######OpenITI#


#META# 00#BookURI##: 0375IkhwanSafa.Rasail.Hindawi26362727
#META# 01#BookCats#: philosophy
#META# 01#BookID###: 26362727
#META# 01#BookTitle: رسائل إخوان الصفاء وخِلَّان الوفاء (الجزء الثالث)‬
#META# 01#BookTrans: RsailIkhwanAlsfaWkhilanAlwfa(AljzAlthalth)‬
#META# 02#AuthorID#: 36260918
#META# 02#AuthorNam: إخوان الصفا
#META# 03#EditorID#: 15790494
#META# 03#EditorNam: خير الدين الزركلي
#META# 03#TranslID#: None
#META# 03#TranslNam: None
#META# 04#AboutBook: رَغْمَ ازدِهارِ الحَياةِ العَقلِيةِ والفِكرِيةِ فِي القَرنِ الرَّابعِ الهِجرِيِّ نَتيجةَ حَرَكةِ التَّرجَمةِ النَّشِيطةِ إِلى العَربِيةِ لِكُتُبِ فَلاسِفةِ اليُونانِ القُدامَى، ومَا دَوَّنَه أُدَباءُ الفُرسِ وحُكَماءُ الهِند، فإنَّ هَذِه الحَياةَ الفِكرِيةَ البَاذِخةَ تَرافقَتْ مَعَ ضَعفٍ كَبيرٍ أَصابَ الحَياةَ السِّياسِية؛ حَيثُ تَعالَتِ النَّبَراتُ الانفِصالِيةُ الرَّافِضةُ لِسُلطانِ الخِلافةِ ببَغداد. وكانَ مِن بَينِ هَؤلاءِ الرَّافِضِينَ جَماعةٌ عَلى مَذهَبِ الشِّيعةِ الإِسماعِيلِيةِ سُميَتْ ﺑ «إخوان الصَّفا» وَضَعوا كِتابًا ضمَّ أَهَمَّ الآراءِ الفَلسَفِيةِ والعِلمِيةِ فِي ذَلكَ الوَقت، فَكانَ يُشبِهُ دَائرةَ مَعارِفَ مُتكامِلةً لا غِنَى عَنها للمُثقَّفِ العَربِيِّ وَقتَها. وقَدْ هَدَفَ مُؤلِّفُوها إلى تَغييرِ البِنْيةِ العَقلِيةِ السَّائِدةِ والمُسَيطِرةِ فِي المُجتَمعِ العَربِيِّ كبَديلٍ لِلأَنساقِ الثَّقافِيةِ التَّقلِيدِيةِ التي يُقَدِّمُها مُثقَّفُو السُّلطَة.

#META#Header#End#



### | النفسانيات العقليات

### | الرسالة الأولى من النفسانيات العقليات في مبادئ الموجودات العقلية على رأي الفيثاغوريين

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

### || (١) فصل

# اعلم أيها الأخ أنا قد فرغنا من بيان علل اختلاف اللغات والكلام
~~والأصوات، ورسوم الخطوط والكتابات، وكيفية مبادئ المذاهب والاعتقادات،
~~والآراء والديانات، وختمنا الكلام في الطبيعيات عند ختمنا تلك الرسالة.
~~ونريد الآن أن نشرح في القسمة الثالثة من النفسانيات العقليات حسبما وعدنا
~~في صدر كتابنا، ونذكر فيها ما يتعلق بتلك الرسائل على التوالي، منها هذه
~~الرسالة الأولى في مبادئ الموجودات.

# فنقول على رأي فيثاغورس الحكيم، الذي هو أول من تكلم في علم العدد
~~وطبيعته، قال: إن طبيعة الموجودات بحسب طبيعة العدد، فمن عرف العدد وأحكامه
~~وطبيعته وأجناسه وأنواعه وخواصه، أمكنه أن يعرف كمية أجناس الموجودات
~~وأنواعها وما الحكمة في كمياتها، على ما هي عليه الآن، ولم لم يكن أكثر من
~~ذلك ولا أقل منه؛ وذلك أن الباري تعالى لما كان هو مبدع علة الموجودات
~~وخالق المخلوقات ومخترعها، وهو واحد بالحقيقة من جميع الوجوه، لم يكن من
~~الحكمة أن تكون الأشياء كلها شيئا واحدا من جميع الجهات، ولا متباينة من
~~جميع الوجوه، بل يجب أن تكون الأشياء كلها واحدا بالهيولى، كثيرة بالصورة،
~~ولم يكن أيضا من الحكمة أن تكون الأشياء كلها ثنائية وثلاثية ورباعية
~~وخماسية وسداسية، وما زاد على ذلك بالغا ما بلغ، بل كان الأحكم والأتقن أن
~~تكون على ما هي عليه الآن بحسب الأعداد والمقادير، وكان ذلك هو في غاية
~~الحكمة والإتقان؛ وذلك أن من الأشياء ما هي ثنائية، ومنها ما هي ثلاثية
~~ورباعية وخماسيات ومسدسات ومسبعات ومثمنات ومتسعات ومعشرات، وما زاد على
~~ذلك بالغا ما بلغ.

# فالأشياء الثنائية مثل الهيولى والصورة، والجوهر والعرض، والعلة
~~والمعلول، والبسيط والمركب، واللطيف والكثيف، والمشف وغير المشف، والمظلم
~~والمنير، والمتحرك والساكن، والعالي والسافل، والحار والبارد، والرطب
~~واليابس، والخفيف والثقيل، والضار والنافع، والخير والشر، والصواب والخطأ،
~~والحق والباطل، والذكر والأنثى؛ وبالجملة من كل زوجين اثنين كما قال الله
~~تعالى: @QUR@07 ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون .

# وأما الأشياء الثلاثية فمثل الأبعاد الثلاثة التي هي الطول والعرض
~~والعمق، ومثل المقادير الثلاثة التي هي الخط والسطح والجسم، ومثل الأزمان
~~الثلاثة التي هي الماضي والحاضر والمستقبل، ومثل العناصر الثلاثة التي هي
~~الممكن والممتنع والواجب، ومثل الأمور الثلاثة التي منها رياضية وطبيعية
~~وإلهية؛ وبالجملة كل أمر ذي وسط وطرفين.

# وأما الأشياء الرباعية فمثل الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة
~~والرطوبة واليبوسة، ومثل الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء
~~والأرض، ومثل الأخلاط الأربعة التي هي الصفراء والدم والبلغم والسوداء،
~~ومثل الأزمان الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء، ومثل الجهات
~~الأربع التي هي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، والأوتاد الأربعة التي هي
~~الطالع والغارب ووتد الأرض ووتد وسط السماء، ومراتب الأعداد التي هي الآحاد
~~والعشرات والمئون والألوف. وعلى هذا القياس إذا اعتبرت وجدت أشياء كثيرة
~~مخمسات ومسدسات ومسبعات بالغا ما بلغ. وقد توغلت المسبعة في الكشف عن
~~الأشياء السباعية، فظهر لهم منها أشياء عجيبة، فشغفوا بها وأطنبوا في ذكرها
~~وأغفلوا ما سوى ذلك من المعدودات. وكذلك أيضا الثنوية أطنبوا في الكشف عن
~~الموجودات الثنائية فظهر لهم منها أشياء عجيبة، فشغفوا بها وأغفلوا ما سوى
~~ذلك من الموجودات. وهكذا النصارى في التثليث والمثلثات، وهكذا الطبيعيون
~~أطنبوا في الطبائع الأربع والمربعات من الأمور.

# وهكذا الخرمية أطنبوا في المخمسات من الأمور، وأهل الهند أيضا أطنبوا في
~~المتسعات من أمور العدد والمعدودات.

# فأما الفيثاغوريون فأعطوا كل ذي حق حقه، حتى قالوا إن الموجودات بحسب
~~طبيعة العدد؛ يعنون أن الأشياء الموجودة منها ما هو اثنان اثنان، ومنها ما
~~هو ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وخمسة خمسة، وهكذا بالغا ما بلغ.

# وقالوا إن الواحد أصل العدد ومشنؤه، ومن الواحد يتألف العدد؛ قليله
~~وكثيره، وأزواجه وأفراده، وصحيحه وكسوره؛ فالواحد هو علة العدد؛ كما أن
~~الباري جلت أسماؤه علة الموجودات وموجدها، ومرتبها ومتقنها، ومتممها
~~ومكملها؛ وكما أن الواحد لا جزء له ولا مثل، كذلك أن الباري جل ثناؤه لا
~~شريك له ولا شبه ولا مثل؛ وكما أن الواحد موجود في جميع الأعداد محيط بها،
~~كذلك أن الباري جل ثناؤه شاهد على كل موجود محيط به؛ وكما أن الواحد يعطي
~~اسمه لكل عدد ومقدار، كذلك الباري جل ثناؤه أعطى الوجود لكل موجود؛ وكما
~~أنه ببقاء الواحد بقاء العدد، كذلك ببقاء الباري جل ثناؤه بقاء الموجودات
~~ودوامها؛ وكما أن بالواحد بعد كل عدد ومقدار، كذلك علم الباري تعالى محيط
~~بكل شيء شاهد وغائب.

# وقالوا كما أن من تكرار الواحد نشوء العدد وتزايده كذلك من فيض الباري
~~وجوده نشأة الخلائق وتمامها وكمالها، وكما أن الاثنين هو أول عدد نشأ من
~~تكرار الواحد كذلك العقل هو أول موجود فاض من وجود الباري عز وجل، وكما أن
~~الثلاثة ترتبت بعد الاثنين كذلك النفس ترتبت بعد العقل، وكما أن الأربعة
~~ترتبت بعد الثلاثة كذلك الهيولى ترتبت بعد النفس، وكما أن الخمسة ترتبت بعد
~~الأربعة كذلك الطبيعة ترتبت بعد الهيولى، وكما أن الستة ترتبت بعد الخمسة
~~كذلك الجسم ترتب بعد الطبيعة، وكما أن السبعة ترتبت بعد الستة كذلك الأفلاك
~~ترتبت بعد وجود الجسم، وكما أن الثمانية ترتبت بعد السبعة كذلك الأركان
~~ترتبت بعد الفلك، وكما أن التسعة ترتبت بعد الثمانية كذلك المولدات ترتبت
~~بعد الأركان، وكما أن التسعة آخر مرتبة الآحاد كذلك المولدات آخر مرتبة
~~الموجودات الكليات؛ وهي المعادن والنبات والحيوان؛ فالمعادن كالعشرات،
~~والنبات كالمئين، والحيوان كالألوف، والمزاج كالواحد. وقالوا: العدد كله
~~أزواج وأفراد وصحيح وكسور، فمراتب الموجودات التي في عالم الأرواح بطبيعة
~~الأفراد أشبه، ومراتب الموجودات التي في عالم الأجساد بطبيعة الأزواج أشبه،
~~ومراتب الموجودات التي في عالم الأفلاك بطبيعة الأعداد الصحيحة أشبه،
~~ومراتب الموجودات التي في عالم الكون والفساد بطبيعة الأعداد الكسور أشبه.

### || (٢) فصل

# اعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الوجود متقدم على البقاء، والبقاء
~~متقدم على التمام، والتمام متقدم على الكمال؛ لأن كل كامل تام، وكل تام
~~باق، وكل باق موجود، ولكن ليس كل موجود باقيا، ولا كل باق تاما، ولا كل تام
~~كاملا؛ وذلك أن الباري — جلت أسماؤه — الذي هو علة الموجودات ومبدعها
~~ومبقيها ومتمها ومكملها، أول فيض فاض منه الوجود، ثم البقاء ثم التمام ثم
~~الكمال، وقد بينا في الرسالة التي ذكرنا فيها خواص العدد الفرق بين التمام
~~والكمال، فاعرفه من هناك إن شاء الله.

### || (٣) فصل

# إنه ينبغي لمن يريد النظر في مبادئ الموجودات ليعرفها على حقائقها أن
~~يقدم أولا النظر في مبادئ الأمور المحسوسة؛ ليروض بها عقله ويقوي بها فهمه
~~على النظر في مبادئ الأمور المعقولة؛ لأن معرفة الأمور المحسوسة أقرب من
~~فهم المبتدئين وأسهل على المتعلمين، فنقول:

# إن الجسم أحد الموجودات المحسوسة، وهو جوهر مركب من جوهرين بسيطين
~~معقولين: أحدهما يقال له الهيولى، والآخر يقال له الصورة؛ فالهيولى هو جوهر
~~قابل للصورة، والصورة هي التي بها الشيء ما هو. مثال ذلك: الحديد هيولى لكل
~~ما يعمل منه كالسكين والسيف والمنشار وغير ذلك؛ فالسكين إنما هي اسم
~~للصورة، وكذلك السيف والفأس؛ لأن الحديد في كلها واحد والصورة مختلفة،
~~واختلاف الأسماء بحسب اختلاف الصور. وكذلك أيضا الخشب فإنه هيولى لكل ما
~~يعمل منه كالباب والسرير والكرسي.

# وليس كل هيولى تقبل كل صورة؛ لأن الخشب لا يقبل صورة القميص، ولا الشقة
~~تقبل صورة الكرسي، ولا الهيولى تقبل أي صورة تقدمت؛ لأن القطن لا يقبل صورة
~~الشقة، ولا الغزل يقبل صورة القميص. لكن القطن أول ما يقبل صورة الغزل،
~~وبتوسط صورة الغزل يقبل صورة الشقة ثم صورة القميص. وهكذا الطعام أول ما
~~يقبل صورة الدقيق، ثم صورة العجين، ثم صورة الخبز.

# وعلى هذا المثال يكون قبول الهيولى للصور المختلفة، الأول فالأول على
~~الترتيب؛ وذلك أن الهيولى الأولى أول ما قبلت صورة الجسم الذي هو الطول
~~والعرض والعمق، ثم بتوسط الجسم تقبل سائر الصور من التدوير والتثليث
~~والتربيع وما شاكل ذلك. والهيولى يقال على أربع جهات: فأقربها إلى الحس
~~هيولى الصناعة مثل الخشب والحديد والقطن بحسب ما بينا، فإن كل صانع لا بد
~~له من هيولى يعمل فيه ومنه صناعته. والثاني هيولى الطبيعة وهي النار
~~والهواء والماء والأرض؛ وذلك أن كل شيء تعمله الطبيعة التي تحت فلك القمر
~~من الموجودات، فإن هذه الأركان الأربعة هيولى لها. والثالث هيولى الكل؛
~~أعني الجسم المطلق الذي يعم الأفلاك والكائنات أجمع. والرابع الهيولى
~~الأولى وهو جوهر قابل للصورة، فأول صورة قبل هي الطول والعرض والعمق، وكان
~~بذلك جسما مطلقا، وهذه الهيولى من المبادئ الأولى المعقولة.

# وذلك أن هذه الهيولى أول معلول النفس، والنفس أول معلول العقل، والعقل
~~أول معلول الباري تعالى، وأن الباري تعالى علة كل موجود ومبدعه ومتقنه
~~ومتممه ومكمله على النظام والترتيب الأشرف فالأشرف، وترتيب الموجودات عنه
~~كترتيب العدد عن الواحد الذي قبل الاثنين، كما بينا في الرسالة التي ذكرنا
~~فيها خواص العدد؛ فالعقل هو أول موجود أوجده الباري تعالى وأبدعه من غير
~~واسطة، ثم أوجد النفس بواسطة العقل، ثم أوجد الهيولى؛ وذلك أن العقل جوهر
~~روحاني فاض من الباري عز وجل وهو باق تام كامل، والنفس جوهرة روحانية فاضت
~~من العقل وهي باقية تامة غير كاملة، والهيولى الأولى جوهر روحاني فاض من
~~النفس وهو باق غير تام ولا كامل.

### || (٤) فصل

# اعلم أن علة وجود العقل هو وجود الباري عز وجل وفيضه الذي فاض منه، وعلة
~~بقاء العقل هو إمداد الباري عز وجل له بالوجود والفيض الذي فاض أولا، وعلة
~~تمامية العقل هي قبول ذلك الفيض والفضائل واستمداده من الباري تعالى، وعلة
~~كمال العقل هي إفاضة ذلك الفيض والفضائل على النفس بما استفاده من الباري
~~عز وجل؛ فبقاء العقل إذن علة لوجود النفس، وتمامية العقل علة لبقاء النفس،
~~وكماله علة لتمامية النفس، وبقاء النفس علة لوجود الهيولى، وتمامية النفس
~~علة لبقاء الهيولى؛ فمتى كملت النفس تمت الهيولى، وهذا هو الغرض الأقصى في
~~رباط النفس بالهيولى. ومن أجل هذا دوران الفلك وتكوين الكائنات لتكمل النفس
~~بإظهار فضائلها في الهيولى، وتتم الهيولى بقبول ذلك، ولو لم يكن هذا هكذا
~~لكان دوران الفلك عبثا.

# واعلم يا أخي أن العقل إنما قبل فيض الباري تعالى وفضائله التي هي البقاء
~~والتمام والكمال دفعة واحدة، بلا زمان ولا حركة ولا نصب؛ لقربه من الباري
~~عز وجل وشدة روحانيته. فأما النفس فإنه لما كان وجودها من الباري جل ثناؤه
~~بتوسط العقل، صارت رتبتها دون العقل، وصارت ناقصة في قبول الفضائل، ولأنها
~~أيضا تارة تتوجه نحو العقل لتستمد منه الخير والفضائل، وتارة تقبل على
~~الهيولى لتمدها بذلك الخير والفضائل، فإذا هي توجهت نحو العقل لتستمد منه
~~الخير اشتغلت عن إفادتها الهيولى ذلك الخير، وإذا هي أقبلت على الهيولى
~~لتمدها بذلك الفيض اشتغلت عن العقل وقبول فضائله.

# ولما كانت الهيولى ناقصة الرتبة عن تمام فضائل النفس وغير راغبة في
~~فيضها، احتاجت النفس إلى أن تقبل عليها إقبالا شديدا، وتعنى بإصلاحها عناية
~~تامة، فتتعب ويلحقها العناء والشقاء في ذلك.

# ولولا أن الباري عز وجل بفضله ورحمته أيدها بالعقل وأعانها على تخليصها،
~~لهلكت النفس في بحر الهيولى، كما قال الله تعالى: @QUR@011 ولولا فضل الله
~~عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ، وأما العقل فليس يناله في تأييده
~~النفس وفيضه عليها فضائله تعب ولا نصب؛ لأن النفس جوهرة روحانية سهلة
~~القبول، تطلب فضائل العقل وترغب في خيراته وهي حية بالذات علامة بالقوة
~~فعالة بالطبع قادرة صانعة بالعرض.

# وأما الهيولى فلبعدها من الباري — تعالى ذكره — صارت ناقصة المرتبة،
~~عادمة الفضائل، غير طالبة لفيض النفس ولا راغبة في فضائلها، ولا علامة ولا
~~مفيدة ولا حية، بل قابلة حسب، فمن أجل هذا يلحق النفس التعب والعناء والجهد
~~والشقاء في تدبيرها الهيولى وتتميمها لها، ولا راحة للنفس إلا إذا توجهت
~~نحو العقل وتعلقت به واتحدت معه، وسنشرح كيف يكون هذا فيما بعد إن شاء الله.

### || (٥) فصل في سؤالات عن المبادئ

# كيف سريان الوجود في الموجودات – كيف سريان البقاء في الباقيات – كيف
~~سريان الدوام في الدائمات – كيف سريان التمام في التامات – كيف سريان
~~الكمال في الكاملات – كيف سريان الحياة في الأحياء – كيف سريان العلم في
~~ذوي العلم – كيف سريان القدرة في ذوي القدرة – كيف سريان الرياسة في ذوي
~~الرياسة – كيف سريان الربوبية في ذوي الأرباب – كيف سريان الكثرة من الوحدة
~~المحضة؟

# وقال بعضهم، ولنعم ما قيل:

# يا منير العالم الحسي بالعقل المنير %~% أنت مبدي الكل ما زلت على مر الدهور
# لم يزل في علمك العالم من قبل الظهور %~% متقن الصنعة كالصورة في وهم الضمير
# ثم أظهرت إلى الوجدان إظهار البصير %~% جملة أبدعتها إبداع خلاق قدير

### || (٦) فصل في المبادئ الروحانية والجسمانية معا ومراتبها

# اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن أول شيء
~~اخترعه الله جل ثناؤه وأوجده جوهر بسيط روحاني في غاية التمام والكمال
~~والفضل، فيه صور جميع الأشياء؛ يسمى العقل الفعال، وأن من ذلك الجوهر فاض
~~جوهر آخر دونه في الرتبة يسمى «الرتبة الكلية»، وانبجس من النفس جوهر آخر
~~يسمى الهيولى الأولى، وأن الهيولى الأولى قبل المقدار الذي هو الطول والعرض
~~والعمق، فصارت بذلك جسما مطلقا؛ وهو الهيولى الثانية.

# ثم أن الجسم قبل الشكل الكري — الذي هو أفضل الأشكال — فكان من ذلك عالم
~~الأفلاك والكواكب ما صفا منه ولطف، الأول فالأول من لدن الفلك المحيط إلى
~~منتهى فلك القمر، وهي تسع أكر بعضها في جوف بعض، فأدناها إلى المركز فلك
~~القمر، وأبعدها وأعلاها الفلك المحيط، ويسمى أيضا الفلك الحامل للكل، الذي
~~هو ألطف الأفلاك جوهرا وأبسطها جسما، ثم دونه فلك الكواكب الثابتة، ثم دونه
~~فلك زحل، ثم دونه فلك المشتري، ثم دونه فلك المريخ، ثم دونه فلك الشمس، ثم
~~دونه فلك الزهرة، ثم دونه فلك عطارد، ثم دونه فلك القمر، ثم دون فلك القمر
~~الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض؛ فالأرض هي المركز
~~وهي أغلظ الأجسام جوهرا وأكثفها جرما.

# ولما ترتبت هذه الأكر بعضها في جوف بعض، كما أراد باريها جل ثناؤه، وكما
~~اقتضت حكمته، من لطيف نظامها وحسن ترتيبها، ودارت الأفلاك بأبراجها
~~وكواكبها على الأركان الأربعة، وتعاقب عليها الليل والنهار، والشتاء
~~والصيف، والحر والبرد، واختلط بعضها ببعض، فامتزج اللطيف منها بالكثيف،
~~والثقيل بالخفيف، والحار بالبارد، والرطب باليابس؛ تركبت منها على طول
~~الزمان أنواع التراكيب التي هي المعادن والنبات والحيوان.

# فالمعدن هو كل ما انعقد في باطن الأرض وقعر البحار وجوف الجبال من
~~البخارات المتحللة والدخانات المتصاعدة والرطوبات المحتقنة في المغارات،
~~والأهوية والترابية عليها أغلب.

# وأما النبات فهو كل ما نجم على وجه الأرض من العشب والكلأ والحشائش
~~والبقول والزروع والأشجار، والمائية عليها أغلب.

# وأما الحيوان فهو كل جسم يتحرك ويحس وينتقل من مكان إلى مكان بجثته،
~~والهوائية عليه أغلب.

# فالمعادن أشرف تركيبا من الأركان، والنبات أشرف تركيبا من المعادن،
~~والحيوان أشرف تركيبا من النبات، والإنسان أشرف تركيبا من جميع الحيوان،
~~والنارية عليه أغلب.

# وقد اجتمع في تركيب الإنسان جميع معاني الموجودات من البسائط والمركبات
~~التي تقدم ذكرها؛ لأن الإنسان مركب من جسد غليظ جسماني ومن نفس بسيطة
~~روحانية.

# فمن أجل هذا سمت الحكماء الإنسان عالما صغيرا، والعالم إنسانا كبيرا؛
~~فالإنسان إذا ما هو عرف نفسه بالحقيقة من غرائب تركيب جسده ولطيف بنية
~~هيكله وفنون تصاريف قوى النفس فيه وإظهار أفعالها به ومنه، من الصنائع
~~المحكمة والمهن المتقنة؛ تهيأ له أن يقيس عليها جميع معاني المحسوسات
~~ويستدل بها على جميع معاني المعقولات من العالمين جميعا.

# فينبغي لنا أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه — إذا كنا عازمين على
~~معرفة حقائق الموجودات — أن نبتدئ أولا بمعرفة أنفسنا؛ إذ هي أقرب الأشياء
~~إلينا، ثم بعد ذلك بمعرفة سائر الأشياء؛ لأنه قبيح بنا أن ندعي حقائق
~~الأشياء ولا نعرف أنفسنا.

### ||| فصل

# اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن النفس
~~الكلية إنما هي قوة روحانية فاضت من العقل بإذن الباري جل ثناؤه، كما ذكرنا
~~قبل، وأن لها قوتين اثنتين ساريتين في جميع الأجسام، من لدن فلك المحيط إلى
~~منتهى مركز الأرض، كسريان ضوء الشمس في جميع أجزاء الهواء؛ فإحدى قوتيها
~~علامة، والأخرى فعالة، فهي بقوتها الفعالة تتمم الأجسام وتكملها بما تنقش
~~فيها من الصور والأشكال والهيئات والزينة والجمال بألوان الأصباغ، وبالقوة
~~العلامة تكمل ذاتها بما يظهر من فضائلها من حد القوة إلى حد الفعل من
~~العلوم الحقيقية، والأخلاق الجميلة، والآراء الصحيحة، والأعمال الصالحة،
~~والصنائع المحكمة، والمهن المتقنة، بحسب قبول شخص تأثيراتها بصفاء جوهره
~~ولطافة جرمه.

### ||| فصل

# واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن النفس
~~جوهرها لا يبيد وقواها لا تفنى وأفعالها لا تنقطع؛ لأن مادتها من العقل
~~بالتأييد لها دائم وقبولها منه الفيض سرمدا متصل.

# وهكذا تأييد الباري تعالى للعقل دائما وأبدا وفيضه متصل وقبول العقل لذلك
~~متصل دائم؛ لأن فضائل الباري تعالى لا تفنى وعطاياه لا تنقطع وفيضه لا
~~يتناهى؛ لأنه ينبوع الخيرات، مبدأ البركات، ومعدن الجود وسبب كل موجود، فله
~~الحمد والثناء، والشكر والعطاء.

### ||| فصل

# واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن النفس
~~الكلية رتبتها فوق الفلك المحيط، وقواها سارية في جميع أجزاء الفلك وأشخاصه
~~بالتدبير والصنائع والحكم، وفي كل ما يحوي الفلك من سائر الأجسام، وأن لها
~~في كل شخص من أشخاص الفلك قوة مختصة به مدبرة له مظهرة منه أفعالها، وأن
~~تلك القوة تسمى نفسا جزئية لذلك الشخص؛ مثال ذلك القوة المختصة بجرم زحل
~~المدبرة له المظهرة منه وبه أفعالها يسمى نفس زحل.

# وهكذا القوة المختصة بجرم المشتري المدبرة له المظهرة به ومنه أفعالها
~~يسمى نفس المشتري.

# وعلى هذا المثال والقياس سائر القوى المختصة بكوكب كوكب وجرم جرم من
~~أجرام الفلك وأشخاصه المدبرة لها المظهرة بها ومنها أفعالها تسمى نفوسا لها.

# وهذا هو حقيقة ما قد رمز إليه في الكتب الإلهية أنهم الملائكة والملأ
~~الأعلى وجند الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

# وهذا هو حقيقة ما قالت الحكماء والفلاسفة في تفصيل النفوس الجزئية في
~~عالم الأفلاك والأركان، المسمون الروحانيين الموكلين بحفظ العالم وتدبير
~~الخلائق بإدارة الأفلاك، وجريان الكواكب، وتصاريف الدهور، وتغاير الأزمان،
~~ومراعاة الأركان، وتربية النبات والحيوان وحفظهما.

### ||| فصل

# اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن للنفس
~~الكلية التي هي فوق الفلك المحيط قوة مختصة سارية في جميع الأجسام التي دون
~~فلك القمر، وهي مدبرة لها، متصرفة فيها، مظهرة بها.

# ومنها أفعالها، ويسميها الفلاسفة والأطباء طبيعة الكون والفساد، ويسميها
~~الناموس ملكا من الملائكة، وهي نفس واحدة ولها قوى كثيرة منبثة في جميع
~~أقسام الحيوان والنبات والمعادن والأركان الأربعة، من لدن فلك القمر إلى
~~منتهى مركز الأرض.

# وما من جنس ولا نوع ولا شخص من هذه الموجودات إلا ولهذه النفس قوة مختصة
~~به مدبرة له مظهرة به، ومنه أفعالها، وإن تلك القوة تسمى نفسا جزئية لذلك الشخص.

### ||| فصل

# اعلم أن أول قوة لهذه النفس في هذه الأركان التي هي النار والهواء والماء
~~والأرض، هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

# وأن أول أفعال هذه القوى في هذه الأسطقسات هو التحريك والتسكين، والتبريد
~~والتسخين، والتحليل والتجميد، والتصعيد والتقطير، والخلط والمزج، والتأليف
~~والتركيب، والتصوير والتنقيش والتصبيغ وما شاكلها. وكل ذلك بفعل هذه القوى
~~في هذه الأسطقسات بمعاونة قوى الأشخاص الفلكية لها بإذن الله تعالى. مثال
~~ذلك تحريكها لركن النار لتسخين العالم بمعاونة قوة الشمس لها دائما،
~~وتسكينها لركن الأرض بمعاونة قوة زحل لها دائما، وتحليلها لركن الماء
~~بالسيلان بمعاونة قوة المشتري لها دائما، وتلطيفها لركن الهواء بمعاونة قوة
~~المريخ لها دائما، وتقطيرها لركن البخار الرطب بمعاونة قوة الزهرة لها
~~دائما، وتمزيجها لركن البخار اليابس بالبخار الرطب بمعاونة قوة عطارد لها
~~دائما، وإمدادها للمولدات بركن العصارات بمعاونة ركن قوة القمر لها دائما.

### ||| فصل

# واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن أول فعل
~~هذه القوى — أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة — في تكوين المعادن
~~صنعة الزئبق والكبريت؛ وذلك أن الرطوبات المحتقنة في باطن الأجسام الأرضية
~~والبخارات المحتبسة فيها، إذا تعاقب عليها حر الصيف وحرارة المعدن لطفت
~~وخفت، وتصاعدت علوا إلى سقوف تلك الأهوية والمغارات، وتعلقت هناك زمانا،
~~فإذا تعاقب عليها برد الشتاء غلظت وجمدت وتقاطرت راجعة إلى أسفل تلك
~~الأهوية والمغارات، واختلطت بتربة تلك البقاع ومكثت هناك زمانا طويلا،
~~وحرارة المعادن دائما تعمل في إنضاجها وطبخها وتصفيتها؛ فتصير تلك الرطوبة
~~المائية بما يختلط بها من الأجزاء الترابية وما تأخذ من ثقلها وغلظها بطول
~~الوقت وإنضاج الحرارة لها زئبقا رطبا ثقيلا، وتصير تلك الأجزاء الترابية
~~التي في أسفل المعادن بما يمازجها من الرطوبة الدهنية وإنضاج الحرارة لها
~~كبريتا محترقا، فإذا اختلط الزئبق والكبريت مرة ثانية وتمازجا — والتدبير
~~بحاله — تركب من امتزاجهما أجناس الجواهر المعدنية وأنواعها.

# مثال ذلك في تركيب الجواهر الذائبة أن الزئبق إذا كان صافيا والكبريت إذا
~~كان نقيا واختلطا جميعا اختلاطا سويا، وشرب الكبريت رطوبة الزئبق كما شرب
~~التراب نداوة الماء، واتحدت أجزاؤهما على الاعتدال، وكان مقداراهما
~~متناسبين، وحرارة المعدن تنضجهما على اعتدال، ولم يعرض لهما عارض من البرد
~~واليبس، قبل إنضاجهما؛ انعقد من ذلك على طول الزمان الذهب الإبريز، فإن عرض
~~لهما البرد قبل النضج انعقد فصار فضة بيضاء، فإن عرض لهما اليبس من فرط
~~الحرارة صارا نحاسا يابسا، وإن عرض لهما البرد قبل أن تتحد أجزاء الكبريت
~~بأجزاء الزئبق صارا من ذلك رصاصا قلعيا، وإن عرض لهما البرد قبل النضج
~~وكانت أجزاء الكبريت أكثر صارا حديدا، وإن كان الزئبق أكثر والكبريت أقل
~~والحرارة ضعيفة انعقد منهما الأسرب. وعلى هذا القياس تختلف سائر أجناس
~~الجواهر المعدنية بسبب العوارض التي تعرض لها من كثرة الزئبق والكبريت
~~وقلتهما أو فرط الحرارة والبرودة قبل وقت نضجهما والخروج عن الاعتدال وما
~~شاكل ذلك.

### ||| فصل

# واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الباري جل
~~ثناؤه قد أيد النفس النباتية بسبع قوى فعالة؛ وهي: القوى الجاذبة، والقوة
~~الماسكة، والقوة الهاضمة، والقوة الدافعة، والقوة الغاذية، والقوة المصورة،
~~والقوة النامية. وأنها تفعل بكل قوة من هذه فعلا خلاف ما تفعله بقوة أخرى؛
~~فأول فعلها في تكوين النبات هو جذبها عصارات الأركان الأربعة، التي هي
~~الأرض والماء والهواء والنار، ومصها لطائفها وما فيها من الأجزاء المشاكلة
~~لكل نوع من أنواع النبات، ثم إمساكها لها بالقوة الماسكة لئلا تسيل وتحلل
~~وتنعكس راجعة، ثم تنضيجها لها بالقوة الهاضمة لتحيلها إلى ذاتها، ثم دفعها
~~لها بالقوة الهاضمة لتحيلها إلى ذاتها، ثم دفعها لها بالقوة الدافعة إلى
~~أقطارها، ثم تغذيتها بالقوة الغاذية، ثم النمو والزيادة فيها بالقوة
~~النامية، ثم التصوير لها بأنواع الأشكال والأصباغ بالقوة المصورة.

# مثال ذلك أن القوة الجاذبة إذا امتصت نداوة التراب بعروق النبات وجذبتها
~~كما يمص الحجام الدم بالحجمة، أو كما تمص النار الدهن بالفتيلة؛ انجذبت
~~معها الأجزاء الترابية لشدة اتحادها بها، فإذا حصلت تلك المادة في عروق
~~النبات أنضجتها القوة الهاضمة، وصيرتها مشاكلة لجرم العروق، وتناولتها
~~القوة الغاذية وألزقت بكل شكل من تلك الأعضاء والمفاصل ما يلائمه القوة
~~المصورة، وزادت النامية في أقطارها طولا وعرضا وعمقا، وما فضلت من تلك
~~المادة ولطفت ورقت دفعتها القوة الدافعة إلى فوق في أصول النباتات وقضبانها
~~وفروعها وأغصانها، وجذبتها الجاذبة إلى ما هناك، وأمسكتها الماسكة كي لا
~~تسيل راجعة إلى أسفل، ثم إن القوة الهاضمة طبختها مرة ثانية وصيرتها مشاكلة
~~لجرم الأصول والفروع والأغصان، ومادة لها فزادت في أقطارها طولا وعرضا
~~وعمقا، وما ثقلت من تلك المادة ولطفت ورقت دفعتها الدافعة إلى أعلى الفروع
~~والأغصان، وجذبتها الجاذبة إلى هناك، وأمسكتها الماسكة، ثم أن القوة
~~الهاضمة طبختها مرة ثالثة وصيرتها مشاكلة لجرم الورق والنور والزهر وأكمام
~~الحب والثمر وما شاكل ذلك، ومادة لها وزادت في أقطارها طولا وعرضا وعمقا،
~~وما لطفت من تلك المادة ورقت صيرتها مادة للحب والثمر وأمسكتها الماسكة
~~هناك، ثم إن القوة الهاضمة طبختها مرة رابعة وأنضجتها ولطفتها وميزت منها
~~اللطيف من الكثيف، والغليظ من الدقيق، وصيرت الغليظ والكثيف مادة لجرم
~~القشر والنوى، وزادت في أقطارها طولا وعرضا وعمقا، وصيرت اللطيف والرقيق
~~مادة للب والحب والثمر، وهي الدقيق والشيرج والدهن والدبس والطعم واللون
~~والرائحة.

# فإذا تناول الحيوان لب النبات ليتغذى به، وحصلت تلك المادة في المعدة،
~~فأول فعل هذه القوى فيها فعل القوة الهاضمة بالحرارة الغريزية، ثم تصفيتها
~~في المعى وجذب الكيموس إلى الكبد، ثم تنضيجها مرة أخرى، ثم تمييز الأخلاط
~~بعضها من بعض، وهي الدم والبلغم والمرتان، ثم دفعها إلى الأعضاء والأوعية
~~المعدة لقبولها، ثم تقسيط الدم على الأعضاء والمفاصل بالأوراد، ثم تغذيته
~~لكل عضو بما يشاكله من تلك المادة، ثم النمو والزيادة في أقطارها طولا
~~وعرضا وعمقا، ثم استخراج النطفة من جميع أجزاء بدن الفحل عند حركة الجماع،
~~وهي زبدة الدم، ثم نقلها إلى رحم الأنثى بالآلات المعدة لذلك.

# وأما فعل هذه القوى في تركيب جسد الإنسان عند حصول النطفة في الرحم،
~~وتدبيرها لها تسعة أشهر حالا بعد حال، إلى أن تستتم بنية الجسد وتستكمل
~~هناك صورته؛ فقد شرحناها في رسالة أخرى غير هذه.

# فإذا تمت له المدة المقدرة التي قدرها الباري جل ثناؤه نقلته، قوة النفس
~~الحيوانية الحساسة بإذن الله تعالى من ذلك المكان إلى فسحة هذه الدار
~~استؤنف به تدبير آخر إلى تمام أربع سنين، ثم ترد القوة الناطقة المعبرة
~~لأسماء المحسوسات وتستأنف به تدبيرا آخر إلى تمام خمس عشرة سنة، ثم ترد
~~القوة العاقلة المميزة لمعاني المحسوسات وتستأنف به تدبيرا آخر إلى تمام
~~ثلاثين سنة، ثم ترد القوة الحكمية المستبصرة لمعاني المعقولات وتستأنف به
~~تدبيرا آخر تمام أربعين سنة، ثم ترد القوة الملكية المؤيدة وتستأنف به
~~تدبيرا آخر إلى تمام خمسين سنة، ثم ترد القوة الناموسية الممهدة للمعاد
~~المفارقة للهيولى وتستأنف به تدبيرا آخر إلى آخر العمر. فإن تكن النفس قد
~~تمت واستكملت قبل مفارقة الجسد نزلت قوة المعراج فرقت بها إلى الملأ الأعلى
~~وتستأنف تدبيرا آخر، وإن لم تكن النفس قد تمت واستكملت قبل مفارقة الجسد
~~ردت إلى أسفل سافلين، ثم استؤنف بها التدبير من الرأس كما ذكر الله تعالى
~~فقال: @QUR@031 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين *
~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون * فما يكذبك بعد
~~بالدين * أليس الله بأحكم الحاكمين ، وقال تعالى: @QUR@010 كما بدأنا أول
~~خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ، وقال سبحانه: @QUR@018 ثم لتكونوا
~~شيوخا، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا .

### ||| مسألة

# أترى ماذا يقول ويعتقد من ينظر في مبادئ الأشياء ويتكلم عليها؟ هل اخترعت
~~كلها اختراعا في غاية التمام والكمال والفضل، ثم تناقصت ورذل بعضها، أم
~~اخترعت كلها في غاية النقص ثم زادت وكملت وتمت وتفاضل بعضها على بعض؟ أم
~~بعضها هكذا وبعضها هكذا؟

### ||| فصل

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الله تعالى لما كان تام
~~الوجود كامل الفضائل عالما بالكائنات قبل كونها قادرا على إيجادها متى شاء،
~~لم يكن من الحكمة أن يحبس تلك الفضائل في ذاته فلا يجود بها ولا يغيضها،
~~فإذن بواجب الحكمة أفاض الجود والفضائل منه كما يفيض من عين الشمس النور
~~والضياء، ودام ذلك الفيض منه متصلا متواترا غير منقطع، فيسمى أول ذلك الفيض
~~العقل الفعال، وهو جوهر بسيط روحاني نور محض في غاية التمام والكمال
~~والفضائل، وفيه صور جميع الأشياء، كما تكون في فكر العالم صور المعلومات،
~~وفاض من العقل الفعال فيض آخر دونه في الرتبة يسمى العقل المنفعل، وهي
~~النفس الكلية، وهي جوهرة روحانية بسيطة قابلة للصور والفضائل من العقل
~~الفعال على الترتيب والنظام، كما يقبل التلميذ من الأستاذ التعليم.

# وفاض من النفس أيضا فيض آخر دونها في الرتبة يسمى الهيولى الأولى، وهي
~~جوهرة بسيطة روحانية قابلة من النفس من الصور والأشكال بالزمان شيئا بعد
~~شيء، فأول صورة قبلت الهيولى الطول والعرض والعمق، فكانت بذلك جسما مطلقا،
~~وهو الهيولى الثانية، ووقف الفيض عند وجود الجسم ولم يفض منه جوهر آخر؛
~~لنقصان رتبته عن الجواهر الروحانية وغلظ جوهره وبعده من العلة الأولى. ولما
~~دام الفيض من الباري تعالى على العقل، ومن العقل على النفس، عطفت النفس على
~~الجسم، فصورت فيه الصور والأشكال والأصباغ لتتمه بالفضائل والمحاسن بحسب ما
~~يمكن من قبول الجسم وصفاء جوهره.

# فأول صورة عملت النفس في الجسم الشكل الكري الذي هو أفضل الأشكال كلها،
~~وحركته بالحركة الدورية التي هي أفضل الحركات، ورتبت بعضها في جوف بعض من
~~لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، وهي إحدى عشرة كرة، فصار الكل
~~عالما واحدا منتظما نظاما كليا واحدا، وصارت الأرض أغلظ الأجسام كلها
~~وأشدها ظلمة لبعدها من الفلك المحيط، وصار الفلك المحيط ألطف الأجسام كلها
~~وأشدها روحانية وأشفها نورا لقربها من الهيولى الأولى التي هي جوهر بسيط
~~معقول، وصارت الهيولى أنقص رتبة من العقل والنفس لبعدها من الباري جل وعز.

# وذلك أن الهيولى هي جوهرة بسيطة روحانية معقولة غير علامة ولا فعالة، بل
~~قابلة آثار النفس بالزمان، منفعلة لها. وأما النفس فإنها جوهرة بسيطة
~~روحانية علامة بالقوة فعالة بالطبع، قابلة فضائل العقل بلا زمان، فعالة في
~~الهيولى بالتحريك لها بالزمان. وأما العقل فإنه جوهر بسيط روحاني، أبسط من
~~النفس وأشرف منها، قابل لتأييد الباري تعالى، علام بالفعل مؤيد للنفس بلا
~~زمان. وأما الباري تعالى فهو مبدع الجميع وخالق الكل، فالمبدع لا يشبه
~~المبدع، وكذلك الخالق لا يشبه المخلوق، والفاعل لا يشبه المفعول بوجه من
~~الوجوه وسبب من الأسباب؛ فتبارك الله رب العالمين وأرحم الراحمين.

# فانتبه أيها الأخ من نوم الغفلة ورقدة الجهالة قبل أن ينفخ في الصور
~~وتقول يا حسرتى على ما فرطت، وينادي المنادي من الملأ الأعلى ألا قد سعد
~~فلان وشقي فلان! واجتهد أن تكون من السعداء الذين هم من أصحاب اليمين وتكون
~~في سدر مخضود وطلح منضود، واجتهد ألا تكون من الأشقياء الذين هم أصحاب
~~الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم، واعتصم بحبل الله
~~المتين، واجتنب الشيطان الرجيم؛ عسى أن تصير من الذين أنعم الله عليهم، ولا
~~تصير من المغضوب عليهم ولا الضآلين.

# وفقك الله أيها الأخ البار الرحيم وجميع إخواننا للسداد، إنه رءوف
~~بالعباد.

# (تمت رسالة مبادئ الموجودات العقلية على رأي الفيثاغوريين، ويتلوها رسالة
~~المبادئ العقلية على رأي إخوان الصفا.)

### | الرسالة الثانية من النفسانيات العقليات في المبادئ العقلية على رأي إخوان الصفاء

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

### || (١) فصل

# اعلم يا أخي أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه قد بحث الفلاسفة والعلماء
~~والحكماء في مبادئ الموجودات عن أصول الكائنات، فسنح لقوم منهم غير ما سنح
~~للآخرين؛ وذلك أنه سنح لقوم من الثنوية الأمور المثنوية، ولقوم من النصارى
~~الأمور الثلاثية، ولقوم من الطبيعيين الأمور الرباعية، ولقوم آخرين
~~السداسية، ولقوم من الخرمية الأمور الخماسية، ولقوم آخرين الأمور السداسية،
~~ولقوم آخرين الأمور السباعية، ولقوم آخرين من الموسيقيين الأمور الثمانية،
~~ولقوم آخرين من الهند الأمور التساعية. وأطنبت كل طائفة في ذكر ما سنح لها
~~وشغفت به وأغفلت ما سوى ذلك. فأما الحكماء الفيثاغوريون فأعطوا كل ذي حق
~~حقه؛ إذ قالوا إن الموجودات بحسب طبيعة العدد كما سنبين طرفا منه في هذه
~~الرسالة، وهذا مذهب إخواننا — أيدهم الله — وبحسب رأيهم في وضع الأشياء
~~مواضعها وترتيبهم حق مراتبها على المجرى الطبيعي والنظام الإلهي.

### || (٢) فصل في معنى قول الفيثاغوريين إن الموجودات بحسب طبيعة العدد

# اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن فيثاغورس كان رجلا حكيما
~~موحدا من أهل حران، وكان شديد العناية بالنظر في علم العدد وكيفية نشوئه،
~~كثير البحث عنه وعن خواصه ومراتبه ونظامه، وكان يقول: إن في معرفة العدد
~~وكيفية نشوئه من الواحد الذي قبل الاثنين معرفة وحدانية الله عز وجل، وفي
~~معرفة خواص الأعداد وكيفية ترتيبها ونظامها معرفة موجودات الباري تعالى
~~وعلم مخترعاته وكيفية نظامها وترتيبها، وإن علم العدد مركوز في النفس يحتاج
~~إلى أدنى تأمل ويسير من التذكار حتى يستبين ويعرف بلا دليل.

### ||| فصل

# في مراتب الموجودات ونظام المخترعات، وأنها مطابقة لمراتب الأعداد
~~المفردات المتتاليات عن الواحد، وأن الكل محتاج إلى الواحد، وعلى رأي
~~الإخوان أن الواحد وما بعده محتاج إلى الغير، وهو العاد.

### ||| فصل

# اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الله جل ثناؤه لما أبدع
~~الموجودات واخترع المخلوقات، نظمها ورتبها في الوجود كمراتب الأعداد عن
~~الواحد لتكون كثرتها دالة على وحدانيته، وترتيبها ونظامها دالين على إتقان
~~حكمته في صنعها، ولتكون أيضا نسبتها إلى الذي هو خالقها ومبدعها كنسبة
~~الأعداد إلى الواحد الذي قبل الاثنين، الذي هو أصلها ومبدؤها ومنشؤها، كما
~~بينا في رسالة الأرثماطيقي، وذلك أن الباري جل ثناؤه لما كان واحدا
~~بالحقيقة من جميع الوجوه والمعاني لم يجز أن يكون المخلوق المخترع واحدا
~~بالحقيقة، بل وجب أن يكون واحدا متكثرا مثنويا مزدوجا؛ وذلك أن الباري جل
~~ثناؤه أول ما بدأ بفعل واحد مفعولا واحدا متحدا بفعله الذي هو علة العلل،
~~فلم يكن واحدا بالحقيقة بل فيه مثنوية؛ فلذلك قالوا إنه أوجد واخترع أشياء
~~مثنوية مزدوجة وجعلها قوانين الموجودات وأصول الكائنات.

# فمن ذلك ما قالت الحكماء الفلاسفة الهيولى والصورة، ومنهم من قال النور
~~والظلمة، ومنهم من قال الجوهر والعرض، ومنهم من قال الخير والشر، ومنهم من
~~قال الإثبات والنفي، ومنهم من قال الإيجاب والسلب، ومنهم من قال الروحاني
~~والجسماني، ومنهم من قال اللوح والقلم، ومنهم من قال الفيض والعقل، ومنهم
~~من قال المحبة والغلبة، ومنهم من قال الحركة والسكون، ومنهم من قال الوجود
~~والعدم، ومنهم من قال النفس والروح، ومنهم من قال الكون والفساد، ومنهم من
~~قال الدنيا والآخرة، ومنهم من قال العلة والمعلول، ومنهم من قال المبدأ
~~والمعاد، ومنهم من قال القبض والبسط.

# وعلى هذا القياس توجد أشياء كثيرة طبيعية مزدوجة أو متضادة كالمتحرك
~~والساكن، والظاهر والباطن، والعالي والسافل، والخارج والداخل، واللطيف
~~الكثيف، والحار والبارد، والرطب واليابس، والزائد والناقص، والجماد
~~والنامي، والناطق والصامت، والذكر والأنثى من كل زوجين اثنين.

# وهكذا توجد تصاريف أحوال الموجودات من الحيوان والنبات؛ كالحياة والممات،
~~والنوم واليقظة، والمرض والصحة، والألم واللذة، والبؤس والنعمة، والسرور
~~والغمة، والحزن والفرح، والصلاح والفساد، والضر والنفع، والخير والشر،
~~والسعادة والمنحسة، والإدبار والإقبال.

# وهكذا توجد أحكام الأمور الوضعية والشرعية؛ كالأمر والنهي، والوعد
~~والوعيد، والترغيب والترهيب، والطاعة والمعصية، والمدح والذم، والعقاب
~~والثواب، والحلال والحرام، والحدود والأحكام، والصواب والخطأ، والحسن
~~والقبيح، والصدق والكذب، والحق والباطل.

# وعلى هذه الأمور توجد الأمور المثنوية المزدوجة المتضادة، وبالجملة من كل
~~زوجين اثنين.

# واعلم يا أخي أنه لما لم يكن من الحكمة أن تكون الأمور الموجودة كلها
~~مثنوية مزدوجة، جعل بعضها مثلثات وبعضها مربعات ومخمسات ومسدسات ومسبعات،
~~وما زاد بالغا ما بلغ كما سنذكر منها طرفا بعد هذا الفصل إن شاء الله.

# واعلم يا أخي أن الموجودات كلها نوعان، لا أقل ولا أكثر، كليات وجزئيات
~~حسب؛ فالكليات تسع مراتب، محفوظ نظامها ثابتة أعيانها، وهي كتسعة آحاد
~~أولها البارئ الواحد الفرد جل ثناؤه، ثم العقل ذو القوتين، ثم النفس ذات
~~الثلاثة الألقاب، ثم الهيولى الأولى ذات الأربع الإضافات، ثم الطبيعة ذات
~~الخمسة الأسماء، ثم الجسم ذو الست الجهات، ثم الفلك ذو السبع المدبرات، ثم
~~الأركان ذات الثمانية المزاجات، ثم المكونات ذات التسعة الأنواع.

### ||| فصل

# واعلم أن الباري جل ثناؤه هو أول الموجودات، كما أن الواحد هو قبل كل
~~الأعداد؛ وكما أن الواحد هو نشوء الأعداد، كذلك الباري موجد الموجودات؛
~~وكما أن الاثنين أول الأعداد والأعداد ترتبت عن الواحد، كذلك العقل أول
~~موجود أبدعه الباري جل وعلا واخترعه، فمن غريزي ومكتسب دليل على رتبته في
~~الموجودات؛ وكما أن الثلاثة ترتبت بعد الاثنين، كذلك النفس ترتبت في الوجود
~~بعد العقل وصارت أنواعها ثلاثة؛ نباتية وحيوانية وناطقة، لتكون دالة على
~~رتبتها في الموجودات له، ثم أوجد الباري جل ثناؤه الهيولى كما ترتبت
~~الأربعة بعد الثلاثة.

# ومن أجل هذا قيل إن الهيولى أربعة أنواع: هيولى الصناعة، وهيولى الطبيعة،
~~وهيولى الكل، والهيولى الأولى؛ لتكون هذه الأربعة الأركان دالة على مرتبتها
~~في الموجودات، ثم الطبيعة ترتبت بعد الهيولى كما أن الخمسة ترتبت بعد
~~الأربعة.

# ومن أجل هذا قيل إن الطبائع خمس: إحداها طبيعة الفلك، وأربع تحت الفلك،
~~ثم ترتب الجسم بعد الطبيعة كما ترتبت الستة بعد الخمسة.

# ومن أجل هذا قيل إن الجسم له ست جهات، ثم تركب الفلك من الجسم وترتب بعده
~~كما ترتبت السبعة بعد الستة.

# ومن أجل هذا صار أمر الفلك يجري على سبعة كواكب مدبرات ليكون دلالة على
~~رتبته في الموجودات، ثم ترتبت الأركان في جوف الفلك كما ترتبت الثمانية بعد
~~السبعة.

# ومن أجل هذا قيل إنها ذات ثمانية مزاجات؛ فالأرض باردة يابسة، والماء
~~بارد رطب، والهواء حار رطب، والنار حارة يابسة؛ لتكون هذه الثمانية الأوصاف
~~دالة على رتبتها في الموجودات، ثم تولدت المولدات الثلاثة الأجناس ذات
~~التسعة الأنواع لتكون دالة على مرتبتها في الموجودات الكليات وهي آخرها
~~كلها، كما أن التسعة آخر مرتبة الآحاد وهي الكائنات المولدات من الأركان
~~الأربعة التي هي الأمهات، وهي المعادن والنبات والحيوان، والمعادن ثلاثة
~~أنواع: ترابية لا تذوب ولا تحترق كالزاجات والكحل، وحجر يذوب ولا يحترق
~~كالذهب والفضة والنحاس وما شاكلها، ومائية تذوب وتحترق كالكبريت والقير
~~وغيرهما. والحيوان ثلاثة أنواع: منه ما يلد ويضع، ومنه ما يبيض ويحضن، ومنه
~~ما يتكون من العفونات. والنبات ثلاثة أنواع: منها ما يغرس كالأشجار، ومنها
~~ما يزرع كالحبوب، ومنها ما ينبت كالحشائش والكلأ.

# فقد تبين بما ذكرنا أن الموجودات الكليات هي هذه التسعة المراتب التي
~~ذكرناها وشرحناها، وأما الأمور الجزئيات فداخلة في هذه الكليات التي تقدم
~~ذكرها. وأما الأمور الموجودات المثلثات، فإن من الموجودات الثلاثية الهيولى
~~والصورة والمركب منهما، والجواهر والأعراض والمؤلف منهما، والروحاني
~~والجسماني والمجموع منهما، ومثل المقادير الثلاثة التي هي الخطوط والسطوح
~~والأجسام، ومثل الأبعاد الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق، والأزمان
~~الثلاثة التي هي الماضي والحاضر والمستقبل، والحركات الثلاث من الوسط وإلى
~~الوسط وعلى الوسط، والأعداد الثلاثة التام والزائد والناقص، والعناصر
~~الثلاثة التي هي الممكن والواجب والممتنع، وتقاسيم الأوتاد والزوائل وما
~~يلي الوتد، والمكونات الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان، وبالجملة كل أمر
~~ذي واسطة أو طرفين.

# ولما كانت الأربعة من الأعداد تالية للثلاثة، وجب أن تكون أشياء رباعية
~~للمثلثات في الوجود، فجعل الباري جل ثناؤه أشياء مربعات تاليات لها في
~~الوجود.

# فمنها الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض، والطبائع
~~الأربع وهي البرودة واليبوسة والرطوبة والحرارة، والأخلاط الأربعة الصفراء
~~والسوداء والدم والبلغم، والرياح الأربع الصبا والدبور والجرميا والتيمن،
~~والجهات الأربع المشرق والمغرب والشمال والجنوب، والأوتاد الأربعة الطالع
~~والغارب والرابع والعاشر، والأزمان الأربعة الربيع والصيف والخريف والشتاء،
~~وأيام العمر أربعة فصول أيام الصبا وأيام الشباب وأيام الكهولة وأيام
~~الشيخوخة، ومراتب الأعداد أربع آحاد وعشرات ومئات وألوف.

# وعلى هذا القياس إذا تأمل وجد كثيرا من مربعات ومخمسات ومسدسات ومسبعات
~~ومثمنات ومتسعات ومعشرات، وما زاد بالغا ما بلغ من المئات والألوف وعشرات
~~الألوف ومئات الألوف وألوف الألوف.

# وبالجملة ما من عدد من الأعداد إلا وقد خلق الباري جل ثناؤه جنسا من
~~الموجودات مطابقا لذلك العدد، قل أو كثر، ونريد أن نبين من ذلك طرفا ليكون
~~دليلا على ما قلنا وحقيقة لما ذكرنا:

# أما المسدسات من الموجودات فأولها في طبيعة الأفلاك وأقسام البروج وحالات
~~الكواكب؛ وذلك أن البروج الاثني عشر: ستة منها ذكور وستة منها إناث، وستة
~~نهارية وستة ليلية، وستة شمالية وستة جنوبية، وستة مستقيمة الطلوع وستة
~~معوجة الطلوع، وستة من حيز الشمس وستة من حيز القمر، وستة تطلع بالنهار
~~وستة تطلع بالليل، وستة ترى أنها فوق الأرض وستة لا ترى فهي تحت الأرض.

# وأما الأحوال الست التي للكواكب فهي أن تكون في أوجاتها أو حضيضها، أو
~~شرفها أو هبوطها، أو مع رأس جو زهرها أو مع الذنب فهي ست أحوال.

# وأما الست الأخرى، فهي أن يكن مقترنات أو متقابلات أو مربعات أو مثلثات
~~أو مسدسات أو سواقط لا ينظر بعضها إلى بعض.

# وأما المسدسات من الأمور التي تحت الفلك فهي الجهات الست التي تنسب إلى
~~الأجسام، والستة الأخرى التي وضعت لمقادير الأوزان من الصنجات والأذرع
~~والمكاييل والأرطال؛ كل ذلك بفعل الستة إذا كانت هي أول العدد التام.

# وأما السبعات من الأمور الموجودة فتركنا ذكرها؛ إذ كان قوم من أهل العلم
~~قد شغفوا بها وأطنبوا في ذكرها، وهي معروفة موجودة في أيدي أهل العلم.

# وأما المثمنات فقد ذكرنا طرفا منها في رسالة الموسيقى لا يحتاج إلى
~~إعادته.

# وأما المتسعات من الأمور فقد شغف بها أيضا قوم من أهل الهند وأكثروا من
~~ذكرها، وأيضا رجل من أهل العلم يعرف بالكيال قد شغف بها وأكثر من ذكرها في
~~كتب له معروفة موجودة في أيدي أهل العلم.

# وقد ذكرنا أيضا طرفا منها في بعض رسائلنا وفي فصل من هذه الرسالة مما
~~تقدم، وقلنا إن الموجودات الكليات تسع مراتب فحسب، لا أقل ولا أكثر، مطابقة
~~التسع الآحاد المتفق بين الأمم كلها على وضعها؛ لتكون الأمور الوضعية
~~مطابقة مراتبها للأمور الطبيعية التي هي ليست من صنع البشر، بل صنعة خالق
~~حكيم سبحانه وبحمده.

# وأما الموجودات المخمسات فالكواكب الخمسة المتحيرة: زحل والمشتري والمريخ
~~والزهرة وعطارد، وإنما سميت متحيرة لأن لها رجوعا واستقامة، وليس للشمس ولا
~~للقمر رجوع ولا استقامة.

# والأجسام الطبيعية الخمسة التي هي جسم الفلك والأربعة الأركان التي دونه
~~من النار والهواء والأرض والماء.

# والخمسة الأجناس من الحيوان هي: الإنسان والطير والسائح، والمشاء ذو
~~الرجلين وذو الأربع، والذي ينساب على بطنه.

# والحواس الخمس الموجودة في الحيوان التام الخلقة؛ وهي: السمع والبصر
~~والشم والذوق واللمس.

# والخمسة الأجزاء الموجودة في النبات، وهي الأصل والعروق والورق والزهر
~~والثمر.

# والخمسة الأشكال الفاضلة المذكورة في كتاب إقليدس وهي: الشكل الناري ذو
~~الأربعة السطوح المثلثات، والشكل الأرضي ذو السطوح المربعات، والشكل المائي
~~ذو الثمانية السطوح المثلثات، والشكل الهوائي ذو العشرين قاعدة مثلثات،
~~والشكل الفلكي ذو الاثنتي عشرة قاعدة مخمسات.

# والخمس النسب الفاضلة الموسيقية؛ وهي: المثل والجزء، والمثل والأجزاء،
~~والضعف، والضعف والجزء، والضعف والأجزاء.

# والخمسة أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد — صلى الله
~~عليه وآله وعليهم الصلاة والسلام.

# والخمسة الأيام الملقب أسماؤها بالعدد في جميع اللغات؛ وهي بالعربية:
~~الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وبالفارسية مثلها: يك شنبه،
~~دو شنبه، سه شنبه، جهار شنبه، بنج شنبه.

# والخمسة الأيام المشرفة من جملة أيام السنة الفارسية في آخر أيار ماه
~~وأسماؤها بالفارسية: أهند كاه، اسهد كاه، اسفيد كاه، همشتر كاه، استورست كاه.

# ففي كون هذه الموجودات على هذه الأعداد المخصوصة دلالة لمن كان له عقل
~~راجح وفهم دقيق، وفطنة بأن لله تعالى ملائكة هم صفوته من خلقه وخيرته من
~~بريته، إليهم تقع الإشارة بهذه الموجودات المقدمات المخصوصات، خلقهم لحفظ
~~عالمه، وجعلهم سكان سمواته ومدبري أفلاكه ومسيري كواكبه ومربي نبات أرضه
~~ورعاة حيوانه، منهم السفراء بينه وبين أنبيائه من بني آدم، فمنهم يقع الوحي
~~والنبوات، وهم ينزلون بالبركات من السموات، ويعرجون بأعمال بني آدم
~~وبأرواحهم، وإليهم أشار في أكثر أحكام الشريعة ومفروضات سننها مثل: الصلوات
~~الخمس، والزكاة الخمس، والطهارة الخمس، وشرائط الإيمان الخمس، وبني الإسلام
~~على خمس، والفضلاء من أهل بيت النبوة خمسة، ومراقي منبر النبوات خمس،
~~وفرائض الحج خمس، والأيام المعدودات بمنى وعرفات خمسة، والحروف المستعملة
~~في أوائل سور القرآن من واحد إلى خمسة.

# وكل هذه المخمسات إشارات ودلالات على خمسة من الملائكة، مع كل واحد منهم
~~خمسة آلاف من الملائكة إلى خمسين ألفا إلى خمسمائة ألف، وما زاد بالغا ما
~~بلغ، وإليهم أشار في عدة آيات من سور القرآن مثل قوله: @QUR@03 تنزل
~~الملائكة والروح ، @QUR@05 وما نتنزل إلا بأمر ربك ، وقوله تعالى: @QUR@014
~~وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون وإلى
~~الخمسة الفاضلة من الملائكة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حدثني
~~جبريل عليه السلام عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم»، فقد تبين مما
~~ذكرنا معنى قول الحكماء الفيثاغوريين إن الموجودات بحسب طبيعة العدد.

### || (٣) فصل في بيان نضد العالم وأنه كري الشكل

# اعلم يا أخي أن الباري تعالى لما أبدع الموجودات واخترع المخترعات رتبها
~~ونظمها وجمعها كلها في فلك واحد محيط بها من كل الجهات، كما ذكر سبحانه
~~وتعالى بقوله: @QUR@04 وكل في فلك يسبحون .

### ||| فصل

# اعلم أن الفلك المحيط كري الشكل مستدير مجوف، وسائر الأفلاك في جوفه
~~مستديرات محيط بعضها ببعض كحلقة البيض والبصل، وهي إحدى عشرة أكرة، والشمس
~~هي في أوسط الأكر: خمس من فوق أكرتها وخمس من دون أكرتها، فالتي فوق أكرتها
~~أكرة المريخ ثم أكرة المشتري ثم أكرة زحل ثم أكرة الكواكب الثابتة ثم أكرة
~~المحيط، والتي دون أكرتها أكرة الزهرة ثم أكرة عطارد ثم أكرة القمر ثم أكرة
~~الهواء ثم أكرة الأرض التي هي المركز، وهي ليست مجوفة ولكن متخلخلة لكثرة
~~المغارات والكهوف والأهوية، وأما الكوكب فإنه أكريات مصمتات مستديرات كما
~~بين في المجسطي بقياس هندسي.

# واعلم يا أخي أن الباري جل ثناؤه جعل شكل العالم كريا؛ لأن هذا الشكل
~~أفضل الأشكال الخمسة من المثلثات والمربعات والمخروطات وغيرها، وهو أيضا
~~أوسعها مساحة وأسرعها حركة وأبعدها من الآفات وأقطاره متساوية ومركزه في
~~وسطه، ويمكنه أن يدور في مكانه ولا يماس غيره إلا على نقطة وأجزاء متقاربة،
~~ويمكنه أن يتحرك مستديرا مستقيما، ولا يمكن أن توجد هذه الخصال والصفات في
~~غيره، وقسم الفلك اثني عشر قسما؛ لأن هذا العدد زائدة أجزاؤه أكثر من كله؛
~~فقد تبين مما ذكرنا أن هذا الشكل الأكري أفضل الأشكال، وأن الباري عز وجل
~~يفعل الأحكم والأتقن، فنتج من هاتين المقدمتين أن شكل العالم مستدير، وإنما
~~اقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أن جعل الباري جل ثناؤه شكل العالم
~~كريا مستديرا والأفلاك والكواكب كذلك لما تبين من فضل هذا الشكل على سائر
~~الأشكال الخمسة، وجعل أيضا حركات الكواكب والأفلاك كرية مستديرة، وذلك أن
~~كل كوكب من السبعة يدور في فلك صغير يسمى أفلاك التداوير، وتلك الأفلاك
~~الخارجة المراكز تدور في سطح فلك البروج المحيط بسائر الأفلاك، وهذا الفلك
~~المحيط أيضا يدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة دورة واحدة من المشرق
~~إلى المغرب فوق الأرض، ومن المغرب إلى المشرق تحت الأرض مثل الدولاب.

# فلو لم تكن الأرض والفلك وكواكبه كريات مستديرات لما استوى هذا الدوران
~~ولما استمرت حركات كواكبه على ما ذكرنا وبينا في هذا الوصف. وإذ قد تبين
~~مما ذكرنا أن العالم كري الشكل مستدير، فنريد أن نبين أيضا أن تصاريف أموره
~~الجزئيات أيضا مستديرة؛ فمن ذلك أن الأرض بما عليها من البحار والجبال
~~والبراري والأنهار والعمران والخراب أكرة واحدة، والهواء محيط بها من جميع
~~جوانبها وفلك القمر محيط بالهواء، كذلك أن شكل الجبال على بسيط الأرض كل
~~واحدة قطعة قوس من محيط الدائرة، وكذلك شكل الأنهار والأودية ومحيط
~~الأقاليم كل واحد قطعة قوس من محيط الدائرة، وهكذا حكم جريان مياه الأنهار،
~~فإنها تبتدئ من الأنهار في جريانها نحو البحار وتسقي القرى والسوادات،
~~وينصب الباقي إلى البحار ويختلط بمياهها المالحة، ثم يصير بخارا ويرتفع في
~~الهواء، ويتركب ويتكاثف ويصير غيوما وسحابا تسوقها الرياح إلى رءوس الجبال
~~والبراري والقفار، فتمطر هناك وتسيل منها أودية وأنهار وتجري نحو البحار
~~راجعة من الرأس، ويكون منها البخار والغيوم مثل ما كان عام أول دولاب يدور
~~و@QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم وهكذا حكم النبات والحيوان والمعادن،
~~فإنها تتكون من هذه الأركان، وتنشأ وتتم وتكمل ثم تفسد وتبلى وتصير ترابا
~~كما كانت بديا، ثم إن الله تعالى ينشئ منها ما يشاء كما بدأ أولا يعيده مرة
~~أخرى دولابا يدور، وكذلك إذا نظرت وتأملت واعتبرت وجدت أكثر ثمار الأشجار
~~وحبوب النبات وبذورها وأوراقها مستديرات الأشكال أو كريات أو مخروطات قريبة
~~من الاستدارة.

# وهكذا الثقب التي في أبدان الحيوان إلى الاستدارة أقرب ما تكون، وهكذا
~~أشكال أواني الناس وأدوات الصناع وأرحيتهم ودواليبهم وآبارهم والكيزان
~~والغضائر والقدور والأقداح والقصاع والخواتم والقلانس والعمائم والحلي
~~والتيجان أقرب إلى التدوير.

# فاعلم ذلك أيها الأخ وتفكر فيه، أعانك الله على المعرفة بحقائق الأشياء
~~بمنه ولطفه، وصلى الله على النبي الخاتم وعلى الوصي القائم، وعلى أولاده
~~وبنيه وعترته آباء الأئمة المهتدين وأمراء المؤمنين الموحدين وسلم تسليما،
~~وحسبنا الله ونعم الوكيل.

# (تمت رسالة المبادئ العقلية وتتلوها رسالة في معنى قول الحكماء: إن العالم
~~إنسان كبير.)

### | الرسالة الثالثة في معنى قول الحكماء إن العالم إنسان كبير

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

### || (١) فصل

# اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنا قد فرغنا
~~من ذكر مراتب المبادئ العقلية على رأي إخوان الصفاء وبينا فيها بكلام مشبع
~~أن الوجود متقدم على البقاء، والبقاء متقدم على التمام، والتمام متقدم على
~~الكمال، ونريد الآن أن نذكر في هذه الرسالة معنى قول الحكماء «إن العالم
~~إنسان كبير» فنقول:

# اعلم أن قول الحكماء «إن العالم إنسان كبير» وقولهم «إن الإنسان عالم
~~صغير» يجب أن نشرح معناه لتقف على حقيقته؛ معنى ذلك أن العالم له جسم ونفس
~~يعنون به الفلك المحيط وما يحوي من سائر الموجودات من الجواهر والأعراض،
~~وأن حكم جسمه بجميع أجزائه البسيطة والمركبة والمولدة يجري مجرى جسم إنسان
~~واحد أو حيوان واحد بجميع أعضاء بدنه المختلفة الصور المفننة الأشكال، وأن
~~حكم نفسه بجميع قواها السارية في أجزاء جسمه المحركة المدبرة لأجناس
~~الموجودات وأنواعها وأشخاصها، كحكم نفس إنسان واحد أو حيوان واحد، السارية
~~في جميع أعضاء بدنه ومفاصل جسده، المحركة المدبرة لعضو عضو وحاسة حاسة من
~~بدنه، وذلك قول الله تعالى: @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ،
~~وإذا قلنا نحن في رسائلنا: «الجسم الكلي» فإنما نعني به جسم العالم بأسره،
~~وإذا قلنا «النفس الكلية» فإنما نعني بها نفس العالم بأسرها، وإذا قلنا
~~«العقل الكلي» فإنما نعني به القوة الإلهية المؤيدة للنفس الكلية، وإذا
~~قلنا «الطبيعة الكلية» فإنما نعني بها قوة النفس الكلية السارية في جميع
~~الأجسام المحركة المدبرة لها المظهرة بها ومنها أفعالها وآثارها، وإذا قلنا
~~«الهيولى» فإنما نعني به الجوهر الذي له طول وعرض وعمق فهو بها جسم مطلق،
~~وإذا قلنا «الأجسام البسيطة» فإنما نعني بها الأفلاك والكواكب والأركان
~~الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض، وإذا قلنا «الأنفس البسيطة»
~~فإنما نعني بها قوى النفس الكلية المحركة المدبرة لهذه الأجسام السارية
~~فيها، وهذه القوى نسميها الملائكة الروحانيين في رسائلنا، وإذا قلنا
~~«الأنفس الحيوانية والنباتية والمعدنية» فإنما نعني بها قوى النفس البسيطة
~~المحركة المدبرة لهذه الأجسام المولدة السارية فيها المظهرة بها ومنها
~~أفعالها.

# فإذا قلنا «الأجسام الجزئية» فإنما نعني بها أشخاص الحيوانات والنبات
~~والمعادن وغيرها من المصنوعات على أيدي البشر وغيرهم من الحيوان.

# وإذا قلنا «الأنفس الجزئية المتحركة» فإنما نعني بها قوى النفوس
~~الحيوانية والنباتية والمعدنية السارية في الأجسام الجزئية المحركة المدبرة
~~لها المظهرة بها ومنها أفعالها واحدا واحدا من الأشخاص الموجودة تحت فلك
~~القمر؛ فقد بان بهذا أن مجرى حكم العالم ومجاري أموره بجميع الأجسام
~~الموجودة فيه، مع اختلاف صورها وافتنان أشكالها وتغاير أعراضها، يجري مجرى
~~جسم الإنسان الواحد من الناس أو الحيوان الواحد بجميع أجزائه المختلفة
~~الصور ومفاصله المفننة الأشكال وهيئته المتغايرة الأعراض، وأن حكم سريان
~~قوى نفس العالم في جميع أجزاء جسمه كحكم سريان قوى نفس إنسان واحد في جميع
~~أجزاء بدنه ومفاصل جسده.

### || (٢) فصل

# واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العالم
~~الذي سميناه إنسانا كبيرا، في أجزائه ومجاري أموره، أمثلة وتشبيهات دالات
~~على مجاري أحكام العالم الذي هو إنسان صغير، فنريد أن نذكر من تلك الأمثلة
~~طرفا ليكون أقرب لفهم المتعلمين، ومن يريد أن يفهم حكم العالم ومجاري أموره
~~في فروع الموجودات التي في العالم من أصولها، تلك الأصول من أصول آخر قبلها
~~إلى أن تنتهي إلى أصل يجمعها كلها، كمثل شجرة واحدة لها عروق وأغصان وعليها
~~فروع وقضبان، وعلى تلك الفروع والقضبان أوراق وتحتها نور وثمار لها لون
~~وطعم ورائحة، ومن وجه آخر مجاري حكم الموجودات التي في العالم، فروعها من
~~أصولها وأصولها من أصول أخر، إلى أن تنتهي كلها إلى أصل واحد كمجرى حكم جنس
~~الأجناس الذي تحته أنواع تسمى جنس المضاف، وتحتها أنواع تسمى أنواع المضاف،
~~وتحت تلك الأنواع أشخاص كثيرة مختلفة الصور والأشكال والهيئات والأعراض، لا
~~يحصي عددها إلا الله عز وجل.

# ومن وجه آخر مثل هذه الموجودات الجنسية والنوعية والشخصية مع جنس الأجناس
~~كمثل قبيلة لها شعوب، ولشعوبها بطون، ولبطونها أفخاذ، ولأفخاذها عمائر ولها
~~عشائر وأقارب.

# ومن وجه آخر مجرى حكم العالم في جميع موجوداته كمجرى حكم شريعة واحدة
~~فيها مفروضات كثيرة، ولتلك المفروضات سنن مختلفة، ولتلك السنن أحكام
~~متباينة، ولتلك الأحكام حدود متغايرة يجمعها كلها دين واحد لأهله مذاهب
~~مختلفة، ولكل أهل مذهب مقالات متغايرة، وتحت كل مقالة أقاويل كثيرة مفننة.

# ومن وجه آخر حكم العالم ومجاري أموره من فنون تركيب أفلاكه، واختلاف
~~حركات كواكبه، واستحالة بعض أركانه إلى بعض، وتولد اختلاف الكائنات
~~المختلفة الأشكال، وافتنان أجناس نباته وفنون جواهر معدنه، وسريان قوى
~~النفس الكلية في هذه الأجسام وتحريكها إياها وتدبيرها لها وبها، ومنها
~~كمجرى حكم دكان لصانع واحد وله فيه أدوات وآلات مختلفة الصور وله بها ومنها
~~أفعال وحركات مفننة ومصنوعاتها مختلفات الصور والأشكال والهيئات وقوة نفسه
~~سارية فيها كلها وحكمه جار عليها بحسب ما يليق بواحد واحد منها.

# ومن وجه آخر مجاري أحكام الموجودات الجسمانية في العالم مع اختلاف صورها
~~وأعراضها ومنافعها للنفس الكلية كمجرى حكم دار فيها بيوت وخزائن، وفي تلك
~~الخزائن آلات وأوان وأثاث لرب الدار، وله فيها أهل وخدم وغلمان، وحكمه جار
~~فيها وفيهم جميعا، وتدبيره لهم منتظم على أتقن ما تقتضيه السياسة الربانية
~~والعناية الإلهية.

# ومن وجه آخر حكم العالم الذي هو إنسان كبير ومجاري أموره في الأجسام
~~الكليات والبسائط والمولدات والمركبات الجزئيات، وارتباط بعضها ببعض وإحاطة
~~بعضها ببعض من تركيب أفلاكه ونظام كواكبه ومقادير أجرامها، وترتيب أركانه
~~واستحالاتها وقرار معادنه واختلاف جواهرها وأنواع نباته وثبات أصولها،
~~وحركات حيوانه وتصرفها لمعايشها وسريان قوى النفس الكلية من أولها إلى
~~آخرها؛ كحكم مدينة حولها أسوار وفي داخلها محال وخانات ونواح فيها شوارع
~~وطرقات وأسواق في خلالها منازل ودور فيها بيوت، وخزائن فيها أموال وأمتعة
~~وأثاث وآلات وحوائج يملكها كلها ملك واحد له في تلك المدينة جيوش ورعية
~~وغلمان وحاشية وخدم وأتباع، وحكمه جار في رؤساء جنده وأشراف مدينته وتناء
~~بلده، وحكم أولئك الرؤساء والأشراف والتناء[١] جار في أتباعهم وحكم أتباعهم
~~فيمن دونهم إلى آخره، وإن ذلك الملك يسوس تلك المدينة وأهلها على أحسنها من
~~مراعاة أمورهم واحدا واحدا؛ صغيرهم وكبيرهم أولهم وآخرهم لا يخل بواحد منها.

# فهكذا يجري حكم النفس الكلية في جميع أجزاء العالم من الأفلاك والكواكب
~~والأركان والمولدات والمركبات والمصنوعات على أيدي البشر، كجريان حكم ذلك
~~الملك على تلك المدينة.

# وكذلك يسري حكمها في الأنفس البسيطة والجنسية والنوعية والشخصية في
~~تصريفها لها وتحريكها وتدبيرها للموجودات الجسمانية وأجناسها وأنواعها
~~وأشخاصها؛ صغيرها وكبيرها وأولها وآخرها وظاهرها وباطنها.

# ثم اعلم أن مثل النفس الكلية كجنس الأجناس، والأنفس البسيطة كالأنواع
~~لها، والأنفس التي دونها كنوع الأنواع، والأنفس الجزئية كالأشخاص؛ مرتبة
~~بعضها تحت بعض كترتيب العدد.

# فالنفس الكلية كالواحد، والبسيطة كالآحاد، والجنسية كالعشرات، والنوعية
~~كالمئات، والأنفس الجزئية الشخصية كالألوف؛ وهي التي تختص بتدبير جزئيات
~~الأجسام والأنفس النوعية مؤيدة لها، والجنسية مؤيدة للنوعية، والنفوس
~~البسيطة مؤيدة للجنسية.

# والنفس الكلية التي هي نفس العالم مؤيدة للنفوس البسيطة، والعقل الكلي
~~مؤيد للنفس الكلية، والباري — جل ثناؤه — مؤيد للعقل الكلي؛ فهو مبدعها
~~كلها ومدبر لها من غير ممازجة لها ولا مباشرة، فتبارك الله أحسن الخالقين.

# ثم اعلم أيها الأخ كما أن في تلك المدينة رجالا ونساء ومشايخ وشبانا
~~وصبيانا، فمنهم أخيار وأشرار وعلماء وجهال ومصلح ومفسد، وأقوام مختلفو
~~الطباع والأخلاق والآراء والأعمال والعادات؛ فهكذا في العالم الكبير نفوس
~~كثيرة بسيطة كلية وجزئية مختلفات الحالات: فمنها نفوس علامة خيرة فاضلة،
~~ومنها نفوس علامة شريرة رذلة، ومنها جاهلة شريرة، ومنها جاهلة غير شريرة.

# فالنفوس العلامة الخيرية الفاضلة هي أجناس الملائكة وصالحو المؤمنين
~~والعلماء من الجن والإنس، والعلامة الشريرة مردة الشياطين وسحرة الجن
~~والفراعنة والدجالون من الناس، والجاهلة الشريرة أنفس السباع الضارية
~~والجهال الأشرار من الناس، والجاهلة غير الشريرة أنفس بعض الحيوانات
~~السليمة كالغنم والحمام وغيرها من الحيوان.

### || (٣) فصل

# إن أجساد بعض الحيوانات حبوس لنفوسها ومطامير لها، وبعضها صراط يجوزون
~~عليه، وبعضها برزخ إلى يوم يبعثون، وبعضها أعراف لها، هم عليها واقفون.

# وقد بينا هذه المعاني في رسالة أخرى، وكما أن لأهل تلك المدينة فيها
~~مساجد وبيعا وصلوات، ولأهل العلم والدين فيها مجالس وجماعات وأعيادا
~~وصلوات، فهكذا يجري في فضاء الأفلاك وسعة السموات للملائكة جموع وتسابيح
~~ودعوات، كما ذكر الله تعالى: @QUR@05 يسبحون الليل والنهار لا يفترون ،
~~وقال الله تعالى: @QUR@09 وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد
~~ربهم . وكما أن في تلك المدينة لأهلها فيها حبوس ومطامير، عليها شرط
~~وأعوان، فهكذا في العالم الكبير للنفوس الشريرة جهنم ونيران وهاوية، عليها
~~ملائكة غلاظ شداد، وهو عالم الكون والفساد.

# ثم اعلم أيها الأخ أنه ليس كل نفس وردت إلى عالم الكون والفساد تكون
~~محبوسة فيه، كما أنه ليس كل من دخل الحبس يكون محبوسا فيه، بل ربما دخل
~~الحبس من يقصد إخراج المحبوسين منه، كما أنه قد يدخل بلاد الروم من يستنقذ
~~أسارى المسلمين، وإنما وردت النفوس النبوية إلى عالم الكون والفساد
~~لاستنقاذ هذه النفوس المحبوسة في حبس الطبيعة الغريقة في بحر الهيولى
~~الأسيرة في الشهوات الجسمانية.

# وكما أن المحبوس إذا اتبع من دخل الحبس لإخراج خرج ونجا، كذلك من اتبع
~~الأنبياء في شرائعهم وسننهم ومناهجهم نجا وتخلص من جهنم، وخرج من عالم
~~الكون والفساد، ونجا وفاز ولو كان بعد حين، كما روي عن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أنه قال: «لا يزال يخرج من النار قوم بعد قوم من أمتي بعدما دخلوها
~~حتى لا يبقى في النار أحد ممن قال لا إله إلا الله مخلصا في دار الدنيا»،
~~وذلك قول الله تعالى: @QUR@018 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا
~~* ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ، وكما أن في تلك المدينة
~~لأهلها جنانا وميادين وأنهارا وبساتين وفيها مجالس لنزهة النفوس وبهجة
~~وسرور ولذة ونعيم.

# فهكذا في فضاء الأفلاك وسعة السموات لأهلها فيها فسحة وجنان وروح وريحان
~~ونعمة ورضوان، كما ذكر في التوراة والإنجيل والقرآن من وصف الجنان.

# فافهم يا أخي هذه الإرشادات والتنبيهات، وانتبه من نوم الغفلة ورقدة
~~الجهالة، وقد روي في الخبر أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في
~~الجنان بالنهار على رءوس أشجارها وأنهارها وأزهارها، وتأوي بالليل إلى
~~قناديل معلقة تحت العرش، وذلك قول الله تعالى: @QUR@045 ولا تحسبن الذين
~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم
~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا
~~هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ،
~~وكما أن لأهل تلك المدينة فيها لأهلها صناعا وعمالا لهم أجرة وأرزاق، وفيها
~~باعة وتجار يتعاملون بموازين ومكاييل، ولهم مظالم وخصومات، ولهم فيها قضاة
~~وعدول، ولهم فقه وأحكام وفصول وقضايا، وإن من سنة القضاة البروز والجلوس
~~لفصل القضايا، في كل سبعة أيام يوم واحد، فهكذا يجري حكم النفس الكلية في
~~الأنفس الجزئية في كل سبعة آلاف سنة مرة تعرض النفوس الجزئية لدى النفس
~~الكلية، فتبرز النفس الكلية لفصل القضايا بينها بالحق، @QUR@015 فلا تظلم
~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين .

# وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عمر الدنيا سبعة آلاف سنة
~~بعثت في آخر ألف منها»، وقال: «لا نبي بعدي»، وعلى آخر هذه المدة تقوم
~~الساعة. وإلى هذه المدة أشار بقوله تعالى: @QUR@026 وإذ أخذ ربك من بني آدم
~~من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا
~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، وهذا الخطاب كان يوم الميثاق، وهو يوم
~~العرض الأول، ويوم القيامة هو يوم العرض الثاني الكائن بينهما مدة سبعة
~~أيام، كل يوم كألف سنة كما قال الله تعالى: @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف
~~سنة مما تعدون وإلى هذا اليوم أشار بقوله تعالى: @QUR@011 ويوم نحشر من كل
~~أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون وقال: @QUR@015 يوم يجمع الله الرسل
~~فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب وقال: @QUR@015 كم
~~لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين .

# وكما أن يوم الحكم يقعد القضاة ويحضرون العدول ويدعى الشهود ويحشرون هم
~~والخصوم، وتخرج الصكوك ويفصل الحكم، فهكذا يوم عرض الحبوس يخرج الوالي
~~ويحضر الأعوان ويخرجون المحبوسين، ونتبين براءة قوم منهم فيطلقون، وقوم
~~تقام عليهم الحدود ويخلون، وقوم يخلدون في الحبس إلى يوم الفصل الثاني.
~~وهكذا يوم عرض النفوس، يخرج الوالي ويخرج الدواوين ويحضر الكتاب ويدعو
~~المنيبين للعرض وتعطى أرزاق المستحقين، ويزاد قوم وقوم ينقصون، ويثبت قوم
~~وقوم يسقطون، وهكذا تجري حكم النفس الكلية في الأنفس الجزئية يوم الدين؛
~~لأن الله تعالى جعل أحكام الدنيا ومجاري أمورها أمثلة، وأشار بها إلى أحوال
~~القيامة ومجاري أمورها، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتيقنوا يا أولي الألباب
~~@QUR@07 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ، وإنما ذكر الله الميزان والوزن
~~والعدد يوم الحساب لأن النصفة بين الناس لا تتبين لهم إلا بالكيل والوزن
~~والعدد والذرع، وهذه كلها كالموازين تعرف بها مقادير الأشياء؛ فمن أجل هذا
~~ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، ولم يقل ونضع الميزان، فإن توهم متوهم
~~أن الذي وعده النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم القيامة من وزن الأعمال
~~من الخير والشر، وهذه أعراض لا تثبت وتتبين، فكيف يكون وزنها؛ فليعلم أن
~~الوزن إنما يحتاج إليه ليعلم مقدار الشيء ليقابل بمثله أو يزداد عليه أو
~~ينقص منه، وهذا المعنى شائع في الأعراض، جار فيها مثل العروض الذي هو ميزان
~~الشعر الذي به يعرف استواؤه وزائده وناقصه.

# والشعر عرض من الأعراض، ومثل البنكان والإسطرلاب وأمثالها من الآلات يعرف
~~بها مقادير الزمان من الزيادة والنقصان والاستواء، والزمان عرض من الأعراض،
~~ومثل الذراع الذي يعرف به الطول والقصر والبعد والقرب والكبر والصغر، وهي
~~أعراض كلها، ومثل المسطرة والبركار يعرف بهما الاستواء والاعوجاج وهما
~~عرضان، ومثل الصنجات والأرطال يعرف بهما الثقل والخفة والزيادة والنقصان،
~~وهي أعراض كلها، فالذي ينكره المتوهم أن يكون لأعمال الخير والشر ميزان
~~يعرف به مقدار الخير والشر وله قوم يعرفون كيفية وزن الأعمال وهي صناعتهم،
~~كما أن لتلك الموازين التي ذكرنا، لكل واحد منها قوم هي صناعتهم، وإخواننا
~~الفضلاء هم أهل هذه الصناعة وإليها ندعو إخواننا الباقين.

# (تمت الرسالة، وبعد هذه زيادة لم توجد في سائر النسخ ولعلها زيدت من رسائل
~~متقدمة.)

### || (٤) فصل في أن العالم بأسره كرة تنفصل إحدى عشرة طبقة

# اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العالم
~~بأسره كرة واحدة تنفصل إحدى عشرة طبقة؛ تسع منها هي أفلاك كريات مجوفات
~~مشفات وكواكبها أيضا كلها كريات مستديرات مضيئات، وحركتها كلها دورية، وذلك
~~أن الفلك المحيط بجميع ما يحوي من الأفلاك والكواكب يدور حول الأرض في كل
~~أربع وعشرين ساعة دورة واحدة، وكذلك كل كوكب يدور في فلك مختص به أو دائر
~~حركة دورية في زمان معلوم، وكلما دارت دورة استأنفت ثانية كما وصفنا في
~~رسالة مدخل النجوم ورسالة السماء والعالم ورسالة الأدوار والأكوار، ودون
~~فلك القمر كرتان إحداهما النار والهواء، والأخرى الماء والأرض، وكل واحدة
~~منها كرية الشكل، محيطات أواخرها متصلة بأوائلها، بيان ذلك أن النار متصل
~~أولها بفلك القمر وآخرها بطبيعة الزمهرير، والزمهرير آخره متصل محيط بالماء
~~والأرض كما ذكرنا في رسالة الآثار العلوية، وأما الأرض بجميع جبالها
~~وبحارها فهي كرة واحدة، فإذا اعتبر شكل الجبال والأنهار على بسيط الأرض
~~وتأمل، تبين أن كل واحد منها كأنه قطعة قوس من محيط الدائرة، وأما أشكال
~~البحار فكل واحد كأنه قشر من سطح جسم كري.

### ||| فصل

# وهكذا أحوال الكائنات إذا اعتبرت وتأملت تبين أن أكثرها كريات الشكل
~~ومستديرات؛ من ذلك أن أكثر الأشجار وأوراقها وحب النبات ونوارها كريات
~~الأشكال ومستديرات، وهكذا أكثر مصنوعات البشر كما بينا في رسالة الهندسة،
~~وأما أحوالها فدائرة أيضا بعطف أوائلها على أواخرها مثل دوران الزمان من
~~الشتاء إلى الربيع، ومن الربيع إلى الصيف، ومن الصيف إلى الخريف، ومن
~~الخريف إلى الشتاء، وهكذا دوران الليل والنهار حول كرة الأرض كما بينا في
~~رسالة الهيولى.

# وكذلك الحكم في دوران مياه الأنهار والبحار والغيوم والأمطار، فإنها
~~كالدولاب الدائر، وذلك أن الغيوم والسحاب تنشأ من البخار الصاعد من البحار
~~والأنهار، وتسوقها الرياح إلى القفار ورءوس الجبال، وتمطر هناك فتجتمع
~~السيول إلى الأودية والأنهار، فتذهب راجعة إلى البحار ثم تصعد ثانية، وذلك
~~تقدير العزيز العليم. وكذلك حال النبات وتكوينه من التراب والماء والنار
~~والهواء، ورجوعه إليها في دورانها كالدولاب، وذلك أن النبات يبدو وينشأ
~~ويتم ويكمل، حتى إذا بلغ إلى أقصى غاياته ومنتهاها رجع عند البلى والفساد
~~إلى ما تكون منه، وبيان ذلك أن النبات يمتص بعروقه لطائف الأركان ويصير منه
~~ورق وثمار يتناولها الحيوان بالاغتذاء فتستحيل في بعض أبدانه لحما ودما،
~~وبعضها ثقلا وسمادا، ويرد إلى أصول النبات ليغتذي منه ويصير حبا وثمارا
~~ثانيا ويتناوله الحيوان أيضا، فإذا تأمل هذا من حالها وجد كأنه دولاب دائر.

# وأما أجسام الحيوان فإنها كلها تعود إلى التراب وتبلى وتصير ترابا، ويكون
~~منها ثانيا النبات ومن النبات حيوان كما بينا قبل، فإذا تأمل ذلك أيضا وجد
~~كأنه دولاب يدور، وأما أحوال البشر إذا اعتبرت فكلها دائرة كالدواليب؛ وذلك
~~أن الإنسان يبتدئ كونه من النطفة ثم ينشأ وينمو ويتم ويبلغ إلى أن يتولد
~~منه النطفة فينتهي العود إلى حيث خرج لقضاء شهوته ونتاج مثله؛ وكذلك بدء
~~كونه ناقص القوة ضعيف البنية ثم يرتقي ويتزايد إلى أن يبلغ أشده، ثم يأخذ
~~في الانحطاط والنقص إلى أن يرد إلى أرذل العمر، كما كان بديا، وكما ذكر
~~سبحانه فقال: @QUR@042 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه
~~نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا
~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن
~~الخالقين * ثم إنكم بعد ذلك لميتون ، وكما قال سبحانه: خلقناكم من تراب ثم
~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام
~~ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا
~~ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.

### || (٥) فصل في أن للموجودات نظاما في الوجود والبقاء

# واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن لهذه
~~الموجودات التي تحت فلك القمر نظاما وترتيبا أيضا في الوجود والبقاء، وهي
~~مرتبة بعضها تحت بعض، متصل أواخرها بأوائلها كترتيب العدد وترتيب الأفلاك.

# بيان ذلك أنه لما كان ترتيب أجزاء العالم محيطات بعضها ببعض، وهي إحدى
~~عشرة كرة، تسع منها في عالم الأفلاك، أولها من لدن فلك المحيط وآخرها إلى
~~منتهى فلك القمر، وأواخرها متصلة بأوائلها كما بينا في رسالة السماء
~~والعالم، وكان اثنان منها دون فلك القمر، وهي كرة النار والهواء وكرة الماء
~~والأرض، وهي مقسومة على أربع طبائع؛ أولها الأثير وهو نار ملتهبة دون فلك
~~القمر، ودونه الهواء وهو جسم سيال، ودونه الزمهرير والبرد المفرط، ودونه
~~الماء المفرط: الرطوبة، ودون الأرض المفرطة اليبس.

# وهذه الأربعة محفوظة كلياتها في مراكزها، ومتصلة أواخرها بأوائلها،
~~مستحيلة جزئياتها بعضها إلى بعض، كما بينا في رسالة الكون والفساد.

# فأما الكائنات منها التي هي جزئياتها فهي المعادن والنبات والحيوان، ولها
~~نظام وترتيب، متصل أواخرها بأوائلها كترتيب الأفلاك والأركان، بيان ذلك أن
~~المعادن متصلة أوائلها بالتراب وأواخرها بالنبات أيضا، والنبات متصل آخره
~~بالحيوان، والحيوان متصل آخره بالإنسان، والإنسان متصل آخره بالملائكة،
~~والملائكة أيضا لها مراتب ومقامات متصلة أواخرها بأوائلها، كما بينا في
~~رسالة الروحانيات. ونريد أن نذكر في هذا الفصل مراتب الكائنات من الأركان
~~الأربعة التي هي المعادن والنبات والحيوان، فنقول: إن المعادن إذا تأملت
~~وجدت إما مما يلي التراب فهو الجص، وإما مما يلي الماء فهو الملح؛ وذلك أن
~~الجص هو تراب رملي يقبل الأمطار ثم ينعقد ويصير جصا، وأما الملح فإنه ماء
~~يمتزج بالتربة السبخة ثم ينعقد فيصير ملحا.

# وأما أواخر المعادن مما يلي النبات فهو الكمأة والفطر وما شاكل ذلك؛ وذلك
~~أن هذا الجنس من الكائنات يتكون في التراب كالمعدن، ثم ينبت في المواضع
~~الندية في أيام الربيع من الأمطار كما ينبت النبات، ولكن من أجل أنه ليس له
~~ثمرة ولا ورقة ويتكون في التراب كما تتكون الجواهر المعدنية وعلى أشكالها
~~صار يشبه المعادن، ومن جهة أخرى يشبه النبات.

# فأما باقي أنواع الجواهر المعدنية ففيما بين هذين الحدين — أعني الجص
~~والكمأة — وقد بينا في رسالة أنواعها وأجناسها وخواصها ومنافعها.

# وأما النبات فأقول إن هذا الجنس من الكائنات متصل أوله بالمعدن، كما بينا
~~في رسالة المعادن، وآخره بالحيوان أيضا؛ بيان ذلك أن أول مرتبة النباتية
~~وأدونها مما يلي التراب — وهو خضراء الدمن — ليس بشيء سوى غبار يتلبد على
~~الأرض والصخور والأحجار، ثم يصيبه بلل الأمطار وندا الليل فتصبح بالغداوات
~~خضراء كأنها نبت زرع وحشائش، فإذا أصابها حر الشمس نصف النهار رجعت، ثم
~~تصبح من غد مثل ذلك من نداوة الليل وطيب النسيم، ولا تنبت الكمأة ولا خضراء
~~الدمن إلا في أيام الربيع في البقاع المتجاورة لتقارب ما بينهما؛ لأن هذا
~~معدنه نباتي، وذلك نبات معدني.

### ||| فصل

# وأما النخل فهو آخر مرتبة النباتية مما يلي الحيوانية؛ وذلك أن النخل
~~نبات حيواني لأن بعض أفعاله وأحواله مبائن لأحوال النبات وإن كان جسمه
~~نباتا؛ بيان ذلك أن القوة الفاعلة فيه منفصلة من القوة المنفعلة.

# والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث، وللفحولة من
~~أشخاصه لقاح في إناثها كما يكون ذلك في الحيوان.

# وأما سائر النبات فإن القوة الفاعلة منه ليست بمنفصلة من المنفعلة بالشخص
~~بل بالفعل حسب كما بينا في رسالة النبات.

# وأيضا فإن النخل إذا قطعت رءوسها جفت وبطل نموها ونشوءها وماتت، وكذلك
~~موجود في الحيوان، فهذا الاعتبار يبين أن النخل نبات بالجسم حيوان بالنفس؛
~~إذ كانت أفعاله أفعال النفس الحيوانية وشكل جسمه شكل نباتي.

# وفي النبات نوع آخر فعله أيضا فعل النفس الحيوانية، ولكن جسمه جسم نباتي
~~وهو الكثوث؛ وذلك أن هذا النوع من النبات ليس له أصل ثابت في الأرض كما
~~يكون لسائر النبات ولا له أوراق كأوراقها، بل إنما يلتف على الأشجار
~~والزروع والشوك، فيمتص من رطوبتها ويتغذى كما يفعل الدود الذي يدب على ورق
~~الأشجار وقضبان النبات ويقرضها فيأكلها، ويتغذى هذا النوع من النبات، وإن
~~كان جسمه يشبه النبات فإن فعل نفسه فعل الحيوان، فقد بان مما وصفنا أن آخر
~~رتبة النباتية متصل بأول الحيوانية، وأما سائر مراتب مرتبة النباتية ففيما
~~بين هذين.

### || (٦) فصل في أن أول مرتبة من الحيوانية متصلة بآخر النبات

# واعلم يا أخي بأن أول مرتبة من الحيوانية أيضا متصلة بآخر النبات، كما أن
~~أول النباتية متصل بآخر المعدنية، وأول المعدنية متصل بالتراب والماء، كما
~~بينا قبل.

# فأدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط؛ وهو الحلزون،
~~وهي دودة في جوف أنبوبة تنبت تلك الأنبوبة على الصخر الذي في سواحل البحار
~~وشطوط الأنهار، وتلك الدودة تخرج نصف شخصها من جوف تلك الأنبوبة وتنبسط
~~يمنة ويسرة تطلب مادة يتغذى بها جسمها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليه،
~~فإن أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من مؤذ
~~لجسمها أو مفسد لهيكلها، وليس لها سمع ولا بصر ولا شم ولا ذوق إلا اللمس
~~فحسب، وهكذا أكثر الديدان التي تتكون في الطين في قعور البحار وأعماق
~~الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم؛ لأن الحكمة الإلهية لا تعطي
~~الحيوان عضوا لا يحتاج في جر المنفعة أو دفع المضرة؛ لأنه لو أعطاها ما لا
~~تحتاج إليه كان وبالا عليها في حفظها لبقائها، فهذا النوع حيوان نباتي لأنه
~~ينبت جسمه كما ينبت بعض النبات، ويقوم على ساقه قائما، وهو من أجل أنه
~~يحركه حركة اختيارية حيواني، ومن أجل أنه ليست له إلا حاسة واحدة فهو أنقص
~~الحيوانات رتبة في الحيوانية.

# أما تلك الحاسة فقد شارك بها النبات؛ وذلك أن النبات له حس اللمس حسب،
~~والدليل على ذلك إرساله العروق نحو النهر في المواضع الندية وامتناعه عن
~~إرسالها نحو الصخور واليبس وأيضا، فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال وعدل
~~عنه طالبا للفسحة والسعة، فإن كان فوقه سقف يمنعه من الذهاب علوا وترك له
~~ثقب من جانب مال إلى نحو تلك الناحية التي إذا طال طلع من هناك، وهذه
~~الأفعال تدل على أن له حسا وتمييزا بمقدار الحاجة. فأما حس الألم فليس
~~للنبات؛ وذلك لأنه لم يلق بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ألما وهي لم تجعل
~~له حيلة الدفع، كما جعلت للحيوان، وذلك أن الحيوان لما جعل له أن يحس
~~بالألم جعلت له أيضا حيلة الدفع؛ إما بالفرار والهرب، وإما بالتحرز، وإما
~~بالممانعة. فقد بان مما وصفنا كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي النبات، فنريد
~~أن نذكر ونبين كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي الإنسانية — ليست من وجه واحد
~~ولكن من عدة وجوه — وذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدن الفضائل وينبوع
~~المناقب لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان، ولكن عدة أنواع؛ فمنها ما قارب
~~رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، ومنها بالأخلاق النفسانية كالفرس في
~~كثير من أخلاقه وكالطائر الأنسي أيضا، ومثل الفيل في ذكائه وكالببغاء
~~والهزار ونحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات والألحان والنغمات، ومثل ذلك
~~النحل اللطيف الصنائع إلى ما شاكل هذه الأجناس؛ وذلك أنه ما من حيوان
~~يستعمله الناس أو يأنس بهم إلا وله في نفسه شرف وقرب من نفس الإنسانية.

# فأما القرد فلقرب شكل جسده من شكل جسد الإنسان صارت نفسه تحاكي أفعال
~~النفس الإنسانية، وذلك منه متعارف بين.

# وأما الفرس الكريم فإنه قد بلغ من كرم أخلاقه أن صار مركبا للملوك، وذلك
~~أنه ربما بلغ من حسن أدبه ألا يبول ولا يروث ما دام بحضرة الملك أو حامله.

# وله أيضا مع ذلك ذكاء وإقدام في الهيجاء وصبر على الطعن والجراح، كما
~~يكون للرجل الشجاع كما وصف الشاعر حيث يقول:

# وإذا شكى مهري إلي جراحه %~% عند اختلاف الطعن قلت له اقدما
# لما رآني لست أقبل عذره %~% عض الصميم على اللجام وحمحما

# وأما الفيل فإنه يفهم الخطاب بذكائه، ويمتثل الأمر والنهي كما يمتثل
~~الرجل العاقل المأمور المنهي. وهذه الحيوانات في آخر مرتبة الحيوانية مما
~~يلي رتبة الإنسان لما يظهر منها من الفضائل الإنسانية.

# وأما باقي أنواع الحيوانات ففيما بين هاتين المرتبتين، وإذ قد فرغنا من
~~ذكر مراتب الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية، فينبغي أن نذكر أول مرتبة
~~الإنسانية مما يلي الحيوانية.

### || (٧) فصل

# اعلم يا أخي أن أدون رتب الإنسانية مما يلي الحيوانية هي رتبة الذين لا
~~يعلمون من الأمور المحسوسات ولا يعرفون من الخيرات إلا الجسمانيات، ولا
~~يطلبون إلا إصلاح الأجساد ولا يرغبون إلا في الدنيا، ولا يتمنون إلا الخلود
~~فيها مع علمهم أنهم لا سبيل لهم إلى ذلك! ولا يشتهون من اللذات إلا الأكل
~~والشرب مثل البهائم، ولا يتنافسون إلا في الجماع والنكاح كالخنازير
~~والحمير، ولا يحرصون إلا في جمع الذخائر متاع الحياة الدنيا، يجمعون ما لا
~~يحتاجون إليه كالنمل، ويخبئون ما لا ينتفعون به كالعقائق، ولا يعرفون من
~~الزينة إلا صباغ اللباس كالطواويس، يتهارشون على حطام الدنيا كالكلاب على
~~الجيف، وإن كانت صورتهم الجسدانية صورة الإنسان فإن أفعال نفوسهم أفعال
~~النفوس الحيوانية والنباتية.

### ||| فصل

# اعلم أيها الأخ ما علمت واعمل بما أودعت، أعاذك الله أيها الأخ البار
~~الرحيم من نزغات الشيطان الرجيم، ووفقك الله وإيانا وجميع إخواننا بمنه
~~الكريم.

# (تمت رسالة معنى قول الحكماء «إن العالم إنسان كبير»، ويليها رسالة العقل
~~والمعقول.)

### | الرسالة الرابعة من النفسانيات العقليات في العقل والمعقول

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنا قد فرغنا من بيان قول
~~الحكماء «إن العالم إنسان كبير»، وأوردنا المثالات والإشارات والتشبيهات
~~حسب ما جرت عادة إخواننا الكرام قد سبق منا ذكر المبادئ العقلية وبينا فيه
~~كيفية اختراع الموجودات وتكوين المخلوقات، وكذلك قد سبق منا في رسالة الحاس
~~والمحسوس بينا أن المحسوسات كلها أعراض جسمانية وهي كلها في الهيولى
~~الجسماني، وأن إدراك النفس لها بطريق الحواس بقوتها الحاسة، وأن الحواس
~~كلها آلات جسدانية، وأن الحس هو تغيير مزاج تلك الحواس عند مباشرة
~~المحسوسات لها، وأن الإحساس هو شعور القوى الحساسة بتغيير تلك الأمزجة،
~~فنريد أن نذكر في هذه الرسالة الملقبة بالعقل والمعقول ونبين أن المعقولات
~~أيضا كلها صور روحانية تراها النفس في ذاتها وتعاينها في جوهرها بعد
~~مشاهدتها لها في الهيولى بطريق الحواس إذا هي انتبهت من نوم الغفلة ورقدة
~~الجهالة ونظرت بعين البصيرة إلى نور العقل واستضاءت بضيائه وتجملت ببهائه.

# واعلم يا أخي أن العقل اسم مشترك يقال على معنيين: أحدهما ما تشير به
~~الفلاسفة إلى أنه أول موجود اخترعه الباري جل وعز، وهو جوهر بسيط روحاني
~~محيط بالأشياء كلها إحاطة روحانية، والمعنى الآخر ما يشير به جمهور الناس
~~إلى أنه قوة من قوى النفس الإنسانية التي فعلها التفكر والروية والنطق
~~والتمييز والصنائع وما شاكلها، فنريد أن نتكلم في هذه القوة ونبين أقسامها
~~ونصف أفعالها وكيفية إدراكها صور المعلومات في ذاتها وجوهرها.

# واعلم يا أخي أنه لما كان العقل الذي نحن في ذكره قوة من قوى النفس
~~الإنسانية هي أيضا قوة من قوى النفس الكلية، والنفس الكلية هي فيض فاض من
~~العقل الكلي الذي هو أول فيض فاض من الباري جل وعز، وهي كلها تسمى موجودات
~~أولية احتجنا أن نذكر أولا أقسام الموجودات وما معنى الموجود، ومعنى الوجود
~~والعدم وطرق العلم بها.

# واعلم يا أخي أن لفظة الموجود مشتقة من وجد يجد وجدانا، فهو واجد وذاك
~~موجود، فالموجود يقتضي الواجد؛ لأنهما من جنس المضاف، وقد بينا معنى جنس
~~المضاف في رسالة المنطق.

# واعلم أن كل واجد من البشر شيئا، إذا وجد شيئا، فإن وجدانه له لا يخلو من
~~إحدى الطرق الثلاث: إما بإحدى القوى الحساسة كما بينا في رسالة الحاس، وإما
~~بإحدى القوى العقلية التي هي الفكرة والروية والتمييز والفهم والوهم الصادق
~~والذهن الصافي، وإما بطريق البرهان الضروري كما بينا في رسالة البراهين
~~التي هي طريق الاستدلال، وليس إلى الإنسان طريق إلى المعلومات غير هذه.

# وأما معنى العدم فهو ما يقابل كل نوع من هذه الطرق الثلاث، فيقال معدوم
~~من درك الحس له، ومعدم من تصور العقل، ومعدوم من إقامة البرهان عليه. وأما
~~علم الباري جل ثناؤه بالأشياء فليس من هذه الطرق الثلاث بل أشرف وأعلى من
~~هذه كلها؛ وذلك أنه لا يقال للباري سبحانه إنه واجد للأشياء، بل يقال إنه
~~موجد ومحدث ومخترع ومبدع ومبق ومتمم ومكمل.

# واعلم أيها الأخ إنما علم الإنسان بالباري عز وجل ووجدانه له بإحدى
~~طريقتين؛ إحداهما عموم والأخرى خصوص: فالعموم هي المعرفة الغريزية التي في
~~طباع الخليقة أجمع بهويته؛ وذلك أن الناس كلهم، العالم والجاهل والخير
~~والشرير والمؤمن والكافر، كلهم يفزعون عند الشدائد إلى الله ويستغيثون به
~~ويتضرعون إليه، حتى البهائم أيضا في سني الجدب ترفع رءوسها إلى السماء تطلب
~~الغيث، فهذا العلم منهم يدل على معرفتهم بهويته.

# وأما معرفة الخصوص فهي بالوصف له والتجريد والتنزيه والتوحيد، وهي التي
~~بطرق البرهان، ويختص بها فضلاء الناس؛ وهم الأنبياء والأولياء والحكماء
~~والأخيار والأبرار كما وصفهم، فقال في محكم تنزيله: @QUR@04 سبحان الله عما
~~يصفون ، @QUR@04 إلا عباد الله المخلصين وهي معرفة ضرورية.

# واعلم يا أخي بأن الموجودات كلها التي أوجدها الباري سبحانه وتعالى، بأي
~~طريق كان وجدانها، ليست تخلو من أن تكون جواهر أو أعراضا أو مجموعا منهما،
~~هيولى أو صورة أو مركبا منهما، عللا أو معلولات، أو مشارا إليهما جسمانيا
~~روحانيا أو مقرونا بينهما، بسيطا أو مركبا أو جملتهما. ولما كانت هذه
~~الأقسام محتوية على الموجودات كلها احتجنا أن نبين نفس معاني هذه الألفاظ
~~الغامضة التي تاه فيها أكثر العلماء عن الوقوف على حقائق معانيها.

# واعلم يا أخي بأن الموجودات كلها صور وأعيان غيريات أفاضها الباري عز وجل
~~على العقل الذي هو أول موجود جاد به الباري وأوجده، وهو جوهر بسيط روحاني
~~فيه جميع صور الموجودات غير متراكمة ولا متزاحمة، كما يكون في نفس الصانع
~~صور المصنوعات قبل إخراجها ووضعها في الهيولى وهو فائض تلك الصور على النفس
~~الكلية دفعة واحدة بلا زمان، كفيض الشمس نورها على الهواء. وأن النفس قابلة
~~لتلك الصورة تارة وفائضة على الهيولى تارة، كما يقبل القمر نور الشمس تارة
~~ويفيض على الهواء تارة. وأن الهيولى قابلة لتلك الصور من النفس الكلية شيئا
~~بعد شيء على التدريج بالزمان، كما يقبل الهواء نور القمر في وقت دون وقت
~~ومن مسامتة دون مسامتة، كما يقبل التلميذ من الأستاذ شيئا بعد شيء.

# واعلم يا أخي أن صور الموجودات كلها يتلو بعضها بعضا في الحدوث والبقاء
~~عن العلة الأولى التي هي الباري عز وجل، كما يتلو العدد أزواجه أفراده
~~بعضها بعضا في الحدوث والنظام عن الواحد الذي قبل الاثنين. ثم اعلم أن هذه
~~الألفاظ كلها ألقاب وسمات يشار بها إلى الصور ليميز بين إضافات بعضها إلى
~~بعض، كما يميز بين الأعداد بالألفاظ؛ وذلك أن الصورة الواحدة تارة تسمى
~~هيولى وتارة تسمى جوهرية وتارة تسمى عرضية، وتارة بسيطة وتارة مركبة، وتارة
~~روحانية وتارة جسمانية، وتارة علة وتارة معلولة، وما شاكل هذه الألفاظ، كما
~~يسمى العدد الواحد تارة نصفا وتارة ضعفا وتارة ثلثا وتارة ربعا، وتارة غير
~~ذلك لإضافة بعضها إلى بعض؛ مثال ذلك أيضا أن القميص هو أحد الموجودات
~~الجسمانية الصناعية المدركة بالحس، وماهيته أنه صورة في الثوب والثوب هيولى
~~لها، وماهية الثوب أيضا أنها صورة في الغزل والغزل هيولى لها، والغزل أيضا
~~ماهيته أنه صورة في القطن والقطن هيولى لها، والقطن أيضا ماهيته أنه صورة
~~في النبات والنبات هيولى لها، والنبات أيضا ماهيته أنه صورة في الأجسام
~~الطبيعية التي هي النار والهواء والماء والأرض، وكل واحد منها أيضا صورة في
~~الجسم المطلق كما بينا في رسالة الكون والفساد، والجسم المطلق أيضا صورة في
~~الهيولى الأولى كما بينا في رسالة الهيولى، والهيولى الأولى هي صورة
~~روحانية فاضت من النفس الكلية، والنفس الكلية أيضا هي صورة روحانية فاضت من
~~العقل الكلي الذي هو أول موجود أوجده الباري عز وجل كما بينا في رسالة
~~المبادئ العقلية.

# فقد بان لك بهذا المثال أن الموجودات كلها صور متعلقة حدوثها وبقاؤها
~~يتلو بعضها بعضا إلى أن تنتهي إلى المبدع الأول الذي هو الباري عز وجل،
~~كتعلق حدوث العدد أزواجه وأفراده عن الواحد الذي قبل الاثنين.

# واعلم يا أخي أن هذه الصور كل واحدة منها مقومة لشيء، إما جوهرية له
~~متممة لشيء آخر أو عرضية له، والفرق بينهما أن الصورة الجوهرية المقومة
~~للشيء هي التي إذا انخلعت عن الهيولى بطل وجدان الشيء، والصورة العرضية
~~المتممة هي التي إذا انخلعت عن الهيولى لم يبطل وجدان الهيولى. مثال ذلك أن
~~الخياطة هي صورة مقومة لذات القميص جوهرية له؛ لأنها بها يكون الثوب قميصا
~~ومتممة للثوب عرضية فيه؛ بيان ذلك أنه إذا انخلعت الخياطة عن الثوب بطل
~~وجدان القميص ولم يبطل وجدان الثوب، وهكذا النساجة صورة في الثوب جوهرية
~~ومقومة له وعرضية في الغزل ومتممة له، فإذا انسلت صورة الثوب التي هي
~~النساجة بطل وجدان الثوب ولم يبطل وجدان الغزل، وهكذا الفتل في الغزل صورة
~~جوهرية مقومة لذات الغزل وعرضية متممة لذات القطن، فإذا نكث الغزل من
~~إبرامه بطل وجدان القطن، وهكذا صورة الزئير[١] جوهرية في القطن مقومة له
~~عرضية في النبات متممة له، فإذا بطل الزئير بطل وجدان القطن ولم يبطل وجدان
~~الجسم النباتي، وهكذا إذا بطلت صورة النبات صار ترابا أو نارا أو ماء أو
~~هواء، فإذا أطفئت النار صارت هواء، والهواء أحد أجسام الطبيعة، وعلى هذا
~~القياس إذا انخلعت صورة من صور الأركان الأربعة بطل أن يكون موجودا ذلك
~~الركن ولكن لم يبطل أن يكون جسما، وإذا انخلعت الصورة الجسمية من الهيولى
~~الأولى لم تبطل الهيولى أن تكون جوهرا بسيطا معقولا، وإن بطلت الهيولى لم
~~تبطل النفس، وإن بطلت النفس لم يبطل العقل، وإن بطل العقل لم يبطل المبدع
~~الأول الذي هو الباري جل وعز، ومثال هذا من العدد أن العشرة هي صورة واحدة
~~ترتبت فوق التسعة، فإذا أسقط الواحد منها بطلت صورة العشرة ولم تبطل صورة
~~التسعة، وإن أسقط من التسعة واحد بطلت صورة التسعة ولم تبطل صورة الثمانية،
~~وعلى هذا القياس تنحل صورة العدد واحدا واحدا إلى أن ينتهي إلى اثنين الذي
~~هو أول العدد، وإذا أخذ منها واحد بطلت صورة الاثنين أيضا، وأما الواحد
~~الذي هو قبل الاثنين فلا يمكن أن يؤخذ منه شيء؛ لأن صورته من ذاته، وهو أصل
~~العدد ومنشؤه، وإليه يرجع العدد عند التحليل، كما منه نشأ عند التركيب.

# فقد بان بهذا المثال أن الموجودات كلها صور غيريات، وهي أعيان الأشياء،
~~وأنها متتاليات في الحدوث والبقاء كتتالي العدد من الواحد ... وأنها كلها
~~من الله مبدؤها وإليه مرجعها، كما ذكر في كتابه على لسان نبيه فقال:
~~@QUR@04 إلى الله مرجعكم جميعا ، وقال: @QUR@04 وإلى الله ترجع الأمور ،
~~وقال الله تعالى: @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ، كما أن العدد إلى
~~الواحد ينحل، كما أن منه تركب في الأصل حسب ما بينا، كذلك الموجودات كلها
~~مرجعها ومصيرها إلى الله الواحد الأحد.

### || (١) فصل في أن الموجودات نوعان جسماني وروحاني

# فاعلم يا أخي أن الموجودات كلها نوعان: جسماني وروحاني؛ فالجسماني ما
~~يدرك بالحواس، والروحاني ما يدرك بالعقل ويتصور بالفكر.

# فأما الجسماني فهو على ثلاثة أنواع: منها الأجرام الفلكية، ومنها الأركان
~~الطبيعية، ومنها المولدات الكائنة.

# والروحاني أيضا على ثلاثة أنواع: منها الهيولى الأولى الذي هو جوهر بسيط
~~منفعل معقول قابل لكل صورة، والثاني النفس التي هي جوهرة بسيطة فعالة
~~علامة، والثالث العقل الذي هو جوهر بسيط مدرك حقائق الأشياء.

# وأما الباري جل وعز فليس يوصف لا بالجسماني ولا الروحاني، بل هو علتها
~~كلها، كما أن الواحد لا يوصف بالزوجية ولا الفردية بل هو علة الأزواج
~~والأفراد من الأعداد جميعا.

# واعلم أن الموجودات كلها علل ومعلولات، فنبدأ أولا بذكر العلل الجسمانية
~~لأنها أقرب لفهم المتعلمين وأسهل على المبتدئين بالنظر في العلل والمعلومات
~~الروحانية.

# واعلم أن الموجودات الجسمانية لكل واحد منها أربع علل: علة فاعلة، وعلة
~~صورية، وعلة تمامية، وعلة هيولانية؛ مثال ذلك السرير فإنه أحد الموجودات
~~الجسمانية له أربع علل: فعلته الفاعلة النجار، والهيولانية الخشب، والصورية
~~التربيع، والتمامية القعود عليه؛ وهكذا السكين فإن علتها الفاعلية الحداد،
~~والهيولانية الحديد، والصورية الشكل الذي هو عليه، والتمامية ليقطع به
~~اللحم أو الحبل أو شيء ما آخر. وعلى هذا القياس — إذا اعتبر — وجد لكل شخص
~~من الأجسام الموجودة هذه العلل الأربع.

# وأما الجسم المطلق فعلته الهيولانية هو الجوهر البسيط الذي قبل الطول
~~والعرض والعمق فصار بها جسما، وعلته الفاعلية هو الباري عز وجل، وعلته
~~الصورية العقل لأن الطول والعرض والعمق إنما هي صورة عقلية، وعلته التمامية
~~هي النفس لأن الهيولى من أجلها خلق وموضوع لها لكيما تفعل فيه، ومنه ما
~~يعمل ويصنع ليتم الهيولى ويكمل النفس الذي هو الغرض الأقصى في رباط النفس
~~مع الهيولى كما بينا في رسالة المبادئ.

# وأما الهيولى الأولى الذي هو جوهر بسيط روحاني فله ثلاث علل: الفاعلية
~~وهو الباري عز وجل، والصورية وهو العقل، والتمامية وهي النفس.

# وأما النفس فلها علتان: وهما الباري عز وجل والعقل؛ فالباري علتها
~~الفاعلة المخترعة لها، والصورية هي العقل الذي يفيض عليها ما يقبل من
~~الباري عز وجل من الفضائل والخير والفيض.

# وأما العقل فله علة واحدة فاعلة الذي هو الباري عز وجل، الذي أفاض عليه
~~الوجود والتمام والبقاء والكمال دفعة واحدة بلا زمان.

# أردنا بالعلة الفاعلة أنه أبدعه بلا واسطة، فهذا العقل هو الذي أشار إليه
~~بقوله في كتابه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أمرنا إلا
~~واحدة كلمح بالبصر أو هو أقرب، وإليه أشار بقوله سبحانه: @QUR@014 ويسألونك
~~عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، وقال:
~~@QUR@08 ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ؛ فالخلق هو الأمور
~~الجسمانية، والأمر هو الجواهر الروحانية.

# واعلم يا أخي أن أكثر أهل العلم ظنوا أن الموجودات ليست إلا نوعين حسب:
~~أحدهما الباري عز وجل، والآخر الجسم وما يحله من الأعراض، وليست لهم خيرة
~~بالجواهر الروحانية والصور المجردة؛ ومن أجل هذا نسبوا كل ما يظهر من
~~الأفعال والصنائع والعلوم والحكم على أيدي البشر باختياراتهم، وما يظهر من
~~الحيوانات من الأفعال الطبيعية إلى الجسم المؤلف من اللحم والدم على بينة
~~مخصوصة، وإلى أعراض حية فيها بزعمهم مثل الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها،
~~ولا يدرون أن مع الجسد جوهرا آخر هو المحرك له والمظهر به ومنه أفعاله.

# فأما الذي يظهر في الأجسام من الأفعال الطبيعية التي لا يمكنهم أن
~~ينسبوها إلى الحيوان، مثل إحراق النار لأجسام الحيوان والنبات، ومثل ما
~~يستحيل في أجوافها من الغذاء إلى الروث والسرقين،[٢] ومثل ما يظهر في
~~طباعها من السرور، وما شاكله من الأفعال الطبيعية؛ نسبوها كلها إلى الباري
~~جل ثناؤه، ومنهم من نزه الباري سبحانه عن ذلك ونسبها إلى البخت والاتفاق،
~~ومنهم من نسبها إلى الطبيعة ولا يدري ما الطبيعة! ومنهم من يعللها بعلل
~~مستمرة، ووقع بينهم في ذلك من التنازع والتناقض ما يطول شرحه.

# وأما الحكماء والنجباء الراسخون في العلم، فإنهم شاهدوا بصفاء نفوسهم
~~ونور عقولهم جواهر أخر غير جسمانية علامة بقوتها، سارية في الأجسام
~~بلطافتها، فعالة فيها برويتها، هي جند الله ولب الخليقة؛ نسبوا هذه الأفعال
~~الطبيعية إليها، ونزهوا الباري سبحانه عنها إلا ما يليق به من الحكمة
~~والسياسة والتدبير.

# واعلم يا أخي أن الحكماء الذين عرفوا الجواهر الروحانية إنما وصلوا إلى
~~معرفتها بعد اعتبار حال الجسم والأعراض التي تحله؛ وذلك أن الجسم من حيث هو
~~جسم ليس بفاعل ولا متحرك، بل هيولى، منفعل قابل للصورة والأعراض الحالة
~~فيه، وكذلك الأعراض التي تحل الجسم لا فعل لها؛ لأنها أنقص حالا من الجسم
~~إذ كان لا وجود لها إلا بتوسط الجسم.

# وأما الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها، التي زعموا أنها أعراض حالة في
~~الجسم وبها يفعل هذه الأفعال — وها هنا وقع اللبس — فإنها ليست هي أعراضا
~~جسمانية، بل هي أعراض روحانية توجد في بعض الأجسام بمقارنة النفس إياها
~~لها، وتفقد عند مفارقتها إياها.

# فصح بهذا الاعتبار أن مع الأجسام الحيوانية جواهر أخرى غير جسمانية؛ هي
~~الفعالة في الأجسام هذه الأمارات التي تظهر في بعضها دون بعض، وسموها نفوسا.

# ولما رأوا أن النفوس تتفاضل بعضها على بعض بأمر آخر مؤيد لها ومفيض عليها
~~الخير والفضائل، علموا أنه جوهر أشرف وأفضل من جوهر النفس وسموه العقل.

# ولما كان العقل هو المقر على نفسه بأنه مربوب، وله مدبر خالق صانع حكيم
~~نزهه من جميع صفات النقص فحينئذ صح لهم، وبهذه الاعتبارات ما قالوه ووصفوه
~~من مراتب هذه الموجودات الروحانية التي تقدم وصفها وذكرها؛ وهي: الهيولى
~~الأولى، والنفس، والعقل، والباري جل ثناؤه.

# واعلم يا أخي أنه قد بان بما ذكرنا أن النفس الكلية هي جوهرة روحانية
~~فاضت من العقل الذي أشارت إليه الفلاسفة، وأنها كالهيولى الموضوع له لما
~~يفيض عليها من الصور والفضائل والخيرات لتكمل هي، وأنها كالصانع المصور
~~للجسم بما تنقش فيه من الصور والأشكال لتتمه بذلك.

# واعلم أن النفس الكلية هي صورة فيها جميع الصور، كما أن الجسم الكلي شكل
~~فيه جميع الأشكال، غير أن الصور في ذات النفس لا تتراكم ولا تتزاحم؛ لأنها
~~جوهرة روحانية لطيفة حية علامة فعالة.

# وأما الجسم فإن الأشكال تتراكم فيه وتتزاحم من أجل أنه جوهر غليظ كثيف
~~ميت جاهل منفعل، كما بينا في رسالة المبادئ.

### ||| فصل

# واعلم أن النفس هي في ذاتها جوهرة، ولكن كونها مع الجسم بالعرض لغرض ما،
~~والغرض هو أمر سابق إلى وهم الفاعل، فإذا بلغ الفاعل إليه قطع الفعل.

### ||| فصل

# وإذ قد فرغنا من ذكر النفس الكلية والعقل الكلي، فنريد أن نذكر النفس
~~الإنسانية إذ هي قوة من قوى النفس الكلية.

# ونذكر أيضا العقل الإنساني؛ إذ هو قوة من قوى النفس الكلية ونصف أفعال
~~النفس وقواها إذ كانت النفس جوهرة روحانية.

# ولما كانت الجواهر الروحانية لا تدرك بالحواس ولا تعرف إلا بما يصدر عنها
~~من الأفعال والأعمال بحسب القوى، احتجنا إلى أن نذكر كمية قواها، ونصف فنون
~~أفعالها، وعجائب صنائعها، وغرائب علومها، وظرائف أخلاقها، واختلاف آرائها.

# واعلم يا أخي أن للنفس الإنسانية قوى كثيرة لا يحصي عددها إلا الله جل
~~ثناؤه، وأن لها بكل قوة في عضو من أعضاء الجسد فعلا خلاف عضو آخر، قد بينا
~~طرفا من ذلك في رسالة تركيب الجسد، وطرفا في رسالة الحاس والمحسوس، وطرفا
~~في رسالة الإنسان عالم صغير؛ ووصفنا فيها أن نسبة القوى الحساسة إلى النفس
~~فيما يأتون به إليها من أخبار محسوساتها كنسبة أصحاب الأخبار للملك قد ولى
~~كل واحد منهم ناحية من مملكته ليأتوه بالأخبار من تلك النواحي.

# وذكرنا فيها أيضا أن لها خمس قوى أخرى، نسبتهن إليها كنسبة الندماء إلى
~~الملك؛ وهي: القوة المفكرة، والقوة المتخيلة، والقوة الحافظة، والقوة
~~الناطقة، والقوة الصانعة.

# واعلم أن القوة المفكرة التي مسكنها وسط الدماغ من بين هذه القوى كالملك،
~~وسائرها لها كالجنود والأعوان والخدم والرعية، يتصرفون بأمرها ونهيها فيما
~~يفعلون في أعضاء الجسد من الحركات وما يظهرون من الصنائع والأعمال، وأن
~~موضعها من بين مواضع سائر القوى في أشرف عضو من الجسد وأخص مكان منه، كما
~~أن دار الملك في أشرف مدينة من بلدان مملكته، وفي أجل موضع من المدينة وفي
~~أشرف بقعة منها.

# واعلم يا أخي أن أفعال هذه القوى الخمس أشرف وأكرم من أفعال سائر القوى.

# وقد بينا في رسالة الحاس والمحسوس أن القوة المتخيلة التي مسكنها مقدم
~~الدماغ نسبتها إلى القوة المفكرة بما تجمع إليها من أخبار المحسوسات كنسبة
~~صاحب الخريطة إلى الملك، ونسبة القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ إلى
~~المفكرة كنسبة الخازن الحافظ ودائع الملك، ونسبة القوة الناطقة التي مجراها
~~على اللسان إلى المفكرة كنسبة الحاجب والترجمان إلى الملك، ونسبة القوة
~~الصانعة التي مجراها اليدان والأصابع إلى المفكرة كنسبة الوزير المعين له
~~في تدبير مملكته والمساعد له في سياسته لرعيته.

### || (٢) فصل فيما تتولى القوة المفكرة بنفسها من الأفعال

# واعلم يا أخي أنه إذا أوصلت القوة المتخيلة رسوم المحسوسات إلى القوة
~~المفكرة بعد تناولها من القوى الحساسة وغابت المحسوسات عن مشاهدة الحواس
~~لها، بقيت تلك الرسوم في فكر النفس مصورة صورة روحانية، فيكون جوهر النفس
~~لتلك الرسوم المصورة فيها كالهيولى وهي فيها كالصورة.

# والمثال في ذلك أن الإنسان إذا دخل مدينة من البلدان، وطاف في أسواقها
~~ومحالها، وعاين طرقاتها وشاهد أهلها، ورأى هيئاتهم وسمع أقاويلهم وعرف
~~شمائلهم، ثم خرج منها وغابت مشاهدة حواسه لها؛ فإنه كلما فكر في تلك
~~المدينة وما شاهد فيها، تخيلها كأنه يراها معاينة على مثل ما كان شاهد في
~~وقت كونه فيها، لو كان ذكر لها بعد حين من الدهر.

# فتلك الفكرة ليست شيئا سوى لمحات النفس إلى ذاتها، وتخيلها لصورة تلك
~~المدينة، وما رأى فيها من الموجودات ليس شيئا سوى صور تلك الموجودات انطبعت
~~في جوهر نفسه كما ينطبع نقش الفص في الشمع المختوم.

# وعلى هذا القياس حكم سائر المحسوسات؛ من أول استعمال آلات الحواس إلى وقت
~~تركها لها عند الممات، الذي هو ترك النفس استعمال الجسد.

# واعلم يا أخي أنه إذا حصلت رسوم المحسوسات في جوهر النفس، فإن أول فعل
~~القوة المفكرة فيها هو تأملها واحدة واحدة لتعرف معانيها وكمياتها
~~وكيفياتها وخواصها ومنافعها ومضارها، فإذا حصل العلم بهذه المعاني أودعتها
~~القوة الحافظة إلى وقت التذكار، فإذا أراد الإنسان الإخبار عن معلوماته
~~للمخاطبين له والجواب للسائلين له عن متصوراته ومفهوماته، استعانت عند ذلك
~~القوة المفكرة بالقوة الناطقة في النيابة عنها في الجواب لغيرها كما يستعين
~~الملك بحاجبه وترجمانه في النيابة عنه في الخطاب لغيره. ولهذه القوة
~~المفكرة في معلوماتها المحفوظة أفعال أخر، ذكرنا طرفا منها في رسالة
~~المنطق، وطرفا آخر في رسالة الموسيقى، وطرفا آخر في رسالة الإنسان عالم
~~صغير، حسب ما يليق بكل رسالة منها؛ لان العلوم كلها لا يمكن أن تجمع في
~~دفتر واحد جسماني، فأما النفس فإنها تجمع علوما شتى وصنائع عدة وأخلاقا
~~مختلفة وآراء متفاوتة؛ لأنها دفتر روحاني لا تتزاحم فيها صور المعلومات كما
~~تتزاحم في الهيولى الجسماني؛ مثال ذلك أن السواد والبياض لا يجتمعان في محل
~~واحد في زمان واحد، ولا الحلاوة والمرارة في جسم ذي طعم، ولا التدوير ولا
~~التربيع في شكل واحد مجسم، وما شاكلها من الصور والأعراض المتضادة؛ فإن
~~بعضها يفسد بعضا إذا كانت من جنس واحد.

# فأما في جوهر النفس فلا تتزاحم فيها الصور، بل كلها تجمع في نقطة واحدة
~~كما تلتقي الخطوط في مركز الدائرة في نقطة واحدة، وكما تلتقي صور المرئيات
~~كلها مع اختلاف أجناسها في المرآة وفي الحدقة التي هي نقطة من العين، كما
~~بينا في رسالة الحاس والمحسوسات، فليطلب هناك.

### || (٣) فصل فيما يختص بالقوة الناطقة من الأفعال

# فنقول: اعلم أن من شأن القوة الناطقة، إذا استعانت بها القوة المفكرة في
~~النيابة عنها في الجواب والخطاب، أن تؤلف ألفاظ من حروف المعجم بنغمات
~~مختلفة السمات التي هي الكلام، ثم تضمن تلك الألفاظ المعاني التي هي مصورة
~~عند القوة المفكرة، فتدفعها عند ذلك إلى القوة المعبرة لتخرجها إلى الهواء
~~بالأصوات المختلفة في اللغات، لتحملها إلى مسامع الحاضرين بالقرب، فتكون
~~تلك الألفاظ المؤلفة من الحروف المختلفة الأشكال والسمات كالأجساد المركبة
~~من الأعضاء المختلفة، وتكون تلك المعاني المضمنة في تلك الألفاظ كالأرواح
~~لها؛ لأن كل لفظة لا معنى لها فهي بمنزلة جسد لا روح فيه، وكل معنى في فكر
~~النفس ليس له لفظة تعبر عنه بمنزلة روح لا جسد له، وقد بينا كيفية حمل
~~الهواء صور الأصوات وحفظها بهيئتها إلى أن توردها وتؤديها إلى السمع في
~~رسالة الحاس والمحسوس. وذكرنا أيضا أن الأصوات لما كانت لا تمكث في الهواء
~~إلا ريثما تأخذ المسامع حظها ثم تضمحل، احتالت الحكمة الإلهية بأن قيدتها
~~بالقوة الصناعية التي هي الكتابة؛ وذلك أن القوة المفكرة لما رأت أن الكلام
~~لا يثبت في الهواء دائما، لأنه جسم سيال، احتالت حيلة أخرى واستعانت بالقوة
~~الصناعية أن نقشت حروفا خطوطية بالقلم تحاكي معاني حروف لفظية، ثم ألفتها
~~ضروبات التأليف، حتى صارت كتابا مكتتبا وأودعتها وجوه الألواح وبطون
~~الطوامير؛ لكيما يبقى العلم مفيدا فائدة من الماضين للغابرين، وأثرا من
~~الأولين للآخرين، وخطابا للحاضرين من الغائبين، وبالعكس. وهذا من جسيم نعم
~~الله تعالى على الإنسان كما ذكر الله تعالى في كتابه: @QUR@013 اقرأ وربك
~~الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم .

# ثم اعلم أن للقوة الصناعية أفعالا كثيرة لا يحصي عددها إلا الله تعالى،
~~وقد ذكرنا طرفا من ذلك في رسالة الصنائع. وكذلك القوة الناطقة لها لغات
~~كثيرة وألفاظ مختلفة ونغمات مفننة لا يحصي عددها إلا الله عز وجل، وقد
~~ذكرنا منها طرفا في رسالة اختلاف اللغات، وطرفا في رسالة الموسيقى. ثم اعلم
~~أن القوة المفكرة لها أفعال كثيرة تستغرق فيها أفعال سائر القوى.

# وذلك أن أفعالها نوعان؛ فمنها ما يخصها بمجردها، ومنها ما يشترك مع قوى
~~أخرى؛ فمنها الصنائع كلها فإنها مشتركة بينها وبين القوة الصناعية، ومنها
~~الكلام وأقاويل اللغات فإنها مشتركة بينها وبين القوة الناطقة، ومنها تناول
~~رسوم المعلومات المحفوظة فإنها مشتركة بينها وبين القوة الحافظة، وأما التي
~~تخصها من الأفعال فالفكر والروية والتصور والاعتبار والتركيب والتحليل
~~والجمع والقياس، ولها الفراسة والزجر والتكهن والخواطر والإلهام وقبول
~~الوحي وتخييل المنامات.

# وتفصيل ذلك: فأما بالفكر فاستخراج الغوامض من العلوم، وبالروية تدبير
~~الملك وسياسة الأمور، وبالتصور درك حقائق الأشياء، وبالاعتبار معرفة الأمور
~~الماضية من الزمان، وبالتركيب استخراج الصنائع أجمع، وبالتحليل معرفة
~~الجواهر البسيطة والمبادئ، وبالجمع معرفة الأنواع والأجناس، وبالقياس درك
~~الأمور الغائبة بالزمان والمكان، وبالفراسة معرفة ما في الطبائع من الأمور
~~الخفية، وبالزجر معرفة حوادث الأيام، وبالتكهن معرفة الكائنات بالموجبات
~~الفلكية، وبالمنامات معرفة الإنذارات والبشارات، وبقبول الخواطر والإلهام
~~والوحي معرفة وضع النواميس وتدوين الكتب الإلهية وتأويلاتها المكنونة التي
~~لا يمسها إلا المطهرون من أدناس الطبيعة، الذين هم أهل البيت الروحانيون.

# وقد بينا في رسالة الناموس أن وضع النواميس وتدوين الكتب الإلهية أعلى
~~رتبة ينتهي إليها الإنسان بالتأييد الرباني، وهي أشرف صناعة تجري على أيدي
~~البشر مثل شريعة صاحب التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.

# واعلم يا أخي أن الباري جل جلاله جعل الأمور الجسمانية المحسوسة كلها
~~مثالات ودلالات على الروحانية العقلية، وجعل طرق الحواس درجا ومراقي يرتقى
~~بها إلى معرفة الأمور العقلية التي هي الغرض الأقصى في بلوغ النفس إليها.

# فإذا أردت يا أخي أن تبلغ إلى أفضل المطلوبات وأشرف الغايات التي هي
~~الأمور العقلية، فاجتهد في معرفة الأمور المحسوسة؛ فإنك بذلك تنال الأمور
~~العقلية، وقد بينا في رسائلنا الطبيعية طرفا من ذلك. ثم اعلم أن معرفة
~~الأمور الجسمانية المحسوسة هي فقر النفس وشدة الحاجة، ومعرفة الأمور
~~المعقولة الروحانية هي غناؤها ونعيمها، وذلك أن النفس في معرفة الأمور
~~الجسمانية محتاجة إلى الجسد وحواسها وآلاتها لتدرك بتوسطها الأمور
~~الجسمانية.

# وأما إدراكها الأمور الروحانية فيكفيها ذاتها وجوهرها بعدما تأخذها من
~~الحواس بتوسط الجسد، وإذا حصل لها ذلك فقد استغنت عن الجسد وعن التعليم
~~بالجسم بعد ذلك.

# فاجتهد يا أخي في طلب الغنى الأبدي بتوسط هذا الهيكل وآلاته ما دام يمكنك
~~ذلك قبل فناء العمر وتصرم المدة وفساد الهيكل وبطلان وجوده، واحذر كل الحذر
~~أن تبقى نفسك فقيرة محتاجة إلى هيكل ليتم به ما فاته من الكمال؛ فتكون ممن
~~يقول: يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، وتبقى في البرزخ إلى يوم
~~يبعثون، ومن أين لهم أن يشعروا أيان يبعثون ما دامت هي ساهية لاهية غافلة
~~مقبلة على الشهوات الجسمانية من اللذات الجرمانية والزينة الطبيعية والغرور
~~بالأماني في هذه الحياة الدنيا المذمومة، التي ذمها رب العالمين فقال:
~~@QUR@017 أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في
~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته إلى قوله: @QUR@06 وما الحياة
~~الدنيا إلا متاع الغرور ، وقال في قصة قارون: @QUR@021 فخرج على قومه في
~~زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه
~~لذو حظ عظيم .

# ثم حكي قول الربانيين العلماء العارفين بالأمر الأشرف في المراتب العالية
~~@QUR@06 ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ؛ يعنون به الدار الآخرة التي هي
~~@QUR@04 الحيوان لو كانوا يعلمون ؛ يعني به عالم الأرواح الذي كله روح
~~وريحان وتحية ورضوان.

# ثم ذم الذين لا يعرفون من هذه الأمور المعقولة إلا المحسوسات حسب، فقال:
~~@QUR@010 ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ؛
~~يعني أمر الآخرة ودار النعيم ودار السلام التي ترتقي إليها نفوس الأخيار
~~بعد مفارقتها أجسادها كما ذكر في كتابه: @QUR@04 إليه يصعد الكلم الطيب ؛
~~يعني روح المؤمن @QUR@03 والعمل الصالح يرفعه ؛ أي يرغبه فيها وهمته ترقيه
~~إلى هناك @QUR@03 ومغفرة من الله وروح ورضوان وغير ذلك من الآيات المذكورة
~~في القرآن وأخبار الأنبياء عليهم السلام في ذم الدنيا والاجتناب عنها،
~~وكذلك إشارات الحكماء شعرا:

# فاجهد على النفس واستكمل فضائلها %~% فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

# فعليك ألا تغتر بزخارف هذه الدنيا الدنية، وعليك أن تتبع الآراء الحسنة،
~~وتهذب النفس، وفقك الله وإيانا وإخواننا للسداد، وهداك وإيانا سبيل الرشاد،
~~إنه رءوف بالعباد.

# (تمت رسالة العقل والمعقول، ويليها رسالة في الأدوار والأكوار.)

### | الرسالة الخامسة من النفسانيات العقليات في الأدوار والأكوار

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنا قد فرغنا من رسالة العقل والمعقول،
~~وبينا فيها تعريف جواهر النفوس بحقيقتها وكيفية اجتماع صور المعقولات في
~~العقل المنفعل، وكنا قد بينا قبل ذلك في رسالة ماهية الطبيعة ذكر كيفية
~~تأثيرات الأشخاص العلوية الفلكية في الأشخاص السفلية الكائنة تحت فلك القمر
~~الذي هو عالم الكون والفساد، وبينا فيها معنى قول القدماء في روحانيات
~~الكواكب، وبينا قول واضع الناموس في أجناس الملائكة وكيفية سريان قواها في
~~العالم وإظهار أفعالها في الأجسام الموجودة فيه، فنريد أن نبين الآن ونذكر
~~في هذه الرسالة أدوار الأشخاص الفلكية وأكوارها وقراناتها، فنقول:

# إن للفلك وأشخاصه حول الأركان الأربعة التي هي عالم الكون والفساد أدوارا
~~كثيرة لا يحصي عددها إلا الله تعالى، ولأدوارها كور، ولكواكبها في أدوارها
~~وأكوارها قرانات، ويحدث في كل دور وكور وقران في عالم الكون والفساد حوادث
~~لا يحصي عدد أجناسها إلا الله تعالى، ونريد أن نذكر من ذلك طرفا مجملا
~~مختصرا ليكون مثالا ودليلا على الباقية، فنقول:

# اعلم أن الأدوار خمسة أنواع، فمنها أدوار الكواكب السيارة في أفلاك
~~تداويرها، ومنها أدوار مراكز أفلاك التداوير في أفلاكها الحاملة، ومنها
~~أدوار أفلاكها الحاملة في فلك البروج، ومنها أدوار الكواكب الثابتة في فلك
~~البروج، ومنها أدوار الفلك المحيط بالكل حول الأركان، وأما الأكوار فهي
~~استئنافاتها في أدوارها وعودتها إلى مواضعها مرة بعد أخرى.

# وأما القرانات فهي اجتماعاتها في درج البروج ودقائقها، وهي ستة أجناس:
~~مائة وعشرون نوعا، فمنها واحد وعشرون قرانا ثنائية، وثلاثون قرانا ثلاثية،
~~وخمسة وثلاثون قرانا رباعية، وواحد وعشرون قرانا خماسية، وواحد وثلاثون
~~قرانا سداسية، وقران واحد سباعي فجملتها مائة وعشرون قرانا نوعية مضروبة في
~~ثلاثمائة وستين درجة يكون جملتها ثلاثة وأربعين ألفا ومائتي قران شخصية.

# وأما أدوار الألوف فأربعة أنواع؛ فمنها سبعة آلاف سنة، ومنها اثنا عشرة
~~ألف سنة، ومنها واحد وخمسون ألف سنة، ومنها ثلاثمائة ألف وستين سنة.

# ثم اعلم أن من هذه الأدوار والقرانات ما يكون في كل زمان طويل مرة واحدة،
~~ومنها ما يكون في كل زمان قصير مرة واحدة؛ فمن الأدوار التي تكون في الزمان
~~الطويل أدوار الكواكب الثابتة في فلك البروج، وهو في كل ستة وثلاثين ألف
~~سنة مرة واحدة. ومن الأدوار التي تكون في كل زمان قصير أدوار الفلك المحيط
~~بالكل حول الأركان الأربعة في كل أربع وعشرين ساعة مرة واحدة، كما ذكر الله
~~تعالى فقال: @QUR@04 وكل في فلك يسبحون وباقي الأدوار فيما بينهما. ومن
~~القرانات ما يكون في كل ثلاثمائة وستين ألف سنة مرة واحدة، وهو أن تجمع
~~الكواكب السيارة كلها بأوساطها في أول دقيقة من برج الحمل إلى أن تجتمع
~~فيها مرة أخرى، ويسمى هذا الدور في زيج السند هندسية يوم واحد من أيام
~~العالم الكبير. ومن القرانات ما يكون في كل شهر مرة واحدة، وهو اجتماع
~~القمر مع كل واحد من الكواكب السيارة.

# فأما باقي القرانات ففيما بين هذين الوقتين، ومن الأدوار القصار ما يكون
~~في كل أربعة عشر يوما مرة واحدة، وهي دورة مركز الفلك: التدوير والقمر في
~~فلكه الحامل له؛ ومنها ما يكون في كل سبعة وعشرين يوما وسبع ساعات ونصف مرة
~~واحدة، وهي أدوار للقمر في فلك البروج؛ ومنها أدوار الفلك الجو زهر في كل
~~إحدى وعشرين سنة في كل ثمانية عشر سنة وسبعة شهور وتسعة عشر يوما مرة، وهو
~~أدوار عطارد في فلك تدويره؛ ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وخمسة وستين يوما
~~وربع يوم مرة واحدة، وهي أدوار الشمس والزهرة وعطارد في فلك البروج؛ ومنها
~~ما يكون في ثلاثمائة وثمانية وسبعين يوما مرة واحدة، وهي أدوار زحل في فلك
~~تدويره؛ ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وتسعة وتسعين يوما مرة واحدة، وهي
~~أدوار المشتري في فلك تدويره؛ ومنها ما يكون في كل خمسمائة وأربعة وستين
~~يوما مرة واحدة، وهي أدوار الزهرة في فلك تدويرها؛ ومنها ما يكون في كل
~~ثمانمائة وسبعين يوما مرة واحدة، وهي أدوار المريخ في فلك البروج؛ ومنها ما
~~يكون في كل خمسمائة وسبعة وثمانين يوما مرة واحدة، وهي أدوار المريخ في فلك
~~تدويره؛ ومنها ما يكون في كل أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين يوما مرة
~~واحدة، وهي أدوار مركز المشتري في فلك البروج؛ ومنها ما يكون في عشرة آلاف
~~وسبعمائة وواحد وأربعين يوما مرة واحدة، وهي أدوار مركز زحل في فلك البروج،
~~وجملة هذه أربعة عشر نوعا.

# وأما القرانات القصيرة الزمان فمنها ما يكون في كل مائة وستة عشر يوما
~~مرة واحدة، وهو قران عطارد مع الشمس؛ ومنها ما يكون في كل ثلاثمائة وواحد
~~وثمانين يوما مرة واحدة، وهي اقتران الشمس والزهرة وعطارد مع زحل؛ ومنها ما
~~يكون في كل ثلاثمائة وتسعين يوما مرة، وهو اقتران المشتري والزهرة عطارد
~~والشمس؛ ومنها ما يكون في كل سبعمائة وخمسة وثمانين يوما مرتين، وهو اقتران
~~الزهرة مع الشمس؛ ومنها ما يكون في كل سبعمائة وثمانين يوما مرة واحدة، وهو
~~اقتران الشمس مع المريخ؛ ومنها ما يكون في كل سنتين ونصف سنة بالتقريب مرة
~~واحدة، وهو اقتران المريخ مع زحل والمشتري؛ ومنها ما يكون في كل عشرين سنة
~~بالتقريب مرة، وهو اقتران المشتري وزحل.

# ومن القرانات الطويلة الزمان ما يستأنف الدور في كل مائتين وأربعين سنة
~~مرة واحدة، وهو أن يستوفي زحل والمشتري اثني عشر قرانا في المثلثة الواحدة؛
~~ومنها ما يكون في كل تسعمائة وستين سنة مرة واحدة، وهو يستوفي زحل والمشتري
~~ثمانية وأربعين قرانا في المثلثات الأربعة؛ ومنها ما يكون في كل ثلاثة آلاف
~~وثمانمائة وأربعين سنة مرة واحدة، وهو أن يستأنف زحل والمشتري القرانات في
~~المثلثات، وشرحها طويل ويخرج بنا عما نحن فيه.

# وإذ قد فرغنا من ذكر كمية دوران الفلك وعدد قرانات كواكبه في أبراجها في
~~الأدوار والألوف واستئنافها أعدادها بالكور، ونريد أن نذكر ونلوح بظرف مما
~~يتبعها من الحوادث الكائنات في عالم الكون والفساد التي دون فلك القمر،
~~فنقول: إنا قد بينا في رسالة السماء والعالم أن الفلك المحيط تديره النفس
~~الكلية بتأييد العقل الكلي الفعال بإذن الله تعالى، وقد بينا في رسالة
~~المبادئ العقلية أن النفس والعقل هما أمران مبدعان للباري، وهو مبدعهما
~~وعلتهما ومثبتهما ومكملهما كيف شاء، فتبارك الله رب العالمين.

# ثم اعلم أن كل الحوادث التي تكون في عالم الكون والفساد هي تابعة لدوران
~~الفلك وحادثة عن حركات كواكبه ومسيرها في البروج وقرانات بعضها مع بعض
~~واتصالاتها بإذن الله تعالى، فمن ذلك الحوادث ما هو ظاهر جلي لكل إنسان،
~~ومنها ما هو باطن خفي يحتاج في معرفتها إلى تأمل وتفكر واعتبار.

# ثم اعلم أن كل حادث في هذا العالم سريع النشوء، قليل البقاء، سريع
~~الفساد، فذلك عن حركة في الفلك سريعة قصيرة الزمان قريبة الاستئناف، وكل
~~حادث بطيء النشوء، طويل الثبات، بطيء البلى، فذلك عن حركة بطيئة طويلة
~~الزمان، بعيدة الاستئناف. ونحتاج في هذا الفصل إلى شرح طويل، وقد ذكرنا
~~طرفا من ذلك في رسالة تكوين المعادن، وطرفا في رسالة النبات، وطرفا في
~~رسالة الحيوان.

# ونريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفا منه ليتبين الصدق ويتضح الحق ويتجلى
~~الخفي للباحثين عن حقيقة هذا الأمر، ثم نذكر تأثيرات الأشخاص العالية في
~~الأشخاص السافلة؛ فمن ذلك الحركات السريعة القصيرة الزمان القريبة
~~الاستئناف أدوار الفلك المحيط بالكل حول الأركان في كل أربع وعشرين ساعة
~~مرة واحدة، كما ذكر الله تعالى: @QUR@04 وكل في فلك يسبحون ، وهي التي بها
~~يكون الليل والنهار في هذا العالم الذي نحن فيه.

# ومن الحوادث الكائنة التي لا تخفى على أحد من العقلاء من هذه الحركة نوم
~~أكثر الحيوان بالليل ويقظتها بالنهار؛ وذلك أنه إذا طلعت الشمس مع دوران
~~الفلك على جانب الأرض أضاء الهواء بنورها وأشرق وجه الأرض بضيائها، فانتبهت
~~أكثر الحيوانات من نومها، وتحركت بعد سكونها، وترنمت بعد عجمتها وهدوئها،
~~وانتشرت في طلب معايشها، وتصرفت في مذاهبها، وفتحت أيضا أكثر أكمام النبات
~~وفاح نسيم روائحها، وذهب الناس في مطالبهم وسعوا في حوائجهم، وإذا غابت
~~الشمس أظلم الهواء أو اسود الجو، وامتلأ وجه الأرض من الظلام، واستوحش أكثر
~~الحيوانات وتراجعت عن متصرفاتها إلى أوطانها وأماكنها، وانصرف الناس عن
~~أسواقهم إلى منازلهم وعن مواضع أعمالهم إلى بيوتهم، ووقع عليهم النوم
~~والنعاس والكسل بعد الانتشار والنشاط في الأعمال، والسكون بعد الحركة،
~~والهدوء بعد الجلبة. فإذا تأمل المتفكر في حال هذا العالم بالنهار رآه كأنه
~~حيوان منتبه متحرك حساس، وإذا تأمله بالليل رآه كأنه نائم أو ميت أو جامد
~~من السكون والهدوء.

# ثم اعلم أنه ما دامت هذه الحركة محفوظة في الفلك فهذه الحالة موجودة في
~~الحيوان، فإذا سكنت تلك الحركة بطل ذلك النظام والترتيب، وهذه الحركة من
~~أعظم نعم الله تعالى على خلقه كما ذكر تعالى: @QUR@041 قل أرأيتم إن جعل
~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا
~~تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله
~~غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ، ومن الحوادث الكائنة عن هذه
~~الحركة في هذه المدة كون بعض النباتات الناقصة كخضراء الدمن، فإنها تصبح
~~بالغدوات ريانة من نداوة الليل وطيب نسيم الهواء، فإذا أشرقت عليها الشمس
~~نصف النهار جفت، ثم تصبح من الغد مثل ذلك، وترى هذا خاصة في أيام الربيع في
~~أكثر المواضع.

# ومن الكائنات الحادثة عن هذه الحركة في هذه المدة المذكورة كون بعض
~~الحيوانات الناقصة الخلقة الضعيفة البنية، كالديدان والبق والبراغيث التي
~~تتولد من العفونات وفي الزبل والسماد والورث وجثة الجيف وما شاكلها، فإذا
~~أصابها أدنى حر من الشمس أو برد من الهواء هلكت.

# وبالجملة فكل كائن عن هذه الحركة التي تستأنف الدور في كل أربع وعشرين
~~ساعة مرة واحدة، وكل حادث عنها من أشخاص الحيوانات والنبات الناقص الخلقة
~~الضعيف البنية، فإنها لا تبقى سنة تامة؛ لأنه يهلكها إما حر الشمس في الصيف
~~أو برد الشتاء، وقد بينا علتها في رسالة الحيوان والنبات.

# وما دامت هذه الحركة محفوظة في الفلك فإن صورة هذه الكائنات عنها
~~الحادثات في هذا العالم تكون موجودة في الهيولى، ومتى وقف الفلك فسد النظام
~~وبطل الكون، وذلك كائن لا محالة إذا بلغت النفس الكلية أقصى غرضها؛ لأن
~~الغرض هو غاية سبق إليها الوهم، ومن أجل البلوغ إليها يفعل الفاعل فعله،
~~وإذا بلغ إليه قطع الفعل.

### || (١) فصل

# ثم اعلم يا أخي أن دوران الفلك أكرم الأفعال وأشرفها، فغرض فاعله أيضا
~~أشرف الأغراض وأكرمها كما بينا في رسالة البعث والقيامة. ومن الحركات
~~السريعة القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في كل شهر مرتين، وهي
~~حركة مركز فلك تدوير القمر في الفلك الحامل في كل أربعة عشر يوما مرة
~~واحدة، وفي هذه المدة يكون القمر مقبلا بوجهه الممتلئ من النور نحو مركز
~~الأرض، يعرف حقيقة ما قلنا أهل الصناعة الذين يعرفون علم ما في المجسطي،
~~والذي يتبع هذه الحركة من الحوادث والكائنات في هذا العالم كثرة الربو
~~والزيادة في الأشياء، وسرعة النشوء في الأشياء المبتدئة الحادثة من الحيوان
~~والنبات والمعادن، والزيادة أيضا في المدود والرطوبات والأنداء، يعرف ذلك
~~أهل التجارب والعلماء المتيقظون المتفكرون في الآفاق، المعتبرون أحوال
~~الموجودات. وفي النصف الثاني من الشهر يدور هذا المركز في الفلك الحامل مرة
~~أخرى، ولكن يكون القمر موليا بوجهه الممتلئ من النور عن مركز الأرض نحو فلك
~~عطارد، يدور القمر في الفلك الحامل مرة واحدة في هذه المدة، والذي يحدث عن
~~هذه الحركة في هذه المدة في هذا العالم الذبول والهزال والنقصان في الأشياء
~~النامية، والنضج والجفاف واليبس في الأشياء البالغة إلى التمام من الحب
~~والثمر.

# يعرف صحة ما قلنا أهل الصناعة المتقدم ذكرهم، وفي هذه المدة عن هذه
~~الحركة يتكون بعض الجواهر المعدنية كالملح والكمأة وأمثالهما.

# واعلم يا أخي أن الكمأة نبات معدني، والملح معدن نباتي، كما بينا في
~~رسالة المعادن، وفي هذه المدة أيضا عن هذه الحركة قد يتم كون بعض النبات
~~ويبلغ وينتفع به كالبقول، وفي هذه المدة أيضا قد يتم كون بعض الحيوانات
~~كالطيور ودود القز وزنابير النحل، فإن أكثرها يتم في خلقتها في أربعة عشر
~~يوما، ويخرج بعد واحد وعشرين يوما، ويتولى في ثمانية وعشرين يوما ويخرج.

# وهذا المدة هي مقدار مسير القمر من يوم الحضانة إلى يوم الخروج من البرج
~~الذي كان فيه إلى البرج التاسع، الذي هو بيت النقلة والسفر، فينتقل من هذه
~~الحيوانات الكائنة من حال إلى حال في هذه المدة. وما دامت هذه الحركة
~~محفوظة في الفلك فصور هذه الكائنات موجودة في الهيولى في هذا العالم،
~~وإليها أشار جل ثناؤه فقال: @QUR@07 والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون
~~القديم .

# واعلم يا أخي أن كل الكائنات عن هذه الحركة من الحيوانات والنبات؛ فمنها
~~ما هي طويلة البقاء، ومنها ما هي قصيرة المدة، ولكن أطولها بقاء لا يتجاوز
~~مائة وعشرين شهرا والقصيرة المدة ما دون ذلك.

# وعلة نهاية بقاء أشخاص هذا النوع في الهيولى المقدار من الزمان هو أن علة
~~حدوثها حركة القمر في فلك البروج المقسوم بثمانية وعشرين منزلا لدورة
~~واحدة؛ وذلك أن القمر إذا كان في برج من الأبراج في منزل من المنازل يوم
~~حضانة الطير، فإنه يوم يخرج الفرخ يكون في المنزل العشرين من ذلك المنزل،
~~وفي البرج التاسع من ذلك البرج، وقد قطع مائتين وأربعين درجة في الفلك وبقي
~~له تسعة منازل، مائة وعشرون درجة إلى أن يعود إلى الدرجة التي كان فيها يوم
~~ابتداء الحضانة فيستأنف هذا الكائن العمر الطبيعي في الدنيا لكل درجة شهر،
~~وهذا هو العمر الطبيعي.

# وأما ما يهلك قبل هذه المدة أو يعيش أكثر من هذا المقدار، فذلك لأسباب
~~وعلل وأغراض يطول شرحها.

# وعلى هذا البيان لكل كائن تحت فلك القمر حركة لشخص من الأشخاص الفلكية
~~لاستئنافه الدور في مدة معلومة، طالت أو قصرت، فيكون بقاء تلك الكائنات
~~عنها على هذا المثال الذي ذكرنا من الكائنات من حركة القمر.

# ومثال آخر نذكر في أمر الإنسان، وذلك أنه إذا سقطت النطفة في الرحم من
~~جنس البشر أو بعض الحيوانات التي تلد لتسعة أشهر، فلا بد من أن تكون الشمس
~~في تلك الساعة في درجة في برج من الفلك.

# فإذا كان أول الشهر التاسع يكون قد قطعت الشمس بسيرها ثمانية أبراج، وقد
~~استوفت طبائع البروج المثلثات مرتين وبلغت إلى أول البرج التاسع بيت السفر
~~والنقلة، فينتقل المولود من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال أخرى، وتكون قد
~~سارت الشمس في فلك البروج من يوم مسقط النطفة إلى ذلك اليوم مائتين وأربعين
~~درجة لها مائة وعشرون درجة إلى أن تعود إلى الدرجة التي كانت فيها يوم مسقط
~~النطفة بها، فجعل نهاية بقاء أشخاص هذا النوع وعمرها الطبيعي في الهيولى
~~لكل درجة سنة، فإن زاد أو نقص فلأسباب أو علل، وعلى هذا القياس يعتبر كل
~~مولود من أنواع الحيوان، فيكون عن حركة شخص من الأشخاص الفلكية مما يكون
~~ولادته وكونه الطبيعي لستة عشر يوما أو لواحد وعشرين يوما أو لأربعين يوما،
~~أو لأربعة أشهر أو لخمسة أو لستة أو لسبعة أو لتسعة أو لعشرة، أو لسنة أو
~~لسنتين؛ فإنه يستوفي ذلك الشخص الموجب لكونه، المحمل في الفلك بعض الدائرة
~~قبل الولادة الطبيعية لذلك النوع، ويكون مدة العمر الطبيعي لهذا النوع
~~بمقدار ما بقي لذلك المتحرك من المسير في الفلك إلى إتمام دورة واحدة بروجا
~~كانت أو درجا أو دقائق أو ساعات وأياما، وذلك أن الحيوانات الناقصات الخلقة
~~الضعيفة البنية التي سبب كونها وعلة حدوثها حركة ذلك الشكل الذي يستأنف
~~الدور في أربع وعشرين ساعة كما ذكرنا قبل، فإن أشخاص النوع أكثر بقائها
~~وعمرها الطبيعي تسعة أيام، وإن زاد أو نقص فلأسباب أخر؛ وذلك أنها تتم
~~خلقتها وتكمل صورتها في ست عشرة ساعة؛ مقدار ما يدور من الفلك ثمانية
~~أبراج، وإذا ابتدأ البرج التاسع بالطلوع نهض وتحرك وانتقل في طلب القوت
~~والغذاء الذي هو مادة بقاء شخصها في الهيولى أو تبقى إلى تمام الدور تسع
~~ساعات، فيستأنف العمر في الدنيا تسعة أيام، لكل ساعة يوم، ثم يهلك ويتكون
~~غيرها ويكون ذلك النوع محفوظا والأشخاص في السيلان.

# واعلم يا أخي أن لكل كائن تحت فلك القمر من الحيوان والنبات والمعادن، له
~~عن وقت كونه وحدوثه إلى وقت فنائه وعدمه، مقدارا من الزمان؛ وهو دورة واحدة
~~من أدوار الأشخاص الفلكية.

# بيان ذلك أن كل كائن في هذا العالم له أربع أحوال متباينة؛ أحدها ابتداء
~~كون الوجود، ومنها زيادته ونموه وارتقاؤه إلى نهاية ما، ومنها توقفه
~~وانحطاطه ونقصه، ومنها زمان بواره وعدمه. وعلة ذلك أن كل شخص في الفلك له
~~حركة دائرة تخصه، فإن لحركته في دائرته أربع أحوال؛ منها صعود من الحضيض،
~~ومنها صعود إلى الأوج، ومنها هبوطه من الأوج، ومنها هبوطه إلى الحضيض.

# يعرف حقيقة ما قلنا أصحاب المجسطي. ومن الحركات السريعة القصيرة الزمان،
~~القريبة الاستئناف، ما يدور في كل أربعة أشهر مرة واحدة، وهي حركة عطارد في
~~فلك تدويره؛ تارة مستقيمة، وتارة راجعا، وتارة مشرقا، وتارة مغربا، وتارة
~~محترقا، وتارة صاعدا في ذروته، وتارة هابطا إلى حضيضه، وتارة واقفا من
~~موازاة درجة واحدة، والذي يحدث ويتم من هذه الحركة في هذه المدة في هذا
~~العالم كون بعض النبات كالسمسم والذرة والشعير وأمثالها، كما بينا في رسالة
~~النبات، وعن هذه الحركة في هذه المدة قد يتم كون بعض الجواهر المعدنية كما
~~يتم بالصنعة.

# يعرف ما قلنا أصحاب المعادن، والذين يسبكون الزجاج، والذين يتعاطون صناعة
~~الكيمياء، عن هذه الحركة في هذه المدة في هذا العالم قد يتم خلقة بعض
~~الحيوانات وتولدها كبعض السباع والوحوش والغزلان وببعض الغنم كما بينا في
~~رسالة الحيوانات. ومما يكون عن هذه الحركة في هذه المدة في هذا العالم ما
~~يعرض لبعض الناس من الحوادث عند اختلاف أحوال عطارد في دورانه مما يذكره
~~أصحاب أحكام النجوم في مواليدهم.

# وبيان ذلك أن إذا خلف عطارد يعرض لبعض الناس أمراض وأعلال وأوجاع — وخاصة
~~للصبيان — وما يعرض لبعض الكتاب والعمال وأصحاب الدواوين والوزراء من العزل
~~والاعتقال والمصادرات، ولبعض الصناع من العطلة والكسل، ولبعض التجار من
~~الخسران والمحق، ولبعض الناس من الحبس والاستتار والعسرة، وعند استقامته
~~وتشريفه ما يعرض لهم من الخلاص والسلامة والظهور والولاية والنشاط واستقامة
~~الأحوال، وعند وقوفه ورجوعه ما يعرض لهم من الحيرة والشكوك والظنون والريبة
~~والتوقف والتخلف من سقوط الجاه وذو العز ونقصان المراتب، وكل ذلك بحسب ما
~~أوجب شكل الفلك في أصل المواد وطبقات أحواله، يعرف بعضها لطبقات أجناسهم
~~ويعلم تفصيلها أصحاب النجوم.

# ومن الحركات السريعة القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في كل
~~مرة واحدة، وهي حركة الشمس في فلك تدويرها، والزهرة وعطارد في فلك البروج؛
~~تارة في البروج الشمالية وتارة في الجنوبية، وتارة في المستقيمة الطلوع
~~وتارة في المعوجة، وتارة في النارية وتارة في الترابية، وتارة في الهوائية
~~وتارة في المائية، وتارة صاعدة وتارة هابطة، وتارة في بيوتها، وتارة في
~~وبالها وتارة في حظوظها، وتارة في إغرابها وتارة في إشراقها، وتارة في
~~هبوطها وتارة في أوجاتها وتارة في حضيضها، وتارة مسرعة وتارة بطيئة، وتارة
~~عند رءوس جو زهراتها وتارة عند ذنب جو زهراتها، وتارة متيامنة بعضها من بعض
~~وتارة متياسرة، وتارة شرقية وتارة غربية، وتارة مناظرة وتارة ساقطة وتارة
~~خالية، وتارة وحشية وتارة في الأوتاد وتارة فيما يليها وتارة زائلة عن
~~الأوتاد، وتارة في البروج المنقلبة وتارة في الثابتة، وتارة في ذوي الأجسام
~~وما شاكل هذه الدلالات.

### || (٢) فصل

# واعلم يا أخي أن الذي يحدث عن هذه الحركات في هذه المدة في هذا العالم،
~~وعن أحوال هذه الكواكب من الفنون المختلفة والحالات المتغايرة، أشياء لا
~~يحيط علما بكثرتها إلا الله تعالى، ولكن نذكر منها طرفا ليكون دليلا على
~~الباقية، ونبدأ أولا بذكر الزمان وأحواله وأرباعه وتغيرات الهواء؛ وذلك أنه
~~إذا ابتدأت الشمس بحركتها في أول برج الجدي، صاعدة من الجنوب نحو الشمال،
~~ومن الحضيض نحو الأوج مرتفعة في الفلك، أخذت الطبيعة عند ذلك بمعاونتها
~~بإذن الباري جل وعز في جذب الرطوبات المختلفة بالتراب من الأمطار وامتصاصها
~~في عروق الشجر والنبات إلى أصولها وقضبانها وإمساكها هناك بالقوة الماسكة،
~~وذلك دأبها إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت.

# فإذا نزلت أول دقيقة من برج الحمل فهو الربع الربيعي، استوى الليل
~~والنهار في الأقاليم، واعتدل الزمان، وطاب الهواء، وهب النسيم، وذابت
~~الثلوج، وسالت الأودية، ومدت الأنهار، ونبعت العيون، وارتفعت الرطوبات إلى
~~أعلى فروع الأشجار، ونبت العشب، وطال الزرع، ونما الحشيش، وتلألأ الزهر
~~وأوراق الشجر، وتفتح النور، واخضر وجه الأرض، وتكونت الحيوانات والدبيب،
~~ونتجت البهائم، ودرت الضروع، وانتشرت الحيوانات في البلاد عن أوطانها، وطاب
~~عيش أهل الوبر، وطلب أعلى السطوح أهل المدن، وأخذت الأرض زخرفها، وفرح
~~الناس والحيوان أجمع بطيب نسيم الهواء، وازينت الأرض وصارت كأنها جارية
~~شابة قد تزينت وتحلت للناظرين، فلا تزال تلك حال الدنيا وأهلها من الحيوان
~~والنبات إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء؛ رأس أوجها.

# فإذا نزلت الشمس أول السرطان تناهى طول النهار وقصر الليل في الأقاليم
~~كلها، وأخذ النهار في النقصان والليل في الزيادة، وانصرف الربيع ودخل
~~الصيف، واشتد الحر وحمى الجو وهبت السمائم، ونقصت المياه ويبس العشب،
~~واستحكم الحب وأدرك الحصاد والثمار، وأخصبت الأرض وكثر الريف، ودرت أخلاف
~~النعم وسمنت البهائم، واتسع للناس القوة من الثمار وللطير من الحب وللبهائم
~~من العلف، وصارت الدنيا كأنها عروس منعمة بالغة تامة كاملة كثيرة العشاق،
~~فلا يزال ذلك دأبها ودأب أهلها إلى أن تبلغ الشمس آخر السنبلة وأول
~~الميزان.

# فإذا نزلت الشمس أول الميزان استوى الليل والنهار مرة أخرى، ثم ابتدأ
~~الليل بالزيادة على النهار، وانصرف الصيف ودخل الخريف، وبرد الهواء وهبت
~~الشمال وتغير الزمان، ونقصت المياه وجفت الأنهار، وغارت العيون وجف النبت،
~~وفنيت الثمار ودبست البيادر،[١] وأحرز الناس الحب والثمار، وعرى وجه الأرض
~~من زينتها، وماتت الهوام وانحجرت الحشرات، والطير والوحش تنصرف لطلب
~~البلدان الدافئة، وأحرز الناس القوت للشتاء، ودخلوا البيوت ولبسوا الجلود
~~والغليظ من الثياب فرارا من البرد، وتغير الهواء وصارت الدنيا كأنها كهلة
~~مدبرة قد تولت عنها أيام الشباب.

# فإذا بلغت الشمس آخر القوس وأول الجدي تناهى طول الليل وقصر النهار، ثم
~~أخذ النهار في الزيادة على الليل، وانصرف الخريف ودخل الشتاء، واشتد البرد
~~وخشن الهواء، وتساقط ورق الشجر ومات أكثر النبات، وانحجز أحسن الحيوانات في
~~باطن الأرض وكهوف الجبال من شدة البرد وكثرة الأنداء، وكثرت ونشأت الغيوم،
~~وأظلم الجو وكلح وجه الزمان، وهزلت البهائم وضعفت قوى الأبدان، ومنع الناس
~~البرد عن التصرف، وتمرمر[٢] كثير عيش الحيوان وضعفاء الناس، وصارت الدنيا
~~كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت.

# ومن الحركات السريعة القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في كل
~~ثلاثة عشر شهرا بالتقريب مرة، وهي حركة جرم زحل والمشتري في فلكي تدويرها.

# ومن الحوادث في هذه المدة — عن حركتهما واختلاف أحوالهما ما يعرض لطبقات
~~من الناس المستولى عليهم — اليبس والبرد نحو المشايخ والعجائز والأكرة[٣]
~~والتناء والأشراف والقضاة والعدول والعلماء والتجار، ومن شاكلهم من الناس
~~من المستولي عليه في مولوده أحد الكوكبين مثل ما يعرض لأصحاب عطارد كما
~~ذكرنا قبل، وقد يعرض من حركة هذين الكوكبين وأحوالهما لكثير من الحيوان
~~والنبات والمعادن أعراض وأسباب قد ذكرنا كيفيتها في الرسائل التي ذكرنا
~~فيها هذه الأجناس.

# ومن الحركات القصيرة الزمان، السريعة الاستئناف، حركة الزهرة في فلك
~~تدويرها في كل خمسمائة وأربعة وثمانين يوما مرة واحدة، وحركة المريخ في فلك
~~تدويره في كل سبعمائة وثمانين يوما مرة واحدة، والذي يحدث ويتبع هذين
~~الكوكبين في عالم الكون والفساد ما يعرض لبعض طبقات الناس في عالم الكون
~~والفساد من النساء والمخانيث وأصحاب اللذات واللهو والملهين وأصحاب
~~المريخ[٤] من الشباب والشطار والعيارين والجند وأصحاب السلاح وساسة الدواب
~~ومن شاكلهم، مثل ما يعرض لأصحاب عطارد كما ذكرنا قبل. ومن الحركات السريعة
~~القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، حركة فلك المشتري في الفلك الحامل في
~~كل أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين يوما مرة واحدة، والذي يحدث في
~~عالم الكون والفساد عن هذه الحركة اعتدال أهوية بعض البلاد بعد فسادها،
~~وعمارة بعض البقاع بعد خرابها، وتكوين بعض المعادن، ونشوء بعض النبات،
~~وذكاة بعض الثمر، وصلاح حال بعض الحيوانات، والرخص في بعض المدن، وتجديد
~~النعم على أقوام، وما شاكل ذلك من الصلاح والخير في هذا العالم. ومن
~~الحركات السريعة القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، ما يكون في كل خمسة
~~وعشرين سنة مرة واحدة، وهو أن يحصل المريخ في اثني عشر برجا اثنتي عشرة
~~رجعة، ومن الحوادث في هذا العالم عن هذه الحركة أن يقع نضج بعض المعادن،
~~وسرعة النسوء في بعض النبات، وزيادة القوة في بعض الحيوانات، وظهور الدولة
~~في بعض الناس والأمم، وزيادة القوة في بعض السلاطين، وخروج بعض الخوارج
~~وتجديد ولايات في اللمك، وما شاكل ذلك من تأثيرات قوة المريخ وظهورها في
~~العالم، والقصد منها وفيها هو صلاح شأن الكائنات، والغرض منها هو إبلاغها
~~إلى الكمال والتمام، ولكن ربما تعرض أسباب الفساد، مثل إثارة الحروب والفتن
~~والنصب، في طلب الغارات؛ فيخرب بعض البلدان، وتزول دولة قوم، ويذهب نعيمهم،
~~ولكن عاقبتها تعود إلى الصلاح.

# وبالجملة، ما يعرض منها من الفساد عند هذه الحركة في جنب ما يكون منها من
~~الصلاح في العلام شيء يسير.

# مثال ذلك حركة الشمس بالطلوع والغروب ليكون بها الليل والنهار، ومسيرها
~~في البروج ليكون الشتاء والصيف كما بينا قبل، ولكن ربما حدث من إسخانها حر
~~شديد؛ فيهلك بعض النبات، ويقتل بعض الحيوانات الضعيفة البنية بلا قصد من
~~الطبيعة ولا عناية من الحكمة.

# وكذلك الأمطار القصد منها إحياء البلاد والعشب والكلأ، أو سقي الزروع
~~والثمر لتكون قوتا للحيوان، ولربما كانت مهلكة لبعض الزروع مفسدة لبعض
~~الثمار، وربما خرب السيل بعض البلاد، لكن ذلك في جنب ما يكون من صلاح عامة
~~البلاد والحيوان والنبات شيء يسير.

# وهكذا حكم المريخ وزحل والذنب، وما يذكر من مناحسها شيء يسير في جنب ما
~~يكون عن حركاتها من الصلاح في العالم.

# ثم اعلم يا أخي أن كثيرا ممن يقر بصحة أحكام النجوم أو يتكلم فيها يظن أن
~~زحل والمريخ والذنب نحوس بالكلية، والزهرة والقمر والمشتري سعود بالكلية،
~~وليس الأمر على ما ظنوا؛ لأنه ربما عرض عن إفراط القوة المنبثة منها في
~~العالم فساد من الرطوبات والبرودات المفرطة، مثل ما يعرض عن إفراط حر الشمس
~~وبرد زحل ويبس المريخ ورطوبة الزهرة والقمر، وأكثر العفونات منها كما يعرض
~~عن المريخ وزحل.

# ومن الحركات السريعة القصيرة الزمان، القريبة الاستئناف، حركة فلك تدوير
~~زحل في فلك الحامل الممثل بفلك البروج في كل خمسة آلاف وسبعمائة وواحد
~~وأربعين يوما مرة واحدة، والذي يحدث عن هذه الحركة في هذه المدة تتميم بعض
~~المعادن؛ كالكحل والزرنيخ والحديد وثمار بعض النبات كالزيتون والجوز وبلوغ
~~الإنسان أشده، وعمارة بعض البلاد واستحداث بعض المدن والقرى وانتقال الملك
~~من قوم إلى قوم وما شاكل ذلك.

# ومن الحركات البطيئة الطويلة الزمان، البعيدة الاستئناف، حركات الكواكب
~~الثابتة في فلك البروج في ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة.

# وأوجات الكواكب السيارة وحضيضها وجو زهراتها، والذي يحدث عن هذه الحركات
~~في هذه المدة في عالم الكون والفساد، تقل العمارة على سطح الأرض من ربع إلى
~~ربع، وأن تصير مواضع البراري بحارا، ومواضع البحار جبالا، كما بينا في
~~رسالة المعادن كيفية ذلك. وإذ قد فرغنا من ذكر حوادث الأدوار، فنريد أن
~~نذكر طرفا من القرانات وألوفها.

### || (٣) فصل في أن الكائنات التي يستدل عليها المنجمون سبعة أنواع

# فنقول: اعلم أن الكائنات التي يستدل عليها المنجمون سبعة أنواع: فمنها
~~الملل والدول اللتان يستدل عليهما من القرانات الكبار التي تكون في كل ألف
~~سنة بالتقريب مرة واحدة؛ ومنها تنقل المملكة من أمة إلى أمة، أو من بلد إلى
~~بلد، أو من أهل بيت إلى أهل بيت آخر، وهي التي تكون ويستدل على حدوثها من
~~القرانات التي تكون في كل مائتين وأربعين سنة مرة واحدة؛ ومنها تبدل
~~الأشخاص على سرير الملك وما يحدث بأسباب ذلك من الحروب والفتن التي يستدل
~~عليها من القرانات التي تكون في كل عشرين سنة مرة واحدة؛ ومنها الحوادث
~~الكائنات التي تحدث في كل سنة من الغلاء والرخص والخصب والجدب والوباء
~~والموت والقحط والأمراض والعلل والحدثان والسلامة؛ ومنها يستدل على حدوثها
~~من تحاويل سني العالم التي عليها تؤرخ التقاويم، ومنها حوادث الأيام شهرا
~~بشهر ويوما بيوم، التي يستدل عليها من أوقات الاجتماعات والاستقبالات التي
~~تؤرخ في التقاويم؛ ومنها أحكام المواليد لواحد واحد من الناس في تحاويل
~~سنيهم من حيث ما يوجب لهم تشكيل الفلك ومواضع الكواكب في أصول مواليدهم
~~وتحاويل سنيهم؛ ومنها الاستدلال على الخفيات من الأمور الجزوية كالخبء
~~والسرقة واستخراج الضمير، والمسائل التي يستدل عليها من طالع وقت المسألة
~~والسؤال عنها.

# ثم اعلم أن في كل ثلاثة آلاف سنة تنقل الكواكب الثابتة وأوجات الكواكب
~~السيارة وجو زهراتها في البروج ودرجاتها، وفي كل تسعة آلاف سنة تنتقل من
~~ربع إلى ربع من أرباع الفلك، وفي كل ستة وثلاثين ألف سنة تدور في البروج
~~الاثني عشر دورة واحدة، فبهذا السبب تختلف شعاعات الكواكب على بقاع الأرض
~~وأهوية البلاد، ويختلف تعاقب الليل والنهار والشتاء والصيف عليها؛ إما
~~باعتدال واستواء، وإما بالزيادة والنقصان، وإفراط الحرارة والبرودة
~~واعتداله بينهما، ويكون هذا أسبابا وعللا لاختلاف أحوال أرباع الأرض،
~~وتغيرات أهوية البلاد والبقاع وتبدلها بالصفات من حال إلى حال — يعرف حقيقة
~~ما قلنا المتحذلقون في المجسطي وأحكام القرانات — ويصير بهذه العلل
~~والأسباب زوال الملك والدول وانتقاله من قوم إلى قوم وتغييرات العمارات من
~~ربع إلى ربع آخر، وتكون هذه بموجبات أحكام القرانات الكائنة في الوقت
~~والزمان من جهة القرانات والأدوار في كل ألف سنة مرة واحدة، وفي كل اثنين
~~وعشرين ألف سنة أو في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرة، والقرانات الدالة على
~~قوة النحوس وفساد الزمان وخروج الناس عن الاعتدال وانقطاع الوحي وقلة
~~العلماء وموت الأخيار وجور الملوك وفساد الأخلاق للناس وشر أعمالهم واختلاف
~~آرائهم، ويمنع نزول البركات من السماء بالغيث؛ فلا تزكى الأرض ويجف النبات
~~ويهلك الحيوان وتخرب المدن والبلاد؛ إذ هي بروز آخر القران! والقرانات
~~الدالة على قوة السعود واعتدال الزمان واستواء طبيعة الأركان والحدوث بوحي
~~الأنبياء — صلى الله عليهم وسلم — وتواتره وكثرة الأنبياء وعدل الملوك
~~وبركات السماء بالغيث، وتزكو الأرض والنبات، ويكثر تولد الحيوان، وتعمر
~~البلاد، ويكثر بنيان المدن والقرى، وكل ذلك بأمر بارئها على حسب أفعال
~~العباد من الخير والشر جزاء لأعمالهم، فانتبه أيها الأخ من نوم الغفلة
~~ورقدة الجهالة، واعلم وتيقن أن ما وراء عالمك المحسوس هي جهنم وجحيم عالم
~~آخر، وأمور أخر هي عالم الأرواح ومقر الملائكة والكرويين والروحانيين
~~الموكلين بحفظ هذا العالم ومراتبها. وفقك الله وإيانا بروح منه وجميع
~~إخواننا السداد، إنه رءوف بالعباد.

# (تمت رسالة الأدوار والأكوار ويليها رسالة في ماهية العشق.)

### | الرسالة السادسة من النفسانيات العقليات في ماهية العشق

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم أيها الأخ أنا قد فرغنا من رسالة الأدوار والأكوار، وبينا فيها
~~كيفية أحوال القرانات — حسب ما جرت عادة إخواننا الكرام — ونريد أن نذكر
~~الآن في هذه الرسالة ماهية العشق ومحبة النفوس والمرض الإلهي، وما حقيقة
~~ذلك ومن أين مبدؤه، فنقول:

# اعلم أن الحكماء قد أكثروا القيل والقال في فنون العلوم وطرق المعارف
~~وغرائب الحكم من الرياضيات والطبيعيات والفلسفيات والإلهيات، ولكن بعض تلك
~~العلوم والمعارف ألطف من بعض، وقد عملنا في كل منها رسالة شبه المدخل
~~والمقدمات ليقرب تناوله على المتعلمين، ويسهل أخذه على المبتدئين، ونريد أن
~~نذكر في هذه الرسالة طرفا مما قالت الحكماء والفلاسفة في ماهية العشق وكمية
~~أنواعه وكيفية نشوئه ومبدئه، وما علله الموجبة لكونه، والأسباب الداعية
~~إليه، وما الغرض الأقصى منه إذا كان هذا أمرا موجودا في العالم مركوزا في
~~طباع النفوس دائما لا يعدم ألبتة ما دامت الخليقة موجودة.

# واعلم يا أخي أن من الحكماء من قد ذكر العشق وذمه، وذكر مساوئ أهله وقبح
~~أسبابه، وزعم أنه رذيلة؛ ومنهم من قال إن العشق فضيلة نفسانية، ومدحه وذكر
~~محاسن أهله وزين أسبابه؛ ومنهم من لم يقف على أسراره وعلله وأسبابه
~~بحقائقها ودقة معانيها، فزعم أنه مرض نفساني؛ ومنهم من قال: إنه جنون إلهي؛
~~ومنهم من زعم أنه همة نفس فارغة؛ ومنهم من زعم أنه فعل البطالين الفارغي
~~الهمم الذين لا شغل لهم.

# ولعمري إن العشق يترك النفس فارغة من جميع الهم إلا هم المعشوق وكثرة
~~الذكر له والفكرة في أمره وهيجان الفؤاد والوله به وبأسبابه، ولكن ليس ذلك
~~من فعل البطالين الفراغ، كما زعم من لا خبرة له بالأمور الخفية والأسرار
~~اللطيفة ولا يعرف من الأمور إلا ما تجلى للحواس وظهر للمشاعر، وأما الذي
~~يدرك منها بصفاء الذهن وجوة التمييز وكثرة الفكر وشدة البحث ودقة النظر فهم
~~عنها بمعزل.

# وذلك أن الذين زعموا أن العشق هو مرض نفساني، أو قالوا إنه جنون إلهي،
~~فإنما قالوا ذلك من أجل أنهم رأوا ما يعرض للعشاق من سهر الليل ونحول الجسم
~~وغور العيون وتواتر النبض والأنفاس الصعداء مثل ما يعرض للمرضى، فظنوا أنه
~~مرض نفساني.

# وأما الذين زعموا أنه جنون إلهي فإنما قالوه من أجل أنهم لم يجدوا لهم
~~دواء يعالجونهم به ولا شربة يسقونها إياهم، فيبرءون مما هم فيه من المحنة
~~والبلوى إلا الدعاء لله بالصلاة والصدقة والقرابين في الهياكل ورقي الكهنة
~~وما شاكل ذلك، كما حكى العاشق بقوله، وهو عروة بن جزام، قتيل الحب:

# بذلت لعراف اليمامة حكمه %~% وعراف نجد إن هما شفياني
# فما تركا من سلوة يعرفانها %~% ولا رقية إلا بها رقياني
# فقالا: شفاك الله! والله ما لنا %~% بما ضمنت منك الضلوع يدان

# وأشعار كثيرة للعشاق في هذا المعنى.

# وأما الحكماء والأطباء من اليونانيين، فكانوا إذا أعياهم علاج مريض أو
~~مداواة عليل وأيسوا منه، حملوه عند ذلك إلى هيكل المشتري، وتصدقوا عنه
~~وصلوا لله تعالى وقربوا قربانا، وسألوا الكهنة أن يدعوا الله بالشفاء، فإذا
~~برئ سموا ذلك طبا ومرضا وجنونا إلهيا.

# ومن الحكماء من زعم أن العشق هو إفراط المحبة وشدة الميل إلى نوع من
~~الموجودات دون سائر الأنواع، وإلى شخص دون سائر الأشخاص، أو إلى شيء دون
~~سائر الأشياء بكثرة الذكر له وشدة الاهتمام به أكثر مما ينبغي، فإن كان
~~العشق هو ذا، فليس إذن أحد من الناس يخلو منه؛ إذ كان لا يوجد أحد إلا وهو
~~يحب ويميل إلى شيء دون سائر الأشياء أكثر مما ينبغي، وكثير من الحكماء
~~والأطباء يسمون هذه الحال ماليخوليا! وقد أكثر الأطباء القيل والقال في هذه
~~العلة وأعياهم علاجها.

# وقد ذكرت في كتب أحكام المواليد علل ذلك، تركنا ذكرها مخافة التطويل؛
~~لأنا نريد أن نتكلم في العشق المعروف عند جمهور الناس؛ وذلك أنهم لا يسمون
~~العشق إلا ما كان من هذه الحال نحو شخص من أبناء الجنس، ذكرا كان أو أنثى.

# ومن الحكماء من قال إن العشق هو هوى غالب في النفس نحو طبع مشاكل في
~~الجسد أو نحو صورة مماثلة في الجنس، ومنهم من قال إن العشق هو شدة الشوق
~~إلى الاتحاد؛ ولهذا فأي حال يكون عليها العاشق يتمنى حالا أخرى أقرب منها؛
~~ولهذا قال الشاعر:

# أعانقها والنفس بعد مشوقة %~% إليها، وهل بعد العناق تدان؟!
# وألثم فاها كي تزول صبابتي %~% فيزداد ما ألقى من الهيمان
# كأن فؤادي ليس يشفي غليله %~% سوى أن ترى الروحين يمتزجان

# وهذا القول أرجح ما قيل فيه وألطف ما أشير إليه، ونحتاج أن نشرح هذا
~~الباب لتتضح حقيقته وتعرف أسبابه، ولكن لما كان الاتحاد هوى نفسانيا
~~وتأثيرا روحانيا احتجنا إلى أن نذكر أنواع النفوس وأنواع معشوقاتها، وعلل
~~تلك وأسبابها.

# وأما الفرق بين العلل والأسباب، فهو أن العلل كائنة في طباع النفوس
~~والأسباب خارجة منها، كما سنبين بعد هذا الفصل.

# واعلم يا أخي أن النفوس المتجسدة لما كانت ثلاثة أنواع، كما قالت الحكماء
~~والفلاسفة، صارت معشوقاتها أيضا ثلاثة أنواع: فمنها النفس النباتية
~~الشهوانية، وعشقها يكون نحو المأكولات والمشروبات والمناكح؛ ومنها النفس
~~الغضبية الحيوانية، وعشقها يكون نحو القهر والغلبة وحب الرياسة؛ ومنها
~~النفس الناطقة، وعشقها يكون نحو المعارف واكتساب الفضائل.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ليس أحد من الناس يخلو من
~~نوع من هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرناها، أو يكون آخذا بنصيب من كل واحد
~~منها، قل أو كثر؛ والعلة في ذلك أنه لما كان من شأن النفوس أن تتبع أمزجة
~~الأبدان في إظهار أفعالها وأخلاقها ومعارفها، وبخاصة ما كان أغلب منها في
~~المزاج وأقوى في أصل التركيب، كما بينا في رسالة الأخلاق ورسالة مسقط
~~النطفة؛ وذلك أن كل إنسان يكون المستولي عليه في أصل مولده القمر أو الزهرة
~~وزحل؛ فإن الغالب على طبيعته قوة النفس الشهوانية نحو المأكولات والمشروبات
~~والجمع والادخار لها؛ وإن يكن المستولي المريخ والزهرة أو القمر، فإن
~~الغالب على طبيعته شهوة الجماع والمناكح؛ وإن كان المستولي على أصل مولده
~~الشمس والمريخ، فإن الغالب على طبيعته تكون شهوة النفس الغضبية نحو القهر
~~والغلبة وحب الرياسة؛ وإن كان المستولي عليه في أصل مولده الشمس وعطارد
~~والمشتري، فإن الغالب على طبيعته تكون شهوات النفس الناطقة نحو المعارف
~~واكتساب الفضائل والعدل.

# وقد بينا في رسالة مسقط النطفة كيف يتقرر في جبلة الجنين وطبع المولود
~~تأثيرات هذه الكواكب، وبينا في رسالة الأخلاق كيف يعتاد الإنسان باكتساب
~~تلك الطباع والأخلاق التي في الطباع قبولها وتهيئها أو ضد ذلك. وإذ قد
~~فرغنا من ذكر ما احتجنا إلى أن نذكره، فنرجع الآن إلى تفسير قول من قال من
~~الحكماء إن العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد، فنقول: إن الاتحاد هو من خاصية
~~الأمور الروحانية والأحوال النفسانية؛ لأن الأمور الجسمانية لا يمكن فيها
~~الاتحاد، بل المجاورة والممازجة والمماسة لا غير، فأما الاتحاد فهو في
~~الأمور النفسانية كما سنبين في هذه الفصول.

# واعلم يا أخي أن مبدأ العشق وأوله نظرة أو التفات نحو شخص من الأشخاص،
~~فيكون مثلها كمثل حبة زرعت أو غصن غرس أو نطفة سقطت في رحم بشر، وتكون باقي
~~النظرات واللحظات بمنزلة مادة تنصب إلى هناك، وتنشأ وتنمي على ممر الأيام
~~إلى أن تصير شجرة أو جنينا؛ وذلك أن همة العاشق ومناه هو الدنو والقرب من
~~ذلك الشخص، فإذا اتفق[١] في ذلك وسهل تمنى الخلوة والمجاورة، فإذا سهل ذلك
~~تمنى المعانقة والقبلة، فإذا سهل ذلك تمنى الدخول في ثوب واحد والالتزام
~~بجميع الجوارح أكثر ما يمكن. ومع هذه كلها الشوق بحاله لا ينقص شيئا بل
~~يزداد وينمو كما قيل:

# أعانقها والنفس بعد مشوقة %~% إليها وهل بعد العناق تدان؟!
# وألثم فاها كي تزول صبابتي %~% فيزداد ما ألقى من الهيمان
# كأن فؤادي ليس يشفي غليله %~% سوى ما يرى: زوجان ممتزجان

# ثم اعلم أن روح الحياة إنما هو بخار رطب يتحلل من الرطوبة والدم وينشأ في
~~جميع البدن، ومنها تكون حياة البدن والجسم، ومادة هذه الروح من استنشاق
~~الهواء بالتنفس، دائما لترويح الحرارة الغريزية التي في القلب، فإذا تعانق
~~العاشق والمعشوق جميعا وتباوسا وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه وبلعه، وصلت
~~تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما، وامتزجت هناك مع الرطوبات التي في
~~المعدة، ووصلت إلى جرم الكبد واختلطت بأجزاء الدم هناك، وانتشر في العروق
~~الواردة إلى سائر أطراف الجسد، واختلطت بجميع أجزاء البدن، وصارت لحما ودما
~~وشحما وعروقا وعصبا وما شاكل ذلك.

# وهكذا أيضا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه، خرج من تلك الأنفاس شيء
~~من نسيم روح كل واحد منهما واختلط بأجزاء الهواء، فإذا استنشقا من ذلك
~~الهواء دخلت إلى خياشيمهما أجزاء ذلك النسيم مع الهواء المستنشق، ووصل بعضه
~~إلى مقدم الدماغ، وسرى فيه كسريان النور في جرم البلور، واستلذ كل واحد
~~منهما ذلك التنسيم، ووصل أيضا من أجزاء ذلك الهواء المستنشق بعض إلى جرم
~~الرئة في الحلقوم، ومن الرئة إلى جرم القلب مع النبض في العروق الضوارب إلى
~~جميع أجزاء الجسد، واختلط هناك بالدم واللحم وما شاكل ذلك من أجزاء الجسد،
~~وانعقد في بدن هذا ما تحلل من جسد هذا! وفي بدن هذا ما تحلل من جسد ذاك.

# فيكون من ذلك ضروب، ومن المزاجات من تلك الأمزجة ضروب الأخلاط، ومن تلك
~~الأخلاط ضروب الأخلاق، كل ذلك بحسب أمزجة أبدانها، ومن شأن النفس أن تتبع
~~مزاج البدن في إظهار أفعالها وأخلاقها؛ لأن مزاج الجسد وأعضاء البدن
~~ومفاصله للنفس بمنزلة آلات وأدوات للصانع الحكيم يظهر بها ومنها أفعاله،
~~فلهذه الأسباب والعلل التي ذكرناها يتولد العشق والمحبة على ممر الأيام بين
~~المتحابين وينشأ وينمو، فأما الذي يتغير من المحبة ويفسد بعد التأكيد
~~فلأسباب يطول شرحها، ولكن نذكر أولا ما العلة في محبة شخص لشخص دون سائر
~~الأشخاص، فنقول:

# إن العلة في ذلك اتفاق مشاكلة الأشخاص الفلكية في أصل مولدهما بضرب من
~~الضروب الموافقة من بعض لبعض، وهي كثيرة الفنون، ولكن نذكر منها طرفا ليكون
~~دليلا على الباقية؛ فمنها أن يكون مولدهما ببرج واحد أو رب البرجين كوكب
~~واحد، أو يكون البرجان متفقين في بعض المثاني كالمثلث، أو تكون مطالعهما
~~متساوية، أو ساعات نهارهما متفقة، وما شاكل ذلك مما يطول شرحه، يعرف حقيقة
~~ما قلنا أصحاب الأحكام الناظرون في مواليد الناس. وأما تغير العشق بعد
~~ثباته زمانا طويلا فهو تغير أشكال الفلك في تحاويل سني مواليد الناس وسير
~~درجة الطالع وتنقلها في حدود البروج والوجوه، وهكذا تسييرات شعاعات الكواكب
~~في أبراج الانتهاءات في مستقبل السنين.

# واعلم يا أخي أن كل الكائنات التي دون فلك القمر فهي مربوطة الأحوال
~~بحركات الأشخاص الفلكية، كما بينا في رسالة ماهية الطبيعة ورسالة الأدوار
~~والأكوار ورسالة الأفعال الروحانية.

### || (١) فصل في ماهية علة فنون المعشوقات

# اعلم يا أخي أن كثيرا من الناس يظنون أن العشق لا يكون إلا للأشياء
~~الحسنة حسب! وليس الأمر كما ظنوا؛ فإنه قد قيل: يا رب مستحسن ما ليس
~~بالحسن! ولكن العلة في ذلك هي الاتفاقات التي بين العاشق والمعشوق، وهي
~~كثيرة لا يحصي عددها إلا الله جل ثناؤه، ولكن نذكر منها طرفا ليكون دليلا
~~على الباقية.

# وذلك أن الاتفاقات بحسب المناسبات التي بين أجزاء المركبات، فمن تلك
~~المناسبات ما هي بين كل حاسة ومحسوساتها؛ وذلك أن القوة الباصرة لا تشتاق
~~إلا إلى الألوان والأشكال، ولا تستحسن منها إلا ما كان على النسبة الأفضل،
~~وهكذا القوة السامعة لا تشتاق إلا إلى الأصوات والنغم، ولا تستلذ منها إلا
~~ما كان على النسبة الأفضل، كما بينا في رسالة الموسيقى.

# وعلى هذا القياس سائر الحواس كل واحدة منها لا تشتاق إلا إلى محسوساتها،
~~ولا تستحسن ولا تستلذ إلا ما كن منها على النسبة الأفضل بينهما في الآفاق،
~~ولما كان تراكيب أمزجة الحواس والمحسوسات كثيرة الفنون وكثيرة التغيير غير
~~ثابتة على حالة واحدة، صارت القوى الحساسة في إحساسها لمحسوساتها مفننة
~~متغيرة؛ وذلك أنك تجد واحدا من الناس أو من الحيوان يستلذ مأكولا أو مشروبا
~~أو مسموعا أو مشموما والآخر لا يستلذه، بل ربما كان يكرهه ويتألم منه،
~~وهكذا تجد الإنسان الواحد يستلذ في وقت ما شاء ويستحسنه، وفي آخر يكرهه
~~ويتألم منه، كل ذلك بحسب اختلاف التراكيب وفنون الأمزجة، وما يعرض لها وما
~~يحدث بينها من المناسبات والمنافرات، وشرحها طويل.

# واعلم يا أخي أن الحكمة الإلهية والعناية الربانية قد ربطت أطراف
~~الموجودات بعضها ببعض رباطا واحدا، ونظمتها نظاما واحدا.

# وذلك أن الموجودات لما كان بعضها عللا وبعضها معلولات، ومنها أوائل ومنها
~~ثوان، جعلت في جبلة المعلولات نزوعا نحو علاتها واشتياقا إليها، وجعلت أيضا
~~في جبلة علاتها رأفة ورحمة وتحننا على معلولاتها كما يوجد ذلك في الآباء
~~والأمهات على الأولاد، ومن الكبار على الصغار، والأقوياء على الضعفاء؛ لشدة
~~حاجة الضعفاء إلى معاونة الأقوياء، والصغار إلى الكبار، كما أجاب رئيس قريش
~~وحكيمها لما سأله كسرى: أي أولاد أحب إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر، وعليلهم
~~حتى يبرأ، وغائبهم حتى يرجع.

### ||| فصل

# ثم اعلم أن الأطفال والصبيان إذا استغنوا عن تربية الآباء والأمهات فهم
~~بعد محتاجون إلى تعليم الأستاذين لهم العلوم والصنائع ليبلغوا بهم إلى
~~التمام والكمال، فمن أجل هذا يوجد في الرجال البالغين رغبة في الصبيان
~~ومحبة للغلمان؛ ليكون ذلك داعيا لهم إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميلهم للبلوغ
~~إلى الغايات المقصودة بهم، وهذا موجود في جبلة أكثر الأمم التي لها شغف في
~~تعلم العلم والصنائع والأدب والرياضات مثل أهل فارس وأهل العراق وأهل الشام
~~والروم وغيرها من الأمم. وأما الأمم التي لا تتعاطى العلوم والصنائع والأدب
~~مثل الأكراد والأعراب والزنج والترك، فإنه قلما يوجد فيهم ولا في طباعهم
~~الرغبة في نكاح الغلمان وعشق المردان.

# وأما محبة النساء للرجال وعشقها فإن ذلك في طباع أكثر الحيوانات التي لها سفاد.

# وإنما جعلت تلك في طبائعها لكيما يدعوها إلى الاجتماع والسفاد ليكون منها
~~النتاج، والغرض منها بقاء النسل وحفظ الصورة في الهيولى بالجنس والنوع؛ إذ
~~كانت الأشخاص دائما في السيلان، والغرض من هذه كلها بعيد من أفكار أكثر
~~العقلاء، وقد بينا ذلك في رسالة المبادئ ورسالة البعث.

### || (٢) فصل في أنواع المحبوبات وما الحكمة فيها

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن المحبة مفننة، والمحبوبات
~~كثيرة لا يحصي عددها إلا الله، ولكنا نذكر منها طرفا ليكون دليلا على
~~الباقية؛ فمن أنواع المحبوبات محبة الحيوانات الازدواج والنكاح والسفاد لما
~~فيه من بقاء النسل؛ ومنها محبة الأمهات والآباء للأولاد وتحننهم على الصغار
~~وتربيتهم لهم وإشفاقهم عليهم، كأنها مجبولة في طباعهم مركوزة في نفوسهم
~~لشدة حاجة الصغار إلى الكبار؛ ومنها محبة الرؤساء والرياسات وحرصهم على
~~طلبها ومراعاتهم لمرءوسيهم وحفظهم لهم وإشفاقهم عليهم، ومحبتهم للمدح
~~والثناء والشكر كأنها مجبولة في طباعهم مركوزة في نفوسهم؛ ومنها محبة
~~الصناع في إظهار صنائعهم وحرصهم على تتميمها وشهوتهم لتحصيلها وتركيبها،
~~كأنه شيء مجبول في طباعهم مركوز في نفوسهم لشدة حاجتهم إليها؛ ومنها محبة
~~التجار لتجاراتهم ورغبة الراغبين في الدنيا وحرصهم على الجمع والادخار لها
~~وحفظها، ومحبة عمارة الأرض وإصلاح الأمتعة وجمعها وحفظها، كأنه شيء مجبول
~~في طباعهم مركوز في نفوسهم لما فيه من الصلاح لغيرهم ومن يأتي من بعدهم؛
~~ومنها محبة العلماء والحكماء لاستخراج العلوم ووصف الآداب وتعليم الرياضات
~~والبحث عن الغوامض والفحص عنها وتدوينها في الكتب والأدراج، أمة بعد أمة،
~~وقرنا بعد قرن، كأنه شيء مجبول في طباعهم مركوز في نفوسهم لما فيه من إحياء
~~النفوس وإصلاح الأخلاق وصلاح الدين والدنيا جميعا؛ ومنها محبة البر
~~والإحسان وما يقال فيهما من المدح والثناء، كأنه شيء مجبول في طباع البشر
~~مركوز في نفوسهم لما فيه من الحث على مكارم الأخلاق؛ ومنها محبة أبناء
~~الجنس وما يسمى العشق وما يصف العشاق من أحوالهم وأحوال معشوقهم، وما يجدون
~~في نفوسهم من الأفكار والهموم والأحزان والفرح والسرور والنشاط، وما يذكرون
~~من الأخلاق الجميلة والطرائق الحميدة، وما يذمون من الأخلاق المذمومة
~~والأحوال المرذولة، قالوا: لو لم يكن العشق موجودا في الخليقة لخفيت تلك
~~الفضائل كلها، ولم تظهر ولم تعرف تلك الرذائل أيضا! فقد بان وتبين إذن بما
~~ذكرنا أن المحبة والعشق فضيلة ظهرت في الخليقة، وحكمة جليلة وخصلة نفيسة
~~عجيبة، ذلك من فضل الله على خلقه وعنايته بمصالحهم، ودلالة لهم عليه
~~وترغيبا لهم فيما أمر به من المزيد.

# واعلم يا أخي أن محبوبات النفوس ومعشوقاتها مفننة، وهي بحسب مراتبها في
~~العلوم ودرجاتها في المعارف؛ وذلك أن النفس الشهوانية لا يليق بها محبة
~~الرياسة والقهر والغلبة، ولا النفس الحيوانية يليق بها محبة العلوم
~~والمعارف واكتساب الفضائل، ولا النفس الملكية يليق بها محبة الأجساد والكون
~~مع الأجسام اللحمية والدموية، بل الذي يليق بها محبة فراق الأجساد
~~والارتقاء إلى ملكوت السماء، والسيحان في سعة فضاء الأفلاك والتنسم من ذلك
~~الروح والريحان المذكور في القرآن.

# ومن أجل هذا الذي ذكرنا من مراتب النفوس وما يليق بها من المعشوقات، أنك
~~لا تجد ولا ترى نفسا تحب وتعشق وتشتاق إلا لأبناء جنسها وما شاكلها من
~~المحبوبات والمعشوقات؛ مثال ذلك أنفس الصبيان والناقصين من الناس، فإنهم لا
~~يحبون ولا يعشقون إلا اللعب والتماثيل المصورة والمزينة المشاكلة لمرتبة
~~نفوسهم، فإذا عقلوا وتعلموا وارتاضوا ارتفعت هممهم وشغلت نفوسهم بغيرها مما
~~هو أشد تحقيقا مما كانوا فيه؛ وهو الصورة من الأشكال والمحاسن والزينة
~~الموجودة في الأشكال والأجساد اللحمية من الحيوان والناس، وهي المحبوبة
~~المرغوبة فيها، المشتهاة المعشوقة عند أكثر الناس من البالغين العقلاء،
~~فإذا ارتاضت نفوسهم في العلوم الإلهية والمعارف الربانية ارتفعت نفوسهم
~~أيضا عن هذه الصور والتماثيل المزوقة الموجودة في اللحم والدم إلى ما هي
~~أشرف منها وأفضل؛ وهي الصورة للنفوس ذوات الحسن والبهاء والكمال والجمال
~~التي تراها النفوس الناطقة الناجية[٢] في عالم الأرواح.

# ثم اعلم أنه لما قصرت أفهام كثير من الناس عن تصورها، وقلت معرفتهم بها،
~~رضوا بهذه الصورة والأشباح الجسمية الجسدانية المؤلفة من اللحم والدم
~~والصديد، واطمأنوا إليها وسكنوا إليها، وتمنوا الخلود بها لنقص نفوسهم، كما
~~ذكر الله تعالى: @QUR@010 ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن
~~آياتنا غافلون ، وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى.

# ثم اعلم يا أخي أنه مقرر في طباع الموجودات وجبلة النفوس محبة البقاء
~~والدوام السرمدي على أتم الحالات وأكمل الغايات، وأتم حالات النفس
~~الشهوانية بأن تكون موجودة أبدا، تتناول شهواتها وتتمتع بلذاتها، التي هي
~~مادة وجود أشخاصها من غير عائق ولا تنغيص.

# وهكذا من أتم حالات النفس الحيوانية أن تكون موجودة أبدا، رئيسة على
~~غيرها، قاهرة لمن سواها، منتقمة ممن يؤذيها من غير عائق ولا تنغيص.

# وهكذا أيضا من أتم حالات النفس الناطقة أن تكون موجودة أبدا، مدركة
~~لحقائق الأشياء، متصورة لها، ملتذة بها، مسرورة فرحانة بلا عائق ولا تنغيص.

# وإنما صارت النفوس الناطقة تلتذ بالعلوم والمعارف؛ لأن صور المعلومات في
~~ذاتها هي المتممة لها، المكملة لفضائلها، المبلغة لها إلى أتم غاياتها
~~وأفضل نهاياتها عند باريها جل ثناؤه كما قال تعالى: @QUR@06 في مقعد صدق
~~عند مليك مقتدر .

# ثم اعلم أن هذه الأحوال لا تليق بالنفس الشهوانية ولا بالنفس الغضبية،
~~ولكن تليق بالنفس الناطقة إذا هي انتبهت من نوم الغفلة واستيقظت من رقدة
~~الجهالة، وانفتحت لها عين البصيرة وعاينت عالمها وعرفت مبدأها ومعادها،
~~واشتاقت عند ذلك إلى باريها وتاقت وحنت إليه كما يحن العاشق إلى معشوقه،
~~وإلى هذا أشار بقوله تعالى: @QUR@05 والذين آمنوا أشد حبا لله ؛ يعني من كل
~~محبوب سواه.

# ثم اعلم أن كل نفس إذا أحبت شيئا اشتاقت وحنت نحوه وطلبته وتوجهت نحوه
~~حيث كان، ولم تلتفت إلى شيء سواه، ولم تعرج عليه كما قال الشاعر:

# أحب حبيبا واحدا لست أبتغي %~% مدى الدهر عنه ما حييت بديلا
# فإن ظفرت كفي به فهو بغيتي %~% وإن فات ما أبغي سواه خليلا

# ثم اعلم أن كل محب لشيء من الأشياء مشتاق إليه هائم به، وأنه متى وصل
~~إليه ونال ما يهواه منه وبلغ حاجته من الاستمتاع به والتلذذ بقربه، فإنه
~~ولا بد يوما من أن يفارقه، أو يمله، أو يتغير عليه وتذهب تلك الحلاوة
~~وتتلاشى تلك البشاشة ويخمد لهب ذلك الاشتياق والهيجان، إلا المحبين لله
~~تعالى من المؤمنين والمشتاقين إليه من عباده الصالحين، فإن لهم كل يوم من
~~محبوبهم قربة ومزيدا أبد الآبدين بلا نهاية ولا غاية، وإلى المحبين لسواه
~~عز وجل أشار بقوله: @QUR@011 كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم
~~يجده شيئا ، ثم عطف نحو محبيه فذكر حالهم وكنى عن ذكرهم، وإلى نحو ذكرهم
~~فقال تعالى: @QUR@05 ووجد الله عنده فوفاه حسابه ؛ يعني عند المحب.

# وكما روي في الخبر عن موسى عليه السلام أنه نادى ربه فقال: «يا رب أين
~~أجدك؟» فقال: «عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.» وقال عليه السلام: «اعبد الله
~~كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.»

# ثم اعلم أن رؤية أولياء الله تعالى — جل اسمه — ليست كرؤية الأشخاص
~~والأشباح والصور والأجناس والأنواع والجواهر والأعراض والصفات والموصوفات
~~في الأماكن والمحاذيات، ولكن بنوع أشرف منها وأعلى، وفوق كل وصف جسماني
~~ونعت جرماني، وهي رؤية نور بنور لنور في نور من نور كما قال الله تعالى:
~~@QUR@025 الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في
~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا
~~غربية ؛ أي لا صورية ولا هيولانية.

# ثم اعلم أن الغرض الأقصى من وجود العشق في جبلة النفوس ومحبتها الأجساد
~~واستحسانها لها ولزينة الأبدان واشتياقها إلى المعشوقات المفتنة، كل ذلك
~~إنما هو تنيبه لها من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، ورياضة لها وتعريج لها،
~~وترقية من الأمور الجسمانية المحسوسة إلى الأمور النفسانية المعقولة، ومن
~~الرتبة الجرمانية إلى المحاسن الروحانية، ودلالة على معرفة جوهرها وشرف
~~عنصرها ومحاسن عالمها وصلاح معادها، وكل ذلك أن جميع المحاسن والزينة وكل
~~المشتهيات من المرغوب فيها الذي يرى على ظواهر الأجرام وسطوح الأجسام، إنما
~~هي أصباغ ونقوش ورسوم قد صورتها النفس الكلية في الهيولى الأولى، وزينت بها
~~ظواهر الأجرام وسطوح الأجسام؛ كيما إذا نظرت إليها النفوس الجزئية حنت
~~إليها وتشوقت نحوها، وقصدت لطلبها بالنظر إليها والتأمل لها والتفكر فيها
~~والاعتبار لأحوالها؛ كل ذلك كيما تتصور تلك الرسوم والمحاسن والنقوش في
~~ذاتها وتنطبع في جوهرها، حتى إذا غابت تلك الأشخاص الجرمانية عن مشاهدة
~~الحواس لها، بقيت تلك الرسوم والصور المعشوقة المحبوبة مصورة فيها أعين
~~النفوس الجزئية صورة روحانية صافية باقية معها، معشوقاتها متحدة بها لا
~~تخاف فراقها لا فواتها أبدا.

# والدليل على ما قلنا وصحة ما وصفنا معرفة من عشق يوما من أيام عمره لشخص
~~من الأشخاص ثم تسلى عنه أو فقده أو تغير عليه، ثم إنه وجده من بعده وقد
~~تغير عما كان عليه وعهده من الحسن والجمال وتلك الزينة والمحاسن التي كان
~~رآها على ظاهر جسمه، فإنه متى رجع عند ذلك فنظر إلى تلك الرسوم والصور التي
~~هي باقية في نفسه منذ العهد القديم، وجدها بحالها تلك ولم تتغير ولم تتبدل
~~ورآها برمتها، فتشاهد النفس في ذاتها حينئذ من تلك المحاسن والصور والرسوم
~~والأصباغ ما كانت من قبل تراها على غير تغير، وتجد في جوهرها ما كانت قبل
~~ذلك تطلبه خارجا عنها، فعند ذلك تبين له وعلم أن المعشوق والمحبوب بالحقيقة
~~إنما هي تلك الرسوم والصور التي كان يراها على ذلك الشخص، وهو اليوم يراها
~~منقوشة في نفسه مرسومة في جوهره مصورة في ذاته باقية لم تتغير! فإذا فكر
~~العاقل اللبيب فيما وصفنا انتبهت نفسه من نوم غفلتها، واستيقظت من رقدة
~~جهالتها، واستقلت بذاتها، وفازت بجوهرها، واستغنت عن غيرها، وكان حالها كما
~~وصف المحب بقوله:

# قد كنت آلف موطنا وتشوقني %~% نحو الأحبة لوعة ما تنكر
# والآن ما لي مصدر عن موردي %~% ما للعبيد عن الموالي مصدر

# فاستراحت نفسه عند ذلك من تعبها وعنائها ومقاسات صحبة غيرها، وتخلصت من
~~السقام الذي لا يزال يعرض لعاشقي الأجرام ومحبي الأجسام حسب ما وصفوه في
~~أشعارهم وشكوه من أحوالهم كما قال بعضهم:

# وما في الأرض أشقى من محب %~% وإن وجد الهوى حلو المذاق
# تراه باكيا في كل حين %~% مخافة فرقة أو لاشتياق
# فيبكي إن نأى شوقا إليه %~% ويبكي إن دنا خوف الفراق
# فتسخن عينه عند التنائي %~% وتسخن عينه عند التلاقي

### ||| فصل

# ثم اعلم أن من ابتلي بعشق شخص من الأشخاص ومرت به تلك المحن والأهوال
~~وعرضت تلك الأحوال، ثم لم تنتبه نفسه من نوم غفلتها فيتسلى ويفيق، أو نسي
~~وابتلي من بعد بعشق ثان لشخص آخر؛ فإن نفسه نفس غريقة في عمائها، سكرى في
~~جهالتها كما قيل:

# تسلت عمايات الرجال عن الصبي %~% وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

# ثم اعلم أن في الناس خواص وعوام؛ فالعوام من الناس هم الذين إذا رأوا
~~مصنوعا حسنا أو شخصا مزينا تشوقت نفوسهم إلى النظر إليه والقرب منه والتأمل
~~له، وأما الخواص فهم الحكماء الذين إذا رأوا صنعة محكمة أو شخصا مزينا
~~تشوقت نفوسهم إلى صانعها الحكيم ومبدئها العليم ومصورها الرحيم، وتعلقت به
~~وارتاحت إليه، واجتهدوا في التشبه به في صنائعهم والاقتداء به في أفعالهم؛
~~قولا وفعلا وعلما وعملا.

# ثم اعلم أن النفوس الناقصة تكون قصيرة الهمم لا تحب إلا زينة الحياة
~~الدنيا، ولا تتمنى إلا الخلود فيها؛ لأنها لا تعرف غيرها ولا تتصور سواها!
~~فأما النفس الشريفة المرتاضة فهي تأنف من الرغبة في الدنيا، بل تزهد فيها
~~وتريد الآخرة، وترغب فيها وتتمنى اللحوق بأبناء جنسها وأشكالها من
~~الملائكة، وتشتاق إلى الترقي إلى ملكوت السماء والسيحان في سعة فضاء
~~الأفلاك، ولكن لا يمكن إلا بعد فراق الجسد على شرائط محدودة، كما ذكرنا في
~~رسالة البعث والقيامة.

# واعلم أن نفوس الحكماء تجتهد في أفعالها ومعارفها وأخلاقها في التشبه
~~بالنفس الكلية الفلكية وتتمنى اللحوق بها، والنفس الكلية أيضا كذلك فإنها
~~تتشبه بالباري في إدارتها الأفلاك وتحريكها الكواكب وتكوينها الكائنات، كل
~~ذلك طاعة لباريها وتعبدا له واشتياقا إليه، ومن أجل هذا قالت الحكماء: «إن
~~الله هو المعشوق الأول، والفلك إنما يدور شوقا إليه ومحبة للبقاء والدوام
~~المديد على أتم الحالات وأكمل الغايات وأفضل النهايات.»

# ثم اعلم أن الباعث للنفس الكلية على إدارة الفلك وتسيير الكواكب هو
~~الاشتياق منها إلى إظهار تلك المحاسن والفضائل والملاذ والسرور التي في
~~عالم الأرواح التي تقصر ألسن الوصف عنها إلا مختصرا كما قال تعالى: @QUR@06
~~وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين .

# ثم اعلم أن تلك المحاسن والفضائل والخيرات كلها إنما هي من فيض الله
~~وإشراق نوره على العقل الكلي، ومن العقل الكلي على النفس الكلية، ومن النفس
~~الكلية على الهيولى، وهي الصورة التي ترى الأنفس الجزئية في عالم الأجسام
~~على ظواهر الأشخاص والأجرام التي من محيط الفلك إلى منتهى مركز الأرض.

# ثم اعلم أن مثل سريان تلك الأنوار والمحاسن من أولها إلى آخرها كمثل
~~سريان النور والضياء التي في ليلة البدر منبعثا من جرم جوهر القمر على
~~الهواء، والذي على جرم القمر من الشمس، والذي على جرم الشمس والكواكب جميعا
~~من إشراق النفس الكلية، والذي على النفس الكلية من العقل الكلي، والذي على
~~العقل الكلي من فيض الباري وإشراقه كما قال الله تعالى: @QUR@04 الله نور
~~السماوات والأرض فقد تبين بما ذكرنا أن الله هو المعشوق الأول وأن كل
~~الموجودات إليه تشتاق، ونحوه تقصد، وإليه يرجع الأمر كله؛ لأن به وجودها
~~وقوامها وبقاءها ودوامها وكمالها؛ لأنه هو الموجود المحض، وله البقاء
~~والدوام السرمد، والتمام والكمال المؤيد، تعالى الله عما يقول الظالمون
~~والجاهلون علوا كبيرا، بلغك الله أيها الأخ إليه وتمم نورك كما وعد أولياءه
~~وأصفياءه من عباده، وذلك قوله تعالى: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى
~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على
~~كل شيء قدير. وفقك الله وإيانا وجميع إخواننا الكرام إلى طريق السداد،
~~وهداك وإيانا وجميع إخواننا سبيل الرشاد إنه رءوف بالعباد.

# (تمت رسالة ماهية العشق ويليها رسالة البعث والقيامة.)

### | الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث والقيامة

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم أيها الأخ أنا قد فرغنا من بيان ماهية العشق ومحبة النفوس ما هو
~~أشرف وأحسن وأكمل وأجمل وأتم وأدوم منها، ونريد الآن أن نذكر في هذه
~~الرسالة ماهية البعث والقيامة وكيفية المعراج، فنقول:

# اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العلوم كثيرة، وكلها شريفة،
~~وفي معرفتها عزة، وفي طلبها نجاة من الهلكة، ونيلها حياة للنفوس وراحة
~~للقلوب، وتعلمها هدى ورشد وخروج من ظلمات الجهالة وصلاح في الدين والدنيا
~~جميعا، ولكن بعض العلوم أشرف من بعض وأهلها يتفاضلون، وذلك أن أفضل العلماء
~~هم أهل الدين والورع، الذين هم من أمر الآخرة على يقين وبصيرة، لا على
~~تقليد ورواية.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن معرفة حقيقة الآخرة والعلم
~~بالمعاد محجوب عن إبليس وذريته المنكرين لما غاب عن رؤية الأبصار وعن أهل
~~التقليد الذين لا يعرفون حقيقة ما هم مقرون به من أمر الآخرة والبعث
~~والقيامة والحشر والحساب والميزان والصراط والمعاد والجزاء هناك: إن خيرا
~~فخيرا وإن شرا فشرا؛ لأن هذا العلم هو لب الألباب وسر لأولياء الله دون
~~سواهم؛ لأن أولياء الله هم المصطفون الأخيار الذين أخلصوا بخالصة ذكرى
~~الدار، ونريد أن نلوح من هذا العلم طرفا في هذه الرسالة الجليلة القدر
~~بإشارات مرموزة وأمثال مضروبة للمريدين لله عز وجل الطالبين دار الآخرة؛ إذ
~~كان الإخبار عن حقيقتها يدق عن البيان، ويبعد عن التصور بالأفكار والتخيل
~~بالأوهام، إلا لأنفس زاكية وأرواح طاهرة وقلوب واعية وآذان سامعة، ولكن قبل
~~ذلك نحتاج أن نذكر النفس والروح وحقيقتهما وماهيتهما وتصاريف أمرهما؛ إذ
~~كان معرفة حقيقة الآخرة وأمر المعاد بعد معرفة البعث والقيامة بعد معرفة
~~النفس والروح، وعلة أخرى أيضا أن قوما من علماء الإسلام يتعاطون العلوم
~~والكلام والجدل، وينكرون أمر النفس ووجودها، ويجهلون حقيقة الروح وتصاريف
~~أحوالها.

# من أجل هذا احتجنا إلى أن ندل أولا على وجود النفس وماهية جوهرها وتصاريف
~~أمورها بطريق السمع والإخبار، وما ذكر في الأخبار والكتب النبوية المنزلة،
~~ثم نذكر حججا عقلية حكمية؛ لأن قوما من هؤلاء المجادلة لا يرضون طريق السمع
~~والإخبار، ولا يقنعهم ذلك لشكوك في نفوسهم وريبة في قلوبهم، بل يريدون
~~دلائل عقلية وحججا فلسفية، فنقول:

# اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الحكماء والفلاسفة قد أكثرت
~~في كتبها وفي مذكراتها ذكر النفوس، وحثت تلاميذها وأولادها على طلب علم
~~النفس ومعرفة جوهرا؛ لأن في علم النفس ومعرفة جواهرها معرفة حقائق الأشياء
~~الروحانية من أمر المبدأ والمعاد والباري تعالى عز وجل وملائكته، وخاصة
~~معرفة البعث وحقيقة القيامة والنشر بعد الموت والحشر والحساب والجزاء وثواب
~~المحسنين وعقاب المسيئين.

# وذلك أن كل إنسان لا يعرف نفسه ولا يعلم ذاته ولا يعلم ما الفرق بين
~~النفس والجسد تكون همته كلها مصروفة إلى إصلاح أمر الجسد ومرافق أمر البدن
~~من لذة العيش والتمتع بنعيم الدنيا وتمني الخلود فيها مع نسيان أمر المعاد
~~وحقيقة الآخرة! وإذا عرف الإنسان نفسه وحقيقة جوهرها، صارت همته في أكثر
~~الأحوال في أمر النفس، وفكرته أكثرها في إصلاح شأنها، وكيفية حالها بعد
~~الموت، واليقين بأمر المعاد، والاستعداد للرحلة من الدنيا والتزود للمعاد،
~~والمسارعة في الخيرات والتوبة، وتجنب الشر والمنكر والمعاصي.

# فإذا فعل ذلك يزول عنه خوف الموت، وربما تمنى لقاء الله تعالى، وهذه صفة
~~أولياء الله تعالى وعباده الصالحين كما ذكر الله سبحانه وأشار إليهم بقوله
~~في كتابه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في توبيخه لليهود لما
~~زعموا أنهم أولياء الله من دون الناس فقال لهم: @QUR@05 فتمنوا الموت إن
~~كنتم صادقين بأنكم أولياء الله من دون الناس، وإنما يتمنى أولياء الله
~~الموت إذا تذكروا ما وعدهم الله وأعده لهم من التحية والسلام كما قال جل
~~ثناؤه: @QUR@08 تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما ، وقال تعالى
~~أيضا: @QUR@033 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند
~~ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا
~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وقد علم كل عاقل علما يقينا أن
~~أجساد هؤلاء قد بليت في التراب، وأن هذه الكرامة والتحية والسلام هي
~~لأرواحهم ونفوسهم الطاهرة الزكية كما ذكر جل ثناؤه بقوله تعالى: @QUR@017
~~يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي *
~~وادخلي جنتي ، وقال تعالى: @QUR@017 ونفس وما سواها * فألهمها فجورها
~~وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ، وقال تعالى: @QUR@015 يوم
~~تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ، وقال
~~أيضا: @QUR@08 إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، وقال جل وعز:
~~@QUR@020 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي
~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ، وآيات كثيرة في القرآن في ذكر
~~النفس وخطابها بالتأنيث ليعلم كل عاقل أنها هي شيء غير الجسد؛ لأن الجسد
~~مذكر لا يخاطب بالتأنيث، فكفى بهذا فرقا وبيانا بين النفس والجسد.

# وقد يعلم كل عاقل إذا تأمل وتفكر في أمر الجسد أنه جسم مؤلف من اللحم
~~والدم والعروق والعصب والعظام وما شاكلها، وأصله نطفة ودم انطمس، ثم اللبن
~~والغذاء والمأكولات والمشروبات، ثم آخر الأمر الموت وبعد مفارقة النفس إياه
~~يبلي ويصير ترابا، ثم يعاد خلقا جديدا إذا شاء الله كما وعد جل ثناؤه.

# فأما النفس، يعني الروح، فهي جوهرة سماوية نورانية حية علامة فعالة
~~بالطبع، حساسة دراكة لا تموت ولا تفنى بل تبقى مؤبدة، إما ملتذة وإما
~~مؤتلمة؛ فأنفس المؤمنين من أولياء الله وعباده الصالحين يعرج بها بعد الموت
~~إلى ملكوت السموات وفسحة الأفلاك وتخلى هناك، فهي تسبح في فضاء من الروح
~~وفسحة من النور وروح وراحة إلى يوم القيامة الطامة الكبرى، فإذا انتشرت
~~أجسادها ردت إليها لتحاسب وتجازى بالإحسان إحسانا والسيئات غفرانا.

# وأما أنفس الكفار والفساق والأشرار فتبقى في عماها وجهالاتها معذبة
~~متألمة مغتمة حزينة خائفة وجلة إلى يوم القيامة، ثم ترد إلى أجسادها التي
~~خرجت منها لتحاسب وتجازى بما علمت من سوء.

# والدليل على صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا قول الله سبحانه: @QUR@013
~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد
~~العذاب ، وقال أيضا: @QUR@016 ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت
~~والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون ، وقال أيضا:
~~@QUR@06 وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ، وقال: @QUR@012 ادخلوا في
~~أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ، وقال أيضا: @QUR@08 يصلونها
~~يوم الدين * وما هم عنها بغائبين ، وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى
~~تدل على بقاء النفوس بعد الموت؛ إما منعمة ملتذة وإما معذبة متألمة.

# وفيما ذكرنا كفاية لمن أنصف عقله ونصح نفسه، واهتم لما بعد الموت وتفكر
~~في أمر المعاد، واستعد للرحلة وتزود للسفر، وزهد في الدنيا ورغب في الآخرة
~~قبل فناء العمر وتقارب الأجل والفوت. وفقك الله أيها الأخ للسداد، وهداك
~~للرشاد وإيانا وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد.

# اعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الذين أنكروا أمر البعث والقيامة
~~والنشر والحشر، والوقوف والحساب ووضع الموازين لوزن الحسنات والسيئات،
~~والجواز على الصراط وما شاكل هذه الأمور المذكورة في كتب الأنبياء عليهم
~~السلام؛ لشكوك في نفوسهم وحيرة في قلوبهم، والعلة في ذلك طلبهم حقيقة
~~معرفتها وكيفيتها وأبنيتها وماهيتها وكميتها قبل معرفتهم أنفسهم وحقيقة
~~جوهرها وكيفية كونها مع الجسد، ولم ربطت به وقتا ما ولم تفارقه وقتا آخر،
~~ومن أين كان مبدؤها وإلى أين يكون معادها بعد مفارقتها جسدها، وهذ المباحث
~~علم غامض وسر لطيف ليس إليها طريق للمبتدئين في العلوم الحكمية إلا التسليم
~~والإيمان والتصديق للمخبرين عنها، الصادقين عن الله جل ثناؤه، الذين أخذوا
~~هذا العلم عن الملائكة وحيا وإلهاما بتأييد من الله جل ثناؤه.

# وأما الذين لا يرضون أن يأخذوا هذا العلم تسليما وتصديقا، بل يريدون
~~براهين عقلية وحججا فلسفية، فيحتاجون إلى أن تكون لهم نفوس زكية وقلوب
~~صافية وأذن واعية وأخلاق طاهرة، وأن يكونوا غير متعصبين في الآراء والمذاهب
~~المختلفة، ومع ذلك يكونوا قد ارتاضوا في الرياضات الفلسفية من علم العدد
~~والهندسة والمنطق والطبيعيات، ثم نظروا في علوم الإلهيات.

# وقد ذكرنا في رسائلنا طرفا من ذلك، وبينا فيها ما يحتاج إخواننا من هذه
~~العلوم إليها والمعرفة بها، فانظر يا أخي فيها واعتبرها وتأملها ترشد إن
~~شاء الله.

# ثم اعلم يا أخي أن معنى القيامة مشتق من قام يقوم قياما، والهاء فيه
~~للمبالغة، وهي من قيامة النفس من وقوعها في بلائها، والبعث هو انبعاثها
~~وانتباهها من نوم غفلتها ورقدة جهالتها، وهي بالفارسية رست خيزاي؛ قياما
~~مستويا.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن كل عاقل لبيب إذا تفكر في
~~أمر الدنيا وتأمل تصرف حالاتها بأهلها من الكون والفساد والتغير
~~والاستحالة، وخاصة أمر الحياة والممات اللذين مرهون بهما جميع الحيوان،
~~واعتبر أحوال الماضين من القرون السالفة تيقن أنه لا محالة ميت وصائر إلى
~~ما صاروا إليه، فيود عند ذلك ويتمنى أن يعرف حقيقة أمر الآخرة على صحة
~~وبيان ليكون على يقين منها. واعلم يا أخي بأن الناس في أمر الآخرة على
~~رأيين ومذهبين: فطائفة مقرة بها وطائفة منكرة؛ فالمنكرون أمر الآخرة هم
~~الذين يظنون أن حكم الإنسان بعد الممات كحكم النبات والحيوان؛ وذلك أنهم
~~لما تأملوا أمرهما وتفكروا في كونهما وفسادهما واعتبروا أحوالهما، وجدوا
~~النبات يتكون وينشأ ويبلغ إلى غاية ما، ثم يبلى ويضمحل ويتكون مثله آخر،
~~وهكذا أمر الحيوان يتوالد ويتربى ثم يبلغ إلى غاية ما، ثم يموت ويهلك ويبلى
~~ويتكون آخر مثله.

# فلما وجدوا حكم النبات والحيوان على ما وصفنا، جعلوا ذلك قياسا على حال
~~الإنسان فقالوا: @QUR@06 نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، فقال الله
~~تعالى: @QUR@05 وما لهم بذلك من علم ؛ لأنهم لو سئلوا ما الدهر، لعجزوا عن
~~ما هو الدهر في البيان، وما دروا ما الدهر.

# واعلم يا أخي أن المقرين بالآخرة طائفتان من الناس: إحداهما الذين يقرون
~~بها بألسنتهم من غير تصور منهم لها بقلوبهم ولا معرفة بحقيقتها بعقولهم،
~~فإقرارهم إيمان وتسليم لقول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقليد لهم
~~فيما يقولون ويخبرونهم عنها؛ والطائفة الأخرى الذين هم مع إقرارهم بها
~~وتصديقهم للأنبياء عليهم الصلاة والسلام متصورون لها بقلوبهم عارفون
~~حقيقتها بعقولهم، وقد مدح الله تعالى كلتا الطائفتين جميعا، وأثنى عليهم
~~بقوله جل ثناؤه: @QUR@09 يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
~~درجات ، ولكن فضل الله إحداهما على الأخرى بقوله: @QUR@07 هل يستوي الذين
~~يعلمون والذين لا يعلمون .

# واعلم يا أخي أن العلم هو تصور الشيء على حقيقته وصحته، فأما الإيمان فهو
~~الإقرار بذلك الشيء والتصديق لقول المخبرين عنه من غير تصور له.

# فالأنبياء عليهم السلام وأولياؤهم هم المخبرون عن الآخرة المتصورون لها
~~بقلوبهم والعارفون حقيقتها بعقولهم، والمؤمنون هم المقرون بالآخرة
~~بألسنتهم، المصدقون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أخبارهم، المنتظرون
~~لكشفها لهم.

# واعلم يا أخي أن المنتظرين لأمر الآخرة طائفتان من الناس: إحداهما تنتظر
~~كونها وحدوثها في الزمان المستقبل عند خراب السموات والأرضين، هم لا يعلمون
~~من الأمور إلا المحسوسات، ولا من الجواهر إلا الجسمانيات، ولا من أحوالها
~~إلا ما ظهر؛ والطائفة الأخرى ينتظرونها كشفا وبيانا واطلاعا عليها، وهم
~~الذين يعرفون الأمور المعقولة والجواهر الروحانية والحالات النفسانية.

# واعلم يا أخي أن معرفة أمر الآخرة على الحقيقة في معرفة أمر الدنيا؛
~~لأنهما من جنس المضاف، ومن خاصة جنس المضاف أن في معرفة أحد المضافين معرفة
~~الآخر؛ فالدنيا باسمها تدل على اسم الأخرى؛ أن الدنيا مشتق من الدنو،
~~والآخرة مشتق من التأخر.

# فالدنيا هي أول معلوماتنا وأحوالها أول محسوساتنا، وشعورنا من أجسادنا
~~ومشاهدتنا أحوال أجسامنا وأبناء جنسنا.

# وهذه كلها قبل معرفتنا بنفوسنا ومشاهدتنا عالمها وعرفاننا أبناء جنسها
~~ووجداننا لذات معقولاتها؛ لأن هذه تحصل لنفوسنا بعد مفارقتها أجسادها، كما
~~حصلت تلك لنا بعد ولادة أجسادها؛ لأن مفارقة النفس الجسد هي ولادة لها، كما
~~أن مفارقة الجنين للرحم ولادة الجسد.

# واعلم يا أخي أن الحياة الدنيا إنما هي مدة كون النفس مع الجسد في عالم
~~الأجسام إلى وقت المفارقة التي هي الممات.

# وأما الدار الآخر فهي عالم الأرواح، التي هي الحيوان لو كانوا يعلمون، أي
~~أبناء الدنيا، وهو كون النفس في عالمها بعد مفارقتها جسدها ما بقيت السموات
~~والأرض، كما ذكر الله تعالى في كتابه فقال الله تعالى: @QUR@011 وأما الذين
~~سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، @QUR@016 فأما
~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات
~~والأرض .

# وقد بينا في رسالة الآلام كيف يكون عذاب الأشقياء في الآخرة وكيف تكون
~~لذات السعداء هناك.

# واعلم يا أخي أن الموت ليس هو شيئا سوى ترك النفس استعمال الجسد، وأن
~~النفس تترك استعمال الجسد لسببين اثنين: أحدهما طبيعي، والآخر عرضي.

# والسبب الطبيعي هو أن يهرم الجسد على طول الزمان، وتضعف البنية وتكل آلات
~~الحواس، وتسترخي الأعصاب والعضلات المحركات للأعضاء، وتجف الرطوبة المغذية
~~للبدن، وتطفأ الحرارة الغريزية كما يطفأ السراج إذا فني الدهن، فعند ذلك لا
~~يمكن أن يعيش الإنسان ولا يفعل شيئا من الأفعال والأعمال؛ لأن البدن للنفس
~~بمنزلة الدكان للصانع، والأعضاء بمنزلة الأدوات؛ فإذا كلت آلات الصانع أو
~~انكسرت أو خرب الدكان وانهدم، فإن الصانع لا يقدر على عمل شيء من صنعته إلا
~~أن يتخذ دكانا آخر وأدوات مجددة.

# وأما ترك النفس استعمال الجسد لسبب عرضي فهو كثير الفنون، ولكن يجمعها
~~نوعان: فمنها أسباب من داخل الجسد بلا اختيار، كالأمراض والأعلال المتلفة
~~للجسد؛ ومنها أسباب من خارج، كالذبح والقتل. والقتل ليس هو شيئا سوى أن
~~يقصد قاصد فيهدم بنية الجسد بضرب من الفساد والخراب، كما يقصد إنسان فيخرب
~~دار إنسان أو دكانه.

# واعلم يا أخي أن كل صانع حكيم إذا فكر في أمره ونظر في العواقب، علم أنه
~~لا بد أن يخرب يوما دكانه، وتكل أدواته، وتضعف قوة بدنه، وتذهب أيام شبابه؛
~~فمن بادر واجتهد قبل خراب الدكان وكلال الأدوات وذهاب القوة، فاكتسب مالا
~~بصنعته في دكانه واستغنى عن السعي؛ فإنه لا يحتاج بعد ذلك إلى دكان آخر ولا
~~أدوات مجددة، بل يستريح من العمل ويشتغل بالتمتع واللذات بما قد كسب، فهكذا
~~يكون حال النفس بعد خراب الجسد.

# فانظر يا أخي وتفكر وبادر واجتهد وتزود قبل خراب هذا الدكان وانهدام هذه
~~البنية @QUR@04 فإن خير الزاد التقوى .

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن مواهب الله عز وجل لعباده
~~كثيرة لا يحصي عددها إلا الله تعالى، فمن جليل مواهبه وعظيم نعمه وجزيل
~~إحسانه ومننه على الإنسان العقل الراجح والرأي الرصين والتمييز الصحيح،
~~التي لها نتائج العلوم الحقيقية ووجدان المعارف الروحانية والتأله الرباني.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن من أجل نتائج العقول وأشرف
~~وجدانها الآراء الجيدة والاعتقادات الصحيحة المصلحة لنفوس معتقديها؛ وذلك
~~أن الآراء الجيدة والاعتقادات الصحيحة المعينة لنفوس معتقديها على الانبعاث
~~من نوم الغفلة ومن رقدة الجهالة، ومحيية من موت الخطيئة ومنجية لها من
~~نيران جهنم وعذاب الهاوية — عالم الكون والفساد — وموصلة إلى نعيم الجنان
~~في دار الحيوان — عالم الأفلاك وسعة السموات — ومقربة لها إلى خالقها
~~ومنشئها ومتممها ومكملها ومبلغها أتم غاياتها وأكمل نهاياتها عند باريها في
~~دار الخلود والمقام هناك، متنعمة ملتذة في دائم الأوقات مسرورة أبد الآبدين
~~ودهر الداهرين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا،
~~ذلك الفضل من الله.

# ثم اعلم أن أحد الآراء الصحيحة المنجية لنفوس معتقديها اعتقاد الموحدين
~~بأن العالم محدث مخترع، مطوي في قبضة باريه، محتاج إليه في بقائه، مفتقر
~~إليه في دوامه، لا يستغني عنه طرفة عين، ولا عن إمداد الفيض عليه ساعة
~~فساعة، وأنه لو منعه ذلك الفيض والحفظ والإمساك لحظة واحدة؛ لتهافتت
~~السموات، وبادت الأفلاك، وتساقطت الكواكب، وعدمت الأركان، وهلكت الخلائق،
~~ودثر العالم دفعة واحدة بلا زمان! كما ذكر الله تعالى بقوله: @QUR@015 إن
~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده
~~، وبقوله تعالى: @QUR@09 والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات
~~بيمينه سبحانه .

# واعلم يا أخي أن من يعتقد هذا الرأي ويتحقق هذا الاعتقاد في أمر السموات
~~والأرض؛ فهو في دائم الأوقات يكون متعلق القلب بربه، معتصما بحبله، متوكلا
~~عليه في جميع أحواله، مسندا ظهره إليه في جميع تصرفاته، داعيا له في جميع
~~أوقاته، سائلا منه كل حوائجه، مفوضا إليه سائر أموره؛ فيكون له بهذه
~~الأوصاف قربة إلى ربه، وحياة لنفسه، وهدوء لقلبه، ونجاة من المهالك، كما
~~ذكر الله تعالى بقوله حكاية عن عبد من عباده وهو مؤمن من آل فرعون يكتم
~~إيمانه في آخر خطاب طويل مع فرعون: @QUR@019 وأفوض أمري إلى الله إن الله
~~بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ،
~~فأما من يظن أو يتوهم أن العالم مستقل بذاته ومستغن في وجوده عن فيض باريه
~~عليه بالمادة والبقاء والحفظ والإمساك، فهو يكون معرضا عن ربه ناسيا ذكره،
~~غافلا عن دعائه مشغولا بما حوله من أعراض دنياه وما كان له فيها وملكه
~~منها! فهو لا يذكر ربه إلا ساهيا، ولا يدعوه إلا لاهيا، ولا يسأله إلا بطرا
~~ورياء أو مضطرا عند الشدائد والبلوى والمصائب والضراء على كره منه وشكوك في
~~حيرة وضلال! لا يدري لم ابتلي ولا كيف عوفي هو، ويكون جاهلا بربه حق معرفته
~~فيبقى محجوبا عن ربه طول عمره في دنياه @QUR@05 في الآخرة أعمى وأضل سبيلا
~~. ومن الآراء الجيدة والاعتقادات النافعة لنفوس معتقديها المعينة لها على
~~الانبعاث من نوم الغفلة، المقيمة لها من رقدة الجهالة، المحيية لها من موت
~~الخطيئة، المنجية لها من نيران الهاوية — عالم الكون والفساد — الموصلة لها
~~إلى الجنة (عالم الأفلاك وسعة السموات) المقربة لها إلى باريها لديه زلفى؛
~~اعتقاد الإنسان العاقل وعلمه اليقين أنه متوجه إلى ربه، وقاصد نحوه منذ يوم
~~خلقه نطفة في قرار مكين، ينقله ربه وخالقه حالا بعد حال من الأنقص إلى
~~الأتم والأكمل، ومن الأدون إلى الأشرف والأفضل، إلى أن يلقى ربه ويراه
~~ويشاهده فيوفيه حسابه، كما ذكر الله جل ثناؤه بقوله: @QUR@013 فمن كان يرجو
~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ، وآيات كثيرة في
~~القرآن في هذا المعنى. وقال الله تعالى وعيدا وذما وتوبيخا لمن لا يعتقد
~~هذا الرأي: @QUR@08 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ،
~~@QUR@022 إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها
~~والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ، وآيات
~~كثيرة في القرآن في هذا المعنى.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن ملاك أمر الآخرة وزمام أمر
~~المعاد هي معرفة حقيقة البعث والقيامة كلها هو في معرفة الإنسان نفسه
~~وحقيقة جوهرها؛ وذلك أن كل إنسان لا يعرف نفسه ولا يميز بينها وبين الجسد
~~تكون همته أكثرها مصروفة إلى أمر الجسد وإصلاح شأنه والتمني للخلود في
~~الدنيا والتمتع بلذة شهواتها. فأما كل من كان يعرف نفسه على الحقيقة، فإن
~~أكثر همته تكون مصروفة إلى حال النفس، وإصلاح شأنها، والتفكر له في أمر
~~معادها ودار قرارها، والاستعداد للرحلة من الدنيا، والتزود للمعاد واليقين
~~بلقاء الله تعالى، وقلة الخوف من الموت؛ وهذه صفة أولياء الله تعالى،
~~وإليهم أشار بقوله في توبيخه لليهود: @QUR@08 قل إن كنتم تحبون الله
~~فاتبعوني يحببكم الله ، وقال: @QUR@017 يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم
~~أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ؛ يعني في قولهم:
~~@QUR@04 نحن أبناء الله وأحباؤه .

# اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن من أفضل مناقب العقلاء كثرة
~~العلوم والمعارف، وأن من أشرف العلوم وأجل المعارف التي يبلغها العقلاء
~~العلماء، ويهدي الله أولياءه إليها من المؤمنين المصدقين ويكرمهم بها؛ علم
~~البعث ومعرفة حقيقة القيامة وكيفية تصاريف أحوالها، وقد ذكر الله سبحانه في
~~القرآن تصاريف أحوالها في نحو من ألف وسبعمائة آية، وأشار إليها بأوصاف شتى
~~وإشارات مفننة؛ مثل قوله تعالى: يوم القيامة، ويوم يبعثون، ويوم الدين،
~~ويوم الفصل، ويوم الحساب، ويوم الآزفة، ويوم التناد، ويوم التغابن، ويوم
~~الحشر، ويوم يخرجون، ويوم تقوم الساعة، وما شاكل هذه الأوصاف والإشارات
~~التي قد تاهت عقول أكثر العلماء في طلب حقائقها وتصور كيفياتها بكنه
~~صفاتها، ولا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم من أولياء الله
~~وأصفيائه، الذين يقولون: كل من عند ربنا، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما
~~شاء، ولا يطلع على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول، وهم من خشيته مشفقون.

# اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن علم البعث وحقيقة القيامة
~~محجوب عن إبليس وذريته وأتباعه وجنوده من شياطين الجن والإنس، وهو سر الله
~~الأعظم لا يطلع عليه أحدا من خلقه إلا من ارتضى من أوليائه وأصفيائه وأهل
~~مودته من ذرية آدم ومن ذرية نوح وذرية إبراهيم وإسرائيل، وممن هدى واجتبى!
~~@QUR@08 إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، جعلكم الله أيها
~~الأخ وإيانا منهم برحمته، إنه ودود رءوف رحيم.

# ونريد أن نلوح من هذا السر طرفا ونشير إليه إشارة ما؛ إذ لا يجوز التصريح
~~به اقتداء بسنة الله عز وجل @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ،
~~وقال عليه السلام: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» إشارة إلى مثل هؤلاء
~~القوم الذين هم ظالم لنفسه.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه لما كان العقلاء متفاوتي
~~الدرجات في ذكاء نفوسهم وصفاء أذهانهم وجودة تمييزهم، صاروا أيضا متفاوتي
~~الدرجات في العلوم والمعارف، كما بينا في رسالة الآراء والمذاهب.

# ولما كان الأمر كما وصفنا، لم يكن أن يخاطبوا بصريح الحقائق خطابا واحدا
~~إلا بألفاظ مشتركة المعاني؛ ليحمل كل ذي لب وعقل وتمييز بحسب طاقته واتساعه
~~في المعارف والعلوم، كما ذكر الله جل ثناؤه بقوله، على سبيل المثل: @QUR@07
~~أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ، قال المفسرون معنى هذه الآية
~~وتأويلها: أنه أنزل القرآن من السماء إلى الأرض كما أنزل المطر من الغيم،
~~فاحتملت القلوب من علم القرآن بحسب اتساعها في المعارف وصفاء جواهر النفوس،
~~كما تحمل الأودية من سيل المطر بحسب سعتها وجريانها.

# ثم افهم أن لفظ القلب ليس هو قطعة اللحم الصنوبري الشكل المعلقة من الصدر
~~الموجود في أكثر الحيوانات، وليس المراد من القلب ههنا ذاك، بل مراد
~~إخواننا أمر وراء ذلك؛ وهي النفس.

# واعلم يا أخي أن لفظ البعث اسم مشترك في اللغة العربية يحتمل ثلاثة معان؛
~~فمنها قول القائل: «بعثت»؛ يعني أرسلت، كما قال الله تعالى: @QUR@03 فبعث
~~الله النبيين يعني أرسلهم؛ ومنها ما يكون معنى البعث هو بعث الأجساد الميتة
~~من القبور ونشر الأبدان من التراب، كما وعد الكفار والمنكرين بقولهم:
~~@QUR@010 أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون * أوآباؤنا الأولون
~~قال الله تعالى: @QUR@02 قل نعم ؛ ومنها بعث النفوس الجاهلة من نوم الغفلة
~~وإحياؤها من موت الجهالة كما ذكر الله جل ثناؤه بقوله: @QUR@018 أومن كان
~~ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس
~~بخارج منها وقوله تعالى: @QUR@07 ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون
~~وقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم: @QUR@06 عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا .

# واعلم يا أخي أن من لا يوقن ببعث الأجساد ولا يتصوره فليس من الحكمة أن
~~يخاطب ببعث النفوس؛ لأن بعث الأجساد يمكن تصوره ويقرب فهمه وعلمه، فأما من
~~لا يقر به ولا يتصوره فهو لبعث النفوس أنكر وبه أجهل ومن تصوره أبعد؛ لأن
~~بعث النفوس هو من علم الخواص ولا يتصوره إلا المرتاضون بالعلوم الإلهية
~~والمعارف الربانية، وإنما وعد الكفار أن يبعث أجسادهم ليوافقهم على تكذيبهم
~~ويجازيهم بسوء أفعالهم، ووعد الله المؤمنين أن يحيي نفوسهم ويبعث أرواحهم
~~ليجازيهم على حسناتهم ويثيبهم بأعمالهم.

# فلا تكن يا أخي ممن ينتظر بعث الأجساد ويؤمل نشر الأبدان؛ فإن ذلك ظلم
~~عظيم في حقك إذا كنت تتوهم ذلك، ولكن إن استوى لك فكن من الذين ينتظرون بعث
~~النفوس ويؤملون حياتها ووصولها إلى عالمها الروحاني ودار قرارها الحيواني
~~مخلدا في النعيم أبد الآبدين ودهر الداهرين مع النبيين والصديقين والشهداء
~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

### || (١) فصل في بعث الأجساد

# واعلم يا أخي أن بعث الأجساد من القبور الدارسات وقيامها من التراب إنما
~~يكون ذلك إذا ردت إليها تلك النفوس والأرواح التي كانت متعلقة بها وقتا من
~~الزمان فيما سلف من الدهر، فتنتعش تلك الأجساد وتحيا تلك الأبدان وتتحرك
~~وتحس بعدما كانت جمودا، ثم تحشر وتحاسب وتجازى؛ لأن الغرض من البعث هو
~~المجازاة والمكافأة.

# واعلم يا أخي أن رد النفوس الناجية إلى الأجسام الفانية في التراب من
~~الرأس ربما يكون موتا لها في الجهالة واستغراقا في ظلمات الأجسام وحبسا في
~~أسر الطبيعة وغرقا في بحر الهيولى.

# فأما بعث النفوس وقيام الأرواح فهو الانتباه من نوم الغفلة، واليقظة من
~~رقدة الجهالة، والحياة بروح المعارف، والخروج من ظلمات عالم الأجسام
~~الطبيعية، والنجاة من بحر الهيولى وأسر الطبيعة، والترقي إلى درجات عالم
~~الأرواح والرجوع إلى عالمها الروحاني ومحلها النوراني ودارها الحيواني، كما
~~ذكر الله تعالى بقوله: @QUR@08 وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا
~~يعلمون ؛ يعني أبناء الدنيا، فإذا كانت الدار هي الحيوان فما ظنك يا أخي
~~بأهل الدار كيف تكون صفاتهم ونعيمهم ولذاتهم إلا كما ذكر الله تعالى بقوله:
~~@QUR@09 وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون لا يموتون
~~فيها ولا يمرضون.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العلوم كلها شريفة، ونيلها
~~عز لصاحبها، وعرفانها نور لقلوب أهلها وهداية وحياة لنفوسهم وشفاء لصدورهم
~~ويقظة لها من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، ولذة للأرواح وصلاح للأجساد وتمام
~~وكمال للأجسام وقوام للعالم ونظام للخلائق وترتيب للموجودات وزينة
~~للكائنات، ولكن قيل بعض العلوم أشرف وأفضل وأكرم، فأشرف العلوم وأجل
~~المعارف التي ينالها العقلاء المكلفون، معرفة الله جل ثناؤه والعلم بصفات
~~وحدانيته وأوصافه اللائقة به.

# ثم بعد هذا معرفة جوهر النفس وكيفية تصاريف أحوالها في جميع الأزمان
~~الماضية والآتية والحاضرة، ثم كيفية تعلقها بالأجسام وتدبيرها للأجساد
~~واستعمالها الأبدان مدة، ثم كيفية تركها لها ومفارقتها إياها وتفردها
~~بذاتها ولحوقها بعالمها وعنصرها وجوهرها الكلي، ثم معرفة البعث والقيامة
~~والحشر والحساب والميزان والصراط ودخول الجنان ومجاورة الرحمن، ذو الجلال
~~والإكرام.

# واعلم يا أخي أن هذا الفن من العلوم هو لب الألباب، وإليه ندب ذوي العقول
~~الراجحة والحكمة الفلسفية دون غيرهم من الناس؛ لأن هذا الفن من العلم
~~والمعارف آخر مرتبة ينتهي إليها الإنسان في المعارف مما يلي رتبة الملائكة،
~~ومن أجل هذا هو مكلف متعبد وقاصد نحوه منذ يوم خلقه الله تعالى إلى يوم
~~يلقاه فيوفيه حسابه، وهو الغرض الأقصى في وجود النفس وتعلقها بالأجساد
~~ونشوئها معها وتتميمها وتكميلها.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنك إذا أردت النظر في هذا
~~العلم الشريف والبحث عن هذا السر اللطيف، فستحتاج إلى أن تقصد إلى أهله
~~وتسألهم عنه، كما يقصد في سائر العلوم والصنائع إلى أهلها، كما قيل:
~~استعينوا على كل صناعة بأهلها.

# واعلم يا أخي أن أهل هذه الصناعة وعلماء هذه الأسرار هم إخواننا الكرام
~~الفضلاء، فانظر يا أخي فيما قالوا وتأمل ما وصفوه من حقائق الأشياء التي
~~أنت مقر بها بلسانك وتؤمن بقلبك، ثم تفكر فيما تسمع وتأمل ما يوصف لك وميزه
~~ببصيرتك واعرضه على عقلك الذي هو حجة الله عليك والقاضي بينك وبين أبناء
~~جنسك، فإن اتضحت لك حقيقة ما تسمع وتصورت ما يصفون وتيقنت ما يخبرون،
~~فبتوفيق من الله وهداية منه، وإن تكن الأخرى كنت قد بذلت المجهود وأزلت
~~العذر فيما أنت مكلف له @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

# وإن لم يتفق لك يا أخي لقاء أحد من أهل هذه الصناعة بحيث أن تسأله عن
~~حقيقة هذا السر ويعرفك ما تطلب، وتريد أن تعلم أنت باجتهادك وعقلك وبصيرتك
~~وتمييزك، فاسلك في هذا البحث، والنظر طريقة الحكماء النجباء، واستعمل
~~القياس البرهاني الذي هو ميزان العقول — كما وصف في المنطق — وقد بينا من
~~علم المنطق في رسائل شبه المدخل والمقدمات ما فيه كفاية، ولكن نذكر في هذا
~~الفصل مثالا واحدا ليقرب به عليك مأخذه.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن علم الإنسان المعلومات؛
~~بعضها بطريق الحواس، وبعضها بطريق السمع والروايات والأخبار، وبعضها بطريق
~~الفكر والروية والتأمل والعقل الغريزي، وبعضها بطريق الوحي والإلهام — وليس
~~هذا الفن باكتساب من الإنسان ولا باختيار منه بل هو موهبة من الله تعالى —
~~وبعضها بطريق القياس والاستدلال، وهو العقل المكتسب، وبهذا العقل يفتخر
~~العقلاء، وبه يتفاضل الحكماء والفلاسفة.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنك إذا طلبت علم البعث ومعرفة
~~حقيقة القيامة وما يوصف من أحوالها، فليست تخلو معرفتها من أحد هذه الطرق
~~التي تقدم ذكرها؛ فإن أردت أن تعرفها بطريق القياس والبرهان، فاعمل في هذه
~~المسألة وابحث — أعني معرفة البعث وعلم حقيقة القيامة — كما يعمل أصحاب
~~المجسطي عند طلبهم معرفة عظم جرم الشمس؛ وذلك أنهم قالوا لا يخلو جرم الشمس
~~من أن يكون مساويا لجرم الأرض أو أعظم أو أصغر منها في المقدار؛ إذ ليس في
~~القسمة العقلية غير هذه، ثم بحثوا عن واحد واحد من هذه الأقسام الثلاثة حتى
~~عرفوا حقيقتها كما هو مذكور في كتبهم بشرح طويل.

# فاعمل أنت يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، في هذه المسألة مثل ما عمل
~~هؤلاء في مسألتهم؛ وهو أن تقول: لا يخلو أمر البعث ومعنى القيامة أن تبعث
~~الأجساد دون النفوس، أو النفوس دون الأجساد، أو الجميع؛ إذ كان ليس في
~~القسمة غير هذه الوجوه الثلاثة، ثم ابحث وتصفح عن حقيقة واحد واحد من هذه
~~الوجوه الثلاثة كما نبين في هذا الفصل.

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن من يرى ويعتقد بأن الإنسان
~~ليس هو شيئا سوى هذه الجملة المحسوسة — أعني الجسد المؤلف من اللحم والدم
~~والعظم والعروق وما شاكلها، التي هي كلها أجسام طويلة عريضة عميقة وما
~~يحلها من الأعراض على البنية المخصوصة التي هي صورة الإنسانية — فهو لا
~~يتحقق أمر البعث ولا يتصور حقيقة القيامة إلا إعادة هذه الأجساد برمتها
~~وتلك الأجرام والأعراض بعينها، على هذه الحال التي هي عليها الآن، ثم
~~يحشرون ويحاسبون الجسمانية والنوازع الجاذبة لها إلى الأسباب الضرورية، من
~~الجوع والعطش والغذاء والحر والبرد والآلام والأوجاع والأمراض والأسقام
~~والأحزان والمصائب والحدثان؛ من جور السلطان، وحسد الإخوان، وعداوة
~~الجيران، ومقاساة غيظ الأقران، ووساوس الشيطان، وما هو مكلف به من حمل ثقل
~~الطاعات، والجهد في العبادات من الصوم والصلوات، ومنع النفس عن الشهوات،
~~المركوزة في الجبلة والعادات المطبوعة وما على النفس في البدن من الكلية،
~~مع شدة هذه كلها يرى ويعتقد بأنه محبوس في هذه الدنيا إلى وقت معلوم، كما
~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»؛ لأن
~~المؤمن المحق قد سجن نفسه بالمنع لها عن الشهوات والملاذ التي تراد الدنيا
~~من أجلها. ومن كان يرى ويعتقد أمر الحياة في الدنيا على هذه الحال، فهو لا
~~يتصور أمر البعث ولا يتحقق أمر القيامة إلا مفارقة النفس الجسد بعد
~~استقلالها بذاتها وتفردها بجوهرها ومشاهدتها عالمها، ولا يسأل ربه إلا
~~اللحوق بأبناء جنسها من الماضين من عباد الله الصالحين من النبيين
~~والصديقين والشهداء والصالحين؛ كما سأل إبراهيم خليل الرحمن ربه في آخر
~~دعائه فقال: @QUR@02 وألحقني بالصالحين يريد بعد الموت؛ وهكذا يوسف الصديق:
~~@QUR@04 توفني مسلما وألحقني بالصالحين يريد بعد الموت؛ فقال الله تعالى
~~لمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى جميع النبيين: @QUR@05 وللآخرة خير لك
~~من الأولى ؛ وقال عليه السلام: «أبى الله أن يجعل لأوليائه الخلود في
~~الدنيا.»

# فمن كان هذا رأيه واعتقاده فهو لا يتصور البعث والقيامة إلا مفارقة النفس
~~الجسد، كما حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات فقد قامت
~~قيامته.»

# ويحكى عن بعض من كان يعتقد هذا الرأي أنه لقي أخا له من أهل رأيه فقال
~~له: «كيف أصبحت يا أخي؟ فكيف حالك في هذه الدنيا؟» فقال: «بخير ونرجو خيرا
~~من هذا أن سلمنا من آفاتها وبلياتها إن شاء الله تعالى، فكيف أنت وكيف
~~حالك؟» قال: «كيف تكون حال من يصبح في دار غربة أسيرا فقيرا لا يقدر على جر
~~نفع ما يرجو، ولا دفع ضر ما يكره؟!» قال أخوه: «كيف ذلك؟» قال: «لأنهم قد
~~يجازون بما عملوا من خير أو شر أو عرفان أو انكار.»

# واعلم يا أخي أن هذا الرأي والاعتقاد جيد للنساء والصبيان والجهال
~~والعوام ومن لا ينظر في حقائق العلوم ولا يعرفها.

# وذلك أنهم إذا اعتقدوا هذا الرأي وتحققوا هذا الاعتقاد، يكون ذلك حثا لهم
~~على عمل الخير وترك الشرور، واجتناب المعاصي وفعل الطاعات، وأداء الأمانات
~~وترك الخيانات، والوفاء بالعهود وصحة المعاملة والنصيحة فيها وحسن الخلق،
~~وخصال كثيرة محمودة تتبعها، ويكون ذلك صلاحا لهم ولمن يعاملهم ويعاشرهم في
~~الحياة الدنيا إلى الممات.

# وأما من كان فوق هذه الطوائف في العلوم والمعارف فهو يرى ويعتقد بأن مع
~~هذه الأجساد جواهر أخر أشرف منها وأفضل، وليست بأجسام تسمى أرواحا أو
~~نفوسا، فهو لا يتصور أمر البعث ولا يتحقق أمر القيامة إلا برد تلك النفوس
~~والأرواح إلى تلك الأجساد بعينها أو أجساد أخر تقوم مقامها، ثم يحشرون
~~ويحاسبون ويجازون بما عملوا من خير أو شر، وهذا الرأي أجود وأقرب إلى الحق،
~~وفي اعتقادهم له صلاح لهم ولغيرهم كما تقدم من قبل.

# وأما من كان فوق هذه الطائفة في العلم والمعارف والدراية فهو يرى ويعتقد
~~بأن الغرض من كون هذه النفوس والأرواح مع هذه الأجساد في الدنيا مدة ما، هو
~~من أجل أن تستقيم ذواتها وتكمل صورها وتخرج من حد القوة والكمون إلى الفعل
~~والظهور، ولتستكمل أيضا فضائلها من عرفانها أمر المحسوسات، وتخيلها رسوم
~~المعقولات، وتخرج بالآداب والرياضات، والنظر في العلوم الطبيعيات
~~والإلهيات، وبالاعتبار والتجارب والتدبير والسياسات، وليكون ذلك سببا
~~لانتباه النفوس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، وتحيا بروح المعارف وتنفتح
~~لها عين البصيرة لتنظر إلى عالمها الروحاني، وتشاهد دارها الحيواني، ويتبين
~~لها أنها في عالم الغربة وموضع المحنة والبلوى، غريقة في بحر الهيولى
~~مبتلاة في أسر الطبيعة، مشتعلة فيها نيران الهاوية الموقدة، المطلعة على
~~الأفئدة، من حريق الشهوات أصبحنا في الدنيا معذبين في صورة المنعمين،
~~مجبورين في صورة المختارين، مغرورين في صورة المغبوطين، أحرارا كراما في
~~صورة عبيد مهانين، مسلطا علينا خمسة حكام يسوموننا سوء العذاب، ينفذون
~~أحكامهم علينا شئنا أو أبينا، ليست لنا حيلة في الخروج عن أحكامهم، ولا دفع
~~سلطانهم، ولا الخلاص من جورهم إلى الممات.

# قال: أخبرني من هؤلاء الحكام؟ قال: نعم، أولهم هذا الفلك الدوار الذي نحن
~~في جوفه محبوسون، وكواكبه السيارة التي لا تزال تدور علينا ليلا ونهارا لا
~~تقر؛ تارة تجيئنا بالليل وظلمته وتارة بالنهار وحرارته، وتارة بالصيف
~~وسمائمه وتارة بالشتاء وزمهريره، وتارة بالرياح العواصف في زعازعها وتارة
~~بالغيوم وأمطارها، وتارة بالرعود والزوابع وصواعقها وتارة بالجدب والغلاء
~~والموتات والبلاء، وتارة بالحروب والفتن وتارة بالهموم والأحزان. ليس منها
~~نجاة إلا بجهد وبلوى وكدر وعناء وخوف ورجاء إلى الممات.

# ثم قال: فهذا واحد، وأما الآخر فهو هذه الطبيعة وأمورها المركوزة في
~~الجبلة من حرارة الجوع ولهب العطش ونار الشبق وحريق الشهوات والآلام
~~والأمراض والأسقام وكثرة الحاجات! ليس لنا شغل ليلا ولا نهارا إلا طلب
~~الحيلة لجر المنفعة أو لدفع المضرة عن هذه الأجساد المستحيلة التي لا تقف
~~على حالة واحدة طرفة عين! فنفوسنا منها في جهد وبلاء وكدر وعناء وبؤس
~~وشقاء! ليس لنا راحة إلى الممات، فهذان اثنان.

# وأما الثالث فهو هذا الناموس وأحكامه وحدوده وأوامره ونواهيه ووعيده
~~وزجره وتهديده وتوبيخه، إن خرجنا من أحكامه فضرب الرقاب والحدود، وإن فررنا
~~منه لم نجد لذة العيش ولا صلاح الوجود في الوحدة، وإن دخلنا تحت أحكامه فما
~~نقاسي من الجهد والبلوى في إقامة حدوده أكثر مما يحصى من ألم الجوع عند
~~الصيام، وتعب الأبدان عند القيام للصلاة، ومقاساة برد الماء عند الطهارات،
~~ومجاهدة شح النفوس عند إخراج الزكاة والصدقات الواجبات، ومشقة الأسفار
~~والأحكام عند قضاء الحج والجهاد، وما نقاسي من الألم عند ترك اللذات
~~والشهوات المحرمات! وإن لم نأتمر ولم ننته، فالحدود والأحكام بحسب
~~الجنايات، ومع هذه كلها @QUR@028 كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا
~~لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن
~~يومئذ عن النعيم ، فهذه حالنا ليس لنا منها خلاص ولا نجاة إلى الممات! فهذه ثلاثة.

# وأما الرابع فهذا السلطان المسلط الجائر الذي قد ملك رقاب الناس بالقهر
~~والغلبة واستعبدهم جبرا وكرها، يتحاكم عليهم كما يشاء، ويرفع ويكرم من يريد
~~ممن يخدمه ويطيعه ويتصرف بين يديه ويمتثل أمره ونهيه، ويضع ويبعد من خالفه،
~~ويعذب ويقتل من خانه أو غشه! فإذا خرجنا من مملكته وفررنا من سلطانه فلا
~~عيش لنا في الوجود في هذه الدنيا إلا عيشا نكدا؛ لأننا قد نحتاج في لذة
~~العيش وصلاح المعاش إلى الجم الغفير من المتعاونين في المدن والقرى في
~~إصلاح أمر المعاش، ولا بد لهم من سلطان يملكهم ويرأسهم ويحكم بينهم فيما
~~يختلفون فيه ويتنازعون، ويمنع الظالم القوي من التعدي على الضعيف المظلوم،
~~ويؤمن لخوفه السبل، ويأخذ الناس بلزوم سنة الناموس وتأدية موجبات فرائضه
~~التي في إقامتها وحفظها صلاح الجميع، فلهذه العلة وبهذا السبب لا يمكنا
~~الخروج من المملكة ولا الفرار من سلطانه، فإن خدمناه وقمنا بواجب طاعته فما
~~نقاسي من الجهد والبلوى أكثر مما يحصى من تعب الأبدان، وهموم النفوس، وعناء
~~الأرواح، وتلف الأجساد، واحتمال الذل، وشماته الحساد، ومداراة الإخوان،
~~وعداوة الأقران، ومشقة الأسفار، ومخاوف الحروب، وما يتكلف من التعب والعناء
~~في جمع الآلات والأثاث من السلاح والدواب وحوائجها ومرافقها مما لا يحصى
~~عدها كثرة، وليس لنا منها راحة إلى الممات فهذه أربعة.

# وأما الخامس فهو شدة الحاجة إلى المواد التي لا قوام لهذا الهيكل إلا بها
~~من المأكولات والمشروبات واللباس والمسكن والمركب والأثاث، وما لا بد منه
~~في قوام الحياة الدنيا، وما نقاسي من الجهد والبلوى في طلبها ليلنا ونهارنا
~~في تعلم الصنائع والتجارات المتعبة والمكاسب المكدة؛ من الحرث والزرع
~~والبيع والشراء والمناقشة في الحساب والحرص والشره وجمع الأموال وحفظها من
~~حيل اللصوص ومكابرة القطاع، وأخذ السلطان لها بالجور والظلم، وحراستها من
~~الآفات العارضة التي لا يحصى عددها، كل ذلك بالكد والعناء والهموم والغموم
~~وتعب الأبدان وعناء الأرواح وشقاء النفوس التي لا راحة لنا منها إلى
~~الممات.

# فهذه حالنا يا أخي وحال أكثر أبناء جنسنا في هذه الحياة الدنيا؛ فأما من
~~يريد المقام في الدنيا ويتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات كلها، فهو من أجل
~~إحدى خلتين: إما أنه لا يؤمن بالآخرة ولا يصدق بالمعاد ولا يتصور الوجود
~~إلا هكذا، ويظن ويتوهم أن بعد الموت عدما أو شرا محضا! فمن أجل هذا الرأي
~~وهذا الاعتقاد يريد المقام في الدنيا ويتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات
~~كلها، ويكون معذورا في تمنيه وإرادته الخلود؛ لأن في جبلة الخلائق وفي
~~طبائع الموجودات محبة البقاء وكراهية الفناء مذكور ذلك.

# فمن أجل هذه الخصال والشرائط يرضى أكثر أبناء الدنيا المقام فيها ويتمنون
~~الخلود! فأما من قد تصور كيفية الدار الآخرة وتحقق أمر المعاد وعرف فضلها
~~وشرفها وسرورها ولذاتها ونعيمها، فأي عذر له في التمني للخلود في الدنيا مع
~~ما قد عرف من آفاتها وشرورها وأحزانها ومصائبها وبلياتها؟! فاجتهد يا أخي
~~في طلب معرفة الدار الآخرة وحقيقة أمر المعاد؛ لكيما تساق نفسك إليها بعد
~~الفراق مع أهلك زمرا، كما ذكر الله جل ثناؤه بقوله: @QUR@07 وسيق الذين
~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا .

# واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنك إن لم تعرف الدار الآخرة
~~ولم تتحقق أمر المعاد قبل الممات، وكانت نفسك في الدنيا عمياء؛ فهي بعد
~~الممات في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، وحوشيت يا أخي من ذلك إن شاء الله تعالى.

# واعلم يا أخي أن المقر بالآخرة المؤمن بالمعاد المصدق بها، لا يتصورها
~~ولا يعرف حقيقتها إلا بعدما تنتبه نفسه من نوم الغفلة، وتنبعث من موت
~~الجهالة، وتحيا بروح المعارف، وتنفتح عين البصيرة؛ فتبصر عند ذلك بنور
~~الهداية ما هو مقر به ومصدق له، ويكون عند ذلك من أهل الأعراف، كما حكي عن
~~مستبشر لما سئل فقيل: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا! قيل: وما حقيقة
~~إيمانك؟ قال: أرى كأن القيامة قد قامت، وكأني بعرش ربي بارزا، وكأن الخلائق
~~في الحساب، وكأني بأهل الجنة فيها منعمين، وأهل النار فيها معذبين. فقيل
~~له: قد أصبت فالزم عين الطريق. وإليه وإلى أمثاله أشار جل ثناؤه بقوله:
~~@QUR@030 وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام
~~عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا
~~ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين وهم الرجال الذين @QUR@08 لا تلهيهم
~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله (تعالى) @QUR@09 في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر
~~فيها اسمه .

# فهل لك يا أخي أن ترغب في صحبتهم وتسلك طريقهم وتطلب منهاجهم وتتخلق
~~بأخلاقهم وتسير بسيرتهم وتنظر في علومهم؛ لتعرف مذهبهم وتعتقد رأيهم وتعمل
~~مثل عملهم؛ لعلك تحشر معهم وتفوز بمفازتهم @QUR@06 لا يمسهم السوء ولا هم
~~يحزنون ، وهم أولياء الله وعباده الصالحون الذين استثناهم بقوله في قصة
~~إبليس: @QUR@06 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقوله: @QUR@04 إلا عبادك منهم
~~المخلصين .

# فإذا أردت يا أخي أن تعرف وتعلم أأنت منهم أم من غيرهم، فاعلم أن لهم
~~علامات يعرفون بها، وسمات يستدل عليهم بها: فمن علامات أولياء الله
~~المبعوثين من موت الجهالة، المنبهين من رقدة الغفلة، المستبصرين بعين
~~اليقين ونور الهداية، العارفين بحقائق الأشياء، الشاهدين حساب يوم الدين؛
~~أنهم قوم تستوي عندهم الأماكن والأزمان وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال؛ فقد
~~صارت الأيام كلها عندهم عيدا واحدا وجمعة واحدة، وصارت الأماكن كلها لهم
~~مسجدا واحدا، والجهات كلها قبلة ومحرابا، أينما تولوا فثم وجه الله، وصارت
~~حركاتهم كلها عبادة لله وسكوناتهم طاعة له، استوى عندهم مدح المادحين وذم
~~الذامين، لا يأخذهم في الله لومة لائم، قياما لله بالقسط، شهداء لله بالحق،
~~وهم على صلواتهم دائمون، وإنما استوت عندهم الأماكن كلها وصارت مسجدا وقبلة
~~ومحرابا واحدا لتصديقهم قول الله تعالى: @QUR@05 فأينما تولوا فثم وجه الله
~~، وصاروا شهداء بمشاهدتهم له وتصديقهم قوله: @QUR@036 ما يكون من نجوى
~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا
~~هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم .

# وإنما استوت عندهم الأيام كلها فصارت جمعة وعيدا لمشاهدتهم يوم القيامة
~~الذي هو من أول ما بعث الله محمدا عليه السلام إلى تمام ألف سنة كما قال
~~صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والقيامة كهاتين.»

# وأيضا فإنما استوى عندهم تغاير الأزمان وتصاريف الأحوال لتصديقهم قول
~~الله تعالى: @QUR@032 ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب
~~من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا
~~تفرحوا بما آتاكم ، وصار دعاؤهم مستجابا لأنهم لا يسألونه إلا ما يكون، ولا
~~يكون إلا ما قدر في سابق العلم، فقلوبهم في راحة من التعلق بالأسباب،
~~وأبدانهم فارغة من تكلف ما لا يعنى به، ونفوسهم ساكنة عن الوسواس، وهم في
~~راحة من أنفسهم والناس منهم في راحة وأمان، لا يريدون لأحد سوءا ولا يضمرون
~~شرا لأحد من الخلق، عدوا كان أو صديقا، مخالفا كان أو موافقا.

# وهذه أيضا حكاية أخرى، فهذه محاورات جرت بين رجلين أحدهما من أولياء الله
~~تعالى وعباده الصالحين الذين نجاهم الله من نار جهنم، وأعتقهم من أسرها،
~~وأخلص نفوسهم من عداوة أهلها، وأراح قلوبهم من ألم المعذبين فيها؛ والآخر
~~من الهالكين المعذبين فيها بألوان العذاب، المحرقة قلوبهم بحرارة عداوة
~~أهلها، المتألمة نفوسهم بعقوباتها. قال الناجي للهالك: كيف أصبحت يا فلان؟
~~قال: أصبحت في نعمة من الله، طالبا للزيادة، راغبا فيها حريصا على جمعها،
~~ناصرا لدين الله معاديا لأعداء الله محاربا لهم. قال الناجي: ومن أعداء
~~الله هؤلاء؟ قال: كل من خالفني في مذهبي واعتقادي. قال: وإن كان من أهل لا
~~إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: إن ظفرت بهم ماذا تفعل بهم؟ قال له: أدعوهم
~~إلى مذهبي واعتقادي ورأيي. قال: فإن لم يقبلوا منك؟ قال: أقاتلهم وأستحل
~~دماءهم وأموالهم وأسبي ذراريهم. قال: فإن لم تقدر عليهم، ماذا تفعل؟ قال:
~~أدعو عليهم ليلا ونهارا وألعنهم في الصلاة؛ كل ذلك تقربا إلى الله تعالى.
~~قال: فهل تعلم أنك إذا دعوت عليهم ولعنتهم يصيبهم شيء؟ قال: لا أدري! ولكن
~~إذا فعلت ما وصفت لك وجدت لقلبي راحة، ولنفسي لذة، ولصدري شفاء. وقال له
~~الناجي: أتدري لم ذلك؟ قال: لا، ولكن قل أنت. قال: لأنك مريض النفس معذب
~~القلب معاقب الروح؛ لأن اللذة إنما هي خروج من الآلام، ثم اعلم أنك محبوس
~~في طبقة من طبقات جهنم، وهي الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة
~~إلى أن تخلص منها وتنجو نفسك من عذابها إذا لقيت الله عز وجل كما وعد
~~بقوله: @QUR@08 ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا . ثم قال
~~الهالك للناجي: أخبرني أنت عن رأيك ومذهبك وحال نفسك كيف هي؟ قال: نعم، أما
~~أنا فإني أرى أني قد أصبحت في نعمة من الله وإحسان لا أحصي عددها ولا أؤدي
~~شكرها، راضيا بما قسم الله لي وقدر، صابرا لأحكامه، لا أريد لأحد من الخلق
~~سوءا، ولا أضمر لهم دغلا، ولا أنوي لهم شرا، نفسي في راحة، وقلبي في فسحة،
~~والخلق من جهتي في أمان! أسلمت لربي، مذهبي وديني دين إبراهيم عليه السلام!
~~أقول كما قال: @QUR@09 فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ،
~~@QUR@011 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .

### ||| فصل

# ثم اعلم أن جهنم لها طبقات كثيرة، وهي الأهواء المختلفة والجهالات
~~المتراكمة التي النفوس فيها محبوسة ومعها موقوفة، وقلوب أهلها معذبة منها
~~بألوان من الآلام وهم في العذاب مشتركون، كلما مضت منهم أمة فانقرضت خلفها
~~قوم آخرون من تلاميذهم وأتباعهم في تلك المذاهب والآراء، وكلما دخلت من
~~الآراء أمة لعنت أختها المخالفة لها، كما ذكر الله تعالى في عدة سور من
~~القرآن، قوله في سورة الأعراف: @QUR@05 كلما دخلت أمة لعنت أختها ، أو في
~~سورة أخرى يلعن بعضهم بعضا ويتعايرون ويتنادرون ويتباغضون وهم في العذاب
~~مشتركون، فهذه حالهم في الدنيا وفي الآخرة سواء وأشر لو كانوا يعلمون، وقاك
~~الله وإيانا شرهم برحمته.

# وأما ما قيل من تتعاطى علم النفس والطبيعة ما تقول يا أخي[١] أن الصانع
~~الذي بنى هذه المدينة — أعني جسد الإنسان — أهو الساكن فيها والمستعمل لها
~~في هذه الساعة أو غيره؟ فإن كان المستعمل لها في هذه الساعة هو الذي بناها،
~~فلم لا يدري كيف بناها؟! ولم لا يذكر كيف كانت؟! فإنا نرى أصحاب التشريح لم
~~تعرف[٢] كيفية بنية هذا الجسد إلا بعد هدمه ونقضه وخرابه، وإن كان هذا الذي
~~بنى هذه البنية هو غير المستعمل لها هذه الساعة، فترى بناؤها بناها بنفسه
~~أو بناها على يدي غيره، ثم سلمها إلى المستعمل لها دون ما فيها؟ أترى أن
~~هذا المستعمل لهذه البنية هو تلميذ ذلك الصانع الذي بنى هذه المدينة، أو
~~ابن له كان في ذلك الوقت صبيا جاهلا وصار الساعة بالغا عاقلا حكيما، وإنما
~~كان بالقوة فيخرج الآن إلى الفعل والظهور؟ أفتنا، أيدك الله في ذلك، واهدنا
~~إلى سواء الصراط مأجورا.

### ||| فصل

# ذكروا أن ملكا كان عظيم الشأن عزيز السلطان واسع المملكة كثير الجنود
~~والعبيد ولد له ولد ذكر، كان أقرب الخلق شبها به وإلى والديه، طبعا وخلقا.

# فلما تربى ونشأ وكمل ولاه أبوه بعض مملكته، وأمر جنوده وعبيده بطاعته،
~~وأوصاه بحسن سياستهم، وأباحه جميع النعمة، غير أنه نهاه عن مرتبته فمكث
~~الابن زمانا طويلا قدر نصف يوم متنعما ملتذا، إلا أنه كان غارا ساهيا،
~~فحسده بعض عبيد أبيه ممن كان رئيسا قبله، فقال له: إنك لست تعرف نعمة ولا
~~تجد لذة لأنك منهي عن أرفع لذة ونعمة وممنوع من ألذ شهوة، فإن بادرت وطلبت
~~الملك سبقت إليه. فاغتر بقوله لأنه كان غرا جهولا وطلب ما ليس له أن
~~يتناوله قبل حينه ويطلبه قبل وقته، فسقطت مرتبته وانحطت درجته عند أبيه،
~~وبدت له سوأته واستبانت له خطيئته، فهرب خوفا من أبيه ذاهبا في مملكته شبه
~~المستتر، فلقي العناء وأصابته البأساء والضراء، وقاسى الجهد والبلاء، فتذكر
~~يوما ما كان فيه من نعمة أبيه، فحزن على ما فاته وبكى أسفا ثم نعس فنام
~~فحمل إلى أبيه، فقال: دعوه نائما إلى يوم الجمعة. ثم رزق في اليوم الثاني
~~ابنا آخر أشبه الناس بأخيه، فتربى ونشأ وكمل ونما وكان حليما وقورا شكورا
~~صبورا، فولاه أبوه بعض مملكته وأمرهم بطاعته وأوصاه بسياستهم ودعاهم وأمرهم
~~ونهاهم، فلم يسمعوا له ولم يطيعوا أمره لأنه كان شبه زحل! بل آذوه فصبر
~~زمانا ثم شكى إلى أبيه فغضب عند ذلك عليهم ورمى أكثرهم إلى الماء.

# فلما رأى ما أصابهم اغتم وحزن ونعس ونام وحمل إلى أبيه، فقال: اتركوه
~~نائما إلى يوم الجمعة. ثم إنه رزق في اليوم الثالث ابنا آخر، وكان أشبه
~~الناس بأخويه اللذين تقدم ذكرهما، فتربى ونشأ وكمل ونما، وكان خيرا فاضلا
~~عالما محجاجا، فولاه أبوه مكان أخويه وأمر الرعية بطاعته وأوصى إليه مما
~~أوصى إلى أخويه، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، فلم يسمعوا له ولم يطيعوه؛ لأنه كان
~~أشبه بالمشتري، وفزعوه بالنار، فذهب إلى أبيه وبنى له هيكلا ونذر له قربانا
~~وعمل مناسك، ونادى في الناس هلموا تعالوا لتروا ما لم تروا وتسمعوا ما لم
~~تسمعوا، ثم نام وحمل إلى أبيه، فقال: اتركوه نائما إلى يوم الجمعة. وبقي
~~نداؤه في مسامع النفوس؛ يتوارثونه من غير أن يسمعوه، ويذهبون إلى هيكله
~~فيرون ظاهره ومرآه ما لا يبصرون، ويفعلون سنة مناسكه ولكنهم معناها لا
~~يفهمون؛ لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون.

# وأعيذك أيها الأخ أن تكون منهم، وانظر بنور عقلك في رسالة أفعال
~~الروحانية لعلك تعرف ما قلنا وتفهم ما أشرنا إليه، ثم إنه رزق في اليوم
~~الرابع ابنا آخر، فتربى ونشأ وكمل ونما، وكان جلدا قويا جريئا مقداما،
~~فولاه أبوه مكان إخوته وأمر الرعية بطاعته وأوصى إليه بما كان أوصى إلى
~~إخوته، فدعاهم وأمرهم ونهاهم فلم يسمعوا له ولم يطيعوه؛ لأنه كان شبه
~~المريخ! وبارزوه وبارزهم وناوشوه وناوشهم، وكان مؤيدا بقوة أبيه، فغلبهم
~~وبدد شملهم وفرق جمعهم وشتت ألفتهم ورماهم في البر والبحر.

# ثم بقي وحيدا كالغريب يدعو فلا يجاب ويأمر فلا يهاب! فاغتم وحزن ونعس
~~ونام وحمل إلى أبيه، فقال: دعوه نائما إلى يوم الجمعة. ثم إنه رزق في اليوم
~~الخامس ابنا آخر أشبه الناس بأخيه الأول، فتربى ونشأ وكمل ونما، وكان هاديا
~~رشيدا طيبا رفيقا، فولاه أبوه مكان إخوته وأمر الرعية بطاعته وأوصى إليه
~~بما أوصى إلى إخوته، ودعاهم وأمرهم ونهاهم فلم يتبعوه إلا قليلا، ولم
~~يطيعوه إلا يسيرا، إلا أنه كان يشبه الزهرة.

# ثم وثبوا عليه فأخذوا منه القميص الذي خاطت أمه، فذهب إلى أبيه فاستنفر
~~عليهم بجنوده وأيده بروح منه، فسرى في نفوسهم وتحكم في لاهوتهم بدلا وقصاصا
~~لما تحكموا في ناسوته! وأراد أن ينزل من الرأس، فقال أبوه: اصبروا إلى يوم
~~الجمعة. ثم قال أبوهم في اليوم السادس للنجوم: اختاروا لابني الذي يشبه
~~عطارد يوما لينزل إلى عالم الكون والفساد، فينبه إخوته النيام ويناديهم إلى
~~حقه، فقد رضيت عنهم، ويأمرهم بالاستعداد للصلاة، فإن غدا هو العيد يوم
~~الجمعة. فيبرز القضاة ويحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فاجتمعت سادة
~~النجوم ورؤساء الكواكب في بيت المريخ وتشاوروا بينهم.

# فقال رئيس الكواكب وملكها الشمس: أنا أختار له من قوتي وأزوده من فضائلي
~~العظمة والرياسة والسلطان والعز والرفعة والبهجة والبهاء والمدح والثناء
~~والبذل والعطاء. وقال شيخهم كيوان: أنا أختار له من قوتي الحلم والوقار
~~والصبر والثبات وبعد الغور وعلو الهمة والحفظ والأمانة والفكر والروية.

# وقال برجيس القاضي العدل: أنا أختار له من قوتي وأزوده الدين والورع
~~والخير والصلاح والعدل والإنصاف والحق والصواب والصدق والوفاء والصيانة
~~والمروءة. قال بهرام صاحب الجيوش: أنا أختار له من قوتي وأزوده من فضائلي
~~العزم والصرامة والنجدة والشجاعة والهمة والبسالة والظفر والغلبة والبذل
~~والسخاء والتيقظ. وقالت الناهيد أخت النجوم: أنا أختار له من قوتي وأزوده
~~من فصائلي الحسن والجمال والتمام والكمال والرأفة والرحمة والزينة والنظافة
~~والحب والمودة والسرور واللذة.

# وقال أخوهم الأصغر، وهو أخفاهم منظرا، وأجلهم مخبرا، الذي صنعته أظهر،
~~وعلومه أكثر، وعجائبه أشهر وأزهر: أنا أختار له من قوتي وأزوده من فضائلي
~~وأسوي[٣] إليه من مناقبي الفصاحة والنطق والتمييز والفطنة والنظر واللطافة
~~والقراءة والنغمة والعلوم والحكمة. وقالت أم النجوم وهي القمر: أنا أرضعه
~~وأربيه وأختار له من قوتي وأزوده من فضائلي النور والبهاء والزيادة والنماء
~~والحركة في الأقطار الثلاثة والتنقل في الأسفار وبلوغ الآمال والسير
~~والأخبار وعلم مواقيت الآجال.

# ثم إنه دارت الأفلاك وتمخضت قوى الروحانيات واستبشر أهل السموات، ونزل
~~إلى عالم الكون في ليلة القدر قبل طلوع الفجر صاحب النشور لينفخ في الصور،
~~فمكث هذا المولود في الرحم أربعين يوما من أيام الشمس، وعشرين يوما في
~~الرضاع حتى تربى ونشأ وكمل ونما، وكان أشبه الناس بأخيه الثالث شبها لأنه
~~كان يشبه عطارد الذي هو أخو المشتري لتقابل بينهما وتربيعهما وتقابل
~~فلكهما، فصار هذا المولود من بين إخوته أتمهم جثة وأكملهم صورة، وكان أديبا
~~عالما حكيما ملكا عزيزا إماما عادلا نبيا مرسلا، فولاه أبوه مملكته ومملكة
~~إخوته كلها؛ فظهر وقهر من خالفه، ورفع وأعز من وافقه، وتحكم في مملكته نحوا
~~من ثلاثين يوما من أيام الشمس، ثم أعجبته نفسه فأصابته العين، فاعتل وبقي
~~على الفراش نحو ألف يوم من أيام القمر مرفه الجسم عليل النفس، ثم تحول إلى
~~دار أخرى ونهض قليلا ومشى وقوي ونشط وانبسط وشرب من حب الدنيا وغرورها
~~وأمانيها، فسكر من خمر شهواتها ودخل إلى كهف أبيه ونام مع إخوته فمكثوا
~~زمانا طويلا، فلما انقضى دور الرقاد وتقارب الميعاد ناداهم أبوهم: ألم يأن
~~لكم أن تنتبهوا من نومكم وتستيقظوا من غفلتكم وتذكروا ما نسيتم من أمر
~~مبدئكم، وترجعوا إلى معادكم من أسفاركم؛ إذ لكل ابتداء انتهاء، ولكل حياة
~~فناء، ولكل موت ونائم انتباه؟ وبادروا إلى معادكم من غربتكم؛ فقد تم خلق
~~السموات السبع في ستة أيام وغدا يوم الجمعة يستوي ربكم على العرش يحمله
~~يومئذ ثمانية!

# فانتبهت لذلك الإخوة الذين قيل لهم إنهم سبعة وثامنهم كلبهم بعد رقدتهم
~~ثلاثمائة سنة وأربعة وخمسين يوما من أيام الشمس بحساب القمر يتذاكرون كم
~~لبثوا في كهفهم! فقال أبوهم لأخيهم: @QUR@011 فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا
~~ولا تستفت فيهم منهم أحدا ، فأخفوا وكتموا أسرارهم لأنه @QUR@031 ما يكون
~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا
~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة .

# فافهم يا أخي هذه الإشارات والتنبيهات وقس على ذلك نظائرها، ولا تفش
~~الأسرار لعلك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة قبل أن ينفخ في الصور وقبل
~~أن ينادي مناد للصلاة من يوم الجمعة @QUR@09 فاسعوا إلى ذكر الله وذروا
~~البيع ذلكم خير لكم ، وقبل أن يحشر المجرمون إلى جهنم وردا، وتزود من
~~الدنيا فإنك راحل وإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب، ولا تبغ
~~الفساد في الأرض، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.

# وفقك الله وإيانا وجميع إخواننا إلى طريق السداد، إنه رءوف بالعباد.

# (تمت رسالة البعث والقيامة ويليها رسالة في كمية أجناس الحركات.)

### | الرسالة الثامنة من النفسانيات العقليات في كمية أجناس الحركات

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم أيها الأخ أنا قد فرغنا من رسالة البعث والقيامة، وكنا قد بينا قبل
~~ذلك ماهية الأجسام وكمية أنواعها، وبينا أيضا أن الأجسام لا تنفك من الحركة
~~والكون، وقد بينا أن المحرك والمسكن للأجسام هي النفس في رسائلنا الطبيعيات
~~والإلهيات، ونريد الآن أن نبين في هذه الرسالة ماهية الحركات وكمية أنواعها
~~والجهات التي تتحرك المتحركات إليها، وفيها فنقول:

# أولا ما الحركة وما السكون؟ وذلك أن العلماء والحكماء قد اختلفوا في
~~ماهية الحركة والسكون وحقيقتهما؛ فمنهم من أثبتهما، ومنهم من نفاهما وقال
~~لا حقيقة لهما ولا معنى، ومنهم من قال إن الحركة لا تكون إلا من حي قادر،
~~ومنهم من قال إنها هي الحياة نفسها، ويطول ذلك لو شرحنا اختلاف أقاويلهم
~~واحتجاجاتهم، ولكن نقول:

# إن الحركة هي صورة روحانية تجعلها النفس في الأجسام، فبها تكون الأجسام
~~متحركة، كما تجعل الأشكال والنقوش والصور والألوان في الأجسام، وبها تكون
~~الأجسام مصورة منقشة مشكلة متحركة، فالنفوس هي المحركة للأجسام، والأجسام
~~هي المحركات والمسكنات بتحريك النفوس لها وتسكينها إياها، كما بينا في
~~رسالة الهيولى والصورة، والتحريك هو فعل النفس، والحركة هي صورة تجعلها
~~النفس في الجسم بها يكون الجسم متحركا، وأما التسكين فهو أيضا فعل من أفعال
~~النفس تحرك الجسم تارة وتسكنه أخرى؛ مثال ذلك أن الإنسان يحرك يده تارة
~~ويسكنها أخرى.

# وإذ قد تبين مما ذكرنا ما الحركة وما السكون، فنريد الآن أن نذكر كمية
~~أنواعها وماهية كل نوع منها، فنقول:

# اعلم أن الحركة نوعان: جسماني وروحاني — كما سنبين — فالحركة الجسمانية
~~ستة أنواع؛ وهي: الكون والفساد والزيادة والنقصان والتغير والنقلة. ونريد
~~أن نتكلم أولا في الحركات التي هي النقلة إذ كانت هي أبين وأظهر للحواس، ثم
~~نذكر الخمسة الباقية إذ كانت هي أدق وألطف، فنقول: إن الحركة التي هي
~~النقلة ثلاثة أنواع؛ مستقيمة ومستديرة ومركبة منهما. فالحركة المستقيمة
~~نوعان؛ من المركز إلى المحيط ومن المحيط إلى المركز؛ يعني مركز العالم
~~ومحيط العالم أو بين ذلك. وأما المستديرة فهي التي تكون حول المركز.

# وإذ قد تبين بما ذكرنا كمية أنواع الحركات التي هي النقلة، فنريد أيضا أن
~~نذكر المحركات؛ إذ كانت هي أبين وأظهر للحواس، فنقول:

# إن المحركات اثنا عشر نوعا حسب، لا أقل ولا أكثر؛ منها حركات الأفلاك
~~التسعة، ومنها حركات الكواكب السيارة، ومنها حركات الكواكب ذوات الأذناب،
~~ومنها حركات الشهب، ومنها حركات الهواء والرياح، ومنها حركات حوادث الجو
~~والسحاب والغيوم، ومنها حركات مياه البحار والأنهار والأمطار، ومنها حركات
~~ما يحدث في بواطن الأرض من الزلازل والخسوف، ومنها حركات الكائنات من
~~الجواهر المعدنية في باطن الأرض، ومنها حركات النبات والأشجار على وجه
~~الأرض، ومنها حركات الحيوانات في الجهات الست من البحر والبر والهواء.

# وأما جهات الحركات فمختلفة جدا، كثيرة الضروب والصور، ولكن لا تخلو كلها
~~إما أن تكون من مركز العالم نحو المحيط أو من المحيط نحو المركز أو حول
~~المركز أو مؤربا بين ذلك.

### || (١) فصل في تفصيل ذلك

# فنقول: أما حركات الأفلاك التسعة فكلها حول الأرض؛ لأنها مركزها، والأرض
~~مركز العالم بأسره، وهكذا أيضا حركات الكواكب الثابتة حول مركز العالم،
~~وأما حركات الكواكب السيارة السبعة فحول مركز أفلاكها المستديرة، وأما
~~حركات الأفلاك حول مراكز أفلاك أخر تسمى الأفلاك الحاملة، وحركات تلك
~~الأفلاك حول مركز الأفلاك الخارجة المركز من مركز الأرض، كما بين ذلك في
~~المجسطي ببراهين هندسية ضرورية بشرح طويل.

# وأما الحركات التي ترى الكواكب السيارة على توالي فلك البروج، وبالميل
~~والعرض والرجوع والاستقامة وما شاكلها، فقد بينا حقيقتها في رسالة السماء
~~والعالم بمثالات ذكرناها، وأما شرحها فتجدها في المجسطي، وأما كمية تلك
~~الحركات فتسع وأربعون حركة للسيارة، لكل واحد سبع حركات، وللكواكب الثابتة
~~سبع أخرى، ولفلك البروج حركة واحدة، فذلك سبع وخمسون حركة. وأما الكواكب
~~التي تسمى ذوات الأذناب فليست هي بكواكب بل هي نيرات تظهر دون فلك القمر في
~~كرة الأثير، وأما حركاتها فمختلفة؛ تارة تكون نحو كرة المغرب مع دوران
~~الفلك المحيط، وتارة على توالي فلك البروج نحو المشرق أو مائلا طولا وعرضا
~~بحسب ما يوجبه شكل الفلك وأحكام النجوم، وإن حدوثها يكون دون فلك القمر في
~~كرة الأثير كما يكون حدوث الشهب ما بين كرة الأثير وكرة الزمهرير، والذي
~~يكون من حدث البروق في كرة النسيم دون كرة الزمهرير.

# وكل هذه حوادث تكون في عالم الكون والفساد بحسب موجبات أحكام النجوم يطول
~~فيها القول في كيف وكم ومتى ولماذا، وأما كمية أنواع حركات الرياح فهي إلى
~~ست؛ وذلك أن الرياح ليست شيئا سوى تموج الهواء؛ لأن الهواء بحر لطيف ما بين
~~السماء والأرض؛ فإذا تموج من المشرق إلى المغرب سمي الصبا، وإن تموج بالعكس
~~سمي دبورا، وإن تموج من الجنوب إلى الشمال سمي التيمن، وإن تموج بالعكس فهي
~~الجربى، وإن تموج من أسفل إلى فوق سمي الزوائغ،[١] وإن تموج بالعكس سمي
~~الزمهرير، وبالفارسية أباددمه، وهي التي هلكت بها عاد، كانت نفخت عليهم من
~~كرة الزمهرير @QUR@07 سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما .

# وأما التي تتحرك من غير هذه الجهات فتسمى النكباوات، وهي كثيرة الجهات،
~~والمعروف منها أربع: نكباء الشمال، ونكباء الجنوب، ونكباء المشرق، ونكباء
~~المغرب.

# وأما الأسباب المحركة للهواء المموجة لها فمنها ما هو من جهة مطارح
~~الشعاعات من الكواكب ونزول القمر منازله الثمانية والعشرين واتصالاته
~~بالكواكب، وقد ذكرنا طرفا من كيفية ذلك في رسالة الآثار العلوية فيطلب من هناك.

# وأما حركات الشهب فهي أيضا إلى الجهات الأربع أو نكباواتها بحسب القوة
~~الدافعة لها من مطارح شعاعات الكواكب، وليست حركاتها بأسرع من حركات
~~الكواكب في أفلاكها، ولكن لقربها منا نراها أسرع حركة من الكواكب.

# وأما حركات السحاب والغيوم فإلى هذه الجهات الأربع أيضا نكباواتها، وهي
~~بحسب مهب الرياح التي تسوقها من سواحل البحار والآجام والأنهار إلى البلدان
~~المقصود بها من البراري والقفار ورءوس الجبال منتصبا أو مؤربا.

# وأما حركات قطر الأمطار فكلها تجري من جو الهواء إلى الأرض والبحار
~~منتصبا أو مؤربا.

# وأما حركات الأرض فهي ثلاثة أنواع؛ منها الزلازل ومنها الخسوف ومنها
~~الأرجحنان، فأما سبب الزلزلة فهو البخار المحتقن في باطن الأرض يطلب الخروج
~~فيهز بعض بقاع الأرض وتضطرب وترتعد كما يرتعد المحموم عند شدة الحمى؛ وسبب
~~ذلك هو رطوبة عفنة في خلل الأبدان، فتشتعل منها الحرارة العرضية فتذيبها
~~وتحللها وتصيرها دخانا وبخارا يخرج من مسام خلل الأبدان، فيهتز من ذلك
~~البدن كله أو عضو منه ويرتعد، ولا يزال البدن كذلك إلى أن تخرج تلك
~~البخارات والدخانات من هناك وتفنى مادتها وتخمد تلك وتسكن، وكذلك حركات
~~بقاع الأرض عند الزلازل وربما ينشق ظاهر الأرض وتخرج تلك الرياح والدخانات
~~والبخار المحتقن المحتبس دفعة واحدة وتنخسف الأرض والبقاع ويقع في تلك
~~الأهوية كما ينخسف سقف البيت ويقع في أرضه.

# وأما حركات الأرجحنان فعند الحكماء أنها تترجح تارة من الجنوب إلى
~~الشمال، وتارة بالعكس، ولكن الناس لا يحسون بها لكبر الأرض وعظمها كما لا
~~يحس أهل المراكب في البحر بحركاتها عند شدة سوق الرياح لها. وذكر هذا
~~الحكيم أن علة تلك الحركة هي مرور الشمس، تارة من البروج الجنوبية إلى
~~البروج الشمالية، وتارة من الشمالية إلى الجنوبية، وإنما تجذبها إلى حيث
~~دارت ومعها كيف مالت كما تجذب نباتها من باطنها إلى ظاهرها، وكما تجذب أصول
~~النبات وفروعها إلى الهواء، ومن الحكماء من قال إن سبب ذلك هو أنه من دوران
~~الشمس فوق الأرض في ناحية الشمال ستة أشهر في الصيف، كما ذكر في المجسطي،
~~سخنت أهوية تلك البلاد ومياهها وتحللت رطوبة تلك البلاد، وخلا ذلك الجانب
~~وتحركت الأرض وترجحت وثقل الجانب الآخر وتحركت الأرض، وينقل المراكز البعد
~~والثقل جميعا، وترجحت الأرض ولكن لا يحس بها لكبرها، ولهم في هذا احتجاجات
~~وكلام وأقاويل يطول شرحها.

# فأما الذين أنكروا ذلك من الحكماء ودافعوا أن تترجح الأرض، فقالوا: لو
~~كان القول كما قيل وكما زعموا، لكان يجب أن تختلف مسامتات الكواكب الثابتة
~~لبقاع الأرض في الشتاء والصيف، وكان يجب أن يرتفع القطبان تارة وينخفضا
~~تارة، وكان يجب أن يكون موضع خط الاستواء الذي تحت معدل النهر مختلفا،
~~ولسنا نجد الأمر كذلك، فدل على أن ما قالوه من أرجحنان الأرض باطل. وقد روي
~~في الخبر أن الأرض في بدء الخلق كانت تترجح كما قال هؤلاء الحكماء، فلما
~~أرساها الله تعالى وشيدها بالجبال الثقال، استثقلت وسكنت حركاتها.

# وأما حكم حركات باطن أجزاء الأرض، فقد قدمنا طرفا منها في رسالة المعادن،
~~ولكن نذكر في هذا الفصل ما لا بد منه.

### || (٢) فصل

# اعلم أن الأرض جسم كري بجميع ما عليها من الجبال والبحار والعمران
~~والخراب، وهي واقفة في مركز العالم وليست مستدير ملساء ولا مصمتة صماء، بل
~~كثيرة الارتفاع والانخفاض من الجبال والتلال والأودية والأهوية، كثيرة
~~التخلخل والتجويفات والكهوف والغارات والمنافذ والظواهر والبواطن، وكلها
~~ممتلئة مياها ورطوبات وبخارات دهنية وكبريتية تنعقد منها الجواهر المعدنية.

# وتلك البخارات والدخانات والرطوبات في دائم الأوقات في الاستحالة والتغير
~~والكون والفساد.

# وهكذا حكم ظاهرها فإنها كثيرة البحار والأنهار والأودية والجداول
~~والبطائح والآجام والغدران، وفيها منافذ وخليجات يجري بعضها إلى بعض في
~~دائم الأوقات وأمواج البحار متصلة في دائم الأوقات ليلا ونهارا، لا تقر ولا
~~تهدأ، وتصاريف الرياح كذلك، والغيوم والأمطار والسحاب والضباب دائمات الكون
~~والفساد، والأمطار متصلة في دائم الأوقات في بلدان مختلفة البقاع شرقا
~~وغربا وجنوبا وشمالا، بل حكم الليل والنهار والشتاء والصيف الموجودات في
~~الأوقات في بلدان شتى يتعاقب على بقاع الأرض من كل جانب، والنبات والحيوان
~~والمعادن في الكون والفساد متصل لا ينقطع، والسفاد والنكاح والتوالد والحس
~~والحركة والنوم واليقظة والموت والحياة متصلة في الخليقة!

# وما في الأرض موضع شبر إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان، قل أم كثر، صغر
~~أم كبر، مختلف الأجناس والأنواع والأشخاص والأشكال والصور والطباع والمزاج
~~والأخلاق والألوان والأصوات، لا يعلم أحد كنهها وكثرتها وتفصيلها إلا الله
~~تعالى الذي خلقها وصورها ودبرها كما شاء وكيف شاء، فتبارك الله رب
~~العالمين.

# وإذا تأملت يا أخي واعتبرت ما وصفنا من أحوال الحركات والمتحركات التي في
~~العالم، علمت وتبين لك أن حكم العالم بجميع أجزائه ومجاري أموره تجري مجرى
~~مدينة واحدة أو حيوان واحد أو إنسان واحد لا ينفك من الحركة والسكون، إما
~~بكليته أو بجزئيته.

# وقد بينا في رسالة ماهية الطبيعة ورسالة السماء والعالم أن سبب حركات
~~الأركان ومولداتها هو حركات الكواكب، وسبب حركات الكواكب دوران الأفلاك،
~~والمحرك والمدبر للأفلاك هي النفس الكلية الفلكية، فإن النفس الكلية
~~الفلكية هي ملك من الملائكة المقربين وجنوده وأعوانه، وهو الذي أشير إليه
~~بقوله تعالى: @QUR@012 يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن
~~له الرحمن ، وقال تعالى: @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ، وهذا
~~الملك وكله الله تعالى بإدارة الأفلاك وحركات الكواكب وما تحت فلك القمر من
~~سائر الأركان ومولداتها من المعادن والنبات والحيوان أجمع، وهذا الملك هو
~~أكبر من الفلك وأقوى منه وأعظم وأقدم وأشرف وأجل وأعلى من سائر الخلائق
~~الجسمانيين، وهو يقدر على تسكين الأفلاك والكواكب كما يقدر على تحريكها؛
~~لأن التسكين أسهل من التحريك يعلمه كل عاقل منصف بحكم العقل.

# وأما حركات أشخاص الحيوانات فهي مختلفة الجهات والأشكال والهيئات والصور،
~~لا يعلم عددها إلا الله الواحد القهار، ولا يقدر أحد على تفصيلها إلا هو.

# ولكن نذكر منها طرفا من فنون حركات أعضاء بدن الإنسان ومفاصل جسده ليكون
~~دلالة على حركات أبدان سائر الحيوانات وأعضائها كلها المختلفة الأشكال
~~والصور.

### || (٣) فصل في أن حركات أعضاء البدن نوعان

# فنقول: اعلم أن حركات أعضاء البدن نوعان؛ طبيعية وإدارية، فالطبيعية مثل
~~حركات نبض العروق الضوارب وحركات أضلاع صدره وفؤاده ورئته وحلقومه عند
~~استنشاقه الهواء وإرساله في حال النوم واليقظة من غير إرادة منه ولا
~~اختيار.

# وأما الحركات الإرادية والاختيارية فمثل القيام والقعود والذهاب والمجيء
~~والصنائع والأعمال والكلام والإشارات بأعضاء بدنه، فإنه لا يكون إلا بإرادة
~~واختيار منه، وهي مائة ونيف وعشرون حركة، منها حركات لجفن العين بالفتح
~~والإطباق.

# ومنها حركة نقل حدقتيه إلى أربع جهات، فوق وتحت ويمين ويسار، يحركها
~~بأعصاب ممتدة من الدماغ إلى جرم العين وبالعضلات المتصلة بالعين، فهو يقلب
~~عينه بتلك العضلات والأعصاب متى شاء إلى الجهات كلها، كما يجذب الفارس لجام
~~فرسه يمنة ويسرة ويصرفه كيف يشاء في تقلب عينه ويحركها إلى حيث يريد أن
~~ينظر إليه بتلك الأعصاب.

# ومنها حركات اللسان إلى ست جهات لمضغ الطعام وتقليبه تحت أسنانه للقطع
~~والكسر والدق والطحن والقطع بالثنايا والكسر بالرباعيات والأنياب والدق
~~والطحن بالأضراس والطواحن.

# وأما حركات اللسان عند الكلام فإنا نذكرها في فصل آخر، منها حركات اللسان
~~أيضا عند قطع الشفتين لحدوث الحروف التي مجراها على اللسان، وهي أربعة عشر
~~حرفا في لغة العرب، وهي هذه «ت، ث، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ل، ن».
~~والأربعة عشر حرفا الأخرى، فمخارجها مختلفة ليس للسان فيها مدخل.

# ثم اعلم أن هذه الأحرف لا تحدث إلا بإرسال النفس المستنشق من الهواء
~~وإرساله وقطع اللسان لها في مخارجها ومجاريها كما نبين ذلك في فصل آخر.

# ومنها حركتان للشفتين بالفتح والضم، ومنها حركات عصبات الخياشم عند
~~استنشاق الهواء والروائح بالمنخرين.

# ومنها حركات المريء للبلع وازدراد الطعام والشراب وإيصالهما إلى المعدة،
~~ومنها حركة الفك السفلاني إلى أربع جهات، ومنها حركات الرأس والرقبة إلى
~~أربع جهات، ومنها حركات الكفين إلى أربع، ومنها حركات العضدين مثل ذلك،
~~ومنها حركات الذراع إلى جهتين، ومنها حركات الكرسوع إلى أربع جهات، ومنها
~~حركات الأصابع الأربع كل واحدة إلى جهتين، إلا الإبهام فإنها تتحرك إلى
~~الجهات الأربع، ومنها حركات الظهر إلى أربع جهات، ومنها حركات الفخذين إلى
~~أربع جهات، ومنها حركات الساقين إلى جهتين، ومنها حركات أصابع الرجل إلى
~~جهتين، ومنها حركات السبيلين عند إطلاق البول والغائط؛ فهذه جملة مختصرة من
~~تعديد أعضاء بدن الإنسان. فأما عللها فيطول شرحها، مذكور بعضها في كتب
~~التشريح، وبعضها في كتاب منافع سائر الأعضاء لجالينوس. وأما حركات أعضاء
~~أبدان سائر الحيوانات، فيطول شرحها لكثرة اختلافها وصورها وأشكال أعضائها،
~~وقد ذكرنا طرفا منها في رسالة الحيوانات على لسان رسول النحل عند ملك اللحن
~~في الخطاب.

# فأما حركات الصناع وأصحاب الحرف في صنائعهم وأعمالهم، فقد ذكرنا طرفا
~~منها في رسالة الصنائع العملية. فأما حركات الحواس الخمس عند إدراكها
~~محسوساتها، فقد ذكرنا طرفا منها في رسالة الحاس والمحسوس.

# وأما حركات عصبات مقدم الدماغ ووسطه ومؤخره فقد ذكرناها في رسالة الآراء
~~والمذاهب والديانات، وأما حركات النبات فقد بينا طرفا منها في رسالة
~~النبات، وأما حركات الجواهر المعدنية ففي رسالة أخرى، وأما حركات الجو
~~والهواء ففي رسالة الآثار العلوية، وأما حركات الأركان الأربعة فقد بيناها
~~في رسالة الكون والفساد، وأما حركات الأفلاك والكواكب ففي رسالة السماء
~~والعالم، وأما حركات الأصوات ففي رسالة الموسيقى، وحركات الآلام واللذات في
~~رسالة أخرى؛ فقد ذكرنا في كل رسالة ما يليق بحسبه، وإنما طولنا ذكر الحركات
~~وزدنا في شرحها لأنها هي حياة العالم؛ وذلك أن حياة كل شيء من نبت وحيوان
~~بالماء، وحياة الماء بالحركة، وحياة الأبدان بالنفس، وحياة النفس بالفكر
~~والجولان والخواطر، كما ذكرنا طرفا منها في رسالة الإيمان، وهي لا تهدأ —
~~أعني النفس — لا في النوم ولا في اليقظة عن الحركات والجولان.

### ||| فصل

# ثم اعلم أن غرضنا من ذكر حركات العالم وحركات أجزائه الكليات والجزئيات
~~وفنون تصاريفها هو بيان بطلان قول من يقول بقدم العالم؛ وذلك لأن الحركات
~~المختلفة تدل على اختلافها، والمتحرك والمختلف الأحوال لا يكون قديما؛ لأن
~~القديم هو الذي يكون على حالة واحدة لا يتغير ولا يستحيل ولا يحدث له حال،
~~وذلك ليس يوجد موجود هذا شأنه إلا الله الواحد الأحد، ولا يمكن أن يوجد شيء
~~سوى الله تعالى هذا شأنه.

# ثم اعلم أن الذين قالوا بقدم العالم ظنوا بأنه ساكن، والساكن لا تختلف
~~أحواله، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا من سكون العالم كما بينا فيما تقدم
~~بكثرة حركات كلياته وجزئياته ما لا تنكره العقول السليمة؛ فمنها حركات
~~الكواكب، ودوران الأفلاك، واستحالات الأركان، وتكوين المولدات مما لا خفاء به.

# ولعمري أن الفلك المحيط هو جسم كروي محيط بسائر الأشياء والأفلاك، وهو
~~ساكن في مقره لا ينتقل منه، ولكنه متحرك أجزاؤه كلها، وكل فلك من الأفلاك
~~المستديرة والأفلاك الخارجة المراكز يدور كل واحد حول مركزه الخاص، لا يقر
~~ولا يهدأ طرفة عين، ولا يمكن أن يتوهم بسرعة حركتها إلا شيء نذكره، وذلك أن
~~الدوارة هي أسرع شيء حركة نشاهدها، وقد ذكر أصحاب المجسطي أن حركات الأفلاك
~~والكواكب أسرع من ذلك، وقد بينوها ببراهين هندسية ضرورية؛ فمن ذلك ما قالوه
~~في حركة الشمس أنها تتحرك في مقدار ما يشيل الإنسان رجله بخطوة من خطواته
~~ويضعها تمشي فراسخ.

# ثم اعلم أن كل حركة في متحرك فهي متحركة له، وهي سبب لشيء آخر، فمتى عدمت
~~تلك الحركة بطل ذلك السبب.

# مثال ذلك: حركة الرحى عن الدابة التي تديرها أو الماء، وهي سبب الطحن،
~~فمتى وقفت الدابة وانقطع الماء سكنت الرحى وعدم الطحن! فهكذا حكم الدولاب
~~متى وقفت الدابة سكن دوران الدولاب وعدم الاستقاء، وهكذا حكم الرياح
~~وتحريكها المراكب والسفن والمياه، فمتى سكنت الرياح وقفت مراكب البحر عن
~~السير وسكنت الأمواج، وهكذا أيضا مراكب الأنهار والسماريات في جريانها، متى
~~توهم عدم الماء ووقوفها وجريان الأنهار، وقفت المراكب والسماريات والسفن،
~~واقفة عن الانحدار والأصعاد، وهكذا متى سكنت حركات قوائم الحيوان ماتت،
~~وهكذا متى سكنت حركات أبدانها وأعضائها عن النبض والتنفس ماتت وبطلت
~~حياتها، وهكذا متى وقفت الكواكب السبعة السيارة في البروج عن دورانها وقفت
~~الأمور التي تحت عالم الكون والفساد من الحيوان والنبات عن حركاتها
~~وتكوينها، يعرف حقيقة هذا من كان حاذقا بصناعة النجوم وتكلم عليها.

# والمثال في ذلك كرواحة متى وقفت عن الدوران سقطت بعدما كانت قائمة منتصبة
~~عند حركاتها، فهكذا حكم العالم متى وقف الفلك المحيط عن الدوران وقفت
~~الكواكب عن المسير والحركات، ووقفت عند ذلك مجاري الليل والنهار والشتاء
~~والصيف، فيبطل عند ذلك الكون والفساد، ويبطل نظام العالم وتذهب الخلائق
~~وتفارق النفس الكلية الجسم الكلي وتقوم القيامة الكبرى، وذلك أن العالم هو
~~إنسان كبير، فإذا فارقت نفس العالم الجسم الكلي فقد مات الإنسان الكبير وقد
~~قامت قيامته الكبرى، كما أن كل إنسان إذا فارقت النفس جسده فقد مات الإنسان
~~الذي هو عالم صغير، وقد قامت قيامته؛ لأن القيامة قيامتان: قيامة كبرى
~~وقيامة صغرى، كما قال عليه السلام: «من مات فقد قامت قيامته»، ثم بعد ذلك
~~تبين للمنكرين ما كانوا يوعدون.

### || (٤) فصل في بيان مقدمات عقلية ضرورية تدل على أن العالم محدث مصنوع

# فنقول: اعلم أن معنى قول الحكماء العالم هو إشارة إلى الفلك المحيط وما
~~يحويه من سائر الأفلاك والكواكب والبروج والأركان الأربعة مولداتها التي هي
~~الحيوان والمعاد. ثم نقول: اعلم أن الفلك المحيط وما يحويه من جميع ما ذكر
~~كلها أجسام، ومما لا شك فيه عند الحكماء أن الجسم عبارة عن الشيء الطويل
~~العريض العميق، وقولهم «الشيء» إشارة إلى الهيولى وهو الجوهر، والطول
~~والعرض والعمق إشارة إلى الصورة التي صارت بها الهيولى جسما طويلا عريضا
~~عميقا. ثم اعلم أن من الأجسام ما هو متحرك دائما، وهي الأفلاك والكواكب،
~~ومنها ما هي ساكنة بكليتها متحركة بأجزائها، وهي الأركان الأربعة؛ وذلك أن
~~النار التي دون فلك القمر لا تبرح من مكانها، وهي المسمى الأثير؛ وهو هواء
~~حار لين ليس له ضوء ودونه هواء بارد يسمى الزمهرير، وليس يبرح أيضا من
~~مكانه، ودونه النسيم المحيط بالأرض والبحار، وهو هواء معتدل بين الحرارة
~~والبرودة، وكل هذه الأكر الثلاثة لا تبرح من مكانها، بل هي متحركة
~~بأجزائها، ومنها ما هي متحركة تارة بكليتها وجزئيتها وتارة ساكنة بكليتها
~~وجزئيتها، وهي المولدات الكائنة من الحيوان والنبات، وكل هذه الأجسام
~~المتحركات والساكنات يقتضي محركا ومسكنا.

# بيان ذلك أن الفلك لما كان أجساما كريات مستديرات مشفات محيطات بعضها
~~ببعض، الصغير منها في جوف الكبير والكبير في جوف ما هو أكبر منه إلى أن
~~ينتهي إلى الفلك التاسع لمحيط بالكل.

# وكل هذه الأفلاك متحركات حركات مستديرة مختلفة في السرعة والإبطاء،
~~والجهات المختلفة شرقا وغربا وجنوبا وشمالا وطولا وعرضا.

# وهكذا حكم حركات الكواكب فإنها كلها أجسام كريات مستديرات مضيئات بحركات
~~مستديرة مختلفة، كما بين في المجسطي ببراهين هندسية عقلية ضرورية تدل هذه
~~من أحوالها المختلفة الأشكال من الصغر والكبر والإبطاء والسرعة وغير ذلك،
~~على أنها واقفة بقصد قاصد وصنع صانع وجعل جاعل وفعل فاعل حكيم قادر عالم.

# وهكذا حكم الأركان الأربعة ومولداتها من الحيوان والنبات والمعادن، من
~~اختلاف أحوالها وفنون تصاويرها وتغير أوصافها، تدل على أنها كلها من صنع
~~صانع حكيم بصير قادر؛ وهو الله الواحد القهار العزيز الغفار.

# فعند ذلك بطل قول المنجمين فيما يدعونه من تأثير الكواكب لقيام الأدلة
~~بأنها مضطرة مسخرة؛ إذ المضطر لا فعل له، والفعل لمن يضطره ويبعد عليه
~~قدرته! ومن تعدى هذا الحكم فقد ظلم، ولا يبعد الله إلا لظالم قال بما لا يعلم.

### || (٥) فصل في بيان مشاهدة العلماء الحكماء العارفين المستبصرين الذين هم أولياء الله المصطفون الذين يرون صانع العالم بعين البصيرة

# فنقول: اعلم أن الجسم ذو جهات لا يمكنه أن يتحرك إلى جميع جهاته دفعة
~~واحدة، وليست حركته إلى جهة أولى من جهة إلا لسبب أو علة بها تكون تلك
~~الحركة من تحريك غيره إياه.

# فاعلم أن صانع العالم، لما كان محتجبا عن أبصار الناظرين الذين هم به
~~جاهلون، أثر الصنعة في مصنوعاته ظاهر جلي بين لا يخفى على كل عاقل منصف
~~لعقله، وإن كان لا يدري الصنعة لمن هي، ومن عملها، ومتى صورها، ومن أي شيء
~~خلقها، وكيف صورها، وواحد عمله أو أكثر، وإن كان العمل لواحد فعلى مثال
~~احتذاه بفعله إياه أو يعرف مثال عمله، ولم فعل بعد أن لم يكن فعل؛
~~فمشاهدتهم أثر الصنعة في المصنوع — وهي التي ذكرنا من اختلاف أحوالها —
~~دلالة على أنها كلها بقصد قاصد وصنع صانع وفعل حكيم قادر، وإن كانوا ليسوا
~~يرونه ولا يدرون من هو لجهلهم به وقلة معرفتهم له، وهي الحجاب الذي بينه
~~وبينهم، كما ذكر الله تعالى في ذمهم: @QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ
~~لمحجوبون ، والحجاب ها هنا هو جهالتهم وقلة معرفتهم به.

# وأما أولياء الله وأصفياؤه والعلماء العارفون المستبصرون فإنهم يرونه
~~ويشاهدونه في جميع أحوالهم ومتصرفاتهم ليلهم ونهارهم، لا يغيب عنهم طرفة
~~عين، كما لا تغيب مصنوعاته ومخلوقاته ومصوراته عن أبصار الناظرين، كما
~~وصفهم تعالى بقوله: @QUR@012 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو
~~العلم قائما بالقسط ، وقال: @QUR@06 إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ، سماهم
~~شهداء لمشاهدتهم لله تعالى في جميع أحوالهم كما قال: @QUR@05 فأينما تولوا
~~فثم وجه الله ، وقال: @QUR@05 هو الأول والآخر والظاهر والباطن ولا يعزب
~~عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا هو
~~معهم أينما كانوا @QUR@013 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة
~~إلا هو سادسهم ، وقال: @QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

# ولما تحقق أولياء الله تعالى فهم هذه الآيات وعرفوها حق معرفتها، شرح
~~الله قلوبهم ونور أبصارهم وكشف الغطاء عنهم حتى رأوه وشاهدوه بأبصارهم كما
~~عرفوه بقلوبهم، وكما ادعى أسد الله في الأرض «لو كشف الغطاء ما ازددت
~~يقينا» أراد بذلك: إني أراه في هذا الوقت مثل ما أراه في الآخرة.

### || (٦) فصل في أن وجود العالم عن الله

# فنقول: اعلم أن وجود العالم عن الباري ليس كوجود الدار عن البناء أو
~~كوجود الكتاب عن الكاتب الثابت المستقل بذاته المستغني عن الكاتب بعد فراغه
~~من الكتابة وعن البناء بعد فراغه من أبنية الدار، ولكن كوجود الكلام عن
~~المتكلم، الذي إن سكت بطل وجود الكلام، فالكلام يكون موجودا ما دام المتكلم
~~يتكلم به، ومتى سكت بطل وجوده؛ أو كوجود نور السراج في الهواء ما دام
~~السراج باقيا، فالنور باق موجود؛ أو كوجود ضوء الشمس في الجو، فإن غابت
~~الشمس بطل وجدان الضوء من الجو؛ أو كوجود الحرارة المسخنة في جسم النار لو
~~انطفأت بطل ضوءها وحرارتها؛ أو كوجود العدد عن الواحد قبل الاثنين، كما
~~بينا في رسالة الأرثماطيقي.

# ثم اعلم أن كلام المتكلم ليس هو جزءا منه، بل فعل فعله أو عمل عمله
~~وأظهره بعد أن لم يكن، وهكذا حكم النور الذي يرى في الجو عن جرم الشمس ليس
~~هو جزءا منها، بل هو أشخاص منها وفيض وفضل منها، وهكذا حكم حرارة النار
~~المنتشرة منها حولها ليست بجزء منها، بل هي فيض يفيض منها، وهكذا الحكم
~~والمثال في وجود العالم عن الباري، وذلك أن العالم ليس بجزء منه، بل فضل
~~تفضل به وفيض جود أفاضه وفعل فعله بعد أن لم يكن فعل، كما أن المتكلم أظهر
~~الكلام بعدما لم يكن تكلم، وليس الكلام جزءا من المتكلم، بل فعل فعله وصنع
~~أظهره. فقد تبين إذن بما ذكرنا من هذه المثالات التي تقدمت كيفية وجود
~~العالم عن الله تعالى، ولا تقدر أيضا ولا ينبغي أن تظن أن وجود العالم عن
~~الله تعالى طبعا بلا اختيار منه، مثل وجود نور الشمس في الجو طبعا لا
~~اختيارا منها، ولا تقدر أن تمنع نورها وفيضها لأنها مطبوعة على ذلك، طبعها
~~رب العالمين.

# فأما الباري تعالى فمختار في فعله إن شاء فعل وإن شاء أمسك عن الفعل
~~تركا، مثل المتكلم القادر على الكلام إن شاء تكلم وإن شاء أمسك وسكت، وهكذا
~~حكم إيجاد الباري تعالى واختراعه، إن شاء أفاض جوده وفضله ونعمته وإحسانه
~~وإظهار رحمته وحكمته، وإن شاء أمسك عن الفعل تركا، وإن شاء لم يمتنع عن
~~إيجاده فعله صنعا؛ إذ هو قادر على الفعل وترك الفعل مختارا، كما ذكر في
~~كتابه: @QUR@015 إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن
~~أمسكهما من أحد من بعده ، وقال: @QUR@05 كل يوم هو في شأن ولا يشغله شأن عن شأن.

# وإذ قد تبين بما ذكرنا حدوث العالم وكيفية حدوثه عن الله تعالى، فنريد
~~الآن أن نذكر ونبين أيضا كيفية بوار العالم وخراب الأفلاك وطي السموات كطي
~~السجل للكتب بمقدمات عقلية ضرورية صادقة، ينتج عنها ما ذكرنا من بوار
~~العالم وخراب الأفلاك.

### ||| فصل

# فنقول: اعلم أن الفاعل المختار هو الذي يقدر على الفعل وتركه متى شاء،
~~فهذه مقدمة موجبة صادقة. ومقدمة أخرى: كل فاعل حكيم مختار فله في فعله غرض،
~~فهذه موجبة صادقة. ومقدمة أخرى نشرحها، فنقول: الغرض هو عناية سابقة في علم
~~الصانع قبل إظهار صنعته ومن أجله يفعل ما يفعله، فإذا بلغ إلى غرضه قطع
~~الفعل وأمسك عن العمل.

# فهذه مقدمات ثلاث موجبات صادقات. ومقدمة أخرى: كل حكيم صانع إذا علم علما
~~يقينيا أنه لا يبلغ إلى غرضه في فعله، فإنه لا يعمل شيئا ولا يطلبه، وهذه
~~مقدمة كلية موجبة صادقة. ومقدمة خامسة: محرك الأفلاك والكواكب فاعل مختار
~~حكيم قادر، وهذه مقدمات موجبة.

# فينتج من هذه المقدمات أن العالم سيخرب يوما؛ بيان ذلك أنه إن كان قد
~~يبلغ محرك الأفلاك إلى غرضه في تحريكها فسببه أن يمسك عن تحريكها وإدارتها،
~~وإن كان لم يبلغ إلى الغرض فالغاية في ذلك بلوغ الغرض، وإن كان يعلم أنه لا
~~يبلغ غرضه ومطلبه فسبيله أن يمسك عن فعله إن كان حكيما، وإن كان يعلم أنه
~~سيبلغه، فإذا بلغ غرضه ومطلبه قطع الفعل وأمسك عن العمل.

# وإذا أمسك محرك الأفلاك عن التحريك لها وقفت الأفلاك عن الدوران، ووقفت
~~الكواكب عن المسير في البروج، ووقفت مجاري الليل والنهار والشتاء والصيف،
~~وبطل ترتيب الزمان، ووقف الكون والفساد في المولدات الثلاثة، وفسد النظام.
~~وفي ذلك يكون بطلان العالم وبوار الكل؛ لأنا قد بينا في فصول قبل هذه أن
~~قوام العالم وصلاح الخلائق هو بالحركة التي هي حياة العالم وصلاحه، وبها
~~يكون الخير والشر والسعود والمعارف أجمع.

# فقد تبين بما ذكرنا كيفية بوار العالم وطي السموات والأرضين التي هي
~~القيامة الكبرى. فأما حديث عالم الأرواح وبقائها ودوامها وكيفية تصاريف
~~أهلها، فقد ذكرنا طرفا منها في رسالة البعث والقيامة بشرحها.

### || (٧) فصل في بيان الضرر لمن يعتقد أن العالم قديم غير مصنوع

# فنقول: إن من يعتقد أن العالم قديم غير مصنوع أو يظن ذلك، فإن نفسه نائمة
~~نوم الغفلة ويموت بموت الجهالة؛ وذلك أنه لا يخطر بباله ولا يجول في خلده
~~ولا في فكره كيفية صنعة العالم وتكوينه، ولا يسأل عن صانعه من هو ولا من
~~خلقه، أو متى أحدثه، ومن أي شيء خلقه، وكيف صوره، ولم فعل بعد أن لم يكن
~~فعل، وما الذي أراد بما فعله، وما شاكل هذه المباحث والسؤالات التي فيها
~~وفي أجوبتها انتباه النفس من نوم الغفلة، وحياة لها وخلاص من البؤس والشدة.
~~فإذا لم يخطر بباله لا يسأل عنه، وإذا لم يسأل عنه لا يجاب، وإذا لم يجب لا
~~يعلم، وإذا لم يكن عالما فنفسه تنام في غفلتها، وتعمى عن الاعتبار
~~للمشاهدات، وتصم عن استماع الأذكار والخطاب، وتموت في ظلمات الجهالة التي
~~هي ظلمات بعضها فوق بعض، ويشتغل حينئذ بالأكل والشرب والجماع وطلب الشهوات
~~الجسمانية واللذات الجرمانية؛ إذ هو جاهل بنفسه، مصر على سوء فعله، مستكبر
~~في حياته إلى الممات، ثم يفارق الدنيا على رغم منه كارها حزينا خاسرا، لا
~~يرجى له بعد الموت ثواب، ولا يؤمل له إحسان؛ إذ لم يكن له ما يجازى به
~~إحسانا، وهو قوله: @QUR@07 خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين .

# فأما من يعتقد خلاف ذلك — وهو يعتقد أن العالم محدث مصنوع بقصد قاصد وفعل
~~حكيم — فإنه يعرض له عند ذلك خواطر عجيبة وفكر وروية واعتبار وبصيرة
~~وسؤالات طريفة ومباحث لطيفة عن العلوم الشريفة، ويكون في ذلك النجاة والسبب
~~لانتباه النفس من نوم الغفلة، وتنفتح له عين البصيرة، ويحيا حياة العلماء
~~ويعيش عيش السعداء في الدنيا والآخرة جميعا؛ وذلك أنه يخطر بباله ويعرض في
~~فكره أن يبحث ويسأل، فيقول: من هذا الصانع الذي خلق العالم؟ ومتى خلق؟ ومن
~~أي شيء عمل؟ وكيف صنع وصور؟ ولم فعل بعد أن لم يكن فعل ما فعل؟ وما الذي
~~أراد بذلك؟ ولماذا؟ وما شاكل هذه المباحث والسؤالات التي في أجوبتها حياة
~~النفس من موت الجهالة، ويقظة لها من الغفلات، والخروج من ظلمات الخطيئة.
~~وإن وفق لفهمها بإلهام من الله تعالى فذلك هو الوحي والنبوة، وإن عز عليه
~~فعليه بمجالسة الحكماء والمباحثة معهم، فإذا فهم ما قالوه — حسبما بينا في
~~رسائلنا الإلهيات — صارت نفسه مثل نفوسهم، ويكون معهم حيث كانوا في درجات
~~الجنان، وتنتبه نفسه من نوم الغفلة، ويحيا حياة العلماء ويعيش عيش السعداء،
~~ويرفع إلى ملكوت السماء، ويصير في زمرة الأنبياء الذين أخلصوا بخالصة ذكرى
~~الدار، وتصير نفسه من ورثة جنة النعيم وسكان السموات وقاطني الأفلاك، ويبقى
~~هنالك خالدا مخلدا منعما ملذذا أبد الآبدين.

### ||| فصل

# ثم اعلم أن لكل شيء من الموجودات قسطا من السعادة، قلت أم كثرت، وهي أن
~~يبقى ذلك الشيء موجودا أطول ما يمكن على أحسن حالاته وأتم نهاياته، ولكن
~~أسعد السعادات وأتم النهايات وأرفع المقامات ما يناله أولياء الله الذين هم
~~صفوته وأهل مودته، وهو ثلاث خصال؛ أولها: معرفتهم بربهم. والثانية: قصدهم
~~نحوه بهممهم. والثالثة: طلابهم مرضاته بسعيهم وأعمالهم.

# فأما معرفتهم بربهم فهو أن يعلم أن كل نفس جزئية هي قوة منبجسة فائضة من
~~النفس الكلية، ويعلم أن النفس الكلية هي أيضا قوة منبجسة فائضة من العقل
~~الكلي، ويعلم أن العقل الكلي هو أيضا نور فائض من وجود الباري تعالى، ويعلم
~~أن الله تعالى هو نور الأنوار ومحض الوجود ومعدن الجود ومعطي الفضائل
~~والخيرات والسعادات، وهو باق أبدا سرمدا، وأن النفس الجزئية هي أيضا أنوار
~~وضياء وإشراقات فائضة من النفس الكلية منبثة منها في العالم سارية في
~~الأجسام من لدن فلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض؛ فهذا أصل علم أولياء الله
~~تعالى ومعرفتهم بربهم.

# وأما قصدهم نحوه بهمم نفوسهم فإنه فكرتهم آناء الليل وأطراف النهار في
~~عجائب مصنوعاته وغرائب مخترعاته وأصناف خلائقه، واعتبارهم تصاريف أحوالها
~~وكيفية الوصول إليها وإلى صانعها وبارئها، ومحبتهم له واشتياقهم إليه من
~~كثرة ما يرون من إحسانه وإنعامه عليهم وعلى الخلق أجمعين، وقد جبلت القلوب
~~على حب من أحسن إليها. وأما طلابهم مرضاته بسعيهم وأعمالهم فهو قبولهم
~~وصايا ربهم تعالى التي جاءت بها الأنبياء والرسل عليهم السلام، والعمل
~~بجميع ما أشاروا إليه، فهم في ليلهم ونهارهم لا يغفلون عنه ولا يسهون عن
~~أسراره في القيام والقعود والممر والمجيء والأكل والشرب والأفعال والأعمال
~~والانقلاب في جميع أحوالهم ومتصرفاتهم؛ فهم في جميع أعمالهم كأنهم يرون
~~ربهم بعين القلب لا شك ولا ريب، كما قال سيد المرسلين عليه السلام لما سئل
~~عن الإحسان؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن
~~تراه فإنه يراك»، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا @QUR@08 إن الله مع الذين
~~اتقوا والذين هم محسنون ، @QUR@06 إن الله لا يضيع أجر المحسنين .

# وفقك الله وإيانا وجميع إخواننا إلى طريق السداد، وهداك وإيانا وجميع
~~إخواننا سبيل الرشاد، إنه رءوف بالعباد.

# (تمت رسالة كمية أجناس الحركات، ويليها رسالة في العلل والمعلولات.)

### | الرسالة التاسعة من النفسانيات العقليات في العلل والمعلولات

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم أيها الأخ أنا قد فرغنا من بيان كمية أجناس الحركات وكيفية
~~اختلافها، وأشرنا في ذلك أن العالم محدث مصنوع، ونريد الآن أن نذكر في هذه
~~الرسالة بيان العلل والمعلولات، فنقول:

# إن نعمة الله تعالى على عباده جمة لا تفنى، ومواهبه كثيرة لا تحصى، ولكن
~~يتفاضل بعضها بعضا بحسب جزالتها وغزارتها، فمن مواهب الله الجزيلة وعطاياه
~~الجميلة لبعض عباده، التي خص بها قوما دون قوم، وهي الحكمة البالغة كما ذكر
~~بقوله: @QUR@07 ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ؛ يعني به علم القرآن
~~خاصة وتفسير آياته ومعاني أسراره وإشاراته اللطيفة التي لا يمسها إلا
~~المطهرون من العيوب والذنوب والكذب في حق الله وآياته؛ حيث يفسر قوم آيات
~~الله على خلاف ما هو معناه؛ كما فسروا الاستواء بالجلوس والتمكن على العرش،
~~والرؤية بالنظر إلى الجسم المشار إليه، وبالسمع والبصر فسروا الأعضاء
~~الإلهية، وفسروا الكلام بالنطق والحروف، وبالنزول الانتقال من السماء
~~السابعة إلى السماء الدنيا، وغير ذلك من الآيات التي لا يعرف تأويلها إلا
~~الله والراسخون في العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون ويعرفون تأويل آياته
~~وأسراره ويقولون: @QUR@06 آمنا به كل من عند ربنا ، فهذا قول الحكماء
~~الربانيين والعلماء المتفلسفين.

# ثم اعلم أن لفظ الفيلسوف عند اليونانيين معناه الحكيم، والفلسفة تسمى
~~الحكمة، والحكيم هو الذي أفعاله تكون محكمة، وصناعته متقنة، وأقاويله
~~صادقة، وأخلاقه جميلة، وآراؤه صحيحة، وأعماله زكية، وعلومه حقيقية؛ وهي
~~معرفة حقائق الأشياء، وكمية أجناسها، وأنواع تلك الأجناس، وخواص تلك
~~الأنواع واحدا واحدا، والبحث عن عللها: هل هي، وما هي، وكم هي، وأي شيء هي،
~~وكيف هي، وأين هي، ومتى هي؟ ولم كانت ومن هي؟ ويحسن أن يسأل عن هذه الوجوه
~~أو يجيب عنها إذا سئل، ويفهم معانيها إذا فكر فيها وبحث عنها، كما قلنا في
~~رسالة أجناس العلوم.

# ثم اعلم أن أصعب الأجوبة عن هذه السؤالات التسعة جواب اللمية؛ لأنه سؤال
~~عن العلل، والعلل كثيرة دقيقة غامضة، تحتاج إلى بحث شديد وفهم صادق ونفس
~~زكية ونظر دقيق.

# ثم اعلم أن المباحث والمطالب في معرفة حقائق الأشياء تسعة أنواع؛ أولها:
~~هل هو؟ والثاني: ما هو؟ والثالث: لم هو؟ والرابع: كم هو؟ والخامس: أي شيء
~~هو؟ والسادس: كيف هو؟ والسابع: أين هو؟ والثامن: متى هو؟ والتاسع: من هو؟
~~ولكل سؤال من هذه السؤالات جواب خاص لا يشبه الآخر؛ فمن يتعاطى معرفة حقائق
~~الأشياء ويخبر عن عللها وأسبابها يحتاج إلى أن يكون قد عرف هذه المباحث
~~التسعة والجواب عن هذه السؤالات واحدا واحدا بحقه وصدقه.

# ثم اعلم أن معرفة الكيفية قبل معرفة الكمية؛ فمن لا يدري كيفية الأشياء
~~وترتيبها ونظامها لا يوثق بقوله إذا أخبر عن عللها وأسبابها بأن ذلك منه عن
~~معرفة، بل هو حكاية وإخبار عن غيره ولا يكون إلا مبلغا! وينبغي لمن يطلب
~~حقائق الأشياء ويبحث عن عللها وأسبابها أن يبتدئ أولا بمعرفة الأصول
~~والقوانين والأجناس الكليات، ثم ينظر في الفروع والأنواع والأشخاص التي هي
~~الحروف.

# ثم اعلم أن ملاك الأمر في معرفة حقائق الأشياء هو في تصور الإنسان حدوث
~~العالم، وكيفية إبداع الباري، تعالى، العالم واختراعه إياه، وكيفية ترتيبه
~~للموجودات ونظامه للكائنات بما عليه الآن ولم كان ذلك.

# ثم اعلم أن كل عاقل إذا سمع كلام العلماء في حدوث العالم، وأقاويل
~~الحكماء في كيفية إبداع الباري، تعالى، العالم واختراعه له بعد أن لم يكن،
~~وتفكر فيما قالوه؛ فإنه يشتهي ويتمنى أن لو علم كيف صنعه، ومتى عمله، ولم
~~فعل ذلك بعد أن لم يكن قبل. فإن فكر في هذه الثلاثة من المباحثات، ولم
~~يتصور كيفية ذلك، ولا متى، ولا لم لصعوبتها ودقتها؛ فربما تحير عقله وتشككت
~~نفسه فيما قالت الحكماء وارتابت بها وتبلبلت.

# ثم اعلم أن العلة في صعوبة التصور لحدوث العالم وكيفية إبداع الباري
~~تعالى له من غير شيء هو من أجل جريان العادة في الشاهد أن كل مصنوع فإن
~~صانعه يعمله من هيولى ما، في مكان ما، في زمان ما، بحركات وأدوات.

# وليس حدوث العالم وصنعته وإبداع الباري تعالى له هكذا، بل أخرج من العدم
~~إلى الوجود هذه الأشياء كلها؛ أعني الهيولى والمكان والزمان والحركات
~~والأدوات والأعراض، فمن أجل هذا لا يتصور كيفية حدوث العالم وإبداعه.

### || (١) فصل

# ثم اعلم أن الله تعالى قد علم بأنه يعرض للعقلاء هذه الشكوك والحيرة، حيث
~~تفكروا في كيفية حدوث العالم، ولا يتصور بهذه الطريقة لصعوبتها، فجعل له
~~طريقا آخر أسهل من هذه وأقرب، وركزها في نفوسهم كأنها مكتوبة فيها كتابة
~~إلهية لا يمكن لأحد من العقلاء إنكارها إذا أنصف عقله؛ لأنه يجد صدقها في
~~نفسه شاهدا له بها، وهي كيفية صورة العدد ومنشؤه من الواحد الذي قبل
~~الاثنين كما في رسالة الأرثماطيقي.

# ثم اعلم أن الحكماء والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم سفراء الله
~~بينه وبين خلقه، ليعبروا عنه المعاني ويفهموها الناس بلغات مختلفة، لكل أمة
~~ما تعرفه على قدر احتمال أفهامهم، فإذا مضت الأنبياء لسبلها خلفهم العلماء
~~والحكماء وقاموا مقامهم ونابوا منابهم فيما كانوا يقولون ويفعلون، ويعلمون
~~الناس من معالم الدين وطريق الآخرة ومصالح الدنيا، فمن قبل منهم ما قالوه
~~وعمل بما أمروه فهو على طريق النجاة والفوز، ومن أبى وكفر به فهو على خطر
~~عظيم وخوف من الهلاك، فاحذر يا أخي مخالفة الحكماء ومعاندة العلماء، بل كن
~~منهم إذا استوى لك، وينبغي ألا ترضى لنفسك إلا بأعلى مرتبة في العلم
~~والحكمة، فإن بذلك يكون القربة إلى الله تعالى كما ذكر بقوله: @QUR@012 قل
~~هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ، وإذ قد
~~بان بما ذكرنا طرف من فضيلة العلماء ومناقب الحكماء فنقول الآن: قد قالت
~~الحكماء كلمة كلية صادقة، وهي قولهم «إن الطبيعة لم تفعل شيئا باطلا»؛
~~ومعنى هذا القول أنه ليس شيء في الموجودات بلا فائدة ولا عائدة، بل ما من
~~شيء إلا وفيه جر لمنفعة أو دفع لضر.

# فإذا كان الأمر كما ذكرت يحتاج كل من يدعي أنه يعرف الحكمة أو يتعاطى
~~التحقيق أن يخبر إذا سئل عن علة كل موجود، ولماذا وكيف وما الحكمة في كونه
~~وما الفائدة في وجوده — إن كان يحسن ذلك — وإلا ينبغي له أن يقول: «الله
~~ورسوله أعلم»، ولا يأنف أن يقول: «لا أدري»، فنقول: قبل كل شيء إنه ينبغي
~~لمن يريد النظر في حقائق الأشياء، والبحث عن عللها، والسؤال عن أسبابها ولم
~~وكيف ولماذا وما الحكمة فيها؛ أن يكون له قلب فارغ من هموم الدنيا وأمورها،
~~ونفس زكية وفهم دقيق وعقل واضح وأخلاق طاهرة وصدر سليم من الدغل والغش
~~والآراء الفاسدة، ويكون مرتاضا بالرياضيات الحكمية الأربع والنظر في المنطق
~~والطبيعيات، ويكون قد عرف السؤالات وأجوبتها — كما بينا في رسالة الأجناس
~~من العلوم — ثم ينظر في هذا الفن الذي يسمى علم الأنبياء، الملقب بعلم
~~الإلهيات؛ لأن هذا العلم هو الغاية القصوى التي ينتهي إليها الإنسان في علم
~~المعارف التي تلي رتبة الملائكة، الذين هم الملأ الأعلى وسكان السموات
~~وملوك الأفلاك.

### || (٢) فصل في أن الأشياء هي أعيان؛ أي صور غيريات أبدعها الباري

# ثم اعلم أن الأشياء هي أعيان؛ أي صور غيريات أفاضها وأبدعها الباري
~~تعالى، كما أن العدد هو أعيان أي صور غيريات فاض من الواحد بالتكرار في
~~أفكار النفوس، والأشياء كانت في علم الباري تعالى قبل إبداعه واختراعه لها،
~~كما أن الواحد لم يتغير عما كان عليه قبل ظهور العدد منه في أفكار النفوس.

# ومن أخص أوصاف الباري أنه غير الوجود وأصل الموجودات وعلتها، كما أن
~~الواحد أصل العدد ومبدؤه ومنشؤه، فلو كان الباري تعالى ضدا لكان العدم،
~~ولكن العدم ليس بشيء، والباري تعالى في كل شيء ومع كل شيء من غير مخالطة
~~لها ولا ممازجة معها، كما أن الواحد في كل عدد ومعدود، فإذا ارتفع الواحد
~~من كل الموجود توهمنا ارتفاع العدد كله، وإذا ارتفع العدد فلم يرتفع
~~الواحد، كذلك لو لم يكن الباري لم يكن شيء موجودا أصلا، وإذا بطلت الأشياء
~~لا يبطل هو ببطلان الأشياء، ومن الموجودات ما هو أقرب إلى الباري تعالى
~~رتبة ومنزلة وهو العقل، كما أن من الأعداد ما هو أقرب إلى الواحد رتبة
~~ونسبة، وهو الاثنين ثم الثلاثة ثم الأربعة، ثم ما زاد بالغا ما بلغ، فهكذا
~~حكم الموجودات من الله تعالى مرتبة ومنتظمة كترتيب العدد ونظامه، كما بينا
~~في رسالة العدد، وفي رسالة المبادئ العقلية.

# ثم اعلم أن كثيرا ممن ينظرون ويتفكرون في مبادئ الأمور يظنون ويتوهمون
~~بأن المعلومات في علم الله لم تزل مثل صور المصنوعات في أنفس الصناع قبل
~~إخراجهم لها ووضعهم في الهيولى المعروفة في صنائعهم، أو مثل صورة المعقولات
~~في أنفس العقلاء وتصورهم لها، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، بل مثل كون
~~العدد في الواحد كما بينا قبل؛ لأن صورة المصنوعات حصلت في أنفس الصناع بعد
~~النظر منهم في مصنوعات أستاذيهم والتأمل لها والتفكر فيها والاعتبار لها،
~~والتي في أنفس أستاذيهم الذين أبدعوا الصناعات واخترعوها حصلت في نفوسهم
~~بعد النظر منهم إلى المصنوعات الطبيعية والتأمل لها والتفكر فيها، وهكذا
~~حكم صورة المعقولات في أنفس العقلاء حصلت فيها بعد النظر إلى المحسوسات
~~وتأملهم لها والفكر منهم فيها، وليس حكم الله تعالى كذلك، بل علمه من ذاته،
~~كما أن العدد من ذات الواحد.

# والمثال ينبغي أن يكون مطابقا لما يمثل به في أكثر المعاني لا في أقلها،
~~فمثال الباري تعالى بالواحد في نسبته إلى المبروزات بالأعداد أكثر مطابقة
~~له من غيرها من المثالات.

# ثم اعلم أن كل موجود تام فإنه يفيض منه على ما دونه فيض ما، وأن ذلك
~~الفيض هو من جوهره أعني صورته المقومة التي هي ذاته؛ والمثال في ذلك حرارة
~~النار، فإنها تفيض منها على ما حولها من الأجسام من التسخين والحرارة، وهي
~~جوهرية النار التي هي صورتها المقومة لها، وهكذا أيضا يفيض من الماء
~~الترطيب والبلل على الأجسام المجاورة له، والرطوبة جوهرية في الماء، وهي
~~صورة مقومة لذاته، وهكذا أيضا يفيض من الشمس النور والضياء على الأفلاك
~~والهواء؛ لأن النور جوهري في الشمس، وهي صورته المقومة لذاته، وهكذا أيضا
~~تفيض من النفس الحياة على الأجسام؛ لأن الحياة جوهرية لها، وهي الصورة
~~المقومة لذاتها.

### ||| فصل

# ثم اعلم أنه ما دام الفيض من الفائض، يكون متواترا متصلا ما دام ذلك
~~المفاض عليه، ومتى لم يتواتر متصلا عدم وبطل وجوده؛ لأنه يضمحل الأول
~~فالأول. والمثال في ذلك الضوء في الهواء، إذا تواتر البرق واتصل بقي الهواء
~~مضيئا مثل النهار؛ لأن الشمس تفيض الفيض منها على الهواء متواترا متصلا،
~~فإذا حجز بينهما حاجز، عدم ذلك الضوء من الهواء لأنه يضمحل ساعة ساعة ولا
~~يتواتر الفيض عليه، وهكذا الحياة من النفس على الأجسام ما دامت متصلة
~~متواترة تدوم الحياة، فإذا فارقت النفس الجسد بطلت حياة الجسد من ساعته
~~واضمحلت، وهكذا حكم وجود العالم وبقائه من الباري تعالى، فما دام الفيض
~~والجود والعطاء متواترا متصلا، دام وجود العالم من الله تعالى.

# واعلم أن أكثر العقلاء يظنون ويتوهمون أن وجود العالم من الله تعالى
~~كوجود الدار المبنية من البناء، المستقلة بذاتها، المستغنية عن البناء بعد
~~بنائه، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا؛ لأن بناء الدار تركيب وتأليف من أشياء
~~هي موجودة بأعيانها، قائمة بذواتها، كالتراب والماء والحجارة والآجر والجص
~~واللبن والخشب وما شاكلها، وليس الإبداع والاختراع تركيبا وتأليفا، بل
~~إحداث واختراع من العدم إلى الوجود، والمثال في ذلك كلام المتكلم وكتابة
~~الكاتب، فإن أحدهما يشبه الإبداع وهو الكلام، والآخر يشبه التركيب وهو
~~الكتابة، فمن أجل هذا صار إذا سكت المتكلم بطل وجدان الكلام، فإذا أمسك
~~الكاتب لا يبطل الموجود من الكتابة، فوجود العالم من الله تعالى كوجود
~~الكلام من المتكلم، إذا أمسك عن الكلام بطل وجدان الكلام، والدليل على ما
~~قلنا وحقيقة ما وصفنا قول الله تعالى: @QUR@010 إن الله يمسك السماوات
~~والأرض أن تزولا ولئن زالتا ... الآية و@QUR@05 كل يوم هو في شأن ولا يشغله
~~شأن عن شأن.

# ثم اعلم أن كل لبيب عاقل إذا فكر في كيفية حدوث العالم، وإبداع الباري
~~له، وخلقه أطباق السموات والأرض، وتركيبه أكر الأفلاك، وتدويره أجرام
~~الكواكب البسيطة والأركان الأربعة، وتكوينه المولدات الثلاثة منها؛ فلا بد
~~أن يعتقد فيها أحد الآراء الثلاثة: إما أن يظن ويتوهم بأنها أبدعت دفعة
~~واحدة وأخرجها الباري تعالى من العدم إلى الوجود على ما هي عليه الآن، أو
~~يظن ويتوهم بأنها أبدعت على تدريج فأخرجت على ترتيب أولا فأولا إلى آخرها
~~على ممر الدهور والأزمان، أن يقول بعضها دفعة وبعضها على التدريج! إذ ليس
~~في القسمة العقلية غير هذه الثلاثة. فأما من يظن ويقول إنها أبدعت دفعة
~~واحدة بلا زمان فلا يجد لما يقول عليه دليلا من الشاهد فيتشكك فيما يقول.

# وأما من يقول إنها أبدعت وأخرجت من العدم إلى الوجود على تدريج ونظم
~~وترتيب، فهو يجد على ما يقول شواهد كثيرة من الموجودات باستقراء واحد.

# وأما من يقول إن بعضها أبدع وأحدث دفعة واحدة وبعضها على التدريج، فهو
~~يحتاج إلى أن يبينها ويشرحها ويفصلها.

### || (٣) فصل في أن الأمور الطبيعية أحدثت على تدريج ممر الدهور والأزمان

# فنقول: إن الأمور الطبيعية أحدثت وأبدعت على تدريج ممر الدهور والأزمان؛
~~وذلك أن الهيولى الكلي — أعني الجسم المطلق — قد أتى عليه دهر طويل إلى أن
~~تمخض وتميز اللطيف منه من الكثيف، وإلى أن قبل الأشكال الفلكية الكرية
~~الشفافة وتركب بعضها في جوف بعض، وإلى أن استدارت أجرام الكواكب النيرة
~~وركزت مراكزها، وإلى أن تميزت الأركان الأربعة وترتبت مراتبها وانتظمت
~~نظامها.

# والدليل على ذلك قوله تعالى: @QUR@06 خلق السماوات والأرض في ستة أيام ،
~~وقوله تعالى: @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون .

# فأما الأمور الإلهية الروحانية، فحدوثها دفعة واحدة مرتبة منتظمة بلا
~~زمان ولا مكان ولا هيولى ذات كيان، بل بقوله: @QUR@02 كن فيكون والأمور
~~الروحانية الإلهية هي العقل الفعال والنفس الكلية والهيولى الأولى والصور
~~المجردة، والعقل هو نور الباري تعالى وفيضه الذي فاض أولا، والنفس هي نور
~~العقل وفيضه الذي أفاضه الباري منه، والهيولى الأولى هي ظل النفس وفيئها،
~~والصور المجردة هي النقوش والأصباغ والأشكال التي عمتها النفس في الهيولى
~~بإذن الله تعالى وتأييده لها بالعقل.

# وهذه الأمور كلها بلا زمان ولا مكان، بل بقوله: @QUR@02 كن فيكون كما
~~قال: @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر .

# والمثال حدوث البرق، وإشراق نور الشمس في الهواء، وإضاءة الإبصار ورؤية
~~الأشياء دفعة واحدة بلا زمان.

# ثم اعلم أن الأركان الأربعة متقدمة الوجود على مولداتها بالأيام والشهور
~~والسنين، كما أن الأفلاك متقدمة الوجود على الأركان بالأزمان والأدوار
~~والقرانات، وعالم الأرواح متقدم الوجود على عالم الأفلاك بالدهور الطوال
~~التي لا نهاية لها، والباري تعالى متقدم الوجود على الكل، كتقدم الواحد على
~~جميع العدد.

# ثم اعلم أنه قد أتى على النفس دهر طويل قبل تعلقها بالجسم ذي الأبعاد،
~~وكانت هي في عالمها الروحاني ومحلها النوراني ودارها الحيوانية مقبلة على
~~علتها، العقل الفعال، تقبل منه الفيض والفضائل والخيرات، وكانت منعمة ملتذة
~~مستريحة مسرورة فرحانة.

# فلما امتلأت من تلك الفضائل والخيرات أخذها شبه المخاض، فأقبلت تطلب ما
~~تفيض عليه تلك الخيرات والفضائل، وكان الجسم فارغا قبل ذلك من الأشكال
~~والصور والنقوش، فأقبلت النفس على الهيولى تميز الكثيف من اللطيف، وتفيض
~~عليه تلك الفضائل والخيرات.

# فلما رأى الباري تعالى ذلك منها مكنها من الجسم وهيأ لها، فخلق من ذلك
~~الجسم عالم الأفلاك وأطباق السموات من لدن فلك المحيط إلى منتهى مركز
~~الأرض، وركب الأفلاك بعضها في جوف بعض، وركز الكواكب مراكزها، ورتب الأركان
~~مراتبها على أحسن النظام والترتيب بما هي عليه الآن؛ لكيما تتمكن النفس من
~~إدارتها وتسيير كواكبها، ويسهل عليها إظهار أفعالها وفضائلها والخيرات التي
~~قبلتها من العقل الفعال.

# فهذا الذي كان سبب كون العالم — أعني عالم الأجسام — بعد أن لم يكن، من
~~يرد أن يتصور كيفية تمخض الهيولى وتميز أجزاء الجسم اللطيف منها من الكثيف،
~~وقبولها الأشكال الكرية الفلكية الشفافة، وكيف تركب بعضها في جوف بعض في
~~مراتبها ودورانها، وكيف استدارت أجرام الكواكب النيرة وركزت مراكزها في
~~أفلاكها في مسيراتها، وكيف تمخضت أجزاء الأركان الأربعة بعضها مع بعض،
~~وتميز بعضها من بعض، وترتبت على ما هي عليه الآن كلها من هيولى واحد من حيث
~~الجسمية مع اختلاف صورها وفنون أشكالها؛ فليعتبر تركيب جسده من دم الطمث في
~~الرحم كيف تمخض وتميز، وصار بعضها عظاما بيضا صلبة، وبعضها لحما أحمر،
~~وبعضها شحما دسما أصفر، وبعضها عروقا مجوفة، وبعضها أعضاء آلية، وبعضها
~~أعضاء متشابهة الأجزاء، وكيف صار بعضها قلبا، وبعضها جرم الكبد، وبعضها جرم
~~الرئة، وكذلك المعدة والطحال والدماغ والأمعاء، وكيف صار بعضها جلدا وشعرا
~~وظفرا، وما شاكل هذه الأشياء المختلفة الأشكال والصور والألوان والطعوم
~~والروائح والطباع.

# وإن عجز فهمه عن تصور كون هذه من دم الطمث ومن النطفة وتركيبها منه
~~وكيفية قبولها هذه الصور والأشكال والطعوم والألوان، التي هي أقرب إليه
~~ومعرفتها أسهل عليه، فهو عن تصور كيفية الأفلاك وخلق أطباق السموات
~~والأراضين أبعد، وهو بها أجهل وأقل فهما.

### || (٤) فصل في أن النفس الكلية سترجع إلى عالمها الروحاني

# ثم اعلم أنه سترجع النفس الكلية إلى عالمها الروحاني ومحلها النوراني
~~وحالتها الأولى التي كانت عليها قبل تعلقها بالجسم، كما قال تعالى:
~~@QUR@010 كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ، ولكن لا
~~يكون ذلك إلا بعد مضي الدهور والأزمان الطوال والأدوار، وسيخرب العالم
~~الجسماني إذ فارقته النفس وسكن الفلك عن الدوران، والكواكب عن السير،
~~والأركان عن الاختلاط والمزاج، ويبلى النبات والحيوان والمعادن ويخلع الجسم
~~الصور والاشكال والنقوش ويبقى فارغا كما كان بديا إذ أعرضت عنه النفس
~~وأقبلت نحو عالمها ولحقت بعلتها الأولى وصارت عنده واتحدت به؛ لأن مثل
~~النفس في إقبالها على الجسم واشتغالها به في إصلاح شأنه — بعدما كانت مقبلة
~~على علتها في عالمها مستفيدة منها الفيض من الفضائل والخيرات — كمثل الرجل
~~الخير العاقل المحب المقبل على أستاذه، المحب الحريص في تعلمه العلم والحكم
~~والمعارف، المتخلق بأخلاقه الجميلة وآدابه الصحيحة مدة من الزمان، حتى إذا
~~امتلأ من الخيرات والفضائل والعلوم والحكم أخذه عند ذلك شبه المخاض، واشتهى
~~وتمنى وطلب من يفيض عليه من تلك الخيرات والفضائل ويفيده إياها.

# فإذا وجد تلميذا يعلم أنه يقبل منه تأديبه ويفهم علمه وحكمته، أقبل عليه
~~بالفيض والإفادة طمعا في إصلاحه وحرصا في تعليمه ورغبة في تأديبه، تشبها
~~بأستاذه في أفعاله وصنائعه، مثل ما كان يفعل أستاذه به تشبها بأستاذه
~~ومعلمه ومخرجه الأول الذي أدبه وخرجه وهذب جوهره وصفى عنصره.

# فإذا فرغ من تعليمه وتثقيفه بتأديبه، أقبل عند ذلك على عبادة ربه، وطلب
~~الخلوات لمناجاة باريه، وتمنى اللحوق بأسلافه وأقاربه والدخول في زمرة
~~ملائكته. وهكذا سيرة الأنبياء، صلوات الله عليهم، وكذلك أيضا كانت سيرة
~~الحكماء والقدماء الربانيين، كل ذلك تشبها بالله تعالى في إظهار حكمته وفيض
~~فضائله على بريته إذ أوجدهم بعد أن لم يكونوا، فأفاض عليهم من فنون نعمه
~~وألوان الخيرات والبركات مما لا يحصي عددها إلا الله، فافهم يا أخي هذه
~~الإشارات والتنبيهات، لعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة.

### ||| فصل

# حكي في بعض الأخبار أن نبيا من أنبياء الله تعالى قال في مناجاته مع ربه:
~~يا رب لم خلقت الخلق بعد أن لم تكن خلقته؟ فقال له ربه على سبيل الرمز: كنت
~~كنزا مخفيا من الخيرات والفضائل، ولم أكن أعرف فأردت أن أعرف.

# معناه لو لم أخلق الخلق لخفيت هذه الفضائل والخيرات التي أفضتها وأظهرتها
~~من عجائب خلقي ومصنوعاتي المحكمات التي كلت الألسن عن البلوغ إلى كنه
~~صفاتها، وحارت عقولهم عن كنه معرفتها بحقائقها.

# وأنت يا أخي، فاحذر من سوء الفهم من كلام العقلاء والحكماء، ولطيف
~~أقاويلها وإشاراتها إلى المعاني الدقيقة! فإن سوء الفهم يؤدي صاحبه إلى سوء
~~الظن بالحكماء؛ فمن ذلك ما يتوهمه كثير من الناس في حق الحكماء أنها تقول
~~بقدم العالم وأزليته، وهذا هو سوء الظن منهم لسوء فهمهم لأقاويلها
~~وإشاراتها، وذلك أنهم لما سمعوا قول الحكماء «إن العالم لم يخلق في زمان
~~ولا هو في مكان» ظن من سمع هذا القول منهم أنهم يقولون بقدم العالم ولم
~~يفهم ما أرادوا، وإنما أرادوا بقولهم: لا زمان ولا مكان أفضل؛ لأن الزمان
~~عدد حركات الفلك والمكان سطحه الخارج، فإذا لم يكن فلك فلا زمان ولا مكان،
~~بل لما أبدع الباري تعالى الفلك وأداره وأوجد المكان والزمان معا بعد وجود الفلك.

# ومن ذلك أيضا قولهم: إن الجوهر جوهر لنفسه، والعرض عرض لنفسه. فظن من سمع
~~هذا القول ولم يفهم المراد أنهم يقولون إنها ليست بجعل جاعل أو بصنع صانع
~~إذ كان لنفسه! وليس الأمر على ما ظنوا وتوهموا، وإنما قالت الحكماء هذا
~~القول لما تأملت الموجودات وتصفحت أحوالها وجدت بعضها صفات وبعضها موصوفات
~~مختلفات، وعرفت أن علة اختلاف الموصوفات هي من أجل اختلاف الصفات، وأما
~~اختلاف الصفات فهي لأنفسها لأن الله تعالى أبدعها مختلفة بأعيانها لا لعلة فيها.

# والمثال في ذلك اختلاف حال الأسود والأبيض، فإنه من أجل اختلاف السواد
~~والبياض في ذاتيهما لا لعلة أخرى.

# فمن ظن أن السواد والبياض لهما علة أخرى تمادى إلى غير النهاية! وذلك أن
~~الأسود هو موصوف، وإنما كان أسود لكون السواد فيه، فهكذا الأبيض إنما كان
~~أبيض لكون البياض فيه، فأما السواد والبياض فإنهما في أنفسهما مختلفان، لا
~~لصنعة فيهما، بل بذاتيهما مختلفان؛ لأن الله تعالى أبدعهما هكذا مختلفي
~~الذاتين، فهذا معنى قول الحكماء: إن السواد سواد لنفسه لا لصفة فيه، ولم
~~يريدوا أن السواد ليس بجعل جاعل ولا بصنع صانع، كما توهم كثير من الناس
~~الذين هم غير مرتاضين بالحكمة ولا متحققين بالشريعة.

# ثم اعلم أن العجز هو أحد الأسباب التي تعوق الفاعل عن إظهار أفعاله
~~والصانع عن إحكام صنعه، ولكن ربما يكون من الفاعل لضعف قوته ولقلة معرفته،
~~وربما كان من عدم الأدوات والآلات التي يحتاج إليها الصانع في إحكام صنعته
~~أو من عدم المكان والزمان والحركات وما شاكلها، أو ربما يكون العجز من قبل
~~الهيولى وعسر قبولها الصورة من الصانع الحكيم. مثال ذلك تعسر قبول الحديد
~~من الحداد أن يفتل من الحديد البارد حبلا طويلا كما يفتل الحبال من القنب،
~~فليس العجز من الحداد ولكن من الحديد لعسر قبوله للفتل، ومثل الهواء لا
~~يقبل كتابة الكاتب فيه لسيلان عنصره، ومثل النجار لا يقدر أن يعمل سلما
~~يبلغ السماء لعدم الخشب، لا لعجز فيه، ومثل رجل حكيم لا يقدر أن يعلم الطفل
~~لا لعجز في الحكيم، بل لأن الطفل غير مستعد لقبول ذلك في حال الطفولية.
~~وعلى هذا القياس يوجد العجز من الهيولى وعسر قبولها للصور لا لعجز في
~~الصانع الحكيم.

# ثم اعلم أن كثيرا من العلماء لا يعرفون كيفية العجز من الهيولى ولا
~~يعتبرونه، فينسبون العجز كله إلى الفاعل القادر الحكيم، ذلك أنهم ربما
~~يظنون ويتوهمون ذلك على الله تعالى فيقولون إنه يعجز عن أشياء كثيرة مثل
~~قولهم: إنه لا يقدر أن يخرج إبليس من مملكته، ولا يعتبرون[١] أن العجز من
~~عدم ما ليس من مملكته ليس من عدم القدرة من الله تعالى! ويقولون: إنه لا
~~يقدر أن يدخل الجمل في سم الخياط، ولا يعتبرون العجز من الإبرة! ويقولون:
~~إن الله لا يقدر أن يجعل أحدا قائما قاعدا في وقت واحد، ولا يدرون أن العجز
~~من الواحد منا؛ إذ إن القيام والقعود لا يكون في وقت واحد معا! ثم يطلقون
~~القول بأن هذه الأشياء لا يصح القول بها في مقدوره، فإذا سئلوا ما معنى
~~قوله: @QUR@05 والله على كل شيء قدير قالوا: هذه خصوص لا على العموم خلاف
~~ما قال الله تعالى؛ لأنه ذكره على العموم مطلقا فقال: @QUR@04 على كل شيء
~~قدير ثم إنهم يدخلون الشبهة على من يقول إنه عموم بقولهم: أترى أنه قادر
~~على أن يخلق مثل نفسه، ولا يدرون أن هذا العجز هو من عدم وجدان المثل، لا
~~في قدرته؛ لأن العجز هو العدم لا الوجود.

### || (٥) فصل في ما العلة؟ وما المعلول؟ وكم العلل؟ وكم المعلول؟

# ما العلة؟ هي السبب الموجب لكون شيء آخر. ما المعلول؟ هو الذي لكونه سبب
~~من الأسباب. كم العلل؟ أربعة أنواع: فاعلية وهيولانية وصورية وتمامية. كم
~~المعلول؟ أربعة أنواع وهي: المصنوعات كلها؛ فمنها مصنوعات بشرية حيوانية،
~~ومنها طبيعية وهي المعادن والنبات والحيوان، ومنها نفسانية بسيطة وهي
~~الأفلاك والكواكب والأركان، ومنها الروحانية الإلهية وهي الهيولى والصورة
~~المجردة والنفس والعقل. ما الصنعة؟ هي إخراج الصانع ما في نفسه من الصور
~~ونقشها في الهيولى، وكل صانع حكيم فله في صنعته غرض ما، والغرض هو غاية
~~تسبق في علم العالم أو في فكر الصانع، ومن أجله يفعل ما يفعله، فإذا بلغ
~~إليه قطع الفعل وأمسك عن العمل.

# ثم اعلم أن كل مصنوع فله أربع علل: علة فاعلية، وعلة هيولانية، وعلة
~~صورية، وعلة تمامية. مثال ذلك السرير؛ فإن علته الفاعلية النجار،
~~والهيولانية الخشب، والصورية التربيع، والتمامية القعود عليه. وكل صانع
~~بشري يحتاج في صناعته إلى ستة أشياء حتى يتم صنعته: هيولى ما، ومكان ما،
~~وزمان ما، وأدوات ما كاليد والرجل، وآلات ما كالفأس والمنشار، وحركات ما.
~~وكل صانع طبيعي يحتاج إلى أربع منها: وهي الهيولى والمكان والزمان والحركة.
~~وكل صانع نفساني يكفيه اثنان منها: هيولى وحركات ما. والباري تعالى لا
~~يحتاج إلى شيء منها؛ لأن فعله إبداع واختراع لهذه الأشياء؛ أعني الهيولى
~~والزمان والحركات والآلات والأدوات.

# واعلم أن كل صانع حكيم من البشريين يجتهد أن يحكم صنعته إحكاما أجود ما
~~يقدر عليه، ولكن ربما عرض له عوائق؛ إما لعلة المادة أو لعسر الهيولى عن
~~قبول الصورة، أو لعدم الأدوات والآلات، أو ضعف القوة والنسيان والغفلة
~~والسهو وقلة المعرفة بالحذق في الصنعة، والله تعالى منزه عن جميع ذلك كله.

### || (٦) فصل في أن الموجودات نوعان كليات وجزئيات

# ثم اعلم أن الموجودات كلها نوعان: كليات وجزئيات، فالكليات رتبها الباري
~~من أشرفها إلى أدونها، كما بينا في رسالة المبادئ والجزئيات، ابتدأها من
~~أدونها إلى أتمها وأكملها رتبة، كما بينا في رسالة الطبيعيات.

# ثم اعلم أنه ربما يكون في المسألة الواحدة عدة أجوبة، ولكن ليس كل جواب
~~يصلح لكل واحد؛ وذلك أن في الناس خواص وعوام؛ أما جواب الخاص إذا سأل عن
~~حدوث العالم وعلته الموجبة، فجوابه على ما سنذكره ونشرحه من بعد. وأما جواب
~~العامة إذا سألوا لم خلق الله العالم بعد أن لم يكن، فجوابه أن في خلقه
~~العالم حكمة وخيرا، وفعل الحكمة عن الحكيم واجب! فلو لم يخلق العالم لكان
~~تاركا للحكمة وفعل الخيرات، وهذا هو الجواب. فإن قال: لم خلق في وقت دون
~~وقت؟ فيقال: لأنه كان عالما أنه سيخلق في الوقت الذي خلق فيه، فلو خلق قبل
~~ذلك لكان فعله مخالفا لعلمه — تعالى عن ذلك علوا كبيرا. فإن قيل: لم خلق
~~الله تعالى العالم على هذه الصورة التي هو عليها الآن ولم يخلقه على غيرها
~~من الصور؟ فيقال: لأن هذا أحكم وأتقن. فإن قيل: بل غيره أحكم وأتقن! فيقال
~~له: بين كيفية ذلك، فإن الحكماء الربانيين قالوا لا يجوز ولا يمكن أحكم من
~~هذا ولا أتقن منه. فإن قال: أوليس زيد الزمن قد كان يمكن أن يكون أحكم بنية
~~وأحسن صورة مما هو عليه الآن؟ فيقال: سألتنا عن صورة العالم بكليته لا عن
~~صورة حروف أجزائه، بل ماذا تقول في صورة الإنسانية؛ هل يجوز أن تكون أحكم
~~وأتقن مما هي عليه الآن؟

# ثم اعلم أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم بالقصد الأول، فأما
~~صورة زيد الزمن وعمرو المفلوج للأسباب الفلكية والعلل الطبيعية، ويطول شرح
~~ذلك؛ وذلك أن الحكماء بحثوا عن علل الأشياء وخبروا عن أسبابها، فإنما كان
~~ذلك عن علل الكليات، فأما علل الجزئيات فلا يبلغ فهم البشر معرفتها، بل
~~تقصر عقولهم عن معرفتها وعن عللها وأسبابها الدقيقة الخفية.

# ونريد أن نذكر عن تلك العلل والأسباب، التي أدركها الحكماء بدقة نظرهم
~~وشدة بحثهم وجودة فكرهم واعتقادهم، طرفا ليكون دلالة على الباقية وقياسا
~~لما نريد النظر فيها والحث عليها والاعتبار لها تشبها بهم واقتداء
~~بمذاهبهم. وإذ قد ذكرنا ما يحتاج إليها فنريد الآن أن نبين طرفا من كيفية
~~السؤال والجواب عن علل الأشياء وماهية الحكمة فيها.

### || (٧) فصل في علة خلق العالم

# وكيف إذا قيل لم خلق الله تعالى بعد إن لم يكن؟ فيقال: لأن الله حكيم
~~وخلقه العالم حكمة، وفعل الحكمة عن الحكيم واجب، وبواجب الحكمة إذن خلق
~~العالم. وإذا قيل: لم خلق الله في وقت ولم يخلق قبل ذلك؟ قيل: لعلمه السابق
~~أنه سيخلق في هذا الوقت لا قبل. فإن قيل: لم خلقه على هذه الصورة التي
~~عليها الآن ولم يخلقه على صورة غيرها؟ فيقال: لعلمه أن هذه الصورة أحكم
~~وأتقن، ففعل كما علم ليكون فعله موافقا لعلمه. وإذا قيل: كيف خلق الله
~~العالم؟ وكيف ابتدأه من أوله إلى آخره؟ فقد أوردنا لهذا العالم أربع رسائل:
~~رسالتين في المبادئ، ورسالتين في العالم، بينا فيها كيف أبدع الباري تعالى
~~الموجودات وجميع الكائنات، وكيف رتبها ونظمها بعضها يتلو بعضا في الوجود
~~والبقاء كترتيب العدد عن الواحد الذي قبل الاثنين.

# وينبغي لمن يريد النظر في هذه الرسالة أن يكون قد نظر في رسالة الأربعة
~~الموصوفات قبل هذا؛ لأن معرفة كيف هو قبل معرفة لم هكذا، كما بينا في
~~رسالات أجناس السؤالات التسعة وأجوبتها للحكماء.

# ثم اعلم أن لله تعالى عالمين: أحدهما جسماني والآخر روحاني؛ فالعالم
~~الجسماني هو الفلك المحيط وما يحويه من سائر الأفلاك والكواكب والأركان
~~والمولدات الثلاثة، والعالم الروحاني هو عالم العقل وما يحويه من النفس
~~والصور التي ليست بأجسام ذوات الأبعاد الثلاثة التي هي ظل ذي ثلاث شعب.

# ثم اعلم أن العالم الروحاني محيط بعالم الأفلاك، كما أن عالم الأفلاك
~~محيط بعالم الأركان الذي دون فلك القمر، وقد جعل الله تعالى عالم الأفلاك
~~كريات الأشكال مستديرات الحركات؛ لأن هذا الشكل هو أفضل الأشكال من عدة
~~وجوه ومعان، والحركة المستديرة أفضل الحركات من جهات شتى، وقسم الله تعالى
~~الفلك اثني عشر قسما؛ لأن هذا العدد أفضل الأعداد، وذلك أنه أول عدد زائد،
~~وجعل عدد الأفلاك تسعة مطابقة لأول عدد فرد مجذور، وجعل عدد الكواكب
~~السيارة سبعة مطابقة لأول عدد كامل، وجعل فيها نيرين، واثنين سعدين، واثنين
~~نحسين، وواحد ممتزج. وجعل أيضا في الفلك عقدتين، وجعل بعض البروج منقلبة
~~وبعضها ذا جسدين وبعضها ثابتة، وبعضها نارية وبعضها ترابية؛ كل ذلك — لما
~~فيه من وجوه الحكمة وإتقان الصنعة، لا يبلغ فهم البشر كنه معرفتها إلا من
~~ألهمه الله تعالى وهدى قلبه وشرح صدره بنور حكمته كما ذكر بقوله: @QUR@08
~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، فإذا قيل: لم جعل الباري تعالى عالم
~~الأجسام قسمين اثنين، أحدهما علوي وهو عالم الأفلاك وما فيها من أصناف
~~الأكر والكواكب، والآخر سفلي وهو عالم الأركان وما فيها من أجناس الخلائق؟
~~فيقال له: لعلل شتى وأسباب عدة، ولما فيه من إتقان الحكمة وأحكام الصنعة ما
~~لا يبلغ فهم البشر كنه معرفتها، ولكن نذكر منها طرفا، فنقول:

# ليكون في ذلك تبصرة للعقلاء وبيانا لأولي الأبصار، فإن لله تعالى دارين
~~اثنتين، إحداهما هي الدنيا التي هي عالم الأجسام ومسكن الأجرام، والأخرى هي
~~دار الآخرة التي هي عالم الأرواح ومحل النفوس، فإن قيل لم جعل الباري تعالى
~~في عالم الأفلاك نيرين وسعدين ونحسين وعقدتين وقد كان في واحد واحد كفاية؟
~~قيل له: ليكون ذلك دلالة على تحقيق ما قلنا وصحة ما وصفنا من أن له دارين
~~اثنتين وهما الدنيا والآخرة، وذلك أن حالات أحد النيرين تشبه حالات أمور
~~الدنيا وأبنائها وهو القمر، والآخر تشبه حالاته حالات الآخرة وأبنائها وهي
~~الشمس النير الأكبر؛ ولذلك أن أمور الدنيا وحالات أبنائها تعد من أنقص
~~الوجوه وأدون المراتب مرتبة إلى أتمها وأكملها، فإذا بلغت إلى غاياتها أخذت
~~في الانحطاط والنقصان إلى أن تضمحل وتتلاشى، وهذا حال القمر من أول الشهر
~~ثم إلى نصفه، ومن نصف الشهر إلى آخره تشاهد في كل سنة اثنتي عشرة مرة.

# وهكذا حكم السعدين ودلائلهما، أحدهما تدل على سعادة أبناء الدنيا، والآخر
~~يدل على سعادة أبناء الآخرة، وذلك أن الزهرة التي هي السعد الأصغر إذا
~~استولت على مواليد أبناء الدنيا، دل لهم على حسن الرتبة والعز والكرامة
~~والسرور واللذة والنعمة والرفاهة واللعب واللهو والغناء، وما يتنافس فيه
~~أبناء الدنيا من هذه الخصال ويعدونها سعادة وليست هي سعادة بالحقيقة، بل هي
~~محنة وشقاء وبلوى.

# وأما إذا استولى المشتري الذي هو السعد الأكبر على مواليد الناس؛ دل لهم
~~على حسن الأخلاق، وجودة النفس، ومحبة الخير والعمل به، والعدل والإنصاف في
~~المعاملات، والتمسك بالدين وكثرة العبادة، وذكر الميعاد وترك اللذات
~~والشهوات الدنياوية، والتفكر في أمر الآخرة والتقلب بعد الموت، وما شاكل
~~هذه الخصال المتضادة لما يدل عليه أبناء الآخرة. وهكذا حكم النحسين وذلك أن
~~أحدهما يدل على محنة ومنحسة أبناء الدنيا، وهو زحل، إذا استولى على
~~المواليد دل على الفقر والبؤس والشدائد والذل والهوان والعلل والأمراض
~~والتعب والعناء والمصائب والغموم والأحزان ونوائب الحدثان، التي هي أكثر من
~~أن تحصى، وأبناء الدنيا مرهونون بها لا ينفك أحد منها.

# وإذا استولى المريخ على المواليد وتقوى فدلالته على أنواع الشرور: على
~~الفسق والفجور وقتل الأنفس وقطع صلة الرحم وإهراق الدماء وهتك الحرم
~~وانتهاك المحارم والخروج عن الطاعة والحمية الجاهلية والسرعة والعجلة وترك
~~النظر في العواقب وقلة الورع والإنكار لأمر المعاد والمنقلب بعد الموت! ومن
~~كانت هذه حاله في الدنيا فليس له في الآخرة إلا العذاب. وأما كون عطارد
~~ممازجا للكواكب ففيه دلالة على أن أمور الدنيا معلقة بأمور الآخرة ممازجة
~~لها، وهكذا حكم البروج المنقلبة يدل على تقلب أمور الدنيا وحالات أهلها،
~~والبروج الثوابت تدل على ثبات أمور الآخرة وحالات أهلها، والبروج ذوات
~~الجسدين تدل على أن أمور الدنيا متصلة بأمور الآخرة وممازجة لها.

# وأما كون العقدتين في الفلك اللتين أحدهما رأس الجوزهر والأخرى ذنب
~~الجوزهر، وهما خفيتا الذات وظاهرتا التأثيرات في الفلك، فتدلان على أن في
~~العالم جواهر لطيفة خفيات الذوات ظاهرات الأفعال والتأثيرات، وهم أجناس
~~الملائكة وقبائل الجن وأحزاب الشياطين وأرواح الحيوانات ونفوسها. فإن قيل:
~~لم جعل الكسوف للنيرين دون سائر الكواكب؟ قيل: لتزول الشكوك عن قلوب
~~المرتابين الذين يظنون أنهما إلهان اثنان، فإنهما لو كانا إلهين لما
~~انكسفا.

# ثم اعلم أن الله تعالى جعل في جبلة الحيوان أربعة أسباب: آلامها، ودواعي
~~عطب أبدانها، وشقاوة نفوسها، وهلاك هياكلها؛ وهي الجوع والعطش والشهوات
~~المختلفة واللذات الذليلة. أما قصد الباري الحكيم في فعله ذلك كله فهو
~~لبقاء نسلها وصلاح معاشها. وأما الذي يعرض لها من الآلام والنكب فليس
~~بالقصد الأول، ولكن بالعرض من أجل النقص الذي هو في الهيولى، وذلك أن الله
~~تعالى جعل لها الجوع والعطش لكيما تدعو بهما إلى الأكل والشرب ليخلف على
~~أبدانها من الكيموس بدل ما يتحلل من البدن؛ لأن البدن في التحلل دائما من
~~أسباب خارجة وأسباب داخلة. وأما الشهوات فلكيما تدعو إلى المأكولات
~~المختلفة الموافقة لأمزجة أبدانها وما تحتاج إليه طباعها. وأما اللذة
~~فلكيما تأكل بقدر الحاجة من غير زيادة ولا نقصان، فإن قيل: لم جعل للنفوس
~~من الآلام والأوجاع والأفزاع عند الآفات العارضة لأجسادها؟ قيل له: لكيما
~~تحرص نفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها إلى وقت معلوم؛ إذ كانت
~~الأجساد لا تقدر على جر منفعة ولا دفع مضرة عنها. فإن قيل: لم جعل بعض
~~الحيوانات أكلة لحوم بعض؟ قيل: لكيما لا يضيع شيء مما خلق الله بلا نفع؛
~~وذلك أنه قد تاهت أوهام العلماء وتحيرت عقولهم في طلب علة أكل الحيوانات
~~بعضها بعضا، وما وجه الحكمة منه إذ كان الباري تعالى جعل ذلك طباعها جبلة،
~~وهيأ بها آلات وأدوات تتمكن بها كأنياب ومخاليب وأظافر حداد، التي تقدر بها
~~على القبض والبسط والضبط والخرق والنهش والأكل والشهوة واللذة والجوع، وما
~~شاكل ذلك مهما يلحق المأكولات منها من الآلام والأوجاع والفزع عند الذبح
~~والقتل والأمراض!

# فلما تفكر في ذلك ولم تسنح لهم العلة ولا ما وجه العلة والحكمة، اختلفت
~~عند ذلك بهم الآراء، والتبست بهم المذاهب حتى قال بعضهم: إن تسلط الحيوانات
~~بعضها على بعض وأكل بعضها لبعض ليس من فعل الحكيم، بل فعل شرير قليل
~~الرحمة، فلهذا قالوا إن للعالم فاعلين خير وشرير! ومنهم من نسب ذلك إلى
~~النجوم، ومنهم من قال عقوبة لها لما سلف منها من الذنوب في الأدوار السالفة
~~— وهم أهل التناسخ — ومنهم من قال بالعرض، ومنهم من قال إن هذا أصلح، ومنهم
~~من أقر على نفسه بالعجز وقال: لا أدري ما العلة في أكل الحيوانات بعضها
~~بعضا ولا ما وجه الحكمة فيه! غير أنه قال: الباري الحكيم لا يفعل شيئا إلا
~~بحكمته. ومنهم من قال: بل لا حكمة فيه.

# وكل هذه الأقاويل قالوها في طلبهم الحكمة والعلة، وإنما لم يقفوا عليها
~~لأن نظرهم كان جزئيا، وبحثهم عن علل الأشياء خصوصيا، وليس يعلم علل الأشياء
~~الكليات بالنظر الجزئي؛ لأن أفعال الباري إنما الغرض منها النفع الكلي
~~والصلاح العمومي، وإن كان قد نقص من ذلك ضرر جزئي ومكاره خصوصية وليس يعلم
~~علل الأشياء الكليات أحيانا.

# والمثال في ذلك أحكام الشريعة النبوية وحدوده فيها، وذلك لحكم القصاص في
~~القتل، قال تعالى: @QUR@07 ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وإن كان
~~موتا وألما للذي يقتص منه، وكذلك قطع يد السارق منه نفع عمومي وصلاح الكل
~~وإن كان يناله حزن وألم، وكذلك غروب الشمس وطلوعها والأمطار كان النفع منها
~~عموميا والصلاح كليا، وإن كان قد يعرض لبعض الناس والحيوان والنبات من ذلك
~~ضرر جزئي.

# وهكذا أيضا قد ينال الأنبياء والصالحين وأتباعهم شدائد وجهد وآلام في
~~إظهار الدين وإفاضة سنن الشريعة في أول الأمر.

# ولكن لما كان الباري، تعالى، غرضه في إظهار الدين وسنة الشريعة هو النفع
~~العام وصلاح الكل من الذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ولا يحصى عددهم
~~ونفعهم وصلاحهم، سهل في جنب ذلك وصغر ما نال النبي صلى الله عليه وسلم من
~~أذية المشركين وجهاد الأعداء المخالفين، وما لاقوه من الحروب والقتال في
~~الغزوات وتعب الأسفار وقيام الليل وصيام النهار وأداء الفرائض، وما فيها من
~~الجهد على النفوس والتعب على الأبدان.

# ولما كان نزول الأمر في المنقلب إلى الصلاح العمومي والنفع الكلي كانت
~~الشدائد والجهد والبلوى في جنبه أمرا صغيرا جزئيا، فعلى هذا المثال والقياس
~~ينبغي أن يعتبر من يريد أن يعترض، ما العلة وما وجه الحكمة في أكل
~~الحيوانات بعضها بعضا ليتبين له الحق والصواب، ونحن نريد أن نبين ما العلة
~~وما وجه الحكمة في الكل وفي أكل الحيوانات بعضها بعضا، ولكن لا بد أن نقدم
~~أشياء لا بد من ذكرها.

### || (٨) فصل في إنكار أكل الحيوانات لما ينالها من الآلام عند الذبح والقتل

# فنقول: اعلم أن عقول القوم إنما أنكرت أكل الحيوانات لما ينالها من
~~الآلام والأوجاع عند الذبح والقتل، ولولا ذلك لما أنكروا كما لا ينكرون أكل
~~الحيوان والنبات؛ إذ ليس ينال النبات الآلام والأوجاع، فنقول: قصد الله
~~وغرضه في الألم الحيوانات ما جبلت عليه طباعها، والأوجاع التي تلحق نفوسها
~~عند الآفات العارضة ليس عقوبة لها وعذابا كما ظن أهل التناسخ، بل حثا
~~لنفوسها على حفظ أجسادها وصيانة لها كلها من الآفات العارضة لها؛ إذ كانت
~~الأجساد لا تقدر على جر منفعة ولا دفع مضرة عنها، ولو لم يكن ذلك كذلك
~~لتهاونت النفوس بالأجساد وخذلتها وأسلمتها إلى الهلاك قبل فناء أعمارها
~~وتقارب آجالها، ولهلكت كلها دفعة واحدة في أسرع مدة.

# فلهذه العلة جعلت الآلام والأوجاع للحيوان دون النبات، وجعل فيها حبا
~~للبقاء إما بالحرب والقتال، وإما بالهرب والفرار والتحرز لحفظ جثتها من
~~الآفات العارضة إلى وقت معلوم، فإذا جاء أجلها فلا ينفع القتال ولا الهرب
~~ولا التحرز، بل التسليم والانقياد، ولو كان ينالها بعض الآلام والأوجاع.

# وإذ قد ذكرنا ما يحتاج إليه، فنقول الآن: إن الله تعالى لما خلق أجناس
~~الحيوانات التي في الأرض وعلم أنها لا تدوم بذاتها أبد الآبدين، جعل لكل
~~نوع منها عمرا طبيعيا أكثر ما يمكن منه، ثم يجيئه الموت إن شاء أو أبى، وقد
~~علم الله تعالى أنه يموت كل يوم منها في البر والبحر والسهل والجبل عدد لا
~~يحصيه إلا الله تعالى، ثم جعل بواجب الحكمة جثة جيف موتاها غذاء لأحيائها
~~ومادة لبقائها؛ لئلا يضيع شيء مما خلق الله تعالى بلا نفع ولا فائدة، وكان
~~في هذا منفعة لأجسادها ولم يكن فيه ضرر على الموتى. وخصلة أخرى لو لم تكن
~~الأحياء تأكل جيف الموتى منها لبقيت تلك الجيف واجتمع منها على ممر الأيام
~~والدهور حتى تمتلئ منها الأرض وقعر البحار وتنتن، ويفسد الهواء والماء من
~~نتن روائحها، فيصير ذلك سببا لكونها وهلاكها للأحياء، فأي حكمة أكثر من هذه
~~أن جعل الباري تعالى في أكل الحيوانات بعضها بعضا من المنفعة للأحياء ودفع
~~المضرة عنها كلها، وإن كانت تنال بعضها الآلام والأوجاع عند الذبح والقتل؟
~~وليس قصد القابض من القاتل من ذبحها وقبضها إدخال الألم والوجع عليها، بل
~~لينال المنفعة فيها لدفع مضرة بها.

### ||| فصل

# ثم اعلم أن الله تعالى لما أبدع الموجودات واخترع الكائنات قسمها قسمين
~~اثنين: كليات وجزئيات، ورتب الجميع ونظمها مراتب الأعداد المفردات، كما
~~بينا في رسالة المبادئ. وكانت مرتبة الكليات أن جعل الأشرف منها علة لوجود
~~أدونها، وسببا لبقائها، ومتمما لها، ومبلغا إلى أقصى غاياتها وأكمل
~~نهاياتها. وكانت مرتبة الجزئيات أن جعل الناقص منها علة للناقل[٢] وسببا
~~لبقائه، والأدون خادما للأشرف ومعينا ومسخرا له، وبيان ذلك من النبات
~~الجزئي؛ لما كان أدون رتبة من الحيوان الجزئي، وأنقص حالة منه، جعل جسم
~~النبات غذاء لجسم الحيوان ومادة لبقائه، وجعل النفس النباتية في ذلك خادمة
~~للنفس الحيوانية ومسخرة لها. وهكذا أيضا لما كانت رتبة النفس الحيوانية
~~أنقص وأدون من رتبة النفس الإنسانية جعلت خادمة ومسخرة للنفس الإنسانية
~~الناطقة. وهذه الحكمة التي ذكرناها كلية بينة ظاهرة للعقول السليمة، فنقول
~~على هذا الحكم والقياس: لما كان بعض الحيوانات أتم خلقة وأكمل صورة، كما
~~بينا قبل هذا، جعلت النفس الناقصة منها خادمة ومسخرة للتامة منها الكاملة،
~~وجعلت أجسادها غذاء ومادة للأجساد الناطقة منها وسببا لبقائها، لتبلغ إلى
~~أتم غاياتها وأكمل نهاياتها، كما جعل جسم النبات غذاء لجسم الحيوان ومادة
~~لبقائه وسببا لكماله. وكما أنه لما كانت النفس النباتية — إذ هي — أدون
~~رتبة من النفس الحيوانية، جعلت خادمة للنفس الحيوانية ومسخرة لها في رتبتها
~~غذاء لها ومادة لأجسادها، فهكذا جعل حكم نفوس الحيوانات الناقصة خادمة
~~لنفوس الحيوانات التامة الخلقة الكاملة ومسخرة لها لكيما تربي جسمها
~~وتنميها وتسلمها إلى الحيوانات التي هي أكمل منها وأشرف؛ ليكون ذلك غذاء
~~لأجسادها ومادة لأبدانها وسببا لبقاء أشخاصها زمانا ما أطول ما يمكن، وعلة
~~لتوالد نسلها وبقاء صورتها؛ لأن هيولى الأشخاص دائما في الذوبان والسيلان،
~~فيحتاج إلى بدل ما يتحلل من الأشخاص.

# فإذن قد تبين بما ذكرنا ما العلة في أكل الحيوانات بعضها بعضا، فأما
~~المنفعة العامة والصلاح الكلي في أكل الحيوانات بعضها بعضا فهو أنه لو لم
~~يكن لامتلأ وجه الأرض وقعر البحار وجوف الأنهار من جيف الحيوانات المنتنة
~~في كل يوم على ممر الدهور، ولفسد جو الهواء وعرض من ذلك الوباء للأحياء
~~منها وهلكت كلها دفعة. وعلة أخرى، وذلك أن الله تعالى لما خلق الأحياء، إما
~~لجر منفعة أو لدفع مضرة عنا، لم يترك شيئا بلا نفع ولا عائدة، فلو لم يجعل
~~أكل بعض الحيوانات بعضها بعضا، لكان بعض الحيوان باطلا بلا فائدة، وكان
~~يعرض منها ضرر عام وهلاك كلي، كما ذكرنا آنفا، فأما الآلام والأوجاع والفزع
~~الذي يعرض لها عند الذبح والقتل والموت والأمراض، فلم يجعل ذلك الباري
~~تعالى تعذيبا لنفوسها ولا عقوبة ساقها لها — كما ظن ذلك أهل التناسخ — بل
~~جعل ذلك حثا لنفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها إلى أجل معلوم،
~~وإذا لم يكن كذلك لتهاونت النفس بالأجساد، وتركتها هذه الآفات، وأسلمتها
~~إلى المهالك والتلف، وكانت تهلك جميعا قبل مجيء آجالها وفناء أعمارها وقبل
~~تمامها وكمالها.

# وإذا قيل: ما العلة في محبة الحيوانات الحياة وكراهيتها الموت؟ قيل: ذلك
~~لعلل شتى وأسباب عدة؛ أحدها أن الحياة تشبه البقاء والموت يشبه الفناء،
~~والبقاء محبوب في جبلة الخلائق كلها؛ إذ كان البقاء قرين الوجود والفناء
~~قرين العدم، والعدم والوجود متقابلان، والله تعالى لما كان هو علة
~~الموجودات وهو باق أبدا، صارت الموجودات كلها تحب البقاء وتشتاق إليه؛ فمن
~~أجل هذا قالت الحكماء إن الله تعالى هو المعشوق الأول المشتاق إليه سائر
~~الخلائق، وعلة أخرى لكراهية نفوس الحيوانات الموت وهو ما يلحقها من الآلام
~~والأوجاع والفزع عند مفارقة نفوسها أجسادها، وعلة أخرى أن نفوسها لا تدري
~~أن لها وجودا خلوا من الأجساد، فإن قيل: فلم لا تدري نفوسها بأن لها وجودا
~~خلوا من الأجسام؟ قلنا: لأنه لا يصلح لها أن تعلم هذه المعاني؛ لأنها لو
~~علمت لفارقت أجسادها قبل أن تتم وتكمل، وإذا فارقت أجسادها قبل ذلك بقيت
~~فارغة عطلاء بلا فعل ولا عمل، وليس من الحكمة أن يكون كذلك إذ كانت علتها
~~التي هي خالقها لم تخل من تدبير ليكون فارغا بلا فعل البتة، بل كل يوم هو
~~في شأن.

### || (٩) فصل في أن النفوس التامة إذا فارقت الأجساد تكون مشغولة بتأييد النفوس الناقصة

# ثم اعلم أن النفوس التامة الكاملة إذا فارقت الأجساد تكون مشغولة بتأييد
~~النفوس الناقصة المجسدة؛ لكيما تتم هذه وتكمل تلك، وتتخلص هذه من حال النقص
~~وتبلغ تلك إلى حال الكمال، وترتقي هذه المؤيدة أيضا إلى حالة هي أكمل وأشرف
~~وأعلى @QUR@04 وأن إلى ربك المنتهى .

# والمثال في ذلك الأب الشفيق والأستاذ الرفيق في تعليمهما التلامذة
~~والأولاد وإخراجهما إياهم من ظلمات الجهالات إلى فسحة العلوم وروح المعارف؛
~~ليتمم التلامذة والأولاد ويكمل الآباء والأستاذون بإخراج ما في قوة نفوسهم
~~من العلوم والمعارف والصنائع والحكم إلى الفعل والظهور اقتداء بالله تعالى
~~وتشبها به في حكمته؛ إذ هو العلة والسبب والمبدأ في إخراج الموجودات من
~~القوة إلى الفعل والظهور، وكل نفس هي أكثر علوما وأحكم صنائع وأجود عملا
~~فهي أقرب تشبها بربها وأشد تشبها، وهذه هي مرتبة الملائكة الذين لا يعصون
~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون @QUR@06 يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم
~~أقرب ؛ ولهذا المعنى قالت الحكماء: الحكمة هي التشبه بالله بحسب طاقة البشر.

# معناه أن تكون علومه حقيقية، وصناعته محكمة، وأعماله صالحة، وأخلاقه
~~جميلة، وآراؤه صحيحة، ومعاملته نظيفة، وفيضه على غيره متصلا؛ والله سبحانه
~~تعالى كذلك.

# ثم اعلم أنه قد اختلف الحكماء في ماهية الإنسان وما حقيقة معناه اختلافا
~~كثيرا، والبحث في ذلك القيل والقال، ولكن يجمعها كلها ثلاث مقالات؛ وذلك أن
~~منهم من قال: إن الإنسان هو هذه الجملة المرئية المبنية بنية مخصوصة من
~~اللحم والدم والعظم وما شاكل ذلك لا شيء آخر سواها. ومنهم من قال: إن
~~الإنسان هو هذه الجملة المجموعة من جسد جسماني، ومن روح نفساني؛ أي روحاني
~~مقترني المجموعة. ومنهم من قال: إن الإنسان بالحقيقة هو هذه النفس الناطقة،
~~والجسد لها بمنزلة قميص ملبوس أو غلاف مغشى عليه. فهذه ثلاث مقالات في كلام
~~الحكماء في ماهية الإنسان. فأما اختلافهم في ماهية النفس فنبينه أيضا
~~ويجمعها ثلاث مقالات؛ وذلك أن منهم من قال إن النفس هي جسم لطيف غير مرئي
~~ولا محسوس، ومنهم من قال إنما هي جوهرة روحانية غير جسم معقولة وغير محسوسة
~~باقية بعد الموت، ومنهم من قال إن النفس عرض يتولد من مزاج البدن وأخلاط
~~الجسد، يبطل ويفسد عند الموت إذا بلي الجسد وتلف البدن، ولا وجود لها إلا
~~مع الجسم البتة، وهؤلاء قوم يقال لهم الجسميون، لا يعرفون شيئا سوى الأجسام
~~المحسوسة والأعراض ذات الأبعاد الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق،
~~والأعراض التي تحلها مثال الألوان والطعوم والروائح والأشكال ذوات الأضلاع
~~من الأقطار والزوايا، وليس عندهم علم من الأمور الروحانية والجواهر
~~النورانية والصور العقلية والقوى النفسانية السارية في الأجسام المظهرة
~~فيها ومنها أفعالها وتأثيراتها حسب.

### || (١٠) فصل في معرفة الإنسان نفسه

# ثم اعلم أن من العلوم الشريفة والمعارف النفيسة معرفة الإنسان نفسه؛ لأنه
~~قبيح بكل عالم أن يدعي معرفة حقائق الأشياء، وهو لا يعرف نفسه ويجهل حقيقة
~~ذاته وهو يتعاطى الحكمة؛ لأن مثل ذلك كمثل من يطعم غيره وهو جائع، أو يكسو
~~غيره وهو عريان، ويهدي غيره وهو ضال في الطريق الأنهج. وقد علم كل عاقل
~~ذاته في هذه الأشياء بأنه ينبغي للإنسان أن يبتدي أولا بنفسه ثم بغيره.

# ثم اعلم أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف نفسه على الحقيقة إلا أن ينظر
~~ويبحث، وذلك من ثلاث جهات: أحدها الجسد بمجرده عن النفس، والثاني النظر في
~~أمر النفس والبحث عن جوهرها بمجردها عن الجسد، والثالث النظر والبحث عن
~~الجملة المجموعة من النفس والجسد جميعا> وقد بينا في رسالة تركيب الجسد هذه
~~الأبواب الثلاثة بشرح طويل، ولكن نذكر طرفا منها ها هنا مما لا بد منه، فنقول:

# إن الجسد هو جسم مؤلف من لحم وعظم وعروق وعصب وما شاكل ذلك، وهذه كلها
~~أجسام طويلة عريضة عميقة، وجملة ذلك تدرك بالحس ولا يشك فيها عاقل.

# وأما النفس فهي جوهرة سماوية روحانية حية بذاتها، علامة دراكة بالقوة،
~~فعالة بالطبع لا تهدأ ولا تقر عن الجولان ما دامت موجودة، وهكذا خلقها ربها
~~يوم خلقها وأوجدها، والدليل على ما قلنا وصحة ما وصفنا حسب ما بينا من أمر
~~النفس آنفا، وكذلك نبين أيضا فيما بعد هذا.

# وأما الجملة المجموعة من الجسد والنفس بهذا المحسوس المشاهد المخاطب
~~المتكلم السائل المجيب العالم العارف ما دام حيا، فإذا مات بطل منه ظهور
~~هذه الأشياء؛ لأن الموت ليس هو شيئا سوى مفارقة نفسه جسدها، وعند ذلك يعدم
~~منه جميع فضائله الظاهرة من العلوم والصنائع والكلام والحركات والحواس وما
~~شاكلها.

# ثم اعلم أن أكثر العقلاء وكثيرا من العلماء ممن يقر بوجود النفس أو يتكلم
~~في أمرها يظنون ويتوهمون أنها شيء متولد من مزاج الجسد، وليس الأمر كما
~~ظنوا وتوهموا؛ لأن المتولد من الشيء يتكون من جوهر ذلك الشيء، والجسم جسم
~~لا شك فيه، والنفس ليس بجسم ولا عرض من الأعراض.

# والدليل على ذلك أنها ليست بجسم، وهو أن الجسم لا يعقل إلا متحركا أو
~~ساكنا؛ فلو كان متحركا من حيث هو جسم لكان يجب أن يكون كل جسم متحركا، ولو
~~كان ساكنا لكان يجب أن يكون كل جسم ساكنا، وليس يوجد الأمر كذلك، بل قد
~~يوجد بعض الأجسام متحركا دائما، وبعضها متحركا تارة وساكنا أخرى، مثل
~~الهواء والماء والنار والحيوان والنبات، فيدلنا بأن شيئا آخر هو الذي
~~يحركها ويسكنها.

# وليست النفس بجسم ولا بعرض من الأعراض القائمة بالجسم المتولد منه أو
~~فيه؛ لأن العرض هو شيء لا يقوم بنفسه، وهو أنقص حالا من الجسم، والمحرك
~~للشيء المسكن له هو أقوى منه وأشرف.

# ودليل آخر أن العرض لا فعل له؛ لأن الفعل عرض من الأعراض قائم بفاعله،
~~ولو كان للعرض فعل لكان يجب أن يكون العرض قائما به، ولا هو يقوم بنفسه
~~فكيف يقوم بغيره.

# فهذا دليل على أن العرض لا فعل له، وقد بينا أيضا أن الجسم لا فعل له؛
~~لأن الفاعل بالحقيقة هو الذي يقدر على أخذ الفعل وتركه، لأن ترك الفعل أسهل
~~من أخذه، فلو كان للعرض فعل لكان يقدر على تركه كما يقدر على أخذه، فمن ظن
~~أن النفس الناطقة الفاعلة الحساسة الدراكة العلامة الصانعة الحكيمة
~~المتكلمة العارفة المجردة من الكائنات: من تركيب الأفلاك وأقسام البروج
~~والحركات والمولدات المركبات من الحيوان والنبات والمعادن وأنواعها وخواصها
~~ومنافعها ومضارها؛ إنما هي عرض أو مزاج متولد من أخلاط البدن، من غير دليل
~~على ما زعم أو حجة بينة دعته إلى ما هو عليه ويتوهم، فهو جاهل بأمر نفسه لم
~~يعرف حقيقة ذاته، فكيف يوثق بقوله إنه يعرف حقائق الأشياء ويعبر عن علل
~~الموجودات الغائبات عن الحواس، وإنه يعلم أسباب الكائنات الخفيات التي لا
~~تعلم إلا بدليل عقلي وبراهين حكمية ومقدمات ونتائج منطقية أو هندسية؟! وهذا
~~يظن أن نفسه العالمة الناطقة الصانعة الحكيمة جسم أو مزاج أو عرض من
~~الأعراض، لا قوام لها ولا حس ولا حركة ولا شعور @QUR@04 هيهات هيهات لما
~~توعدون ، بعيد عن الحق، ونودي به من مكان بعيد، ضل عن طريق الصواب من يظن
~~بنفسه هذه الظنون، وما قدر الله حق قدره؛ إذ من جهل نفسه كيف يتيسر له
~~معرفة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عرف نفسه فقد عرف ربه،
~~وأعرفكم بنفسه أعرفكم بربه»، وقال تعالى: @QUR@05 بل الإنسان على نفسه
~~بصيرة ، وقال: @QUR@04 وفي أنفسكم أفلا تبصرون ، وقال: @QUR@08 وأشهدهم على
~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ، وقال: @QUR@08 ما أشهدتهم خلق
~~السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ، قال أهل المعارف: أشار بقوله تعالى
~~@QUR@010 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم يعني العارفين
~~بأنفسهم لينتبه الجاهل من نوم غفلته.

# فإن قيل: ما الحكمة في اختلاف أنواع النبات وأوراقها وثمارها وفنونها
~~وألوانها وطعومها وروائحها وطباعها المختلفة؟ قيل: لما فيها من كثرة
~~المنافع للحيوانات المختلفة الصور، المتغايرة الطباع، المفننة الأخلاق،
~~الكثيرة المتصرفات. فإن قيل: لم جعل في طباع بعض الحيوانات وجبلتها الألفة
~~والأنس والمودة؟ يقال: ليدعوها ذلك إلى اجتماع المعاون لما فيه من صلاحها
~~وكثرة منافعها. وإن قيل: فما الحكمة في كون النفور والوحشة والعداوة في
~~جبلة بعض الحيوانات؟ يقال: لكيما يدعو ذلك إلى التباعد في الأماكن
~~والانتشار في البلاد مما فيه من صلاح حالها وسلامتها من الآفات، ولكيما
~~تتزاحم في الأماكن ويضيق بها التصرف والفسحة ورغدة العيش، ثم اجتمع الناس
~~في المدن والقرى وتزاحموا لشدة حاجتهم إلى معاونة بعضهم بعضا؛ لأن الإنسان
~~لم يقدر أن يعيش وحده إلا عيشا نكدا.

### || (١١) فصل في علة اختلاف لغات الناس وألوانهم وأخلاقهم وصورهم

# ما العلة في اختلاف لغات الناس وألوانهم وأخلاقهم، وصورهم واحد وكلهم
~~أبوهم واحد؟ فنقول: اختلاف أماكن أبدانهم وألوانهم واختلاف تربها وتغيرات
~~أهويتها وطوالع البروج عليها ومسامتات الكواكب وفنون آرائهم مع كثرة
~~العداوة منهم في ذلك؛ لكيما يدعوهم إلى استخراج فنون العلم والاجتهاد في
~~تهذيب النفس، أو الانتباه من نوم الغفلة والخروج من ظلمات الجهالة والبلوغ
~~إلى التمام والكمال والبقاء على أتم الأحوال ما أمكن واستوى.

# وأيضا لما حكم على نفوس الحيوانات كلها بالموت؟ لتنتقل إلى حالة هي أتم
~~وأكمل وأفضل.

### || (١٢) فصل في أن الموجودات مرتبة مراتب الأعداد

# ثم اعلم أنه ينبغي لمن يريد أن يعرف حقائق الأشياء أن يبحث أولا عن علل
~~الموجودات وأسباب المخلوقات، وأن يكون له قلب فارغ من الهموم والغموم
~~والأمور الدنياوية، ونفس زكية طاهرة من الأخلاق الردية، وصدر سليم من
~~الاعتقادات الفاسدة، ويكون غير متعصب لمذهب أو على مذهب؛ لأن العصبية هي
~~الهوى، والهوى يعمي عين العقل، وينهي عن إدراك الحقائق، ويعمي النفس
~~البصيرة عن تصور الأشياء بحقائقها، فيصدها ذلك عن الهوى ويعدل عن طريق
~~الصواب.

# ونحن نريد أن نبحث في هذه الرسالة عن علل الموجودات وأسبابها، فنريد أن
~~نبين من ذلك طرفا حسبما جرت عادة إخواننا، وعلى حسب جهدنا وطاقتنا فيما وهب
~~الله لنا من الهداية، ولكن نبدأ أولا بتوطئة أصول لا بد من ذكرها مقدمات
~~ينتج عنها ما نريد أن نبين من هذه العلل والأسرار، فنقول:

# إن العلماء الراسخين والحكماء الربانيين قالوا إن الله تعالى لما أبدع
~~الموجودات واخترع المخلوقات رتبها مراتب الأعداد المتواليات ونظمها نظاما
~~واحدا يتلو بعضها بعضا في الموجودات إلى الأعداد المتناسبات؛ إذ كان ذلك
~~أحكم وأتقن، كما بينا في رسالة المبادئ العقلية.

# وأما فعل الباري تعالى حسب ما ذكرنا؛ وذلك أنه جعل كل جنس من الموجودات
~~على أعداد مخصوصة مطابقة بعضها لبعض، إما بالكمية وإما بالكيفية، ليكون ذلك
~~دليلا للعلماء وبيانا للعقلاء إذا بحثوا عنها واعتبروا واستدلوا بشاهدها
~~الجلي على غائلها الخفي، فيبين لهم ويعلمون أنها كلها من صنع بارئ حكيم؛
~~فيزدادون بذلك بصيرة ويقينا، وإلى لقاء الله تعالى اشتياقا، ويعبدون ربهم
~~ليلا ونهارا.

# ثم اعلم أن من الأشياء الموجودة ما هي على أعداد مخصوصة، ومنها ما هي في
~~البروج والأفلاك، ومنها ما هي في الأركان والأمهات، ومنها ما هي في خلقة
~~النبات، ومنها ما هي في تركيب جثة الحيوانات، ومنها ما هي في سنن الشرائع
~~من المفروضات، ومنها ما هي في الخطاب والمحاورات.

# فمن ذلك أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة فصيحة هي أفصح اللغات، وجعل هذا
~~الكتاب مهيمنا على كل كتاب أنزله قبله، وجعل هذه الشريعة أتم الشرائع
~~وأكملها، وحكم في سنن المفروضات أمورا مثنويات ومثلثات ومربعات ومخمسات
~~ومسدسات ومسبعات ومثمنات، وما زاد بالغا ما بلغ؛ ليكون إذا تأمل أولو
~~الألباب وتفكر فيها أولو الأبصار واعتبروا فيها، وجدوا في سنتها وأحكامها
~~أمورا معدودة مطابقة لأمور من الرياضيات والطبيعيات والإلهيات، ويتعلمون
~~ويتيقنون أن هذا الكتاب هو من عند الصانع الحكيم الذي هو صانع المخلوقات
~~وبارئ الموجودات، وأن هذه الشريعة هي التي وضعها وشرحها فيزول الشك العارض
~~عن قلوب هؤلاء المتعاطين الحكمة من تلك الأمور المعدودة، وهذه الحروف التي
~~في أوائل السور أن الله تعالى أورد من جملة الحروف المعجمة الثمانية
~~والعشرين حرفا أربعة عشر حرفا حسب، ولم يزد عن أربعة عشر، وهي: «ا، ح، ر،
~~س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، ه، ي»، فجعل منها في بعض السور حرفا حرفا، وفي
~~بعضها حرفين، وثلاثة، وأربعة، وخمسة، ولم يزد على ذلك.

# ثم اعلم أن العلماء المفسرين تناظروا وشرعوا في القيل والقال في معاني
~~هذه الحروف التي في أوائل سور القرآن، وما حقيقة تفسيرها، والغرض منها ما
~~هو، وهي عدة سور في القرآن أولها @QUR@07 الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ،
~~@QUR@07 الم * الله لا إله إلا هو ، @QUR@01 المص ، @QUR@05 الر تلك آيات
~~الكتاب الحكيم ، @QUR@04 الر كتاب أحكمت آياته ، @QUR@05 الر تلك آيات
~~الكتاب المبين ، @QUR@04 المر تلك آيات الكتاب ، @QUR@03 الر كتاب أنزلناه
~~، @QUR@06 الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ، @QUR@01 كهيعص ، @QUR@04 طه *
~~ما أنزلنا ، @QUR@01 طسم ، @QUR@01 طس ، @QUR@01 طسم ، @QUR@06 الم * أحسب
~~الناس أن يتركوا ، @QUR@04 الم * غلبت الروم ، @QUR@06 الم * تلك آيات
~~الكتاب الحكيم ، @QUR@06 حم * تنزيل الكتاب من الله ، @QUR@04 يس * والقرآن
~~الحكيم ، @QUR@04 ص والقرآن ذي الذكر ، @QUR@04 حم * تنزيل الكتاب ،
~~@QUR@06 حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ، @QUR@03 حم * عسق ، @QUR@04 حم *
~~والكتاب المبين ، @QUR@04 حم * والكتاب المبين ، @QUR@04 حم * تنزيل الكتاب
~~، @QUR@04 حم * تنزيل الكتاب ، @QUR@03 ق والقرآن المجيد ، @QUR@04 ن
~~والقلم وما يسطرون ؛ فذلك تسع وعشرون سورة، منها ما جاء في أولها حرف واحد
~~مثل «ق، ص، ن»، ومنها ما جاء في أولها حرفان مثل «طه، يس، حم»، ومنها ما
~~جاء في أولها ثلاثة أحرف مثل «الم، طسم، الم، الر»، ومنها ما جاء في أولها
~~أربعة أحرف «المر، المص»، ومنها ما جاء في أولها خمسة أحرف مثل «كهيعص، حم
~~عسق»، ولا يزيد على خمسة أحرف.

# فمن العلماء من قالوا إن هذه الحروف قسم أقسم الله تعالى بها. ومنهم من
~~قال إن كل حرف منها كلمة قائمة بنفسها مثل: ألف الله، لام جبرائيل، ميم
~~محمد عليه السلام. ومنهم من قال إنها حروف حساب الجمل، كما جاء في الخبر أن
~~علماء التوراة ورؤساء اليهود اجتمعوا في المدينة وزعموا أنهم يعلمون حد هذه
~~الأمة كم هو بحساب الجمل، ولأن لها قصة معروفة مشهورة تركنا ذكرها. ومنهم
~~من قال إن هذه الحروف سر القرآن، ولا يعلم تأويل ذلك إلا الله. ومنهم من
~~قال إن الراسخين في العلم أيضا يعلمون تفسير ذلك لما علمهم الله تعالى كما
~~ذكر بقوله: @QUR@08 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، @QUR@08 وما
~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم . ومنهم من قال إن معرفتها أسرار
~~لا يصلح أن يعلمها كل أحد إلا الخواص من عباد الله الصالحين.

# ثم اعلم أن كل هذه الأقاويل مقنع لنفوس أقوام دون أقوام؛ وذلك أن في
~~الناس أقواما عقلاء لا يرضون بالتقليد، بل يريدون البراهين والكشف عن
~~الحقائق وطلب العلة، ولم، وكيف، ولماذا. ولا يغنيهم من جوع ما يتأولون من
~~التفسير في هذا المعنى، بل يطلبون وراء ذلك ما هو أحسن تأويلا وأبين
~~تفسيرا، ونحن نذكر الآن من ذلك طرفا ونشير إليها إشارة حسبما تحتمل عقول
~~هؤلاء القوم من أهوائها.

### ||| فصل

# فنقول: اعلم أن من يريد أن يعلم لم لم ترد من جملة الثمانية والعشرين
~~حرفا إلا أربعة عشر حرفا ولم يزد على خمسة أحرف منها، وما المراد والحكمة
~~في ذلك، فينبغي له أن يبحث ويعتبر جميع المحسوسات المفروضات في سنن
~~الشريعة؛ مثل الصلوات الخمس والزكوات الخمس، وأن شرائط الإيمان خمس إذ بنى
~~الإسلام على خمس، والفضلاء من أهل بيت النبوة خمسة، وواضعو الشريعة خمسة،
~~ومراقي منبر النبي خمسة، وما شاكل هذه المخمسات في أمور الدين والشريعة
~~وأحكامها. وما يحققها أيضا من المعدودات المخمسات مثل الكواكب الخمس
~~السيارة التي لها رجوع واستقامة، ومثل الحواس الخمس في الحيوانات التامة
~~الخلقة، ومثل المخمسات في خلقة النبات، وما في أسماء الأيام الخمسة من جملة
~~السبعة، والخمسة المسترقة من جملة أيام السنة، وما شاكل هذه المخمسات في
~~الموجودات المطابقة بعضها بعضا. ويعتبر أيضا خاصية الخمس من العدد لأنها
~~عدد كري، ويقال إنها عدد دوائر وأنها تحفظ نفسها وما يتولد منها، كما بينا
~~في رسالة الأرثماطيقي والاشكال الخمسة الفاضلة المذكورة في كتاب إقليدس،
~~والنسبة الخمسة الفاضلة في الموسيقى وما شاكل هذه الأمور من المخمسات. فإذا
~~اعتبر اللبيب العاقل هذه الأشياء التي ذكرنا وتأملها، فعسى الله أن يفتح
~~قلبه ويشرح صدره ويوفقه لعلمه علل الموجودات وأسباب المخلوقات وما الحكمة
~~في كونها على ما هي عليه الآن.

# وهكذا ينبغي لمن يريد أن يعرف سر هذه الحروف التي هي في أوائل السور لم
~~كان منها أربعة عشر من جملة ثمانية وعشرين حرفا، أن يعتبر الموجودات التي
~~عددها ثمانية وعشرون فإنه يجدها تنقسم قسمين حيث ما وجد؛ فمن ذلك ثمانية
~~وعشرون عدد مفاصل اليدين للإنسان فإنها في اليد اليمنى أربعة عشر وأربعة
~~عشر في اليد اليسرى، وأن عددها مطابق لعدد ثمانية وعشرين خرزة هي في عمود
~~ظهر الإنسان، منها أربعة عشر في أسفل الصلب وأربعة عشر في أعلاه، وهكذا
~~توجد خرزات العمود التي في أصلاب الحيوانات التامة الخلقة كالبقر والجمل
~~والإبل والحمر والسباع.

# وبالجملة كل حيوان ترضع وتلد منها أربعة عشر في مؤخر الصلب وأربعة عشر في
~~مقدم البدن، وهكذا وجد عدد الريشات التي في أجنحة الطير المعتمدة عليها في
~~الطيران، فإنها أربعة عشر ظاهرة في كل جناح، وهكذا توجد عدد الخرزات التي
~~في أذناب الحيوانات الطويلة الأذناب كالبقرة والسباع وكل ما له ذنب طويل،
~~وهكذا يوجد في عموم صلب الحيوانات الطويلة الخلقة كالسمك والحيات وبعض
~~الحشرات، وهكذا يوجد عدد الحروف التي في لغة العرب التي هي أتم اللغات
~~وأفصحها ثمانية وعشرون حرفا منها أربعة عشر حرفا تدغم فيها لام التعريف، وهي:

| ١      | ٢      | ٣      | ٤      | ٥      | ٦      | ٧      |
| التاء  | والثاء | والدال | والذال | والراء | والزاي | والسين |
| ٨      | ٩      | ١٠     | ١١     | ١٢     | ١٣     | ١٤     |
| والشين | والصاد | والضاد | والطاء | والظاء | واللام  | والنون |

# وأربعة عشر لا تدغم فيها، وهي: «الألف والباء والجيم والحاء والخاء
~~والعين والغين والفاء والقاف والكاف والميم والهاء والواو والياء»، وهكذا
~~يوجد حكم الحروف التي تخط بالقلم قسمين: أربعة عشر منها معلم، وهي «الباء
~~والتاء والثاء والجيم والخاء والذال والزاي والشين والضاد والظاء والغين
~~والفاء والقاف والنون والياء»، وأربعة عشر غير معلم، وهي «الألف والحاء
~~والدال والراء والسين والصاد والطاء والعين والكاف والميم والواو واللام»،
~~وهكذا حكم الحكيم الواضع للخط العربي فإنه اقتفى في وضعه الخط العربي حكمة
~~الباري تعالى، فإنه كان حكيما فيلسوفا، وقد قيل: إن الحكمة هي التشبه
~~بالإله بحسب طاقة البشر، ومعنى هذه الكلمة أن يكون الإنسان حكيما مصنوعاته
~~محققا في معلوماته خيرا في أفعاله. ومن التي عددها ثمانية وعشرون هي منازل
~~القمر في الفلك، فإن عددها ثمانية وعشرون، منها في البروج الشمالية أربعة
~~عشر، وفي البروج الجنوبية أربعة عشر.

# فقد علم مما ذكرنا وصدق بما قلنا أن الموجودات التي عددها ثمانية وعشرون
~~تنقسم قسمين أي موضع وجدت، كل أربعة عشر منها لها حكم ليست للأربعة عشر
~~الأخرى، فلهذه العلة أورد من جملة الثمانية والعشرين حرفا حروف الجمل أربعة
~~عشر حرفا، ولم يورد الأربعة عشر الأخرى؛ لأن لهذه حكما ليس لتلك، وهي السر
~~المكتوم الذي لا يصلح أن يعلمه كل أحد إلا الخواص من عباد الله المخلصين.

# وإذ قد ذكرنا طرفا من الإشارة إلى هذه الحروف، ودللنا على أنها سر القرآن
~~ولا يجوز الإفصاح عنها؛ إذ لم يأذن لنا الحكماء والأنبياء — صلوات الله
~~عليهم — وفيما ذكرناه كفاية لمن كان له قلب زكي ونفس زكية وأخلاق طاهرة،
~~فلنذكر الآن طرفا من فضيلة ثمانية وعشرين على سائر الأعداد، فنقول:

# اعلم أنه ما من عدد من الخليقة إلا وله فضيلة ليست لشيء آخر غيره، وقد
~~ذكرنا طرفا من فضيلة الأعداد في رسالة الأرثماطيقي؛ فمن فضيلة الثمانية
~~والعشرين أنه من الأعداد التامة، والأعداد التامة هي أفضل من الأعداد
~~الناقصة والزائدة، أو أنها قليلة الوجود؛ وذلك أنه يوجد في كل مرتبة من
~~مراتب الأعداد واحدة لا غير كالستة في الآحاد وثمانية وعشرين في العشرات،
~~وأربعمائة وستة وتسعين في المئات، وثمانية آلاف ومائة وعشرين في الألوف، فنقول:

# إنه أيضا لما كان الاثنان أول عدد الزوج والثلاثة أول عدد الفرد،
~~والأربعة أول العدد المجذور يجمع بين ذلك، وكانت السبعة التي هي عدد كامل،
~~وعدد الكواكب السيارة مطابقها، ثم ضرب الثلاثة في الأربعة، وكان اثنا عشر
~~الذي هو أول عدد زائد، وجعل برج الفلك اثنا عشر مطابقا له، ثم ضربت السبعة
~~في أربعة وكان ثمانية وعشرين، التي هي عدد تام، وجعل منازل القمر مطابقا
~~له، وجعل سائر الموجودات الاثنا عشرية مطابقة لعددها مثل الثقب للإنسان
~~التي هي اثنا عشر، والأعضاء الاثنا عشر وشهور السنين الاثنا عشر عددها.

# وعلى هذا القياس يوجد أشياء كثيرة اثنا عشريات وسبعيات وستيات وخمسيات
~~وأربعيات وثلاثيات ومثنويات مطابقة بعضها لبعض، ليدل ذلك على أنها كلها من
~~صنع صانع كريم، كما قال تعالى: @QUR@06 إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ،
~~وفقك الله وإيانا وجميع إخواننا إلى طريق السداد وهداك وإيانا سبيل الرشاد
~~إنه رءوف بالعباد.

# (تمت رسالة العلل والمعلولات، ويليها رسالة في الحدود والرسوم.)

### | الرسالة العاشرة من النفسانيات العقليات في الحدود والرسوم

### || بسم الله الرحمن الرحيم

# @QUR@011 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون

# اعلم أيها الأخ أنا قد فرغنا من بيان العلل والمعلولات وبينا فيها أقاويل
~~جميع الحكماء، حسب ما جرت به عادة إخواننا، ونريد الآن أن نذكر في هذه
~~الرسالة بيان الحدود والرسوم، فنقول:

# إن الأنبياء — عليهم السلام — هم سفراء الله تعالى بينه وبين خلقه،
~~والعلماء هم ورثة الأنبياء، والحكماء هم أفاضل العلماء، وقد قيل إن الحكيم
~~هو الذي يوجد فيه سبع خصال محمودة، إحداها أن تكون أفعاله محكمة وصنائعه
~~متقنة وأقاويله صادقة وأخلاقه جميلة وآراؤه صحيحة وأعماله زكية وعلومه
~~حقيقية.

# واعلم أن معرفة حقيقة الأشياء هي معرفة حدودها ورسومها، وذلك أن الأشياء
~~كلها نوعان: مركبات ووسائط.

# فأما المركبات فتعرف حقائقها إذا عرفت الأشياء التي هي مركبة منها،
~~والبسائط تعرف حقائقها إذا عرفت الصفات التي تخصها.

# مثال ذلك إذا قيل لك ما حقيقة الطين؟ فيقال: ماء وتراب مختلطان.
~~والسكنجبين؟ فيقال: خل وعسل ممزوجان. والسرير؟ خشب وصورة مركبان. والكلام؟
~~ألفاظ ومعان مؤلفات. واللحن؟ نغمات حادة وغليظة متحدتان. والحيوان؟ نفس
~~وجسد مقرونان.

# وعلى هذا القياس تجيب إذا سئلت عن هذه الأشياء المركبة فلا بد من ذكر تلك
~~الأشياء التي هي مركبة ومؤلفة منها، فأما الأشياء البسيطة فتعرف حقائقها
~~إذا عرفت الصفات التي تخصها.

# مثال ذلك إذا قيل لك: ما الهيولى؟ فيقال: جوهر بسيط قابل للصورة. فإن
~~قيل: ما الصورة؟ فيقال: ماهية الشيء، وله الاسم والفعل والقيامة. فإن قيل:
~~فما الجوهر؟ فيقال: هو قائم بنفسه القابل للصفات. فإن قيل: فما الصفة؟
~~فيقال: عرض حال في الجوهر لا كالجزء منه. فإن قيل: ما الشيء؟ فيقال: هو
~~المعنى الذي يعلم ويخبر عنه. فإن قيل: ما الموجود؟ قيل: هو الذي وجده أحد
~~الحواس أو تصوره العقل أو دل عليه الدليل. فإن قيل: ما المعدوم؟ فيقال: ما
~~قابل هذه الأشياء المذكورة في الوجود. فإن قيل: ما الوجود؟ فيقال: إيس. فإن
~~قيل: ما العدم؟ فيقال: ليس. فإن قيل ما القديم؟ فيقال: ما لم يكن ليس. فإن
~~قيل: ما المحدث؟ فيقال: ما كونه غيره. فإن قيل: ما الأحداث؟ فيقال: تكوين
~~المكون. فإن قيل: ما العلة؟ فيقال: هي سبب لكون شيء آخر إيجادا. فإن قيل:
~~ما المعلول؟ فيقال: هو الذي لوجوده سبب من الأسباب. فإن قيل: ما العالم؟
~~فيقال: هو المتصور للشيء على حقيقته. فإن قيل: ما العلم؟ فيقال: صورة
~~المعلوم في نفس العالم.

# فإن قيل ما الحي؟ فيقال: المتحرك بذاته. فإن قيل: ما القادر؟ فيقال: هو
~~الذي لا يتعذر عليه الفعل متى شاء. فإن قيل: ما الفعل؟ فيقال: أثر من مؤثر.
~~فإن قيل: ما معنى الباري تعالى؟ فيقال: علة كل شيء، وسبب كل موجود، ومبدع
~~المبدعات، ومخترع الكائنات ومتقنها ومتممها ومكملها ومبلغها إلى أقصى مدى
~~غاياتها ومنتهى نهاياتها، بحسب ما يتأتى في كل واحد منها. فإن قيل: ما
~~القدرة؟ فيقال: إمكان إيجاد الفعل. فإن قيل: ما الصنعة؟ فيقال: هو إخراج
~~الصانع من فكره ووضعه في الهيولى. فإن قيل: ما المصنوع؟ فيقال: مركب من
~~هيولى وصورة. فإن قيل: ما العقل الفعال؟ فيقال: هو أول مبدع أبدعه الله
~~تعالى، وهو جوهر بسيط نوراني فيه صورة كل شيء. فإن قيل: ما النفس؟ فيقال:
~~جوهرة بسيطة روحانية حية علامة فعالة، وهي صورة من صور العقل الفعال. فإن
~~قيل: ما الإرادة؟ فيقال: إشارة بالوهم إلى تكوين أمر ممكن كونه وكون خلافه.
~~فإن قيل: ما العقل الإنساني؟ فيقال: التمييز الذي يخص كل واحد من أشخاصه
~~دون سائر الحيوانات. فإن قيل: ما الجنس؟ فيقال: صفة جماعة متفقة بالصورة
~~يعمها معنى واحد. فإن قيل: ما الشخص؟ فيقال: كل جملة يشار إليها دون غيرها
~~مميزة من غيرها بالأفعال والصور. فإن قيل: ما الخاصة؟ فيقال: صفة مخصوصة
~~لما دون غيره بطيئة الزوال.

# فإن قيل: ما النور؟ فيقال: جوهر مرئي يضيء من ذاته ويرى به غيره. فإن
~~قيل: ما الظلمة؟ فيقال: عدم النور عن الذات القابلة للنور. فإن قيل: ما
~~النهار؟ فيقال: هو ضوء الشمس. فإن قيل: ما الليل؟ فيقال: هو ظل الأرض. فإن
~~قيل: ما الحرارة؟ فيقال: غليان أجزاء الهيولى. فإن قيل: ما البرودة؟ فيقال:
~~جمود أجزاء الهيولى. فإن قيل: ما الرطوبة؟ فيقال: سيلان أجزاء الهيولى. فإن
~~قيل: ما اليبوسة؟ فيقال: تماسكها. فإن قيل: ما اللون؟ فيقال: هو بروق
~~شعاعات الأجسام. فإن قيل: ما الرائحة؟ فيقال: بخارات ذوات كيفيات تتحلل من
~~الأجسام المركبة. فإن قيل: ما الصوت؟ فيقال: قرع في الهواء من تصادم
~~الأجسام. فإن قيل: كم الحركات؟ فيقال: ستة أنواع هي «الكون، والفساد،
~~والزيادة، والنقصان، والتغير، والنقلة». فإن قيل: كيف حالتهن في الأفعال؟
~~فيقال: إن الكون هو قبول الهيولى والصورة، وخروجه من حيز العدم، والفساد هو
~~خلق الصورة وخلعها من الهيولى، والزيادة تباعد نهايات الشيء، والنقصان
~~تقاربها، والتغير تبدل الصفات على الموصوف، والنقلة خروج من مكان إلى مكان.

# فإن قيل: ما المكان؟ فيقال: إنه كل موضع تمكن فيه المتمكن، وهو نهايات
~~الجسم. فإن قيل: ما الزمان؟ فيقال: عدد حركات الفلك وتكرار الليل والنهار.
~~فإن قيل: ما الفلك؟ فيقال: إنه جسم شفاف كري محيط بالعالم. فإن قيل: ما
~~العالم؟ فيقال: جميع الموجودات المتكونات التي يحويها الفلك. فإن قيل: ما
~~الكواكب؟ فيقال: أجسام منيرة مستديرة كالجامدة من دوام ثباتها في موضع
~~معروف بها. فإن قيل: ما الجسم؟ فيقال: ما له طول وعرض وعمق. فإن قيل: ما
~~الجسم الشفاف؟ يقال: كل جسم يرى ما وراءه. فإن قيل: ما النار؟ فيقال: نير
~~حار يبدد الأشياء ويفرق أجزاءها ويردها إلى ذاتها البسيطة. فإن قيل: ما
~~الهواء؟ فيقال: جسم لطيف خفيف سيال شفاف سريع الحركة إلى الجهات الست؛ وهي
~~فوق وتحت وغرب وشرق وجنوب وشمال. فإن قيل: ما الماء؟ فيقال: جسم سيال قد
~~أحاط حول الأرض. فإن قيل: ما الأرض؟ فيقال: جسم غليظ أغلظ ما يكون من
~~الأجسام وتواقف في مركز العالم. فإن قيل: ما الجهات؟ فيقال ستة أنواع: شرق
~~وغرب وجنوب وشمال وفوق وتحت؛ وذلك أن الشرق حيث تطلع الشمس، والغرب حيث
~~تغيب، والشمال حيث مدار الجدي، والجنوب حيث مدار سهيل، والفوق هو مما يلي
~~المحيط، والأسفل هو مما يلي الأرض.

# فإن قيل: ما الطين؟ يقال: ماء وتراب. فإن قيل: ما الزبد؟ يقال: ماء
~~وهواء. فإن قيل: ما البخار؟ يقال: ماء ونار. فإن قيل: ما الدخان؟ يقال: نار
~~وتراب. فإن قيل: ما البرق؟ يقال: نار وهواء. فإن قيل: ما المعادن؟ يقال: ما
~~الغالب عليه الترابية. فإن قيل: ما النبات؟ يقال: ما الغالب عليه المائية.
~~فإن قيل: ما الحيوان؟ يقال: ما الغالب عليه الهوائية. فإن قيل: ما الإنسان؟
~~يقال: ما الغالب عليه النارية. فإن قيل: ما الملائكة؟ يقال: ما الغالب
~~عليها طبيعة الفلك. فإن قيل: ما الجن؟ فيقال: ما الغالب عليها النارية
~~والهوائية. فإن قيل: ما الشياطين؟ يقال: ما الغالب عليها الترابية
~~والنارية. فإن قيل: ما الرياح؟ يقال: هي تموج الهواء وسيلانه إلى إحدى
~~الجهات. فإن قيل: ما الطبيعة الفاعلة؟ يقال: هي قوة من قوى النفس الكلية
~~الفلكية سارية في الأركان. فإن قيل: ما الأثير؟ يقال: الهواء الحار الذي
~~يلي فلك القمر. فإن قيل: ما النسيم؟ يقال: هو الهواء المعتدل الذي يلي وجه الأرض.

# فإن قيل: ما الزمهرير؟ يقال: هو الهواء الذي هو فوق كرة النسيم ودون
~~الأثير، وهو بارد مفرط البرودة. فإن قيل: ما الشعاع؟ يقال: نور الشمس
~~والقمر والكواكب السيارة في الهواء نحو مركز الأرض. فإن قيل: ما انعكاس
~~الشعاع؟ يقال: هو رجوع تلك الأنوار من سطح الأرض والبحار والأنهار والجبال
~~في الهواء. فإن قيل: ما البخار؟ يقال: هو أجزاء مائية رطبة ترتفع في الهواء
~~مع تلك الشعاعات الراجعة من سطوح المياه. فإن قيل: ما الدخان؟ يقال: هو
~~أجزاء أرضية لطيفة ترتفع في الهواء مع الحرارة. فإن قيل: ما الغيم والسحاب؟
~~يقال: الأجزاء المائية والترابية إذا كثرت في الهواء وتراكمت، والغيم منها
~~هو الرقيق، والسحاب هو المتراكم.

# فإن قيل: ما المطر؟ يقال: تلك الأجزاء المائية إذا التأم بعضها مع بعض
~~وبردت وثقلت ورجعت نحو الأرض. فإن قيل: ما الرياح؟ يقال: تلك الأجزاء
~~الأرضية إذا بردت ورجعت نحو مركزها. فإن قيل: ما البرق؟ يقال: هو النار
~~تنقدح من احتكاك تلك الأجزاء الدخانية في جوف السحاب. فإن قيل ما الرعد؟
~~يقال: هو الصوت الذي يدور في جوف السحاب ويطلب الخروج. فإن قيل: ما
~~الصاعقة؟ يقال: هي صوت يحدث من خروج تلك الرياح دفعة واحدة مع تلك البروق.
~~فإن قيل: ما الصوت؟ يقال: هو قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجسام بعضها بعضا.

# فإن قيل: ما الضباب؟ يقال: هو البخار الرطب يثور من وجه الأرض بعقب
~~الأمطار. فإن قيل: ما الهالة؟ يقال: دائرة تحدث فوق سطح الغيم من انعكاس
~~شعاع الشمس والقمر والكواكب. فإن قيل: ما قوس قزح؟ يقال: هو نصف محيط تلك
~~الدائرة إذا حدثت في كرة النسيم منصبة. فإن قيل: كم عدد الألوان المتناهية
~~من ذلك بأصباغها؟ يقال: أربعة؛ الحمرة في أعلاها، والصفرة دونها، والخضرة
~~دون الاصفرار، والزرقة دون الخضرة.

# ونحن قد ذكرنا طرفا في كيفية حدوث هذه الأشياء في رسالة الآثار العلوية
~~بشرحها. فإن قيل ما الثلوج؟ يقال: قطر صغار تجمد في خلل الغيم تنزل برفق.
~~فإن قيل: ما البرد؟ يقال: قطر تجمد في الهواء بعد خروجها من سلك السحاب.
~~فإن قيل: ما الغيم؟ يقال: ما كان بسيطا رقيقا، يقال له الغيم، وما كان
~~متراكما بعضه فوق بعض كأنه جبال من قطن يقال له السحاب. فإن قيل: ما
~~السيول؟ يقال: مياه أودية تجري من كثرة الأمطار. فإن قيل: ما مدود الأنهار؟
~~يقال: من ماء العيون الذي ينزل من أصول الجبال فينصب ويجري في بطون
~~الأودية، زيادتها من كثرة السيول. فإن قيل: من أي موضع تجري الأنهار كلها؟
~~يقال: تبتدئ من عيون في رءوس الجبال أو أسافلها وتلال في البراري، وتمر
~~بجريانها نحو الآجام والغدران والبطائح. فإن قيل: ما الزلازل؟ يقال: هي
~~حركة بعض بقاع الأرض من رياح محتبسة في جوف الأرض. فإن قيل: ما الخسوف؟
~~يقال: هي سقوط سطح بقاع الأرض على أهوية تحتها إذا انشقت وخرجت منها تلك
~~الرياح المحتبسة. فإن قيل: ما الجبال؟ يقال: أوتاد الأرض ومسنيات الرياح
~~والبحار. فإن قيل: ما الجزائر؟ يقال: بقاع من الأرض في وسط البحار. فإن
~~قيل: ما البراري؟ يقال: هي بقاع من الأرض ليس فيها نبات ولا بناء. فإن قيل:
~~ما الآجام والبطائح؟ يقال: بقاع فيها مياه ونبات. فإن قيل: ما الغدران؟
~~يقال: مواضع تجتمع فيها مياه الأمطار. فإن قيل: ما الأرض؟ يقال: جسم كري
~~الشكل واقف في الهواء بإذن الله تعالى بجميع ما عليها من الجبال والبحار.

# فإن قيل: ما الهواء؟ يقال: ما هو محيط بالأرض من جميع الجهات، فإن قيل:
~~ما الفلك؟ يقال: هو محيط بالهواء مثل ذلك. فإن قيل: ما مركز الأرض؟ يقال:
~~نقطة في وسط عمقها، ومن ذلك النقطة إلى ظاهر سطحها ثلاثة ونصف من اثنين
~~وعشرين/المحيط. فإن قيل: ما البحار؟ يقال: هي مستنقعات على وجه الأرض حاصرة
~~للمياه المجتمعة فيها. فإن قيل: ما زيادة البحر؟ فيقال: هي انصباب مياه
~~الأنهار والأودية فيها. فإن قيل: ما العلة في مد بحر فارس وجزره في اليوم
~~والليلة؟ يقال: علة كون المد عند طلوع القمر، فإنه يؤثر في غليان أجزاء
~~المياه في قعره وثوران انتفاخها ورجوع تلك الأنهار المنصبة إلى خلف، فيظهر
~~المد فعله كون الجزء هي عند مغيب القمر ورجوع تلك الأجزاء إلى قرارها،
~~ويؤثر بإزالة الغليان؛ وهو الفوران والانتفاخ السكون، فيظهر الجزر. فإن
~~قيل: ما العلة في أن مياه البحار كلها مالحة مرة غليظة ومياه الأمطار
~~والأنهار وأكثر الآبار عذبة لطيفة؟ وقد ذكرنا طرفا من تلك وأسبابها في
~~رسالة لنا قد تقدم ذكرها. فإن قيل: ما الطبائع الأربع؟ يقال: هي البرودة
~~والحرارة والرطوبة واليبوسة. فإن قيل: ما الأركان الأربعة؟ يقال: هي النار
~~والهواء والماء والأرض. فإن قيل: ما الأخلاط الأربعة؟ يقال: هي الصفراء[١]
~~والسوداء والدم والبلغم. فإن قيل: ما المولدات الكائنات؟ يقال: هي المعادن
~~والنبات والحيوان. فإن قيل: ما المعادن؟ يقال: ما يكون في عمق الأرض من
~~الجواهر وغيرها مما يجري مجرى الموات. فإن قيل: ما النبات؟ يقال: ما هو
~~ظاهر ويظهر على وجه الأرض من نبت الاشجار وما ينجم. فإن قيل: ما الحيوان؟
~~يقال: كل جسم متحرك حساس مؤلف من نفس حيوانية وبدن موات وتكوينها على
~~ضربين: فمنها ما يتكون ويتولد في الرحم، ومنها ما تخرجه البيض، ومنها ما
~~يتولد من أشياء، ومنها ما يجتمع من الطرفين يتوالد ويتولد.

# فإن قيل: ما الإرادة؟ يقال: هي إشارة بالوهم إلى تكون شيء ما يمكن كون
~~ذلك ويمكن الكون في غير. فإن قيل: ما القدرة؟ يقال: هي إمكان شيء من
~~الأفعال اختيارا. فإن قيل: ما الاختيار؟ يقال: هو قبول أحد الأمرين بالوهم
~~من ذوات الباطن وذوات الظاهر بالحس. فإن قيل: ما الجهل؟ يقال: تصور الشيء
~~بغير صورته. فإن قيل: ما الاعتقاد؟ يقال: هو عقد الاحتمال على تحقيق شيء.
~~فإن قيل: ما الوهم؟ يقال: هو قوة من قوى النفس الحيوانية متخيلة بها
~~الأشياء. فإن قيل: ما الإيمان؟ يقال: هو التصديق مما يخبر به المخبر. فإن
~~قيل: ما الإسلام؟ يقال: هو التسليم بلا اعتراض. فإن قيل: ما الدين؟ يقال:
~~هو الطاعة من جماعة لرئيس ينتظر منه نيل الجزاء. فإن قيل: ما الكفر؟ يقال:
~~هو الغطاء. فإن قيل: ما الشرك؟ يقال: هو إثبات ربوبية اثنين. فإن قيل: ما
~~الجحود؟ يقال: هو إنكار الحق. فإن قيل: ما المعصية؟ يقال: هي الخروج عن
~~الطاعة. فإن قيل: ما الطاعة؟ يقال: هي الانقياد لأمر الآمر ونهي الناهي.
~~فإن قيل ما المعاد؟ يقال: هو رجوع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية. فإن
~~قيل: ما الثواب؟ يقال: هو ما تجد كل نفس من الراحة واللذة والسرور والفرح
~~بعد مفارقتها للجسد. فإن قيل: ما العقاب؟ يقال: هو ما ينالها من الخوف
~~والحزن والآلام بعد المفارقة للأجسام، وكل نفس بحسب ما اكتسبت تنال من
~~الخير إن كان خيرا، أو من الشر إن كان شرا. فإن قيل: ما المعروف؟ يقال: هو
~~فعل ما جرت به العادة ولم تنه عنه الشريعة والسنة. فإن قيل: ما المنكر؟
~~يقال: فعل ما لم تجر به العادة، لا في السنة ولا في الشريعة. فإن قيل: ما
~~أجرة الأجير؟ يقال: هي جزاء لما يستحق كل عامل بما يعمله.

### || (١) فصل في أن الشكل هو صورة جسمانية واللون صورة روحانية

# الشكل هو صورة جسمانية، واللون صورة روحانية، وهما جميعا موجودان في
~~الأشياء كلها إذا تأملها المتأمل، فيكونان في جنس الثمار يعني في شكل
~~الثمرة موجود لنضجها واستحالة الرطوبة اللطيفة الرقيقة إلى ما قد بدت لها،
~~إما من ذوات الرطوبة السيالة وذوات الرطوبة المكتثرة، فتقدم السيالة
~~لانحفاظ كالآلة تقوم مقام لحاء الشجر لحفظ رطوبتها وتمنع أن يلحقها الفساد
~~والذوات الدهانة في ترتيبها أن نفس الثمرة تقبلها وتحفظها لئلا يلحقها
~~الفساد، و@QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ليطبخ الحرارة الغريزية الكائنة
~~في جميع الثمار وبلاغا لها، فهي لتصير من لا هيئة غير نافعة إلى هيئة
~~نافعة؛ لأن غرض الطبيعة إنضاج كل شيء تطبخه بالحرارة الغريزية لرطوبات
~~الهيولى على ما هي مرتبة ترتيب الإله للمنافع التي من أجلها صار كذلك.

# فإذا لم تقدر على ذلك لعرض يعرض لذلك إما لكون الرطوبات غالبة على الشيء
~~فتتولد فيه العفونة فيكون دليلا لفساد، وإما لكون الرطوبات في الشيء ناقصة
~~فيصير ما يتولد فيه اليبوسة والخشن، فيكون من ذلك الفساد وبذور النبات عند
~~ظهورها وبذور الزرع والشجر كلها حارة رطبة؛ لأن الحرارة في ذلك أكثر من
~~الرطوبة، والرطوبة التي فيها مانعة للحرارة؛ فلذلك يحدث الطراوة في بدئها.

# ألا ترى إلى فعل الأنفحة التي تجمد اللبن الحليب بفضل حرارته وإتباع
~~اللبن لها القبول منها؛ لأن في الحرارة قوى جاذبة تجذب الرطوبات إليها
~~لتتغذى بها وتعيش ما دامت المادة من ذلك باقية.

# فإذا ازدادت البرودة والرطوبة عليها اختفت الحرارة في باطن الأجسام
~~فأحرقتها؛ لأن الحرارة هي الفاعلة والرطوبة هي الهيولى القابلة للصورة،
~~والحرارة أيضا بتمدد الحركة إلى فوق تكون في مخرجها نحو اليمين والقدام
~~وإلى فوق من ناحية القلب؛ لأن القلب أفضل أجزاء البدن وليس بأفضل من البدن،
~~وعروق الشجرة أفضل أجزائها وليس أفضل منها، فالصغار بكثرتها تقاوم الكبار
~~لقلتها، ومن أجل أن المحرك الأول واحد صار لكل كائن فعله في مثله مماثلا
~~للأول الواحد، وكل مبدئ واحد أول ما ينبعث من القلب في بدن الحيوان، فإنه
~~يبدو منه عرقان اثنان: واحد لأعلى البدن، والآخر لأسفله.

# ومن بدن النبات يبدو عرقان: أحدهما ينزل إلى أسفل ويتناول المادة من
~~الأرض والماء بحسب ما يكون سبب حياته، والآخر يرقبه إلى فوق ليتغذى به
~~فتكون منه تربية البدن والورق والثمر.

### || (٢) فصل في أن العدد هو أحد الرياضيات الحكيمة

# ثم اعلم أن العدد هو أحد الرياضيات الحكيمة، وذلك أن الوحدة الموجودة في
~~الواحد الموهوم هي أصل العدد ومنشؤه، وهو لا جزء له، والعدد هو كثرة الآحاد
~~المجتمعة، وهو صورة تطبع في نفس العاد من تكرار الوحدة.

# والمعدودات هي الأشياء التي تعد، والحساب هو جمع العدد وتفريقه،
~~والمحسوبات هي الأشياء التي عرفت مقاديرها.

# فالعدد منه أزواج ومنه أفراد، والزوج هو كل عدد له نصف صحيح، والفرد هو
~~كل عدد يزيد على الزوج بواحد، والعدد منه صحيح ومنه كسور؛ فالعدد الصحيح هو
~~كلما يشار إليه بإحدى عشرة لفظة أصلية، وهي اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة
~~سبعة ثمانية تسعة عشرة مائة ألف، وما تركب منها، وهي هذه: عشرون ثلاثون
~~أربعون خمسون ستون سبعون ثمانون تسعون، مائة مائتان ثلاثمائة أربعمائة
~~خمسمائة ستمائة سبعمائة ثمانمائة تسعمائة، ألف ألفان ثلاثة آلاف أربعة آلاف
~~خمسة آلاف ستة آلاف سبعة آلاف ثمانية آلاف تسعة آلاف.

# وعلى ذلك تكرار اللفظ بالغا ما بلغ، والعدد الكسور هو كلما يشار إليه
~~بتسعة ألفاظ مشتقة من نفسه، وهي هذه: النصف والثلث والربع والخمس والسدس
~~والسبع والثمن والتسع والعشر، أو ما تركب منها مثل: نصف وثلث وربع ربع وخمس
~~خمس وسبع سبع وما شاكلها من الألفاظ المركبة من هذه التسعة. والعدد الذي
~~مبدؤه من واحد في جميع أموره ومنتهاه إلى أربعة، وهذه صورة ذلك «١، ٢، ٣،
~~٤»، وهذه الأربعة ثبات أصله وما يتولد منه في كيفية فرع، ثم الباقي مركب
~~منها كما بينا في رسالة الأرثماطيقي، وللعدد مراتب أربع: مراتب آحاد ومراتب
~~عشرات ومراتب مئات ومراتب الألوف، وله أيضا نظام وترتيب ذو فنون تجدها عند
~~التصرف فيها.

# فمنها نظم طبيعي، مثل: ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠.

# ومنها نظم الأزواج على الولاء، مثل هذه: ٢، ٤، ٦، ٨، ١٠، ١٢، ١٤، ١٦، ١٨، ٢٠.

# ومنها نظم الأفراد على الولاء، مثل هذه: ١، ٣، ٥، ٧، ٩، ١١.

# ومنها نظم زوج الفرد، مثل هذه: ٦، ١٥، ١٤، ١٨.

# ومنها نظم زوج الزوج والفرد، مثل هذه: ١٢، ٢٥، ٢٨.

# ومنها نظم زوج الزوج، مثل هذه: ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢.

# ومنها نظم الأفراد الأول الأول، مثل هذه: ٣، ٥، ٧، ٩.

# ومنها المجذورات، مثل هذه: ٤، ٩، ١٦، ٢٥.

# ومنها نظم المكعبات، مثل هذه: ٦، ٢، ٢، ٤، ٦.

# ومنها نظم المربعات غير المجذورات، مثل هذه: ٦، ١٥، ١٤، ١٨، ٢٥، ٦٢.

# ولكل نوع من هذه الكيفية نشوء وكمية أنواع، ولتلك الأنواع خواص قد ذكرنا
~~طرفا منها في رسالة العدد، والنسبة هي قدر أحد العددين عند الآخر، والنسبة
~~المتصلة هي التي تكون قدر الأول إلى الثاني كقدر الثاني إلى الثالث،
~~والمنفصلة هي التي تكون قدر الأول إلى الثاني كقدر الثالث إلى الرابع،
~~والضرب هو تضعيف أحد العددين بقدر ما في الأول من الآحاد، والقسمة عكس
~~الضرب، والجذر هو العدد المضروب في نفسه، والمجذور هو المجتمع من ذلك،
~~والمكعب هو المجتمع من ضرب المجذور في الجذر.

# ثم اعلم أن الهندسة أصل الرياضات الحكمية، وعلم الهندسة هو معرفة الأبعاد
~~والمقادير؛ فالأبعاد ثلاثة أنواع: الطول والعرض والعمق. والمقادير ثلاثة
~~أنواع: خطوط وسطوح وأجسام؛ فالخط هو مقدار ذو بعد واحد، والسطح هو مقدار ذو
~~بعدين، والجسم ذو ثلاثة أبعاد. والخطوط ثلاثة أنواع: مستقيم ومقوس ومنحنى؛
~~وهو المركب منهما. والسطوح ثلاثة أنواع: البسيط والمقعر والمقبب. والأجسام
~~كثيرة الأنواع؛ فمنها من كثرة السطوح، ومنها من جهة كثرة الأشكال، ومنها من
~~جهة الجميع.

# فأما التي اختلافها من جهة كثرة السطوح، فنذكر منها ثمانية أنواع؛ أولها:
~~الكرة وهي جسم يحيط به سطح واحد، ونصف الكرة يحيط به سطحان، وربع الكرة
~~يحيط به ثلاثة سطوح، والشكل الناري يحيط به أربعة سطوح، والشكل الأرضي وهو
~~المكعب يحيط به ستة سطوح، والشكل الهوائي يحيط به ثمانية سطوح، والشكل
~~المائي يحيط به عشرون سطحا، والشكل الفلكي يحيط به اثنا عشر سطحا.

# والسطوح كثيرة الأنواع: تارة من جهة الأضلاع، وتارة من جهة الزوايا،
~~وتارة من الجميع. ولكن يجمعها كلها أربعة أنواع: المثلث والمربع والمدور
~~والكثير الزوايا؛ فالسطح المثلث ما يحيط به ثلاثة خطوط وله ثلاث زوايا،
~~والسطح المربع ما يحيط به أربعة خطوط وأربع زوايا، والدائرة سطح يحيط به خط
~~واحد في داخله نقطة كل الخطوط المستقيمة الخارجة منها إليه متساوية من
~~المركز إلى المحيط، مساو بعضها لبعض، والشكل الكثير الزوايا مثل المخمس
~~والمسدس والمسبع وما زاد بالغا ما بلغ. والزوايا ثلاث: قائمة وحادة
~~ومنفرجة؛ فالزاوية القائمة هي التي بجنبها مثلها، والحادة أصغر من القائمة،
~~والمنفرجة أكبر من القائمة.

### || (٣) فصل في تعريف النبات والحيوان والإنسان والجسم والصوت وغير ذلك

# النبات هو كل جسم يتغذى وينمو، والحيوان كل جسم متحرك حساس، والإنسان حي
~~ناطق مائت، وهو جملة مركبة من نفس ناطقة وبدن مائت، والجسم جوهر لطيف طويل
~~عريض عميق، والصوت قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجسام، واللفظ كل صوت له
~~هجاء، والكلام كل لفظ يدل على معنى. وإن قيل: ما الصدق؟ فيقال: إيجاب صفة
~~الموصوف هي له، أو سلب صفة عن موصوف ليست له. والكذب؟ فهو عكس ذلك. ويقال
~~أيضا الصدق والكذب في الأقاويل، والصواب والخطأ في الضمائر، والخير والشرفي
~~الأفعال، والحق والباطل في الأحكام، والضر والنفع في الأشياء المحسوسة.

# والدنيا هي مدة بقاء النفس مع الجسد إلى وقت افتراقها الذي يسمى الموت،
~~والموت هو ترك النفس استعمال البدن، والآخرة هي نشوء ثان بعد الموت.

# ويقال أيضا الموت هو بقاء النفس بعد مفارقة الجسد وخلوها في عالمها،
~~والجنة هي عالم الأرواح، وجهنم هي عالم الأجسام، والجنة أيضا هي المرتبة
~~العليا، وجهنم أيضا هي المرتبة السفلى.

# فجنة نفس النباتية صورة الحيوانية، وجنة نفس الحيوانية صورة الإنسانية،
~~وجنة نفس صورة الإنسانية صورة الملائكة، ولصورة الملائكة مقامات ودرجات عند
~~الله تعالى، وبذلك يكون بعضهم أشرف من بعض، كالمقربين منهم وغير المقربين،
~~والبعث هو انتباه النفس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، والنوم هو اشتغال
~~النفس عن الجسد بغيره مع شمول عنايتها به، والقيامة قيام النفس من قبرها،
~~وهو الجسد الكائن الذي كانت فيه فزهدت وأبعدت عنه.

# والحشر هو جمع النفوس الجزئية نحو النفس الكلية واتحاد بعضها ببعض؛ إذ
~~الجزء أحد أجزاء الكل، والكل مجمع الأجزاء المنفصلة منه.

# وقولنا الاتحاد امتزاج الجواهر الروحانية كامتزاج صوت الزير والبم،
~~والحساب موافقة النفس الكلية النفوس الجزئية بما عملت عند كونها مع
~~الأجساد، والصراط هو الطريق المستقيم القاصد إلى الله تعالى.

### || (٤) فصل في الألوان المفردة

# الألوان المفردة هي البياض والسواد والحمرة والصفرة والخضرة والزرقة
~~والكدرة، والأشياء البيض إنما تراها بيضاء لأسباب ثلاثة: أحدها لأن النور
~~محبوس فيها لغلبة الرطوبة، والرطوبة لونها كاللبن. والثاني لأن النور مولج
~~فيها لكثرة التخلخل كالملح. والثالث لأن النور محبوس فيها لجمود رطوبتها
~~كالفضة.

# على أن النور من وراء الأجسام المشفة يرى أبيض، فإن عرض له عارض يرى
~~أصفر، والأشياء الصفر ترى صفراء لأسباب تمنع النور أن يرى صافيا، كالنار
~~يراها صفراء لأن حرارتها تسد مسام البصر فلا تقدر قوة الباصرة إدراكها على
~~التمام.

# ومنها ما يرى أصفر لأن الحرارة تسد مسامها كالأشياء البيض إذا طبخت اصفرت.

# فأما علة رؤية الأشياء حمرا فلشيئين: أحدهما الأسباب المعفنات، والآخر
~~الأسباب المذوبات؛ فالمعفنات لكثرة الرطوبة، والمذوبات لكثرة الحرارة،
~~كالشمس تراها حمراء عند كثرة البخارات الصاعدة إليها من جملة المياه
~~والرطوبات وعند النضج والأزهار والثمار تؤدي من شدة الحرارة المذوبة.

# فقد تبين بهذا أن البصر إذا رأى النور من وراء الأجسام المشفة وغلبها أحد
~~الأسباب الثلاثة، رآها حمراء.

# وأما الخضرة فهي من أجل غلبة الرطوبة الأرضية على النور، ومنع البصر
~~إياها أو منع النور أن يصير إلى البصر صرفا.

# وأما السواد فهو منع الرطوبة الأرضية وصول النور إلى البصر، أو منع البصر
~~الوصول إلى النور؛ لأن السواد يجمع البصر والبياض يفرقه.

# وكل الألوان الباقية متوسطة بين هذين الطرفين وفعلها في البصر بحسب غلبة
~~أحد هذين عليها.

# والطعوم تسعة أنواع: وهي العفوصة والقبوضة والحموضة والحلاوة والملاحة
~~والمرارة والحرافة والعذوبة والدسومة. والحلاوة تجعل اللسان أملس، والمرارة
~~تجعل أجزاءه متفرقة خشنة، والحريف يزيد في ذلك، والمالح يفرق ويجفف،
~~والعفوصة تجمع وتقبض، والحموضة تفرق وتقبض.

# ثم اعلم أيها الأخ بأنك قاصد إلى ربك منذ خلقت نطفة في الرحم وربطت بها
~~نفسك تنقل كل يوم من حالة هي أدون إلى حالة أتم وأكمل وأشرف، ومن مرتبة هي
~~أنقص إلى مرتبة أخرى هي أعلى وأشرف، وإلى منزلة هي أرفع، إلى أن تلقى ربك
~~وتشاهده ويوفيك حسابك، وتبقى عنده نفسك ملتذة فرحانة مسرورة مخلدة أبد
~~الآبدين ودهر الداهرين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك
~~رفيقا، وفقك الله وإيانا وجميع إخواننا إلى السداد، وهداك وإيانا وجميع
~~إخواننا سبيل الرشاد إنه رءوف بالعباد.

# (تم القسم الثالث في العلوم النفسانيات العقليات من كتاب إخوان الصفاء
~~وخلان الوفاء ويتلوه القسم الرابع في الناموسيات الإلهيات، أوله رسالة في
~~الآراء والديانات.)

# 

### |EDITOR|
ENDNOTES:

Notes on section (النفسانيات العقليات)(no page numbers):

[١ ]تنأ تنوءا بالمكان: أقام به؛ فهو تانئ، والجمع تناء.

Notes on section (الرسالة الرابعة من النفسانيات العقليات في العقل والمعقول)(no page numbers):

[١ ]الزئير: يراد به هنا التكاثف والتضام من زأر البستان والغابة: تضامت فروع أشجارهما.

[٢ ]السرقين: وتقرأ بالجيم بدل القاف؛ وهو الروث ما دام في الكرس، فإذا نزل فهو الروث.

Notes on section (الرسالة الخامسة من النفسانيات العقليات في الأدوار والأكوار)(no page numbers):

[١ ]البيادر: جمع بيدر؛ والبيدر الموضع الذي يجمع فيه الحصيد ويدرس أو يداس، على حد تعبير المؤلف.

[٢ ]تمرمر: اضطرب وقلق.

[٣ ]الأكر: زراع الأرض وحراثها.

[٤ ]المريخ: الرجل الأحمق، وقيل كثير الأدهان المزهو بنفسه.

Notes on section (الرسالة السادسة من النفسانيات العقليات في ماهية العشق)(no page numbers):

[١ ]لعله «وفق» كما يقتضي السياق.

[٢ ]لعلها «السابحة».

Notes on section (الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث والقيامة)(no page numbers):

[١ ]لعله يقصد: وما قولك فيمن يتعاطى علم النفس ... إلخ، لكن السياق مضطرب فتنبه.

[٢ ]الصواب أن يقول: لم يعرفوا كيفية ... إلخ.

[٣ ]ليس في كتب اللغة ما يفهم منه: أن سوى بمعنى أعطى أو وهب، وهو المراد من السياق، كما جاء في الأصل.

Notes on section (الرسالة الثامنة من النفسانيات العقليات في كمية أجناس الحركات)(no page numbers):

[١ ]لعل الأصوب: الزوابع.

Notes on section (الرسالة التاسعة من النفسانيات العقليات في العلل والمعلولات)(no page numbers):

[١ ]المراد عدم وجود مملكة أخرى يخرج إليها.

[٢ ]لعل الصواب: الكامل، كما يقتضيه السياق.

Notes on section (الرسالة العاشرة من النفسانيات العقليات في الحدود والرسوم)(no page numbers):

[١ ]الصفراء أجزاء لطيفة تحركت من طبخ الطبيعة للكيموس، والسوداء هي أجزاء غليظة محترقة احترقت من طبخ الطبيعة للكيموس، والدم أجزاء معتدلة بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والغلظة واللطافة، والبلغم أجزاء غليظة قحة لم تنضج من طبخ الطبيعة للكيموس.

