس العامة
فهرس الآيات القرآنية فهرس الأحاديث فهرس الأشعار فهرس مصادر التحقيق الفهرس الموضوعي
فهرس الآيات القرآنية
إذ أنتم بالعدوة الدنيا/ 148
الاخلّاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلّا/ 361
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم/ 255
إنا أعطيناك الكوثر/ 15، 203
إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم/ 183
إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا/ 155
إن اللّه اصطفى آدم و نوحا و آل/ 13
إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم/ 25، 33
إنما المؤمنون أخوة/ 256
إنما يتذكر أولو الألباب/ 269
إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس/ 34، 213، 286
أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا/ 131
أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة/ 214،
أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أولي/ 249
أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه/ 240
أ فمن كان على بيّنة من ربّه/ 211
أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا/ 188
أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه)/ 333
أ لم تر إلى الذين بدّلوا نعمة اللّه/ 183، 205
أنا خير منه خلقتني من نار/ 20
أو لمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم/ 158
تبت يدا أبي لهب/ 143
حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته/ 114
ذرني و من خلقت وحيدا/ 91
ذلك الذي يبشّر اللّه عباده الذين/ 17
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون و أملي لهم/ 225
فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب/ 85
فأرسلنا عليهم ريحا و جنودا لم تروها/ 167
فأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين/ 34
فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا/ 181، 205
فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم/ 213
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن/ 226
فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار/ 267
فو ربك لنسألنهم أجمعين عمّا كانوا يعملون/ 91
فوق بعض درجات/ 13
قل فلم تقتلون أنبياء اللّه/ 398
قل لا أسألكم عليه أجرا إلّا المودة/ 16، 17، 18، 286
قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري/ 17، 18
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم/ 317
و إذ يعدكم اللّه إحدى الطائفتين/ 148
و الذي قال لوالديه أف/ 195
و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم/ 14
و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس/ 316، 318
و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين/ 230، 243
و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به/ 223
و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما/ 260
و انذر عشيرتك الأقربين/ 16، 83، 209
و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا/ 216
و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم/ 158
و أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة/ 34
و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على/ 15
و تنذر به قوما لدّا/ 201
و جاهدوا في اللّه حق جهاده هو/ 200
و جعلنا الليل و النهار/ 267
و قل أي شيء أكبر شهادة/ 266
و كان أبوهما صالحا/ 19
و لا تتبع الهوى فيضلك عن/ 239
و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم/ 356
و لن تجد لسنّت اللّه تبديلا و لن تجد لسنّت اللّه/ 249
و لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك/ 317
و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه/ 250
و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّا/ 200
و ما كان لكم أن تؤذوا رسول/ 256
و ما كنت متخذ المضلين عضدا/ 228
و من قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه)/ 176، 264
و من قتل مظلوما فقد جعلنا/ 251
و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك/ 261
و من يتولهم منكم فإنه منهم إن اللّه لا/ 297
و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها/ 239
و يتلوه شاهد منه/ 211
هذان خصمان اختصموا في ربّهم/ 146
هم الذين كفروا و صدوكم عن/ 169
هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا/ 267
يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن/ 188
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من/ 83
يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر/ 34
يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات/ 243
يا أيّها النبي جاهد الكفار و المنافقين/ 216
يوم تبدّل الأرض غير الأرض و السماوات/ 333
فهرس الأحاديث
احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللّه/ 175
احذر أن تكون المصلوب غدا/ 334
اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في/ 178
ادفنوهم في مصارعهم/ 234
إذا ارتشت القضاة و فجرت الأمة/ 395
إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين/ 200
إذا رأيتم عمرا مع معاوية فافرقوا بينهما/ 234
إذا رأيتم معاوية يخطب على المنبر/ 233
إذا ظهر المهدي في أمتي أخرجت/ 397
إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر/ 22
إذا كان يوم القيامة نادى مناد/ 220
إذا يكبّك اللّه في النار على وجهك/ 183
اذهب به إلى رحلك فإذا أصبحت/ 174
استحييت لمّا ناشدني بالرحم و رأيت/ 156
اصنعوا لآل جعفر طعاما/ 137
اطلبوه في القتلى/ 217
افد نفسك و عقيلا/ 141، 149
الأئمة منّا أهل البيت/ 340
الأئمة من قريش/ 20
الحسن و الحسين/ 284
الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة/ 282
الحكم بن أبي العاص جاء فشق/ 195
الحلم هو الذل/ 317
الحمد للّه الذي بلغني/ 324
الحمد للّه الذي جعل مملوكي آمنا/ 318
الضيعة صدقة عليك/ 321
اللّه أعلم بإسلامك، إن يكن ما تقول حقا/ 149
اللّه أعلى و أجل و لا سواء، قتلانا في/ 161
اللهم اركسهما في الفتنة ركسا/ 232
اللهم العن التابع/ 181
اللهم العن الراكب و القائد/ 181
اللهم العن القادة و الأتباع/ 233
اللهم إنك تكفيني من كل شيء، و لا يكفيني منك/ 346
اللهم إني استودعك إياهما و استودعهما/ 293
اللهم إني أبرأ إليك ممّا فعل/ 178
اللهم إني أحبهما فأحببهما/ 283
اللهم إني لا أحسن الشعر/ 203
اللهم أبقني حتى تبلغني أملي/ 323
اللهم خذ الأخبار و العيون عن قريش/ 172
اللهم وال من والاه/ 216
المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب/ 396
المهدي منّا أهل البيت يصلح اللّه له/ 397
المهدي من ولد فاطمة يظهر من/ 395
المؤمن يأكل في معاء واحد و الكافر في/ 355
النار لهم/ 60
الولد ريحانة من اللّه قسمها بين/ 282
الولد للفراش/ 238
إلهي غارت نجوم سماواتك، و نامت عيون خلقك/ 314
إنّا آل عبد المطلب من شجرة واحدة/ 137
إن الرجل قد رجع عن كثير ممّا نقمه/ 197
إن اللّه خلق الخلق قسمين فجعلني في خيرهما/ 34
إن اللّه ليحفظ العبد المؤمن في ولده/ 19
إنّا للّه و إنّا إليه راجعون أفلتني/ 279
إن الولد لفتنة/ 283
إن أردت ذلك فافعل و هي أمانة عندك/ 209
إن بني عبد المطلب لم يخرجوا/ 147
إن رأيتم رجلا من بني أمية في/ 201
إن رأيتموه تحت أستار/ 196
إن رسول اللّه لعن أباك و أنت في ظهره/ 195
انطلق بنا يا علي لنراه/ 141
إنك ستلقى بعدي اثرة/ 220
إن كنت أنا قتلت عمارا/ 276
إنما أخرتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا/ 210
إنما أنت رجل واحد فاخذل عنّا إن/ 166
إنما مثل القائم من أهل البيت/ 334
إن من حق المسلم على أخيه أن/ 305
إن هذا سيطلب هذا الأمر بعدي فمن أدركه/ 234
إنه سيستحل هذا الحرام من أجلي/ 290
إنه ليس لنبي أن يومي/ 177
إنه مني و أنا منه/ 215
إني أريد الوقوف بين يدي ملك عظيم/ 316
إني لأكره أن أبيع ثوبا صلّيت فيه/ 321
إني و جعفر من طينة واحدة/ 137
إيها حسن/ 283
أئمة الكفر خمسة منهم/ 202
أبشروا بالمهدي فإنه يبعث على تتابع/ 395
أتاني جبرئيل و قال: يا محمد إن أمتك/ 285
أ تسمعون أما و الذي نفسي بيده لقد جئتكم/ 112
أ تقضي بين الناس يا عبد الرحمن/ 341
أثبتوا مكانكم/ 343
أريني ابني/ 282
أساءك ما صنع بأبيك/ 147
أسلمت على ما سلف لك من خير/ 63
أطع أباك/ 223
أعطي اللّه عهدا لئن خلص الأمر/ 296
أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل/ 284
أقسم باللّه لتنصفني من حقي أو لآخذنه بسيفي/ 71
أقضاكم علي 213
أ لا ترضى يا عبد اللّه أن يعطيك اللّه 73
أ لستم تعلمون أني أولى بكم من أنفسكم 215
أما إذا كان ذلك فإني أشهد 82
أما إذا كان هذا هكذا 287
أما إنه لن تغزوكم قريش 168
أما إنه ما يعرف ما هو غيري و لو لا 314
أمّا في أول و هلة فإني كففت عنك 202
أما و الذي نفسي بيده لجعيل 184
أمض فانظر ما حال القوم و لا تحدثن 167
أنا أنظرك و لكن ما قلت لك بأمانة 82
أنا خاتم النبيين و أنت خاتم 215
أنا دعوة أبي إبراهيم 19
أنا سلم لمن سالمتم و أنا 285
أنا سلم لمن سالمتم و حرب لمن 297، 299
أنا علي بن الحسين 311
أنا و اللّه لا أفارقك حتى أعجلك 156
أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك 84
أن أرى قاتل أبي مقتولا 323
أنت أول الناس بي إيمانا 218
أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة 181
أنت على خير، أنت من أزواج 286
أنت يعسوب المؤمنين و المال يعسوب 219
أنظر ما أعجزك من مال تؤخذ به فعندنا 318
أنظرني يومي هذا 82
أن قريشا لمّا رأت ما استخرجه عبد المطلب 50
أوصي من آمن بي و صدقني بولاية علي 213
أول طالع يطلع عليكم من هذا الفج 222
أو لم تسمع قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه 223
أول من يدخل الجنة علي بن أبي طالب 215
أو من قريش أنت! إنما أنت يهودي 60
أيها الناس إنه انتهى إليّ أن 279
أيها الناس هذا حق لي قد تركت 229
أي يوم أسوأ لأمتي منك، و أي يوم 235
باللّه و اللّه غلبتك يا أبا 183
برئت من حول اللّه و قوته و أسلمت إلى 345
بل عليك يا ملعون 296
بل منّا أهل البيت بنا يختم 397
تآخوا في اللّه أخوين أخوين 136
ترد على الحوض أمتي على خمس 235
تطلع الشمس من مغربها على رأس الثلاثمائة 395
تعلم أني أحبّ أهل الأرض إلى أهل 223
تقولون لا إله إلّا اللّه و تخلعون 131
حبك الشيء يعمي و يصم 85
حربك حربي و سلمك سلمي، من حاربك 219
خرجت يوما من منزلي أيام فتنة ابن 318
خلق الناس من شجر شتى و خلقت أنا 136
خليفتي فيكم خاصف النعل 219
دعوت بدعاء جدي الحسين بن علي 345
دعوه، فإن يكن فيه خير فسيأتيكم 236
دعوهم و جئته فلا حاجة لنا فيها 165
دعه إنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين 185
دعهما يستمتعان مني و أستمتع منهما 284
دعهم فسيكفيكهم اللّه 203
ذلك شيء أعطانا اللّه إياه 149
رأيت الليلة في منامي غلمان بني 200
رأيت النبي في منامي فجعلت أبكي و أقول: ما ذا 205
رأيت بني أمية على منابر الأرض 397
ربّ أسألك الراحة و الروح و الأمن 315
ربّ كم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ لك عندها 322
رحم اللّه أبا ذر، يمشي وحده و يموت 236
ستعلم يا ابن الحضرمية أكون 255
سكتّ رجاء أن يقوم إليه أحد منكم 177
سل عمّا بدا لك 343
سلوا امرأته عنه ما كان حاله 161
سمّيت ابني هذين الحسن و الحسين باسم ابني 282
شهدت قتل الحسين آنفا 284
صدقت يا علي 220
صدق يا أبت دعه يليه غيرك 189
عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك 315
عرضك من عرضي فمن سبّك فقد سبّني 220
على الدنيا بعدك العفا 309
على رسلك يا أخي قد سمعت ما 316
علي مني و أنا منه 211
علي و فاطمة و الحسن و الحسين 286
علي و فاطمة و ولدهما 19
فإني أدعوك إلى اللّه و رسوله 165
فأنا من أصحاب اليمين و الباقون من 34
فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت 149
فأين أنت من ذلك يا سعد 185
فبأي أصحاب رسول اللّه تريد أن تقتدي 343
فطب نفسا عليّ وفاء ذلك عنك 320
فقد بقيت معي بقية ممّا وجّه به معي 178
فمن كنت مولاه فعلي مولاه 216
فمن يقتلني إذا 229
قال لي جبرئيل: يا محمد ما ركزت لواء 205
قتلت مولاي و أخذت مالي 344
قد ترون ما نزل من الأمر و أن الدنيا 291
قد فرغت من كلامك يا أبا الوليد 114
قد كظمت غيظي 318
قد نصرت يا عمرو 171
قل ما بدا لك أنا ابن فاطمة و أنت ابن 334
قل يا أبا الوليد، أسمع ما تقول 114
قولوا لها: لا عليك أنت حرّة لوجه اللّه 343
كأنكم بأبي سفيان قد أتاكم يطلب 171
كأني أنظر إلى بنيه يصعدون على 195
كأني بكم من بعده و قد وليكم بنو 397
كذبت إلّا أن تخرج من ملة الإسلام 311
كلّا إنّا لا نؤاخذ بما لم تتعمده 343
كل ما جاء من عند اللّه فهو خير، لي ولد صغير 343
كلوا بسم اللّه 84
كنت إذا سألت رسول اللّه أجابني 218
لئن أظهرني اللّه عليهم لأمثلن بسبعين 158
لا أشبع اللّه بطنه 233
لا تسبّوا الأحياء بسب الأموات 5، 21
لا تسرقي 244
لا تعجلوا حتى تأتوه و تذكروا 196
لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي 172
لاستخفافك بالصوم، و إفطارك في 269
لأعطين الراية غدا رجلا يحب 212
لا و اللّه ما أظن و لكن لا أجد لك 172
لا و اللّه يا أبا حنظلة ما بلغ من ابني 172
لا يحبك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا 218
لا ينظر إلى عورتي أحد غيرك إلّا 218
لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يبعث فيه 395
لعلك أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم 182
لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبعة 260
لقد سار في ملأ من الملائكة له جناحان 137
لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا 70
لكل شيء آفة تفسده و آفة الدين 201
لكن حمزة لا بواكي له 160
لمّا أسري بي إلى السماء سمعت معاوية 243
لم أسمعه 132
لم تحل لأحد قبلي و لا تحل لأحد 177
لم يكن لنبي إذا لبس لامته أن 156
لو استحسنت المكر ما كان معاوية 270
لو جاءني و أنا على هذه الحال 334
لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد 395
ليرعفن جبار من جبابرة بني 201
ليس لعمرو عندنا إلّا ما 285
ليس هذا زمن ذلك، إنها و اللّه لا تصير 394
ما افترقت فرقتان إلّا و كنت من خيرهما 33
ما الذي تعتمد عليه فيما تفتي به 341
ما أحدهما بأحب إلي من الآخر، و لكن 283
ما أدري بأيهما أنا أسر أ بفتح 136
ما أرى لك إلّا أن تجير بين الناس 172
ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء 235
ما أنتم بأسمع منهم و لو أذن لهم 147
ما أهل بيت إلّا و للّه فيهم نجيب 202
ما جاء بك يا ابن الخطاب، فو اللّه ما 119
ما زوجته إيّاها في الأرض 214
ما كنّا نعرف المنافقين فينا 219
ما كنت أظن أني أسأل أحدا من قريش 255
ما لم يكن في عصره و وقته من ذلك 398
ما مررت بأهل سماء 219
ما من آية أنزلت إلّا و أنا أعلم يوم 264
ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى 130
متى تخضّب هذه من هذا 228
معاوية في صندوق من نار مقفل عليه 233
معاوية منافق ابن منافق و طليق 232
من استطعتم أن تأسروه من بني 140
من أبغضهما أبغضته 299
من أبغضهما أبغضته و من 297
من أحب الحسن و الحسين أحببته 286
من أحب منكم الانصراف فلينصرف 312
من أحب منكم الفداء فليفد 149
من كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما 21
من يفعل ذلك و أنا أضمن له الجنة 167
من يفعله يكون رفيقي في الجنة 167
نحن و بنو المطلب كهاتين 39
نزلت في الأفجرين من قريش 205
نعم ائذن له 118
نعم، أمّا الحسن فقد نحلته هيبتي 285
نعم، كلمة واحدة يعطونها 131
نعم، و علي صاحب لوائي في الدنيا 215
نعم هكذا كنّا نسمعها 38
نقلت من كرام الأصلاب إلى 19، 33، 63
نكتب لك إلى ينبع فتعطى 142
و الذي نفسي بيده لتدينن اللّه بدينه 219
و الذي نفسي بيده لمن في أصلاب فارس 398
و اللّه خير من الجوهر، و هل الجوهر إلّا 340
و اللّه لقد علمت أن هذا من شعر رسول 339
و اللّه لو استحسنت المكر ما 228
و اللّه لو لا مكاني لاحتز الذي فيه 199
و اللّه لو لا يمين سبقت مني 255
و اللّه ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح 169
و اللّه ما أنا سددت أبوابكم و فتحت 211
و اللّه ما خرجت إليكم حتى ألقيت من كبدي 231
و اللّه ما كذبت و لا كذبت 217
و اللّه ما كذبت و لا كذبت 228
و بعثت من خير قريش 33
و لا تزني و لا تقتلي ولدك 244
ولده» 398
و لم لا ألبسها و أنا خير من ذي يزن 64
ولي يزيد رقاب المسلمين و هو غلام يشرب 295
و نعم الراكبان هما 283
و هذا أخي 136
ويحك إذا لم يكن العدل عندي 185
ويحك لا تلعنهم و لكن العن 232
ويحك يا أبا سفيان إن رسول اللّه قد عزم 172
ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن 174
ويحك يا نعمان إن أول من قاس إبليس 341
هذا إنما أنت يهودي من أهل 60
هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم 84
هکذا قال الشاعر 38
هلاك بني أمية على رجل أحول 391
هل بقي لكم شيء 178
هو معاوية بن أبي سفيان 235
هيه أبا سفيان أ فقلت في نفسك 184
هؤلاء المنافقون في الدنيا و الآخرة 203
يا أمير المؤمنين ما فعلت و لا أردت، فإن بلغك 345
يا أهل الكفر يا شيبة بن ربيعة 147
يا بني أناديك فلا تجيبني، أ ما تخاف أن 318
يا بني عبد المطلب، إني و اللّه ما أعلم 84
يا بني عبد المطلب أطيعوني 210
يا بني عبد المطلب لا يأتيني 16
يا جابر إنك ستعيش حتى تدرك ولد 331
يا ذا القوة المتين، و يا ذا المحال الشديد 344
يا رسول اللّه انحل ابنيك 285
يا رسول اللّه أ تقول للحسن إيها حسن 283
يا رسول اللّه هل لك في 141
يا زهري لقنوطك من 317
يا عجبا لابن النابغة يزعم لأهل 276
يا عقيل إني لأحبك حبّين حبّا لك 140
يا عمار تقتلك الفئة الباغية 276
يا عم إن شئت فلا تكلف نفسك ما 86
يا عمرو لقد كنت تعاهد اللّه ألا يدعوك 164
يا عم فقل هذه الكلمة 132
يا عم هذا دين اللّه أرسلني به، و هذه ملة 83
يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني 185
يا هذا حملني الغضب على أن ضربتك 321
يحشر الناس يوم القيامة على مثل قرصة تقي 332
يخرج المهدي من المغرب و فيه علامة 396
يخرج من أدخل النار من هذه الأمة بعد ما شاء 233
يرحم اللّه موسى فلقد أوذي 186
يشهد ذلك منكم و منه من هو أعلم 197
يعني بنو أمية 201
ينادي بمكة من دخل المسجد الحرام 175
ينفرد من أهله و يتغرّب عن وطنه 395
يؤمكم أفضلكم و إمام القوم و افدهم 299
فهرس الأشعار
(الهمزة)
على شيخ سجيته الحياء 45
كذاك اللّه يفعل ما يشاء 381
فشرّكما لخيركم فداء 265
و بغض النبي و الشهداء 193
على آثار من ذهب العفاء 295
منزلا ذا عداء 383
(الألف)
اكرم من عبد مناف و حسبا 27
على كرم فلا طبت و لا طابا 27
اوسعهم رفد قصي شحما 30
غداة دعا لا تسلموا السيد الكهلا 149
فقال الرسول اجيبوا الخليلا 29
لنا يزجي خيله و الفيلا 47
و سيرا مخالسا 71
إذ أتاني البريد ينعى هشاما 377
فعبد مناف سرها و صميمها 87
غضبى ففيم الغداة تغضبها 384
لميعاده صدقا و ما كان وافيا 162
فلم تتركا للقس عقلا و لا نفسا 359
كاد يقضي عليّ يوم التقينا 362
حلف أبيه و أبينا ألّا تلدا 170
تركت بنات فؤاده صغرا 363
أنحيت فيه لسانا صار ما ذكرا 203
فلا قرّت عيون الكاشحينا 228
دعوت غسان له و كلبا 303
و كأسا ألا حسبي بذلك مالا 383
لكانت قريش عليه عيالا 331
و أني لو أطعت القلب قالا 359
خرجت يوم المصلى 381
(الباء)
قول ذي لبّ و دين و حسب 39
و صرف زمان بالأحبة ذاهب 119
ليأمن ذو خوف و يدرك طالب 373
إذا طلعت لم يبد منها كوكب 395
و شعب العصا من قومك المتشعب 127
على خير خندف لم ينقلب 153
جداية شرك معلمات الحواجب 156
و ذبحه خرفا كتمثال الذهب 75
و ربّ ما أنضى من الركاب 75
و لست بالأمس غير الراغب 77
مغلغة عني لؤي بن غالب 101
على خير شخص من لؤي بن غالب 56
لؤيا و خصا من لؤي ابن غالب 188
و عمرو و أعدى العدو و الأقارب 109
و لم أحمل النعماء لابن شعوب 160
بلا وحي أتاه و لا كتاب 294
دعونا فلم يجب 294
كعجيج نسوتنا غداة الأرنب 299
في مقنب من هذه المقانب 138
بدمع من دموعك ذي غروب 56
فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا 301
إني قتلت الملك المحجبا 290
أهلا بروية زينبا 375
(التاء)
و بكى ذا الندى و المكرمات 54
هائما بالفتيات 379
و لا كان و لا كنت 286
مكان النعائم و الزهرة 137
قد طربنا و حنّت بالزمارة 379
و اسقني بالطرجهارة جهارة 379
و أظلم من بني فهر خزاعة 31
و أمر عواقبه ندامة 73
بأمرك الظالم إذ مشيتا 111
أو ترجعين على المحزون ما فاتا 361
(الحاء)
حسن الوجه المليح 381
و من هو أسوأ منك حال و أقبح 265
للخيل يوما تطاعن و شياح 135
(الدال)
مكان الشجى ما تطمئن فتبرد 362
على نأيهم و اللّه بالناس أرود 125
ربّي و أنت المبدئ و المعيد 52
أودى بغزة هاشم لا يبعد 38
على رجل بقارعة الصعيد 54
بئس زاد المزود 365
فحرب أبوك العين و القين فاسد 73
قل مني تحية للوليد 384
بموحد بعد أبيه فرد 76
لتغلب خيل اللات خيل محمد 172
فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد 366
كأن لا يراني راجعا بالمعاد 79
و ساقي الحجيج و المحامي عن المجد 55
زين المشاعر كلها و المسجد 345
طودا يلاذ بركنه في المجد 66
حين بقرت بطنه عن الكبد 157
كل معاش لي و زاد 378
عندي بمثل منازل الأولاد 78
كأكل الأرض ساقطة الحديد 326
و ليس يشركه في حكمه أحد 161
سربلات حلق الحديد 197
ملقى عليها غير ذي مهد 244
باتت تفحص في بطحاء أجياد 244
أخاهم فألقوا عامرا لم يوسد 300
شهدت و ان كنت لم أشهد 346
و إن لام فيه ذو الشنان و فنّدا 363
كما يشتهي الصادي الشراب المبرّدا 363
سهل الجناب و أفي بالذي و عدا 375
نعين الحليم و الرئيس المسددا 131
مغيرا و لا دعيت يزيدا 289
(الراء)
شعوبا و خلفا بعدهم يتأخر 136
بدمع و اكف هطل غزير 55
و هل أنت عن سلامة اليوم مقصر 360
أم هل لقلبي عنكم زاجر 361
لا يكسبنك يوما شرّه ذكر 58
من موته شاب الشعر 292
فلما يسؤك من تميم أكثر 276
فتلألأت كتلألؤ القمر 65
ألا ليت حظي من حياطتكم بكر 85
نحن على دين أبي شاكر 377
لهم شاكرا حتى تغيب في القبر 43
لكنه ماء حياء ماء غمر 51
به جمع اللّه القبائل من فهر 31
عبد لا دون الشعار 385
و مطعمهم في الأزل من قمع الجزر 36
و الحرب بعد الحرب ذات سعر 157
يا بنت وقاع عظيم الكفر 157
هلّا حللت بآل عبد الدار 38
يضيء ظلام الليل كالقمر البدر 43، 44
هند الهنود طويلة البظر 158
تزيح أنينهم عنها الديار 387
بدمع من دموعك غير نذر 55
و رواه كل بدو و حاضر 381
في حفرة بين أحجار لدى الحفر 66
ما للفؤاد سوى ذكراكم خبر 364
و حليفكم في العسر و اليسر 72
على الطيب الخيم المعتصر 54
ان الوليد أحق بالعذر 188
عمارة لا يطلب بذحل و لا وتر 189
و أ أنس النساء و رب السور 378
كما تفاضل ضوء الشمس و القمر 264
أثبتت أوتاد ملك فاستقر 299
كوكب الصبح و انجلى و استنارا 385
(الزاء)
بجمعهم هل من مبارز 163
(السين)
كيما يقال ولي الأمر مرداس 70
سراج الكأس للكأس 383
(الشين)
و اهج قوما قتلونا بالعطش 373
(العين)
لنا قمراها و النجوم طوالع 395
إذا رجّعت في صوتها كيف تصنع 360
أو هممنا بالخشوع 366
بوادي القرى جلد الجنان مشيعا 350
مكانه الأوفر قد أترعا 379
(الفاء)
فالمخ خالصة لعبد مناف 26
هلّا حللت بآل عبد مناف 38، 57
و رجال مكة مسنتون عجاف 36
و أحلام أقوام لديك سخاف 121
(القاف)
ببيض تلألأ كلمع البروق 87
نمشي على النمارق 155
عن البغي في بعض المنطق 105
ان القراءة له يجوز المشرق 159
(الكاف)
لا يغلبن صليبهم و محالهم عدو محالك 45
و في يوم الحساب كما أراك 382
عشير الذي لقيت بذاك 385
(اللام)
بحق و ما تغني رسالة مرسل 119
سحا كما و كف الضباب المخضل 137
فأفنيت علّاتي فكيف أقول 365
و للنقص من رأى الرجال و للعقل 143
بلاء عزيز ذي اقتدار و ذي فضل 150
بأمره سفاه ذي اعتراض و ذي بطل 150
و هم بين أضلاعي دخيل 151
و نذهل عن أبنائنا و الحلائل 153
ببطحائها في حيث تغتصب البزل 53
يا هاشما و القوم في جحفل 86
و أبكي ابن هاشم ذي الخيرات و النفل 56
ابشروا بالعذاب و التنكيل 292
على الصدر مني مثل فيض الجداول 57
بصغواء في حق و لا عند باطل 91
و لجوا في الغواية و الظلال 160
قتيلا و باك على من قتل 310
و يوما على جمل 286
و خير من لبى على الأجبل 331
اني إذا ما غاب كالهامل 373
(الميم)
و رأسك من كبر أشيم 46
و البيت يعرفه و الحل و الحرم 321
تمشي بمزهرها و أنت حرام 360
أيدنا اليوم زحوف الأشرم 47
إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم 49
بفرقة حر الوالدين كرام 78
انه مستمات شرّ نديم 373
لقي روضة ما ان يسام المظالم 122
بدمعكما قبل نوم النيام 53
و ذاد الفيل عن بلد الحرام 58
و جاور لحدا مدرجا في الغمائم 66
من أهل النبي عند المقام 335
انك ان حفرتها لم تندم 51
وزيرا لموسى و المسيح ابن مريم 107
فلست برعديد و لا بمليم 162
فانك من أخي ثقة مليم 190
بريئا و لم تتبع مقالة مجرم 356
و لو زينته الحرب لم يترمرم 190
و بلائي بت ليلي لم أنم 382
و النصب من مكة و الحريما 46
كالغصنين أو من رآهما 152
حتى إذا اشتعلت أجزما 252
إلينا و هم كانوا أعق و أظلما 310
(النون)
و الظلم أنكد وجهه ملعون 71
أمينة إذ للباة يعتركان 65
هذا الغلام الطيب الأردان 68
دوائر من قد أضربها السنون 383
فقمت أسحب ذيلي كما أرى شأنهن 378
أو تخف الظهور من حمل دين 367
و لونك الأحمر في الخدين 299
غير أن لا بقاء للإنسان 351
و قد بايعتم قبلي هجينا 388
حتى أوسد في التراب دفينا 84
كأنه حاسب من أهل دارينا 219
و ذلك النور في موسى و هارونا 370
(الهاء)
يا أخواتي لا تلمننيه 159
و الحل لم يأت الذي تلينه 64
و هي في يسرى يديه 385
كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه 189
أخاف ربي ان عصيت أمره 76
(الواو)
و أين الصفوري أين ابن ذكوان من عمرو 189
(الياء)
و إخوتهم نسبت إلى لؤي 28
كفى حياء و دعي انتهاري 42
أ أزيدكم سكرا و ما يدري 188
و من يبكي على الشهداء بعدي 292
أنا و بيت اللّه أولى بالنبي 308
شيب على رغم العدى لذاتي 387
واقد فانك أنت الطاعم الكاسي 71
عني و عنهم أخبروا أصحابي 164
من شراب أصبهاني 378
لعناها ما عناني 382
فبشر رجالا يكرهون إيابي 327
أكرم من يمشي به المطي 368
يهب لها من كان عن ذاك نائيا 153
و مالك أنساني بخرشين ماليا 368
فهرس مصادر التحقيق
1- اسد الغابة: علي بن محمد الجزري. المكتبة الاسلامية/ طهران.
2- اكمال الاكمال: ابن ماكولا. دار الكتاب الإسلامي/ القاهرة.
3- الأئمة الاثنا عشر: محمد بن طولون. دار صادر/ بيروت.
4- الاخبار الطوال: أحمد بن داود الدينوري. دار احياء الكتب العربية.
5- الاصابة: ابن حجر العسقلاني. دار الكتب العلمية/ بيروت.
6- الاغاني: علي بن الحسين الأصفهاني. دار احياء التراث العربي/ بيروت.
7- الامامة و السياسة: ابن قتيبة الدينوري. منشورات الشريف الرضي/ قم.
8- الأنساب: أحمد بن يحيى البلاذري. مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
9- الأنساب: عبد الكريم بن محمد السمعاني. دار الجنان/ بيروت.
10- البداية و النهاية: ابن كثير الدمشقي. دار احياء التراث العربي/ بيروت.
11- التاريخ الكبير: البخاري. المكتبة الإسلامية/ ديار بكر.
12- التنبيه و الاشراف: علي بن الحسين المسعودي. دار الصاوي/ القاهرة.
13- التوابين: ابن قدامة المقدسي. دار الكتب العلمية/ بيروت.
14- الثقات: محمد بن حبان. دار المعارف العثمانية/ الهند.
15- الدر المنثور: السيوطي. دار المعرفة/ بيروت.
16- السنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقي. دار الفكر/ بيروت.
17- السنة: عمر بن ابي عاصم. المكتبة الاسلامية/ بيروت.
18- السيرة النبوية: ابن اسحاق. دار الفكر/ بيروت.
19- السيرة النبوية: ابن كثير. دار المعرفة/ بيروت.
20- السيرة النبوية: ابن هشام. مكتبة محمد علي صبيح و أولاده.
21- الصواعق المحرقة: ابن حجر/ بيروت.
22- الطبقات الكبرى: محمد بن سعد البصري. دار صادر/ بيروت.
23- العقد الفريد: احمد بن عبد ربه الاندلسي. دار الكتب العلمية/ بيروت.
24- الغارات: ابن هلال الثقفي. دار الاضواء/ بيروت.
25- الغيبة: للنعماني. مكتبة الصدوق/ طهران.
26- الفتن: نعيم بن حماد المروزي. دار الفكر/ بيروت.
27- الفتوح: أحمد بن اعثم. دار الكتب العلمية/ بيروت.
28- الفرج بعد الشدة: القاضي التنوخي. منشورات الشريف الرضي/ قم.
29- الفردوس بمأثور الخطاب: شيرويه بن شهردار الديلمي. دار الكتاب العربي/ بيروت.
30- الكامل في التاريخ: ابن الأثير. دار صادر/ بيروت.
31- المجدي: علي بن محمد العلوي. مكتبة المرعشي/ قم.
32- المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري. دار المعرفة/ بيروت.
33- المصنف: ابن أبي شيبة. دار الفكر/ بيروت.
34- المصنف: عبد الرزاق الصنعاني. منشورات المجلس العلمي/ بيروت.
35- المعجم الاوسط: الطبراني. مكتبة المعارف/ الرياض.
36- المعجم الكبير: الطبراني. مكتبة ابن تيمية/ القاهرة.
37- المعيار و الموازنة: لأبي جعفر الاسكافي. تحقيق المحمودي.
38- المغازي: محمد بن عمر الواقدي. مؤسسة الاعلمي/ بيروت.
39- المنمق: الخطيب البغدادي.
40- النزاع و التخاصم: المقريزي.
41- النصائح الكافية: محمد بن عقيل. دار الثقافة/ قم.
42- الهواتف: ابن أبي الدنيا.
43- أخبار أصفهان: أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني. مطبعة بريل.
44- أسباب النزول: علي بن أحمد الواحدي. مؤسسة الحلبي/ القاهرة.
45- تاريخ ابن خلدون: دار احياء التراث العربي/ بيروت.
46- تاريخ أصفهان: لأبي الفرج الأصفهاني. مؤسسة النصر/ طهران.
47- تاريخ الأئمة: ابن الخشاب. مكتبة المرعشي/ قم.
48- تاريخ الطبري: محمد بن جرير الطبري. مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
49- تاريخ المدينة: ابن شبه النميري. دار الفكر/ بيروت.
50- تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب. دار صادر/ بيروت.
51- تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي. دار الكتب العلمية/ بيروت.
52- تاريخ خليفة بن خياط: دار الفكر/ بيروت.
53- تاريخ دمشق: ابن عساكر. دار الفكر/ بيروت.
54- تفسير الثعالبي: دار احياء التراث العربي/ بيروت.
55- تفسير القرآن العظيم: ابن كثير الدمشقي. دار المعرفة/ بيروت.
56- تفسير القرطبي: محمد بن أحمد القرطبي. دار احياء التراث العربي/ بيروت.
57- تقوية الايمان: محمد بن عقيل. دار البيان العربي/ بيروت.
58- تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني. دار الفكر/ بيروت.
59- تهذيب الكمال: يوسف بن عبد الرحمن. مؤسسة الرسالة/ بيروت.
60- جامع البيان (تفسير الطبري): محمد بن جرير. دار الفكر/ بيروت.
61- حلية الاولياء: أحمد بن عبد اللّه الأصبهاني. دار الكتاب العربي/ بيروت.
62- خصائص أمير المؤمنين: أحمد بن شعيب النسائي. مكتبة المعلى/ الكويت.
63- دلائل النبوة: أبي نعيم الاصبهاني. دار ابن كثير/ بيروت.
64- دلائل النبوة: أحمد بن الحسين البيهقي. دار الكتب العلمية/ بيروت.
65- ديوان الحطيئة: دار صادر/ بيروت.
66- ديوان الفرزدق: دار صادر/ بيروت.
67- ديوان حسان بن ثابت الأنصاري: دار صادر/ بيروت.
68- ذخائر العقبى: محب الدين الطبري. مؤسسة الوفاء/ بيروت.
69- ربيع الأبرار: محمود بن عمر الزمخشري. منشورات الشريف الرضي/ قم.
70- زاد المسير: عبد الرحمن بن الجوزي. المكتب الإسلامي/ بيروت.
71- سبل الهدى و الرشاد: محمد بن يوسف الشامي. دار الكتب/ بيروت.
72- سر السلسلة العلوية: أبي نصر البخاري. انتشارات الشريف الرضي/ قم.
73- سنن ابن ماجة: دار الفكر/ بيروت.
74- سنن الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي. دار الفكر/ بيروت.
75- سنن الدارمي: مطبعة الاعتدال/ دمشق.
76- سنن النسائي: دار الفكر/ بيروت.
77- سنن أبي داود: دار الفكر/ بيروت.
78- سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي. مؤسسة الرسالة/ بيروت.
79- شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد. دار احياء الكتب العربية/ بيروت.
80- شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني. مؤسسة الاعلمي/ بيروت.
81- صحيح البخاري: دار الفكر/ بيروت.
82- صحيح مسلم: دار الفكر/ بيروت.
83- صفة الصفوة: ابن الجوزي. دار المعرفة/ بيروت.
84- عمدة الطالب: ابن عنبة. المطبعة الحيدرية/ النجف.
85- عيون الأثر: ابن سيد الناس. دار الفكر/ بيروت.
86- عيون الاخبار: ابن قتيبة. دار الكتب العلمية/ بيروت.
87- فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني. عالم الكتب/ بيروت.
88- فرائد السمطين: ابراهيم بن محمد الجويني. مؤسسة المحمودي/ بيروت.
89- فضائل الصحابة: احمد بن حنبل. مؤسسة الرسالة/ بيروت.
90- كفاية الطالب: محمد بن يوسف الشافعي. دار احياء تراث أهل البيت طهران.
91- كنز العمال: المتقي الهندي. مؤسسة الرسالة/ بيروت.
92- لسان العرب: محمد بن منظور المصري. أدب الحوزة/ قم.
93- مجمع الزوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي. دار الكتب العلمية/ بيروت.
94- مروج الذهب: علي بن الحسين المسعودي. مؤسسة دار الهجرة/ قم.
95- مسند أبي يعلى الموصلي: دار المأمون للتراث/ دمشق.
96- مسند أحمد بن حنبل: دار صادر/ بيروت.
97- مطالب السئول: ابن طلحة الشافعي. مؤسسة أم القرى/ بيروت.
98- معجم البلدان: ياقوت بن عبد اللّه الحموي. دار صادر/ بيروت.
99- معرفة الصحابة: ابو نعيم الأصبهاني. مكتبة الحرمين/ الرياض.
100- مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهاني. دار المعرفة/ بيروت.
101- مقتل الحسين: لأبي مخنف. منشورات الشريف الرضي/ قم.
102- مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب. دار الاضواء/ بيروت.
103- مناقب ابن المغازلي: دار الاضواء/ بيروت.
104- مناقب الخوارزمي: جماعة المدرسين/ قم.
105- مناقب علي بن أبي طالب: ابن سليمان الكوفي. مجمع احياء الثقافة الاسلامية/ قم.
106- ميزان الاعتدال: الذهبي. دار المعرفة/ بيروت.
107- وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري. المؤسسة العربية للنشر.
الفهرس الموضوعي
مقدمة التحقيق 5
المؤلف و الكتاب 7
نسخ الكتاب 8
مقدّمة المؤلف 13
ذكر مناقب عبد مناف بن قصي 25
و شرفه و نسبه و بأبيه من قبله 25
شرف عبد مناف بأبيه 27
ذكر مناقب هاشم بن عبد مناف 33
مثالب عبد شمس بن عبد مناف 33
ذكر مناقب عبد المطلب بن هاشم 41
و مثالب أمية بن عبد شمس 41
أبو طالب و حماية بيت اللّه 45
حفر زمزم 48
وفاة عبد المطلب و مراثيه 53
أمية بن عبد شمس 57
ذكر مناقب عبد اللّه بن عبد المطلب 63
مثالب حرب بن أمية بن عبد شمس 63
نور النبوة 65
وفاة عبد اللّه بن عبد المطلب 67
بشارة الولادة 68
حرب بن أمية 70
سبب حلف الفضول 70
ذكر مناقب أبي طالب بن عبد المطلب و بنيه 77
مناواة من بني أمية لرسول اللّه 77
أبو طالب يكفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 78
زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و بداية البعثة 82
لامية أبي طالب 92
الهجرة إلى أرض الحبشة 108
إسلام حمزة 112
عروض قريش 113
إسلام عمر بن الخطاب 116
صحيفة قريش 119
فشل مؤامرة الصحيفة 125
عام الحزن 130
ليلة المبيت 134
جعفر الطيار 136
طالب بن أبي طالب 139
ذكر من نصب الحرب و العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 144
معركة بدر الكبرى 145
معركة أحد 155
بدر الصغرى 163
الخندق 164
خوف أبي سفيان و إسلامه 170
إسلام هند بنت عتبة 177
براءة النبي صلّى اللّه عليه و آله من فعل خالد 178
ذكر نكت من أخبار بني أمية 180
حقيقة إسلام أبي سفيان و معاوية 180
الفاسق 187
الطريدان 194
من أسباب قتل عثمان 196
ذكر ما جاء من القول في جملة بني أمية 200
ذكر مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام 208
مثالب معاوية بن أبي سفيان 208
إسلام علي عليه السّلام 208
الوصي و الوزير 210
معاوية بن أبي سفيان 221
مقتل علي عليه السّلام 228
الحسن بن علي و معاوية 229
أقوال في معاوية 234
مقتل حجر بن عدي 237
الأدعياء 240
هند بنت عتبة 243
ذكر البيان على إثبات 248
إمامة علي بن أبي طالب عليه السّلام 248
مقتل عثمان 251
التحكيم 257
صفات كاذبة 264
قول النجاشي الشاعر 265
الرجوع إلى عثمان 271
الداهية عمرو بن العاص 273
ذكر وجوه تهيأت لمعاوية 278
قويت لها أسبابه و كثر لها أتباعه و أصحابه 278
ذكر مناقب مولانا الحسن و مولانا الحسين عليهما السّلام 282
مثالب يزيد و مروان 282
وفاة الحسن بن علي 287
خروج الحسين عليه السّلام و مقتله 290
يزيد بن معاوية 294
مروان بن الحكم 299
خلافة مروان بن الحكم 302
ذكر مناقب علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام 308
مثالب عبد الملك بن مروان 308
مع أحزان كربلاء 308
في رحاب زين العابدين عليه السّلام 313
عبد الملك بن مروان بن الحكم 324
ذكر مناقب محمد بن علي و جعفر بن محمد عليهما السّلام 330
مثالب من ولّي من بني مروان أيامهما 330
زيد بن علي 334
عبقات من جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام 338
خلافة الوليد بن عبد الملك 347
خلافة سليمان بن عبد الملك 352
خلافة عمر بن عبد العزيز 355
خلافة يزيد بن عبد الملك 360
خلافة هشام بن عبد الملك 368
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك 373
خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك 388
خلافة إبراهيم بن الوليد و مروان بن محمد 389
ذكر مناقب الأئمة القائمين بالإمامة المهديين 394
مثالب المتغلبين بأرض الأندلس 394
المهدي الموعود و بعض روايات الظهور 395
خلافة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك و ولده 401
فهرس الآيات القرآنية 408
فهرس الأحاديث 412
فهرس الأشعار 426
فهرس مصادر التحقيق 438
الفهرس الموضوعي 444.
3 | |
5 | |
7 | |
8 | |
13 | |
25 | |
27 | |
33 | |
41 | |
41 | |
45 | |
48 | |
53 | |
57 | |
57 | |
63 | |
63 | |
65 | |
67 | |
68 | |
70 | |
70 | |
70 | |
77 | |
77 | |
78 | |
82 | |
92 | |
108 | |
112 | |
113 | |
116 | |
119 | |
125 | |
130 | |
134 | |
136 | |
139 | |
144 | |
145 | |
155 | |
163 | |
164 | |
170 | |
177 | |
178 | |
179 | |
179 | |
186 | |
193 | |
195 | |
199 | |
205 | |
205 | |
205 | |
207 | |
218 | |
218 | |
225 | |
226 | |
231 | |
234 | |
237 | |
240 | |
245 | |
248 | |
254 | |
261 | |
262 | |
268 | |
270 | |
275 | |
279 | |
279 | |
284 | |
287 | |
291 | |
291 | |
296 | |
299 | |
305 | |
305 | |
305 | |
310 | |
321 | |
321 | |
327 | |
327 | |
331 | |
335 | |
344 | |
344 | |
349 | |
352 | |
357 | |
365 | |
370 | |
385 | |
386 | |
391 | |
392 | |
398 | |
403 | |
405 | |
409 | |
423 | |
423 | |
423 | |
424 | |
425 | |
426 | |
426 | |
427 | |
429 | |
429 | |
429 | |
429 | |
430 | |
430 | |
430 | |
430 | |
431 | |
432 | |
433 | |
433 | |
433 | |
435 | |
441 |