Book title: الإیضاح
Publisher's name: المطبعه الکاثولیکیه
Cover: 1
User's first name & Last name: hamid reza hakimi
Name of site: www.noorlib.ir Noor digital library
Download Date: 1399/04/18
Number of downloaded pages: 166

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 1)

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ وَ سَلاٰمٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ آللّٰهُ خَيْرٌ أَمّٰا يُشْرِكُونَ قوله جل ذكره: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ فكل من نظر في هذه الآيات الدالة في الآفاق و الانفس بالانصاف،و طلب حقائقها،و وقف على علومها،و موافقتها للشرائع و الاحكام،و تقبّلها بشكر و خضوع و إفادة،فيكون ممن اطاع اللّه جل ذكره، و ائتمر بأوامره،فاستحق الثواب و الكرامة في الدارين،و نجا من العذاب الأدنى و الأكبر، و هو من الذين ذكرهم اللّه جلّ ثناؤه بقوله: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُجٰادِلُ فِي اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لاٰ هُدىً وَ لاٰ كِتٰابٍ مُنِيرٍ .و في قوله: وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّٰاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهٰا وَ أَنٰابُوا إِلَى اللّٰهِ لَهُمُ الْبُشْرىٰ فَبَشِّرْ عِبٰادِ .و في قوله: اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ .و في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و لم يقل لقوم يتخيّرون،بل قال لأولي الألباب،و لم يقل لأولي الاختيار.

كتاب الايضاح-1

فكل من لم ينظر في هذه الآيات الموجودة في الآفاق و الانفس،و الدلالات 1الباطنية فيها،و لم يطلب حقائقها من أرباب الدين الذين هم المستنبطون،و لم يتقبلها منهم بشكر و خضوع 2،فهو من الأبالسة و الشياطين الذين ردّوا امر اللّه،فاستوجبوا بذلك غضبه و خذلانه و حرمانه،و هم الذين ذكرهم في قوله تبارك اسمه: وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اي اللواحق الذين حكى عنهم اُسْجُدُوا لِآدَمَ اي اخضعوا للناطق،و ذلك ان ناطق كل دور من الادوار هو كآدم لأنه خلق من اديم الارض،اي ان علمه كان ظاهرا لعلم الباطن،و ذلك ان معنى اديم الأرض ما ظهر منها فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ الْجِنِّ و قد ذكرنا تأويله فيما تقدّم من كتبنا، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ اي خرج عن امر التالي الذي يربيه حتى صار ضدّا للناطق، أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ فذرية ابليس في القشرية هم تلامذة الأبالسة و شيعتهم الشياطين بِئْسَ لِلظّٰالِمِينَ بَدَلاً و هم الذين وضعوا انفسهم في غير مواضعها،و ذلك ان حد الظلم وضع الشيء في غير موضعه،فأخبرهم اللّه جل ذكره فيما ينظر الى ما خلقه في الآفاق و الأنفس من الدلالات 3و الآيات،فلم يتفكروا فيها، و لم يطلبوا حقائقها،و تبرأ منهم،و حرمهم مواهبه و رحمته و آياته،فقال: مٰا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لاٰ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ مٰا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً .

ألا ترى ان اللّه عز و جل لم يشهد ابليس و ذريته و أولياءه،خلق السموات و الارض، و لم يطلبوا حقائق علومها،لانه عز و جل هداهم،و لكنهم اختاروا العمى عن الهدى، و تركوا امر اللّه و اتبعوا اهواءهم،و شبهوا انفسهم بالمؤيدين حين قالوا:ان كل مجتهد مصيب،و قال تعالى: وَ مٰا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً اي لا استعين بهم بوجه من الوجوه،و لا اتخذ منهم رسلا و لا اسسا و لا ائمة و لا لواحق و لا دعاة.


1) في نسخة م وردت و الدلالة.
2) في نسخة س وردت بإخضاع.
3) في نسخة م وردت و الدلالة.

و لا بد لي من ان أقول:من غير ان اختار اضافة حرف ممّا اريد 1شرحه و بيانه الى نفسي،أو الى احد سواي،بل الى أربابه المتفضلين علينا جماعة المستجيبين،و لا بتوهم احدا من المستمعين بأنّ لنا فيه حولا او قوة.الاّ باللّه العلي العظيم،و بتوسط أولياءه الذين جعلهم وسائل لعباده،و أسباب و مراقي يرتقي بهم المستجيب الى معرفة خالقه بالتجريد، فانه لا بد ان يكون لكل ناطق من النطقاء السبعة ابليسا يكاشفه و يعاديه و يضلّ امته عن الصراط المستقيم،و الدليل على ذلك قصة آدم عليه السلام مكررة في القرآن سبع مرات، كل ذلك بذكر اللّه عز و جل أمر الملائكة بالسجود،و ما كان من الائتمار منهم لأمره، فردّ ابليس امره من بين جمعهم،و الاولى منها قوله جل ثناؤه في سورة البقرة: وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ أَبىٰ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كٰانَ مِنَ الْكٰافِرِينَ ،و الثانية في سورة الاعراف: وَ لَقَدْ خَلَقْنٰاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنٰاكُمْ ثُمَّ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّٰاجِدِينَ ،و الثالثة في سورة الحجر: وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصٰالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّٰ إِبْلِيسَ أَبىٰ أَنْ يَكُونَ مَعَ السّٰاجِدِينَ و الرابعة قوله سبحانه: وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ قٰالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قٰالَ أَ رَأَيْتَكَ هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّٰ قَلِيلاً و الخامسة قوله في سورة الكهف:

وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّٰالِمِينَ بَدَلاً و السادسة قوله في سورة طه: وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ أَبىٰ فَقُلْنٰا يٰا آدَمُ إِنَّ هٰذٰا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاٰ يُخْرِجَنَّكُمٰا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقىٰ إِنَّ لَكَ أَلاّٰ تَجُوعَ فِيهٰا


1) في نسخة م وردت اراد.

وَ لاٰ تَعْرىٰ و السابعة قوله في سورة ص: إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّٰ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كٰانَ مِنَ الْكٰافِرِينَ .

فقد أراد اللّه جل ذكره في تكرار هذه القصة سبع مرات في القرآن،ان يبين ان مثل آدم ستة نفر،اولهم آدم،و سابعهم القائم،و على عهد كل واحد منهم صلوات اللّه عليهم،يجري ما جرى على آدم.

و قد أمر جل ثناؤه الذين أودعهم كلمته من بعد انقضاء دور الرسول،بان يخضعوا لمن يرفعه اللّه من بينهم كائنا من كان،فأخبر اللّه جل و عز نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، انّ في كل عصر من عصورهم ممّا يكون من جمعهم بالقول سوى واحد منهم،فانه يأبى و يلح و يغير و يبدل هذا الى يوم القيامة،يريد ان يبدل سنة اللّه،و قال تعالى في الذين خلوا من قبل: سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلاً و انما كان ذلك لأن اللّه جل و عز انظر 1ابليسا الى يوم القيامة حين قال: قٰالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ فإذا قامت قيامة الاشهاد صلوات اللّه عليهم،و جاء وعد اللّه الذي وعد المؤمنين بقوله جل و عز: وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ يعني المؤمنين اصحاب الحقائق ليستخلفهم في الارض كما استخلف الّذين من قبلهم يعني المسلمين الذين هم أصحاب القشرية و ليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم،و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعني في الدنيا يعبدوه فلا يشركون به شيئا،فخضع حينئذ الانام كله لصاحب الامر،و قصرت يد ابليس عن ان تتناوله،فأقرّ حينئذ بكفره و عتوه و عناده،و قد حكى اللّه عز و جل عنه حين قال: وَ قٰالَ الشَّيْطٰانُ لَمّٰا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللّٰهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مٰا كٰانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ إِلاّٰ أَنْ دَعَوْتُكُمْ


1) في نسخة ق وردت ناظر.

فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاٰ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ مٰا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ مٰا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّٰالِمِينَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ .

و لنذكر اسم اباليس النطقاء و شياطينهم في اعصارهم تصديقا للآيات السبع التي قدمناها،و تأويلها في شأن آدم عليه السلام و الملائكة،و ما كان من رد ابليس امر اللّه عز و جل من بين الملائكة فأقول:ان آدم عليه السلام كان ابليسه عزرائيل.و شيطانه قابيل، و ابليس نوح عليه السلام حام،و لذلك روي في الخبر ان حاما رأى عورة ابيه نوح و هو نائم فأطلع على ذلك اخوته كنعانا و ساما و يافثا و لم يستره،اي انه كشف ما وصل إليه عن ابيه من العلم الذي لا ينبغي كشفه الاّ لأهله،و نصحه ابيه فلم ينتصح 1،و أصرّ على المعصية 2و لم يتب،فاكتسب بعلمه مقام الابليسيّة،و غرق في طغيانه،و لمّا ان رآه نوح عليه السلام غريقا أخذته الشفقة عليه،و قال كما جاء عنه قوله تعالى:

وَ نٰادىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقٰالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحٰاكِمِينَ قٰالَ يٰا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ فَلاٰ تَسْئَلْنِ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجٰاهِلِينَ انّ لكلام نوح عليه السلام إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي اي بالنسبة الجسمانية و لكلام اللّه عز و جل له على النسبة الروحانية.

و إبليس ابراهيم عليه السلام النمرود بن كنعان،و شيطانه آزر،و هو الذي كان قد ربّاه في دعوة ابيه على احكام شريعة نوح،و لذلك كان يسميه في نصائحه له بالأب، و أخذته الشفقة عليه.

و ابليس موسى عليه السلام الوليد بن مصعب المعروف بفرعون،و قد كان قبل ظهور موسى عونا للإمام شعيب في ايصال العلم للمستجيبين فنفر عنه لمّا ان سلّم الأمر الى موسى،و أمّا شيطانه فهو هامان.


1) في نسخة س وردت فلم ينصح.
2) في نسخة ق وردت المعاصي.

و ابليس عيسى يهوذا و هو الذي ارتشا عليه بثلاثين مثقال من الفضة،امّا شيطانه فهو صامارس اليهودي.

و ابليس محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي انكر وصيته لعلي يوم غدير خم،و شيطانه الذي ساعده على إنكار الوصية و الاخذ بما ليس له به حق،بقوله عز و جل: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ و قال عز و جل: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ الْجَحِيمِ و قال تعالى: وَ مٰا كٰانَ اسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّٰ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهٰا إِيّٰاهُ فَلَمّٰا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّٰهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ و قال اللّه عز و جل في رسالة محمد(صلعم): هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و النبي واثق بما وعده اللّه،و من هنا ثبت ان النبي لم يرد في قوله اعزاز دينه بأحد من الكفار،و قال اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ،وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ و من هاهنا قيل ان الاسلام كان مستورا الى ان اسلم بعض المنافقين،و ما كان لأحد من الأبالسة و الشياطين ان يستطيع الاضرار بالوصي و ذريته بالمقدار الذي استطاع المنافقون بعد وفاة محمد(صلعم) من مدافعة وصيه عن مقامه،و الجلوس مكانه،فلذلك لم يذكر اللّه جل و عز في الآيات الخمس ما ذكره في الآية السادسة حين قال: فَقُلْنٰا يٰا آدَمُ إِنَّ هٰذٰا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاٰ يُخْرِجَنَّكُمٰا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقىٰ ،ألا ترى ان الزبير ابن العوام كان ناصره و معينه و صاحبه يوم بيعة السقيفة فقال:لا ابايع احدا إلاّ عليّا، و شدّ على اصحاب السقيفة في السيف في قصة طويلة تركت ذكرها مخافة التطويل،إلاّ انه ارتدّ في آخر عمره،و حارب الوصي عليه السلام،و نصب له العداوة.

أمّا ابليس القائم سلام اللّه على ذكره،وقت كونه في هذا العالم السفلي،من لا اسميه إلاّ رمزا و هو شكل احد الناس،و شيطانه[ن ه‍ ث ل].

و انّ لكل واحد من هؤلاء النطقاء السبعة امرا و شريعة على حده،فامّا آدم فانه لم يكن له شريعة،و ذلك انه امر بالاعمال،و لم يشرح عن تركها،و حد العمل ما لا يجوز تركه،و حد الشريعة ما لا يجوز تركها،و امّا اعماله فكانت تطوعا لا شريعة، و لذلك سمي دوره دور التطوع،و امّا نوح فانه قرن التطوع بالشريعة،لانه امر بالاعمال و لم يشرح عن تركها،و سمّى الاعمال التي امر امته باستعمالها شرائع.و قد قال جل ذكره:

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ و لذلك سمي دوره دور الشريعة،و امّا ابراهيم عليه السلام فانه قرن التطوع و الشريعة،و ذلك انه أول من نهى 1عن الاشياء.فلذلك سمي دوره دور المناهي،و امّا موسى عليه السلام فانه قرن 2التطوع و الشريعة و المناهي بالحدود،و ذلك انه اوّل من امر بالحدود و القطع و القصاص و الرجم و غير ذلك،فلذلك سمي دوره،دور الحدود و الأحكام.

و امّا عيسى عليه السلام فانه قرن التطوع و الشريعة و المناهي و الحدود بالتقية،و أبطل الحدود و القصاص و القطع و الرجم و سفك الدماء،و قال:ارتدعوا عن الذنوب خوفا من عذاب الآخرة،لا من عذاب الدنيا،و لذلك سمي دوره دور التقية.

و امّا محمد(صلعم)فانه قرن التطوع و الشريعة و المناهي و الحدود التي هي عذاب الدنيا و العقوبات التي هي عذاب الآخرة بالمعرفة،لان فيها عرفان جميع الشرائع بتمامها،


1) في نسخة س وردت انتهى.
2) في نسخة ق وردت اقرن.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 8)

و فيما ذكره الحكماء في كتاب(البيان) 1من هذا المعنى بابا بابا،و دورا دورا غنى عن إعادة ذكره في كتابنا هذا.

فآدم صاحب التطوع،و نوح صاحب التطوع و الشريعة،و ابراهيم صاحب التطوع و الشريعة و المناهي،و موسى صاحب التطوع و الشريعة و المناهي و الحدود التي هي عقوبات الدنيا،و عيسى صاحب التطوع و الشريعة و المناهي و الحدود و التقية و عقوبات الآخرة، و محمد صاحب التطوع و الشريعة و المناهي و الحدود و التقية و المعرفة و عقوبات الدنيا و الآخرة جميعا،و امّا القائم سلام اللّه على ذكره فهو صاحب التأويل الذي هو مجمع جميع شرائع النطقاء و أعمالهم،و هو رب يوم الكشف الذي ذكره اللّه عز و جل،قوله في كتابه،و فيه كفاية: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جٰاءَتْ رُسُلُ رَبِّنٰا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنٰا مِنْ شُفَعٰاءَ فَيَشْفَعُوا لَنٰا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّٰا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ ،ان ربكم اللّه الذي خلق السموات،باطنها الأئمة، و الارض باطنها اللواحق،في ستة ايام باطنها النطقاء الستة،اولياؤها باطنها الأسس الستة،استوى على العرش باطنه-صاحب الدور السابع الذي هو صاحب الكشف و التأويل،يغشى الليل باطنه الاسس،و النهار باطنه الناطق يطلبه حثيثا،و الشمس باطنها العقل،و القمر باطنه النفس،و النجوم باطنها الحد و الفتح و الخيال،مسخرات بأمره اي بأمر الباري عز و جل انه الخلق و الامر تبارك اللّه رب العالمين.

و لم يذكر في جملة هؤلاء الذين هم اصحاب الأدوار،ثلاثة نفر هم مذكورون في كتاب(البرهان 2)،اثنان منهما معروفان بالخلقتين،احدهما الخامس من الكور الثاني،و الآخر الخامس من الكور الثالث،المعروف بالغضبان الآيس من رحمة اللّه، و هو الثاني من الكور الثالث.و انّ هذا الكتاب هو واسطة بين الإيقان الذي هو علم


1) لم يصل إلينا هذا الكتاب و لا نعلم مؤلفه.
2) هذا الكتاب معروف انه لابن سيناء،و لكن يظهر ان المؤلف له كتاب بهذا الاسم وضعه قبل الايضاح او بعده كما يرجح.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 9)

الآيات،و بين الإيمان الذي هو علم الحقيقة،لا عين الحقيقة،كما ان الرسم واسطة في هذه الكتب بين الاسلام الذي هو علم الاسماء و بين الإيقان الذي هو علم الآيات، و لذلك صارت الحقائق منغلقة في هذا الكتاب،مشروحة في كتاب(البرهان)لانه عين الحقيقة.و الكافر اذا من اقر ببعض الادوار الماضية و نطقائها،و لم يقر ببعضها،و المسلم هو من اقر بجميع الادوار الماضية،و استعمل الشرائع الناسخة،و أنكر الادوار المستقبلة، و عمل على الشرائع الناسخة،و وقف على باطنها،فلعلّ باحثا يقول:اذا كان المسلم هو من يستعمل الشرائع الناسخة،فلم سمّى نوح امته المسلمين؟اذا كانوا بدء الشرائع منه، كما سمّى ابراهيم امته المسلمين حتى جرى ذلك الرسم الى هذا الوقت،حيث يقول اللّه عز و جل: إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ:أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ وَ وَصّٰى بِهٰا إِبْرٰاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يٰا بَنِيَّ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلاٰ تَمُوتُنَّ إِلاّٰ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ اذن فالشريعة لا تتم بأمر دون النهي،و لا بالنهي دون الامر،و كان الناهي في دور نوح في حد القوة،لان نوح امر باشياء و لم ينهي عن شيء مصرحا،فلمّا امر بشيء ما و كان النهي مرموزا فيه في حد القوة،لان من امر بشيء ما فقد نهى عن تركه،و ان لم يقل ذلك،و قد خرجت المناهي في دوره الى ابراهيم من حد القوة الى حد الفعل فتمّت الشرائع في دوره،و لذلك سمّى امته المسلمين.

و انّ المسلم هو من يقبل جميع الشرائع بتمامها،و وجه آخر و هو اشفى ممّا قلت،و هو ان المخاطبة في قوله جل ذكره، فَلاٰ تَمُوتُنَّ إِلاّٰ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ،معناه ان كل مؤمن مسلم،و ذلك ان المسلم اذا لم يؤدّ فرائض الدين،فلم يقف على العلوم و لا على تأويلها،و كذلك ابراهيم هو الامام السابع في دور نوح،فمن لم يعمل على الشرائع التي امر بها نوح،و لم يقف على تأويلها،لم يتهيأ له الارتقاء الى درجة النطقاء.و لذلك قال اللّه عز و جل: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ يعني ان ابراهيم كان من اهل دعوة نوح و من المخلصين منهم،و من المقتدين به في تأليف الشرائع،كما قال اللّه جل و عز: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً يعني شرع محمد لامته مثل ما وصّى اللّه به نوح وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ،وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .

و انّ المسلم هو من يقبل جميع الشرائع بتمامها،و وجه آخر و هو اشفى ممّا قلت،و هو ان المخاطبة في قوله جل ذكره، فَلاٰ تَمُوتُنَّ إِلاّٰ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ،معناه ان كل مؤمن مسلم،و ذلك ان المسلم اذا لم يؤدّ فرائض الدين،فلم يقف على العلوم و لا على تأويلها،و كذلك ابراهيم هو الامام السابع في دور نوح،فمن لم يعمل على الشرائع التي امر بها نوح،و لم يقف على تأويلها،لم يتهيأ له الارتقاء الى درجة النطقاء.و لذلك قال اللّه عز و جل: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ يعني ان ابراهيم كان من اهل دعوة نوح و من المخلصين منهم،و من المقتدين به في تأليف الشرائع،كما قال اللّه جل و عز: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً يعني شرع محمد لامته مثل ما وصّى اللّه به نوح وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ،وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .

فلمّا صحّ ان المسلم هو من عمل على الشرائع الناسخة،و ان ابراهيم هو الذي سماهم المسلمين،و ان من شيعته نوحا،و قد ثبت ان نوحا هو أول من شرع الشريعة،و انه اوّل من سمّى امته المسلمين،و ان ابراهيم اقتدى به في تسمية امته بذلك،و ان الاشياع يقتدون بمن هم من شيعته،و ممّا يزيد في قولنا هذا تأكيدا حكاية عن نوح حيث قال:

و ما انا بطارد المؤمنين،فلمّا كان لنوح شريعة،ثبت انه لم يكن في دوره مؤمن،الاّ بعد ان كان مسلما،لان الرجل لا يصير مؤمنا الاّ بعد وصوله الى التأويل،و لا يصل الى التأويل،الاّ بعد ان يقرأ شرائع صاحب الدور و يعمل عليها،و كل من عمل على شرائع صاحب دوره فهو مسلم،و لذلك قال اللّه عز و جل: قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لاٰ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمٰالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، لانهم عملوا على شرائع صاحب دورهم،و لم يقفوا على تأويله،و هذا دليل على ان ابراهيم كان عاملا على الشرائع،واقفا على تأويلها،و ان اللّه جل و عز لم يختص بتسميته مسلما حتى قرنه به فقال: مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاٰ نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً ،يعني مؤيدا واقفا على التأويل مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني عاملا على الشرائع،ثم بيّن عز و جل اولى الناس به من اجتمعت فيه هاتان الخلتان كاجتماعهما فيه و هما العلم و العمل،و ان اولى الناس بابراهيم الذين اتبعوه، يعني الذين يعملون على الشرائع و يطلبون تأويلها اتباع له،و هذا النبي يعني محمدا، و الذين آمنوا،و لم يقل و الذين اسلموا،و اللّه ولي المؤمنين،و لم يقل ولي المسلمين،لان المؤمن هو الحنيف و المسلم جميعا،و هو من يعمل كما كان ابراهيم حنيفا مسلما،و المسلم هو المسلم و ليس بحنيف.

فإن قال قائل:أ ليس المسلم من يعمل على الشرائع التي شرعها محمد صلّى اللّه عليه و سلّم؟و هل كانت شريعة نوح و ابراهيم و موسى و عيسى مثل هذه الشريعة؟قلنا له:

ان المسلم اليوم هو من عمل على شريعة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم لانها الناسخة شرائع المسلمين قبله،و ان المسلم قبل محمد من عمل على شريعة عيسى،و ان كانت شريعته مخالفة لشريعة محمد،و كذلك قبل عيسى من عمل على شريعة موسى،و كذلك قبل موسى من عمل على شريعة ابراهيم،و كذلك قبل ابراهيم من عمل على شريعة نوح،لان المسلم هو من ائتمر بأوامر اللّه و نواهيه في اوقاتها و أحيانها 1،لا من وقف على شريعة من الشرائع و ان كانت منسوخة،و لا جاوزها الى غيرها،و الدليل على ذلك:انّ من يصلي اليوم الى بيت المقدس لا يسمّى مسلما،و من صلّى إليه في الوقت الذي امر فيه الرسول بالصلاة إليه يسمّى في ذلك الوقت مسلما،فثبت بذلك ان المسلم هو من عمل على الشرائع الناسخة،لا على الشرائع المنسوخة،و لو لم تكن الشرائع مخالفة لبعضها البعض لم تتبيّن الناسخة و المنسوخة.

ثم نرجع الى ما كنا فيه من ذكر الأبالسة فنقول:

ان فيما ذكرناه من تأويل الأبالسة بالقوة المرتدين عن الحقيقة كغاية و بلاغ،ثم نقول:

ان قالب الابليس بالقوة الذي هو قد ارتد 2عن مذهب الباطن،اذا فسد تغيرت حينئذ صورته الروحانية الى ابليس بالفعل معاقب لا يستطيع تغيير الصورة الابليسية، و الفرق بين هذين الابليسين ان الذي هو بالقوة،و هو المرتد عن الحقيقة يستطيع عند توبته و رجوعه الى الحق تغيير صورته القبيحة الابليسية،و الابليس بالفعل لا يستطيع ذلك،و وجه آخر من التأويل هو ان الأبالسة بالقوة هم فقهاء القشرية و عظماءهم و رؤساءهم،فإذا فسدت قوالبهم تصير حينئذ صورتهم الروحانية ابالسة بالفعل معاقبون نادمون،و لا تنفعهم الندامة عند ذلك،و كما ان الشياطين تابعون الأبالسة،و متبوعون، كذلك القشرية تابعون فقهاءهم متبوعون.و وجه آخر من التأويل هو ان الجني بالفعل اذا عصى اللّه جل ذكره،و خالف أمره و نهيه،يصير عند النفخة الاولى ابليسيّا


1) سقطت في نسخة ق.
2) في نسخة ق وردت مرتد.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 12)

بالفعل،فيعذّب حينئذ في عذاب جهنم خالدا مخلدا فيها ابدا سرمدا،و سنذكر تأويل النفختين الاولى و الاخرى فيما تأخر من كتابنا هذا.و وجه آخر ان الأبالسة بالقوة من اقتصروا على العلم دون العمل كالفلاسفة اذا فسدت قوالبهم صاروا أبالسة بالفعل، نعوذ باللّه من ترك العمل،و التعوض بما يعقب الحسرة و الندامة و اللّه من وراء القصد.

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 13)

الفرق بين الإنسان بالقوّة و الإنسان بالفعل

و إذا كنا قد انتهينا من مقدمتنا فنريد الآن ان نتكلم عن الفرق بين الانسان بالقوة و الانسان بالفعل فنقول:

ان الانسان على نوعين:انسان بالقوة،و انسان بالفعل،فالانسان بالقوة هو المختار الفاعل المأمور المنهي 1المستطيع الحي القادر المثاب الممدوح المحمود،و هو الروح الناطقة،و امّا سائر ما ينسب إليه من الأدوات مثل اليد و الرجل و اللسان و سائر الأعضاء فهي آلة له يستعملها في افعاله،و الدليل على ذلك اني وجدت الاخبار و القصد و الإرادة و الاعتماد و العلم و العقل و التمييز و التمثل و الترجيح و المماثلة و الموازنة و الدعاوي و الخواطر في الأرواح دون الاعضاء،و الجوارح،فعلمت ان اللّه عز و جل انما خاطب الروح في قوله:يا ايها الانسان دون الجسد لأن الحكيم لا يخاطب من لا معرفة له،و لا عقل و لا فهم و لا تمييز 2،و أيضا فان الخواطر ترد عليه دون ما سواه،و وجدته هو المميز وحده،فعلمت انه هو المختار دون غيره،و رأيت الجوارح و الاعضاء مسخرات له،لا تقدم الاّ بعد إقدامه،و لا تمسك الاّ بعد إمساكه،فعلمت انها هي المضطرة إليه،و انه هو المختار دونها،و ان هذه الجوارح آلة له يستعملها في افعاله،كالفأس و القلم و السيف و السلّم، و ما اشبه ذلك من الآلات.


1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 14)

و انّما سميت الارواح الناطقة انسانا لظهور قدرتها و أفعالها من بين جميع الأرواح الغير ناطقة،و يقول:آنست كذا،اي ظهر لي شيئا فأبصرته،و قد قال جلّ و عز حكاية عن موسى: وَ هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ إِذْ رَأىٰ نٰاراً فَقٰالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نٰاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهٰا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّٰارِ هُدىً اي أبصرت نارا و من هاهنا سمي الأنس انسانا،لان بالروح الناطقة يطاق نفي الوحشة و الائتلاف و الانس،و قد جاء في الحديث ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:اذا جاء الليل استأنس كل انس،و استوحش كل وحش،معناه:اهل الباطن الذين هم انس بالقوة ينتفعون بأرواحهم الناطقة لاستئناسهم بمذهب اللب،و أهل القشرية الذين هم شياطين بالقوة لا ينتفعون بها،لاستيحاشهم 1من اللب،و تشبههم بالانعام و الوحوش،و من هاهنا قيل آنست من فلان علما و عقلا و حزما اي ابصرت منه،ففي المعقول يعلم انه لا يبصر عقله و لا علمه،و انما يبصر آثار علمه.و أفعال عقله،و كذلك الانس بالقوة لا يبصرهم احد من الجسمانيين،و انما يبصرون آثارهم و أفعالهم.

و قد روي عن ابن عبّاس انه قال:انما سمي الانسان انسانا لانه عهد إليه فنسي، و كذلك قال اللّه عز و جل: وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً .

و القالب هو قشر الانسان بالقوة،فلذلك سمي القالب انسانا على جهة الاستعارة و المجاز لا على جهة الحقيقة،و هذا سائر في لسان العرب ان يسموا الشيء باسم شيء آخر اذا كان مجاورا له و دانيا منه،لان الاسم الواقع على القالب دون الروح هو البشر فهو يطلق ان يباشر و يرى،و منه قيل ظاهر الوجه و الجسد بشرة،و الجميع بشر،و جماعة الجمع ابشار،و منه اشتقت مباشرة الرجل و الامرأة،ليعلم ابشارهما و ملامستهما،و قد جاء في الحديث انه يكره مباشرة الرجلين في لحاف واحد اي نومهما حيث تماس ابشارهما و ملامستهما،و من هاهنا قيل للسلطان انه معذب الابشار 2و ضاربها و لا يطيق تعذيب


1) في نسخة ق وردت استوحاشهم.
2) في نسخة م وردت البشر.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 15)

الارواح الناطقة و لا ضربها،و انما يضرب القوالب دون الأرواح الناطقة،و لو كان عذاب اللّه جل ذكره على القوالب لما كان بين عذابه و عذاب المخلوقين فرق،كما ان في الشاهد من يطق كسر آلة اللصوص مثل السيف و الخنجر و السلّم 1و ما اشبهه،و لا يطيق تعذيب قالب اللص الاّ السلطان و دونه فكأنه لو كان يطيق هذا يعذب قالب اللص كما اطاق تعذيب آلته،فلم يكن بينه و بين السلطان فرق كذلك لو كان السلطان يطيق تعذيب الارواح الناطقة كتعذيب القوالب لما كان بينه و بين اللّه فرق.

و لعل قائلا يقول:إنّا لما رأينا القالب اذا عدم الحياة لا يحس بالآلام،علمنا ان السلطان يعذب الروح لا القالب،قلنا له:ان الالم لا تحسه الاّ الروح الحسيّة دون الروح الناطقة،و قد قلنا ان الروح الناطقة هي الانسان بالقوة لا الروح الحسيّة،و اذا عدم القالب الروح الحسيّة،ثم تثبتت الروح الناطقة بزوالها،فلا تحس بعد ذلك، لان الروح الناطقة بمنزلة القلب لروح الحسيّة،و الدليل على ذلك ان البهائم و غيرها من الحيوان غير الناطق يحسون بالالم و يجدونه،و ليس لهم من الروح الناطقة حظ،فلو كان الالم انما تجده الروح الناطقة لما وجد البهائم الالم،فلمّا صحّ عندنا ان البهائم تتألم،كما علمنا ان وجود الألم منسوب الى الروح الحسيّة دون الروح الناطقة في الدنيا،و ان السلطان لا يطيق تعذيب الروح الحسية و إيلامها الاّ بتوسط القالب،و اللّه جل و عز يعذب الروح الحسيّة لا بتوسط شيء،لأنها تصير قالب الروح الناطقة،و لو كان اللّه جل و عز يؤلم الروح الحسيّة بتوسط القالب لما كان بين عذابه و عذاب المخلوقين فرق، و لما كان عذابه ابديا،لان القالب لا ثبات له بالعذاب الابدي،و لو لم يكن عذابه جل و عز ابديا لكان عذابه و عقابه كعذاب سائر المخلوقين و كعقابهم جل اللّه عن ذلك جلالا مبينا.

ثم نرجع الى ما كنا فيه من تأويل البشر فنقول:ان البشر الذي هو القالب مقابل الاعمال الظاهرة،و الانسان بالقوة الذي هو الروح الناطقة مقابل العلوم اللبيّة،لان


1) سقطت في نسختي ق و س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 16)

القوالب تستطيع ضبط العلوم في الدنيا،و بالارواح يستطاع ضبط العلوم في الدنيا و الآخرة معا،و كما قلنا في صدر كتابنا هذا ان الشياطين لا تتصرف في اللغة الاّ الى وجه واحد،لانهم لا ينظرون الاّ من عين واحدة،و كذلك وجب تصورهم على الحيطة عورا،و ان الجن تتصرف في اللغة على وجوه كثيرة لانهم ينظرون من عيون كثيرة و كذلك نقول:ان البشر في اللغة أيضا لا يتصرف الاّ الى وجه واحد،لانه ليس وجهان،و لا يقع في قسمتين،و بين الذكر و الانثى فرقين،مثل قولك المرأة هي بشر و هما بشر،و هنّ بشر،و الرجل هو بشر،و هما بشر،و هم بشر لا يجتمع و لا يثنّى لان البشرية الذين هم اهل الظاهر لا ينظرون الاّ الى وجه واحد،و ان الانس تتصرف في اللغة على وجوه كثيرة،لانهم ينظرون الى وجوه شتّى،و من هاهنا كني آدم أبو البشر و لم يكن أبو الانس،لأنه أبوهم من جهة قوالبهم،لا من جهة أرواحهم،و لأنه لم يأت الاّ بالظاهر المحض الذي هو مقابل القوالب دون الباطن الذي هو مقابل الأرواح.

و وجه آخر و هو ان آدم و زوجته هما أبوا البشر،و العقل و النفس هما أبوا الأنس، و قد فهم هذا المعنى من فهمه،و جهله من جهله،الا اني لا اطيق شرحه بأكثر ممّا قلت،و لا يتهيأ لي بيانه بأوضح ممّا فسّرت.و أمّا تأويل حروف بشر فمعناه ان القالب من الدنيا،و متولد منها،و كلاهما بشر،فبالمشاكلة يبقيان في الشر ابد الآبدين.

و ذلك لأن الباء من بشر اثنان و هما دليلان على القالب و الدنيا،فلم يبق بعد الباء الاّ (شر).و امّا تأويل حروف انس فهو ان الروح التي هي في الانسان بالقوة،تصير مع تأويل الاساس بالمشاكلة انسان بالفعل،فتبقى بالانس ابد 1الآبدين 2،و ذلك ان الألف من انس واحد،و هو دليل على الصورة الواحدة الروحانية التي هي الانسان بالفعل،فلم يبق بعد الألف الاّ النون و السين،و هما اسم الاساس بحساب الجمّل.

و وجه آخر هو ان بشر ثلاثة حروف دلائل على ثلاثة اشياء هم:القالب و الدنيا و الظاهر،و الحرف الأوسط منه ثلاث سنّات،يعني هذه الثلاثة اشياء تجتمع في


1) جاءت ابدا بنسخة ق.
2) سقطت بنسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 17)

الظاهرين في أوسط امورهم لا في أولها،و لا في آخرها،و ذلك لان الظاهر اذا ولد لا يكون معه الاّ شيئان هما:القالب و الدنيا،و ذلك اوّل امره فلذلك كانت الباء التي هي اوّل حروف بشر حرفين،و في حساب الجمل اثنين،فاذا بلغ خمسة عشر سنة و احتلم اعتقد بمذهب الظاهر،فاجتمع فيه ثلاثة اشياء:القالب الذي هو بمذهب الظاهر يتنعم في الدنيا،فلذلك كانت السين و هي الحرف الاوسط ثلاث سنّات،و بالاحرف ثلاثة احرف،و في حساب الجمّل ثلاثة اصول من المبين،فإذا فسد قالبه لا يبقى معه الاّ شيئان،الصورة المعكوسة،و العذاب الخالد،فلذلك كانت الراء التي هي آخر حروف البشر حرفين،و في حساب الجمّل اصلين من المبين.

و وجه آخر ان حروف انس ثلاثة احرف دلائل على الروح و العلم و الآخرة،و الحرف الآخر ثلاث سنات،يعني ان هذه ثلاثة اشياء تجتمع في الباطنيين في عاقبة امورهم لا في اوسطها،و ذلك ان الباطني اذا ولد و هو عند أخذ العهد عليه لا يكون معه في ذلك الوقت الاّ ثلاثة اشياء:القالب و الظاهر و الدنيا،فلذلك كانت الألف التي هي اوّل حروف انس ثلاثة احرف،فإذا احتلم و ذلك عند عرفانه اسماء الائمة و الخلفاء و اذا دار الى ما كان معه ثلاثة اشياء اخرى،و هي الروح الحسيّة مقابل القالب،و العلم المحيي مقابل الظاهر،و الشوق الدائم،و الآخرة مقابل الدنيا،و لذلك كانت النون التي هي الحرف الثاني من انس ثلاثة احرف،فإذا خرج من هذا العالم السفلي خرج جميع مما كان مهيأ فيه من حد القوة الى حد الفعل،فيصير صورة مهيأة لقبول آثار الآخرة، فحينئذ تجتمع فيه الاشياء الثلاثة و هي الروح المنعمة بالعلوم الالهية في الآخرة،و ذلك لان كل واحدة من الألف و النون ثلاثة احرف بالرمز و لها ثلاث نقط من تحت،لان الانسان يكون في حدها خارجا من حد القوة الى حد الفعل،فيصير مجمعا للاحوال التسعة الجارية عليه من بدء امره الى عاقبته،و ذلك لان النقط الثلاثة دليل على القالب و الظاهر و الدنيا،و الاحرف الثلاثة الرمزية دليل على الروح و العلم و الشوق،و الاحرف الثلاثة النقشية دليل على الصورة الروحانية و العلوم الالهية و الآخرة.

و كما ان الانس محصول جميع الحيوان و سائر الاشياء التي تقدمته كذلك القائم سلام كتاب الايضاح-2

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 18)

اللّه على ذكره محصول جميع الانس،فهو اذا ذو ثلاثة مراتب كل مرتبة منها حاشيتين و واسطة،فلذلك ذكر اللّه تعالى في القرآن يوم ظهوره في ثلاثة مواضع.

كل موضع تكررت ثلاث مرات احدهم عند قوله: اَلْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْحَاقَّةُ يعني ما يحيوا من الناس،و الثاني عند قوله: إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني ان القائم سلام اللّه على ذكره يقوم يومئذ مقام الروح،و ان القدر اسم من اسماء الروح،و لاحقه كالمؤيد من التالي،و الثالثة عند قوله: اَلْقٰارِعَةُ مَا الْقٰارِعَةُ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْقٰارِعَةُ يعني اذا قرعت الاسماع بذكره، مراتب الثلاثة هو آخر الائمة في دور محمد صلّى اللّه عليه و آله،و به يتم الدور،و آخر النطقاء السبعة،و به يتم الكور العظيم 1،و انه صاحب آخر حرف من الحروف السبعة العلوية المحظور على من تقدمه،و به يظهر،و هو سلام اللّه على ذكره يؤثر بالفعل أيضا ثلاث مراتب؛فأحدهما ظهوره بالولادة له بجده اسوة باقرانه من آبائه الائمة الراشدين نسبته صلوات اللّه عليهم،و الآخر ما يظهر خليفة في العالم باسمه و دعوة و ينال من الظفر على ما وصفناه،و يظهر على الاديان كلها كما ذكرنا،و الثالثة ظهر بهويته البسيطة بالبعث،فيمد صور الانس كلها بالنفخ،و هي المادة المقدرة من للانس كلهم باظهارها منه،فتنبعث الصور بما تستمد من قوة النفخ.

و مثل هذه الاشياء الثلاثة المنقسم كل واحد منها على ثلاث،موجودة في كل و حكمة تصديقا لما حكيناه عن الانس،و القائم سلام اللّه على ذكره فمنها الحساب،و ان الثلاثة اذا ضربتها في ثلاثة تنقسم كل ثلاثة منها لثلاثة تكملة التسعة،و منها الفلسفة،و هو موضوع على ثلاث اصول،و هي الكمية و الكيفية و المضاف،فأضيف الى كل واحد منها ثلاثة تكملة للتسعة،و ذلك اذا اضيف الى الكمية المكان و الزمان و الى الكيفية النضبة و الجدرة،و الى المضاف الفاعل و المفعول،فهي اذا اجدر ثلاثة ثلاثة فصارت تسعة.


1) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 19)

و منها القوى الثلاث،و هي قوة الحس،و قوة الوهم،و قوة العقل،و كل واحدة منها منقسمة على ثلاث و ذلك لان قوة الحس تدرك الاشخاص،و ليس لها قوام،و لا ظهور فعل،الاّ مع مشاهدة المحسوس،فإذا انتهى المحسوس عند الحاسة بطل الحس،فثبت بذلك ان قوة الحس لا تدرك الاّ الاجسام و الاعراض،فقوة الحس و الاجسام و الاعراض ثلاثة اشياء،و امّا قوة العقل فانها تدرك الاشياء المحسوسة و الاشياء العقلية،فقوة العقل و الاشياء المحسوسة و الاشياء العقلية ثلاثة،و هاتان القوتان هما كالمتضادين؛لان كل واحدة منهما في غاية البعد عن نظيرتها و في الطرف الاقصى،و امّا قوة الوهم فانها متوسطة بين هاتين القوتين،و ذلك ان لها وصل بالعقل،فهي تأخذ من الحس و تدفع الى العقل، لان الوهم أثّر تأثيرا في الروح من سور الاشياء المحسوسة،فبقي فيها بعد زوال الاشياء المحسوسة على الحواس،و ذلك كتوهمها صور اقوام و امكنة 1و بلدان شاهدناها ثم غبنا عنها،فنحن نتوهمها متى جئنا،فالوهم كما ذكرنا يعرض ما يأخذه من الحس على العقل ليميزه و يحفظه عليه،فكل مدرك لم يكن مأخذه من الحس فلا سبيل الى وقوع الوهم عليه البتة،فقوة الوهم و ما اخذه من الحس،و دفعه الى العقل ثلاثة اشياء تكملة التسعة.

و منها العوالم الثلاث و هم:العالم الجسماني و العالم الجرماني،و العالم الروحاني،فأضيف الى العالم الجسماني الامهات و المواليد،و الى العالم الجرماني الآباء التي هي النجوم و الحركات التي هي الدوران،و الى العالم الروحاني العقل و النفس تكملة التسعة،و من الحروف الثلاثة التي بها قوام الشهادة كل حرف منها ذو حاشيتين و واسطة تكملة التسعة،و من الاكوار الثلاثة التي بها قوام العالم الوضعي كل كور منها مجمع للظاهر و الباطن تكملة التسعة، و غير ذلك من الشهادات التي لم اذكرها مخافة التطويل في هذا الكتاب.

كل ذلك يصدق ما قلناه في الانس من المراتب الثلاثة المنقسمة على تسعة اشياء، و إذا كنّا قد فرغنا بحمد اللّه و مكنة اولياءه من اثبات الانس بالقوة،فلننتقل الى


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 20)

الانس بالفعل الذين هم الصور النامية العقلية المجردة 1التي لا يقع عليها الحس و هم اهل الجنة.

امّا عن كيفية صور الملائكة و الانس و الجن و الشياطين و الأبالسة،و البيان عن مراتبهم و منازلهم و ظهورهم،و الشرح عن كيفية ثواب الملائكة و الجن و الانس،و عن ما به عقاب للشياطين و الأبالسة،ففي هذا الباب يصح للباحثين جميع ما بيناه في كتابنا هذا،فنخرج عن قراءته،و الوقوف عليه من حد التقليد الى حد المعقول.

فإذا سألنا سائل عن كيفية صور الملائكة و الجن و الأبالسة و الشياطين و الانس بالفعل و عن اقدارهم و مراتبهم؟قلنا له:لا بد لهذا الجواب من مقدمات كثيرة نقر بها الى افهام الباحثين،و لحققها في افهام المستجيبين،فنقول:انّا لمّا رأينا اوّل مولود من مواليد العالم المعادن هو اقل المواليد حظا من قوى النفس،وجب ان تكون الغاية و الغرض مولودا هو اوفر المواليد حظا من قوى النفس،و انه لمّا كان هذا المولود الاول هو المعادن مواتا كله لا نمو له و لا حس 2و لا نطق،و كان بكليته أرضيا،و في الارض وجب ان يكون ذلك المولود الآخر الذي هو الغاية و الغرض في نهاية الشرف،و غاية الفضل حياة كله، و نطقا كله،و لطافة كله،و نشرح الآن ذلك افضل شرح بقوة اللّه و منة اولياءه،ليقف عليه وقوف عيان،و يدرك ادراك برهان،فنقول:ان هذا المولود الاول الذي هو الحجر في الارض نفسه،فلم تقبل من القوة العالية الاّ شيئا يسيرا نذر لغيره،و ذلك من الحجرية الى الجوهرية،و من الفضيّة الى الذهبيّة،و في الالوف من السنين و منه صفاءه و لونه، و هو يقتدي بجميع جسده و لا يتناول.

و المولود الثاني هو النبات تخلّص جميع جسده من الارض الاّ رأسه،فان رأسه في الارض راسب،و به يغتدي و تظهر آثاره العجيبة في رأسه،الذي انما هو في السماء، و هو في الحقيقة رجله لا رأسه،و رأسه هو الذي يغتدي به،و هو في الارض ثابت راسب،فلمّا فارقت رجله الارض،و صار رأسه في الارض ظهرت فيه النجايب التي


1) سقطة في نسخة م.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 21)

لم تكن في المولود الاول الذي هو المعادن،فصارت فيه الأراييح 1و الازهار و المذاقات.

ثم لمّا جاء المولود الثالث الذي هو الحيوان الاخرس،رأيناه قد فارق الأرض بجميع صوره،ليس شيء من رجليه،و لا من رأسه الراسب في الارض؛الاّ انه مطلع على الارض ينظر إليها فصار فيه الحس و الحركة،الاّ رأيه يستمد به و يدبر،و صار اخذه و تناوله و غداؤه بالفم،و ظهور اعماله بسائر اعضائه.

ثم رأينا بعد ذلك هذا المولود الرابع الذي هو الانس بالقوة تخلص عن الاكتباب على الارض،و رفع عنها رأسه و بدنه و بقيت عليها اقدامه فقط،فلمّا تخلّصت اعضاءه كلها عن الارض الاّ اقدامه صار الفم مغتديا ناطقا،و صارت اليدين تعملان ما كانت افواه الحيوانات الخرس تعمله ممّا تناوله بيدها و تغتدي بفمها،و الانسان بالقوة ابدا يشتاق الى ان تخلص اقدامه من الارض،كما تخلصت يداه،لان غاية الانسان ان يفارق اقدامه الارض كما فارقتها جميع اعضاء جسده،فلمّا رأى الانسان بالقوة تلك القوة موضوعة فيه لم يدع اظهار هذه العلامة في يقظته،و لم يفقه حقيقتها في منامه أيضا لانه جاء في يقظته استعجالا للارتفاع عن الارض و المفارقة لها،فسخّر الدواب لترفع قدميه عن الارض،فلم يصر مالكا الاّ بركوب الدواب التي رفعت قدميه عن الارض،هذا في اليقظة،فأمّا في المنام فأنه يرى نفسه يطير و يذهب حيث شاء لا يمنعه عن ذلك مسافة و لا بعد و لا حجاب،فاذا الانسان بالقوة هو انتهاء امر المواليد برؤيا العين،و لم نجد بعده مولودا تراه العين بحالة خامسة أيضا،فنعلم كيف حالة ذلك المولود كما علمنا احوال هذه المواليد الأربعة،اعني انّا رأينا حال المعادن انها في الارض و فيها الصفاء و اللون فقط،و رأينا حال النبات ان رأسه في الارض و به يغتدي،و من رجليه تستبين آثاره العجيبة من الأراييح و المذاقات،و حال الحيوان الاخرس انه مباين للارض،غير راسب فيها كرسوب الحجر و النبات،الا انه منكب عليها يتناول و يغتدي بفمه،و حال الانسان بالقوة ان رأسه في السماء و يداه مرتفعتان عن الارض،و رجلاه ثابتتان على الارض أيضا،يتناول بيده،و يغتدي بفمه،و ينطق بلسانه.


1) في نسخة ق وردت الروائح.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 22)

فلو كانت النهاية لهذا المولود الرابع،لوجب الاّ تنتقل صورة هذا المولود و لا تندثر لان النهاية هي التي لا تتغير و لا تتبدل و لا تنتقل،بل هي النهاية التي اذا بلغها المولود وقف عندها و لم يجاوزها،و ذلك ان التغير في كل شيء انما هو انتقال شيء الى شيء غرضه المقصود الذي هو علته المتممة،و ذلك اذا كان الشيء ينفعل بنفسه بالقوة الموضوعة فيه كالنطفة التي تنتقل من حال الى حال،و تنمو بالقوة النامية 1الموضوعة فيها حتى تتصور بالصورة الحيوانية التامة،فإذا بلغت في النمو مبلغ الذكر و الانثى اللذان منهما تولدت النطفة،سكنت عن النمو،و لا تزال ترد كالجواهر في المعادن،و تتغير من جوهر الى جوهر حتى تبلغ درجه الياقوتية التي هي الغرض من ذلك الجنس،فأمّا الجوهر المذابة 2فاذا بلغ كل واحد ما قلناه،و وصفنا نهايته،سكن عن التغير و الاستحالة، فكذلك هذه الصورة المستقيمة التي هي الانسان بالقوة لو كانت النهاية توقفت و لم تتلاش برأي العين،و ان انتقالها و تغيرها دليل على انها لم تكن هي النهاية بل فوقها أيضا صورة تحتاج الى ان تتصور بها،و تشتهي إليها،فكما ان القوة الجسدانية انتقلت من صلب الذكر و بطن الانثى،من حال الى حال حتى صارت في الحالة السابعة صورة مهيأة لقبول آثار ما في هذا العالم الجسداني،كذلك القوة الروحانية في الدنيا التي هي الامهات الاربع،و الافلاك التي هي الآباء و تنتقل من درجة الى درجة حتى تصير في الحالة السابعة صورة مهيأة لقبول آثار العالم الروحاني فتنعم هناك بهذا الوعد(من انجيل لوقا)البشير،بما لا عين رأت،و لا اذن سمعت،و لا خطر على قلب بشر،و كما ان ابوا الصورة الجسدانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من حال الى حال و هم الاستقصّات التي هي الامهات،و الافلاك التي هي الآباء،كذلك أبوي الصورة الروحانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من درجة الى درجة و هما العقل و النفس.و نقول الآن:

ان الصفاء و الالوان الذين كانوا في الجواهر و الاحجار هو ذلك الغرض الآخر بالقوة،


1) سقطت في نسخة س
2) وردت في نسخة س(المذوّبة).
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 23)

و هو كالسلسلة من صورة الانسان التي لم تستكمل القوة البشرية في تلك الحال،و انتقلت عنها،و لذلك فان هذه الجواهر لم تستكمل القوة الروحانية في تلك الحال،فانتقلت عنها الى ذلك الموضع الذي احتملت اثرا من آثاره،فكان ذلك الاثر الصفاء و اللون الموجودان في الجواهر و المعادن من الصورة الروحانية التي هي الانسان بالفعل،و كالسلسلة من الصورة الجسدانية التي هي قالب الانسان بالقوة،و لمّا انتقل الى النبات لم يتأمل فيه أيضا و جاوزه الى الحيوان البهيمي الاخرس،الاّ انه بقي منه في النبات أثر أيضا فيه،و هو النمو و الأصباغ و الأرياح و المذاقات و الأدهان،فالنبات من الصورة الروحانية التي هي الانسان بالفعل،كالنطفة من الصورة الجسدانية التي هي الانسان بالقوة،و لمّا انتقل الى الحيوانات الخرس لم يتكامل فيها أيضا،و جاوزها الى البشر الذي هو قالب الانسان بالقوة فيبقى منه في الحيوانات الخرس الحس و المعرفة 1و الصورة العجيبة،لان الحيوانات الخرس من الانس بالفعل كالعلقة من الانس بالقوة،ثم انتقل الى البشر الذي هو قالب الانسان بالقوة، و لم يتكامل فيه أيضا،لانه لو تكامل فيه لكان هو النهاية،و لم يتغير عن حاله،و جاوزه الى صورة اخرى.و سأشرح صورتها فيما تأخر فيبقى منه في البشر النطق و الفعل و التمييز 2و الفكر،فالبشر الذي هو قالب الانسان بالقوة من الانسان بالفعل كالمضغة من الانسان بالقوة،الذي هو مستور في البشر.

و قد قلنا:ان التغيير هو انتقال من المتغير،ليصير انتقالا بعد ذلك الى الغرض الذي هو التمام،و المنام هو الذي لا يتغير و لا يتبدل،فالاضطرار اوجب ان يكون بعد هذا التغير الذي هو الموت صورة أيضا،فلينظر الآن كيف تكون تلك الصورة، فنقول:لمّا وجب ان تكون المعادن متغدية بجميع جسدها،و النبات اغتدى برأسه، و الحيوان الاخرس كان متناوله و متغداه بفمه،و الانسان بالقوة متناوله بيديه و فمه للغذاء و النطق،ثبت ان يكون غداء الصورة الذي بعد الموت موضع يأكل منه الغداء،و موضع ينطق به،و ان الانسان بالقوة انما يتغير عن هذه الصورة،لان غرضه ان يفارق الارض


1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 24)

بكليته،فاذا فارقها بكليته صار الرجل عند تخلصها من وطئ الارض تفعل فعل اليد من التناول عند التخلص من وطئ الارض،و اليد تعمل عمل الفم من الاغتذاء و النطق، و الفم يعمل عمل الرأس اعني ان رأس النبات غير متناول متغدي،و فم البهائم متناول متغدي،و يد الانسان بالقوة متناولة،و فمه متغديا ناطقا،فلمّا صار الفم للانسان بالقوة،و يديه هاتان القوتان اللتان هما النطق و التناول اللذان يكونان في افواه البهائم و أيديها؛ وجب ان يكون لليد عند الانتقال عن هذا العالم قوة أيضا فتصير ناطقة متغدية،و تدفع تدبير التناول الى الرجلين عند استفادتهما النطق و الاغتذاء كما رفع فم الانسان بالقوة تدبير التناول الى اليدين عند استفادة النطق و الاغتذاء جميعا و ذلك عند فراق الروح قالب الانسان بالقوة فتصير هذه الروح في تلك الحال حية بالفعل،اذا كان مثابا،فالرجلان عند ذلك يعملان عمل اليدين في التناول،و اليدان يعملان عمل الفم و اللسان في الاغتذاء و النطق و هذه مرتبة قد ذكرها اللّه تعالى في قوله: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ و جاء: وَ قٰالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا قٰالُوا أَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .

و ممّا يؤكد ما قلناه انه لمّا جاز ان تغتدي المعادن بجميع جسدها،و جاز ان يتغدى النبات برأسه الراسب في الارض،و جاز ان يتغدّى الحيوان في بطن أمه بسرته 1،و في الدنيا بفمه،كذلك يجوز أيضا ان ينتقل الانس الى حال يتغدون بأيديهم،و ينطقون بها،و الدليل على ذلك أيضا ان اليد اليوم في هذا الحال ناطقة بالقوة،لانها تكتسب و هي ترجمان اللسان تتصور و تنقش و تنطق بالاشارة،فاذا انتقلت عن هذا الحال و ذلك بعد فساد القالب خرجت من حد القوة الى حد الفعل،و تصير ناطقة بالفعل،و الجن من الانسان بالفعل كالعظام من الانسان بالقوة،و لمّا كانت المعادن و النبات و الحيوانات الخرس و البشر و فراق الارواح من البشر مشاهدة معلومة محسوسة بالابصار،لم تحتاج الى دليل يدل على صدق ما حكيناه.


1) وردت بنسخة س(بصرته).
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 25)

فأمّا الدرجات الباقيات فان اللّه قد بيّن ذلك في كتابه فقال: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّٰ مَنْ شٰاءَ اللّٰهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرىٰ فَإِذٰا هُمْ قِيٰامٌ يَنْظُرُونَ يعني الانس بالفعل قيام ينظرون، و أشرقت الارض بنور ربها،فالنفختان تدلان على الدرجتين الباقيتين،و أمّا قوله الاّ ما شاء اللّه يعني الاّ من وصل الى هاتين الدرجتين،او جازت عليه احدى النفختين او كلاهما،فانهما لا يصعقون،و امّا تأويل قول العامة ان النفختين هما اللتان ذكرهما اللّه تعالى،و الثالثة دليل على التصور بصور الجن اذا كان نصف حاله مشاهدا و نصفه غائبا،و لذلك عظم على الناس اليوم الثالث من نوم الميت،لانه يصير الى الفرض في الدرجة الثالثة من الاستحالة المسماة موتا،و كذلك عظموا اليوم السابع،لانهم في التعظيم الثاني الاول من خلود درجاتهم الروحانية،و في التعظيم خلود جميع درجاتهم الروحانية، و نقول:الا ان الجني ينتقل في النفخة الاولى الى الرتبة السادسة التي هي مرتبة الملائكة فيصير ملكا بالفعل،و تصير هي في ذلك الوقت متغدية ناطقة فلا تحتاج الى اليد تتناول بها،و تكون الآلات قد انتقلت و صارت الى مرتبة اخرى فدفعت امر اليدين الى الرجلين، و الرجلان كانا في الدنيا على الارض لا يتناولان و لا ينطقان و لا يتغديان،فإذا صارا هما الناطقان و المتغديان فلا يحتاجان الى شيء للتناول.

و كذلك وصف النبي(صلعم)بعض الملائكة فقال:رءوسهم تحت العرش و الكرسي و أرجلهم تحت الثرى،لان جميع صورهم و اعضاءهم الروحانية قد استغنت عن الاغديات غير الارجل فوصفها بانها لا تستغني عن الغداء بل محتاجة إليه كحاجة من في السفلي إليه،فلعلّ سائلا سألنا عن أغذية الملائكة؟فنقول له:لا بد لكل مأكول و مشروب من ثلاثة اشياء طعم و رائحة و لون،فالرائحة الطف من النوم،و اللون الطف من الطعم، فغداء الانس بالقوة الطعام،و غداء الجن الأراييح،و لذلك يبخر الناس للجن بانواع البخور و الطيب،و غداء الملائكة الالوان،و الانس بالقوة غير مستغنيين عن الطعم، و غير مستغنيين عن الرائحة و الطعم و اللون جميعا،و الجن مستغنيين عن الطعم،و غير مستغنيين عن الرائحة و اللون،و الملائكة مستغنيين عن الطعم و الرائحة،و غير مستغنيين عن

اللون،و كل من احتاج الى شيء فهو ناقص،و كما ان لون الشيء يرى من بعيد،و لا تحس رائحته الاّ بالقرب،و لا يعرف طعمه الاّ بالمماسة،كذلك الانس بالقوة مأنوسون لهذا العالم الجسماني من جهة قوالبهم،لانهم في الطرف الاسفل منه،و الجن بالقرب منهم لانهم واسطات بين الانس بالقوة،و بين الملائكة بالفعل،و الملائكة في الطرف الاعلى منه،كذلك قال الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته في آخر قصة آدم من كتاب «المحصول 1»ان العدل المذكور في العالم العلوي باسم الملائكة هم صورها،و لو فارقوا هذا العالم السفلي من بدء كونه الى يومنا هذا،و الى يوم القيامة،و ان الجن هم بين الملائكة و الانس،فالملائكة من الانسان بالفعل كاللحم من الانسان بالقوة،و قد قيل ان وصف الملائكة بالفعل ناري،و تيممهم هوائي،ثم ينتقل الملك في النفخة الثانية الى المرتبة السابعة التي هي مرتبة اهل الجنة الذين هم انس بالفعل فيدخل الجنة في العالم الروحاني،و هي الصورة الروحانية التامة الابدية الخالدة،التي تندثر و لا تبيد و لا تتغير و لا تنتقل عن حالها فتخلص الرجلان عند ذلك الى عند الاغتذاء و النطق كما تخلصت اليدان و الفم و الرأس فيصير الى غاية الشرف و الفضل حياة ابدية كله و نطقا كله و لطافة كله لا تبديل و لا تغيير و لا استمداد و لا اغتداء له،و لا نطقيا و لا جسمانيا طبيعيا مثل اوّل المتولدات التي هي الجبل الذي هو جسده كله،شيئا واحدا لا استمداد له و لا حياة و لا نطقا و لا عقلا،و هو الذي يقال ان الجبل يصير انسانا يوما،و الانسان يصير جبلا،عنى بذلك ان القوة النفسية الكامنة في الجبل،و هي الذهبية و الياقوتية تصير خارجة،و القوة الطبيعية الجبليّة تصير داخلة فعندها يكون التمام و النهاية،لان التمام هو الذي لا يتغير و لا يتبدل و لا يعمل و لا يحتاج،و كل محتاج الى العمل فهو ناقص،و كل تغيير فالى انتقال،و الانتقال شوق من المنتقل الى النهاية التي هي الغرض،و الانتقال على نوعين:طبيعي و جبري و بعثي و اختياري،و هاهنا نبين تأويل قوله تعالى لموسى عليه السلام: وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ


1) من الكتاب الفلسفية الاسماعيلية المفقودة و ينسبونه للداعي الفيلسوف النسقي(راجع المقدمة).

إِلَيْكَ قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً:فَلَمّٰا أَفٰاقَ قٰالَ سُبْحٰانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ .

فلو لم يكن في تقدير اللّه تعالى ان يصير موسى يوما مثل ذلك الجبل،اي انك لن تراني اليوم و لا غدا،لان الذي هو في صورة النفسيّة العقلية مثل الجبل لا يمكنه رؤيتي،فكيف و انت في الصورة الجسدانية للانسان بالقوة.

و ممّا يؤكد قولنا هذا ان افعال الجبال 1و المعادن كلها سكون،و ليست بطاعة و لا معصية لانها مواد طبيعية مجبورة،و افعال النبات على نوعين سكون طبيعي و حركة نمو، و ليست بطاعة و لا معصية لانه أيضا مواد طبيعي مجبور،و افعال الحيوان الخرس كلها عصيان،لانه حسي لا نطقي و لا يقال لافعاله معاصي لانه ليس بمكلف،و لو كان مكلفا لاستحق العقاب،و لمّا لم تكن افعاله معاصي،لم يسمّى عاصيا،و أفعال الانس بالقوة طاعات و معاصي لانهم مكلفون فهم اذا يستعملون الظواهر و يتعلمون بواطنها، و يرتكبون الصغائر و الكبائر جميعا،و انهم معاقبون بمعاصيهم مثابون بطاعتهم،و ان الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر منهم،و كذلك قال اللّه تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ،نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً و انما وقعت منهم الطاعات و المعاصي جميعا لانهم أحياء ناطقيون،فأرواحهم الحسيّة تدعوهم الى المعاصي،و أرواحهم الناطقة تدعوهم الى الطاعات،و هم الملكان الذين ذكرهم اللّه تعالى،ان احدهم يكتب الطاعة،و الآخر يكتب المعصية،و هاهنا نبين قول البخاريّة:ان اللّه خلق استطاعتين استطاعة الشر،و يستحيل وقوع الخير منه،و استطاعة الخير، و يستحيل وقوع الشر منه،و من هاهنا قال النبي(صلعم):ان ابليس يجري في بني آدم مجرى الروح و الدم عنى بذلك الروح الحسيّة.

و أفعال الجن بالفعل طاعات و صغائر،و ذلك انهم يطيعون و لا يقع منهم من المعاصي شيء الاّ الصغائر فقط،و انهم مؤاخذون بالصغائر و معاقبون بإتيانها،و مثابون بتركها،


1) في نسخة ق وردت حركات الجبال.

الا انهم مكلفون،و من هاهنا ان المؤيدين صلوات اللّه عليهم لا يرتكبون شيئا من الكبائر، و انهم معصومون لان أرواحهم قد تصورت بصور الجن في قوالبهم،و الصغائر مغفورة لهم لان احكامهم شبيهة باحكام الانس بالقوة فتثبتهم في القوالب.

و أفعال الملائكة بالفعل كلها طاعات،لانهم لا يرتكبون لا كبيرة و لا صغيرة و لا يعصون اللّه ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون،و انهم مستحقون للثواب لانهم مكلفون،و افعال الانس بالفعل لا طاعات و لا معاصي لانهم ليسوا بمكلفين،و ذلك انهم خرجوا من حد التكليف الى حد الثواب،و الجزاء و التنعم،و بهم تم الدار و كمل الحال.

و كما ان افعال المعادن التي هي اسفل المتولدات لم تكن طائعة و لا مستعصية في حال جبرها و موتها الابدي،كذلك لم تكن افعال الانس بالفعل الذين هم اعلى المتولدات طاعة و لا معصية لاجتيازهم و حياتهم الابدية،فالانس بالفعل هم اهل الجنة،و هم الصور الروحانية التامة الخالدة مقابل الخلق الآخر الذي هو صورة الجسدانية التامة التي ذكرها اللّه تعالى في قوله: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظٰاماً فَكَسَوْنَا الْعِظٰامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ و كما ان الخلق الآخر الذي هو الانسان بالقوة آخر متولدات الجسمانية،كذلك اهل الجنة الذين هم انس بالفعل اخر المتولدات الروحانية،و المؤمن هو المقر بجميع هذه الدرجات ظاهرا و باطنا،و لذلك قال النبي (صلعم):الكافر يأكل في سبعة امعاء،و المؤمن يأكل من معاء واحد،اي ان الكافر من كفره لا يقر بالدرجات الثلاث الماضية،و من عجلته كفر بالدرجات الثلاث الآتية،و لم يؤمن الاّ بالواسطة المشاهدة،و سمّاها باسماء الدرجات الماضية و الآتية حتى صار كأنه يريد ان يأكل باسم كل واحد منها جهلا و عجلا 1و كفرا و افكا و حسدا و حماقة،و هاهنا نبين قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسٰانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيٰاتِي فَلاٰ تَسْتَعْجِلُونِ يعني الانسان بالقوة يعجل في الوصول الى الثواب الذي هو مرتبة الانسان بالفعل،و لا يعلم ان بينه و بين وصوله الى الثواب و الجنة انتقالات و درجات غير


1) سقطت في نسختي ق و س.

الذي رآه و عرفه،و المؤمن من اقرّ بالماضية و المستقبلة و اغتدى من كل واحدة منها من موادها في وقتها،و عرف انه لا يتغدا في هذا الوقت الاّ باسم الواسطة فقط،دون غيرها من الاسماء،علما منه و بيانا 1و تواضعا و ايمانا.

و امّا ما ذكر من الانتقالات فهي سبع حالات:اسفلها حال المعادن التي هي مقابل السلالة و هي طبيعة مجبورة و ليست بمكلفة،لان قوة الطبيعة اكثر من قوة النفسانية،و ان ما نسبناها الى الامهات الأربع في قولنا ان المعادن الطبيعية و ان كان فيها شيئا أنور من قوى النفس،لان الغلبة للاعم بالاكثر.

و الحال الثاني حال النبات الذي هو مقابل النطفة و هو طبيعي مجبور غير مكلف، لان قوة الطبيعة فيه اكثر من قوة النفسانية اعني بالجبر هاهنا يكون انتقاله الى الاشرف على طريق الجبر و الاختيار،و ان يكون انتقاله الى الاشرف على طريق الاختيار.

و الحال الثالث حال الحيوان الاخرس الذي هو مقابل العلقة و هو مجبور طبيعي غير مكلف لان قوته الطبيعية اكثر من قوته النفسانية،مع ان الناس قد كلفوه لحمل أثقالهم و صرفوه في منافعهم،لان قوته النفسانية اكثر من قوة النبات و المعادن،و من هاهنا كان له الحس و الاختيار في الحركة و السكون.

و الحال الرابع حال الانس بالقوة الذي هو مقابل المضغة و هم مجبورون مختارون طبيعيون نفسانيون،و هم مكلفون لان قوتهم النفسانية على مقدار قوتهم الطبيعية،فهم اذا من جهة قوتهم الطبيعية مجبورون و من جهة قوتهم النفسانية مختارون،فأمّا من الجهة التي هم مجبورون مهملون 2انه لا يجوز ان يكلفوا بحسن خلقهم و صورهم،و لا بقبيحها و لا بقصير قامتهم و لا بطويلها و لا خلق اعينهم،و لا احداث شيء من اعضائهم،و ما يشبه هذا،و من الجهة التي هم مختارون مكلفون كما كلفوا الى الشرائع و تعلموا تأويلها، و قد ثبت بما قلناه ان القوة الطبيعية توجب الجبر و الاهمال،و القوة النفسانية توجب الاختيار و التكلف،فكل من كانت قوته الطبيعية اكثر و اغلب من قوته النفسانية،رفع عنه


1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 30)

التكليف و الامر و النهي و الثواب و العقاب،و هو مثل البله و المجانين و الاطفال و الحيوانات الخرس،و كل من كانت قوته النفسانية اكثر و اغلب من قوته الطبيعية صار مستجيبا او مأذونا او داعيا او لاحقا او إماما او اساسا او ناطقا،فعلى مقدار التفاوت الذي بينهم في القوة النفسانية،فامّا الظاهريون فقوتهم النفسانية على مقدار قوتهم الطبيعية،بل اقل في المثل،و كذلك شبههم اللّه تعالى الى الحيوانات الخرس فقال: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً و من هاهنا جعلت قبور اهل الظاهر مثمّنه فشبها بظهور الانعام و الحمير 1،و قد وصفهم اللّه تعالى و شبههم بالحمير فقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ الْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ لاٰ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ و انما قال اللّه تعالى ذلك الى من وقف على ظاهر القرآن او غيره من كتب اللّه تعالى المنزلة على رسله،و لم يقف على تأويله كان كالحمار يحمل اسفارا،و الكتب لا يعرف ما فيها،و قد جعلت قبور العلوية مشطحة لتشبهها بظهور الانس،لانهم مجتهدون على ان يصيروا انسا بالفعل يوما ما.

و الحال الخامس حال الجن الذين هم مقابل العظام و هم مختارون مكلفون مأمورون منهيون،و انما قلنا انهم مكلفون لانهم نفسانيون،الاّ ان فيهم شيئا من آثار الطبيعة و الحسية قليل،فطاعتهم اكثر من معصيتهم كما أوردناه.

و الحال السادس حال الملائكة الذين هم مقابل اللحم،و هم مختارون مكلفون مأمورون منهيون نفسانيون 2ليس فيهم من آثار الطبيعة شيئا يصيرهم،و يحيرهم الى المعصية فلذلك لا تقع منهم معصية،لا صغيرة و لا كبيرة،و قد وصفهم اللّه تعالى فقال: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ عَلَيْهٰا مَلاٰئِكَةٌ غِلاٰظٌ شِدٰادٌ لاٰ يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ .

و الحال السابع:حال الانس بالفعل الذين هم مقابل الخلق الآخر،و هم اهل الجنة،


1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة س.

و هم مختارون لا طبيعيون و لا جسمانيون و لا مهملون و لا مكلفون،بل عقليون علميون من الجوهر الذي هو من نور الرب الذي هو الاشراق الذي ذكره اللّه تعالى: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا وَ وُضِعَ الْكِتٰابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ و عندها يستغني الانسان عن الاغتذاء و النطق و التناول،و يكون عند ذلك ولد أبويه الذين هما العقل و النفس بالحقيقة،و كذلك فان أبويه كانا حيين بالعقل،و الصورة المتولدة كانت حيّة بالقوة و احتاجت ان تنتقل هذه الانتقالات حتى صارت مثل أبويها كانتقالات النطفة من الحيوان حتى صارت مثل أبويها،و هاهنا،نبين قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فلا يخفى على كل ذي لب ان هؤلاء المؤمنين كانوا احياء من جهة اجسامهم و أديانهم الاّ انه امرهم بطلب العلوم الالهية من جهة صاحب تأويل شريعة محمد(صلعم)ليتهيأ لهم الوصول الى الدرجة السابعة من درجات الصور الروحانية المستقيمة الخالدة 1،و ليخلص صورهم من حد القوة الى حد الفعل.

و كما ان أبوي الصورة الجسمانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من حال الى حال،و هما الامهات و الافلاك،كذلك أبوي الصورة الروحانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من درجة الى درجة،و هما العقل و النفس،و كما ان الصورة الجسمانية انتقلت الى صلب الذكر و بطن الانثى من حال الى حال حتى صارت في الحالة السابعة صورة مهيأة لقبول آثار الدنيا،كذلك القوة الروحانية في الدنيا،و في الامهات التي هي الانثى،و الافلاك التي هي الذكر،ينتقل من درجة الى درجة حتى يصير في الدرجة السابعة صورة مهيأة لقبول آثار الآخرة،و كما ان الدرجتان من الصورة الجسمانية اللتان هما السلالة و النطفة في صلب الذكر و الدرجات الخمس في الانثى كذلك الدرجات من الصورة الروحانية اللتان هما المعادن و النبات ليستا حيتين،و الدرجات الخمس احياء،و كما ان الصورة الجسمانية تتحرك في بطن أمها في نصف مدة مكثها فيه،كذلك يقع الامر


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 32)

و النهي على الصورة الروحانية في نصف المراتب السبع،و كما ان الدرجات الثلاث من الصورة الجسمانية التي هي السلالة و النطفة و العلقة ساكنات،و الدرجات الثلاث التي هي المضغة و العظام و اللحم متحركات،و الدرجة السابعة التي هي الصورة التامة مختارة في الحركة و السكون لا تشبه المتحركة الجبرية،كذلك الدرجات الثلاث الطبيعية من الصورة الروحانية التي هي المعادن و النبات و الحيوان الخرس مهملون،و الدرجات الثلاث النفسانية التي هي انس بالقوة و الجن و الملائكة مكلفون،و الدرجة السابعة التي هي انس بالفعل و هم اهل الجنة مختارون لا يشبهون المهمل و لا المكلف،لان المهمل هو الذي لا جزاء له،و المكلف هو المأمور المنهي،و أهل الجنة عقليون مثابون،غير مأمورين و لا منهيين، و سنفسر هذا القول فيما تأخر ممّا فسرناه عند ذكر الارواح و الأزمنة.

و كما ان المضغة اخر درجة من درجات السكون و أول درجة من درجات الحركة، كذلك الانسان بالقوة آخر درجة من درجات الطبيعة التي توجب الاهمال،و أول درجة من درجات النفسانية التي توجب التكليف،أ لم تر ان الطفل مهمل؟فاذا رأى صار مكلف.

و كما ان ايام حبل المرأة تسعة اشهر كذلك المتولدات تسعة أجناس و هي:المعادن و النبات و الحيوان الخرس و البشر و الشياطين و الأبالسة و الجن و الملائكة و اهل الجنة،و كما ان المرأة اذا ولدت في رأس ثمانية اشهر يموت المولود و لا يحيا،كذلك اذا وجدت شيطنة 1و هي كالزيادة التي ليست من المراتب السبع،و الابليس بالقوة التي هي الانحراف عن الصراط المستقيم التي هي المراتب السبع،من كلّف جاحدا حتى لا يقبل الوعظ و التذكير،و مات عليها،و لا يصل احدهما الى الحياة الابدية و لا للنعيم الابدي،و أمّا اذا قبل الشيطان بالقوة الى الجزاء،و رجع الى ابليس بالقوة،لان الصراط المستقيم تكملة التسعة 2التي هي المعادن و النبات و الحيوانات الخرس و البشر و الشياطين و الأبالسة بالقوة و الجن و الملائكة و أهل الجنة،احياء ابدا متنعمون.حتى لا تضره ابليسيته التي تاب منها،و شيطنته


1) وردت بنسخة ق شيطانية.
2) وردت بنسخة س التاسعة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 33)

التي رجع عنها،و لا بد لنا في هذا الموضع من ذكر تأويل ثان لهذه الولادة من العالم الوضعي،ثم العودة الى تأويله في المراتب السبعة،فنقول:ان تأويل المولود الذي يولد في تسعة اشهر فيحيا و لا يموت،هو ان الايقانية من السد الى السد من غير ذكر، و الخليفة و الساقط الواقف عليها بذاتها تام لا يحتاج الى ذكر شيء معها تشبيها بأزمنة الدور،ثم ان المولود اذا ولد في الثمانية اشهر يموت،و في التسعة اشهر لا يموت،اي ان الإيقانية تكون بعد الوقوف على مرتبة الثامن الذي هو الخليفة الخارج من السد المذكور شأنه في قوله تعالى: وَ ثٰامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الاّ ان ذلك ليس بتمام الاّ بعد الوقوف على مرتبة التاسع الذي هو تشبيه بالخلافة و الداخل في السد تشبيها بتمامية الدور، و كذلك قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسىٰ تِسْعَ آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ إِذْ جٰاءَهُمْ فَقٰالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يٰا مُوسىٰ مَسْحُوراً لان العاشر ليس شيء بل هو ساقط عن البيان حتى لا يذكر معهم لخموله و لا يحتاج الى الايمان به،و لو لا حد العاشر الساقط الخامل و الالم يكون لشرطه في قوله بينات معنى، و امّا ولادة المولود في اوائل الشهر العاشر من غير ان يتمه فهي دليل على العاشر الداخل في السد الساقط بارتداده عن مرتبته من غير ان يتمها،و هاهنا نبين احد تأويل قوله:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَقْرَبُوا الصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لاٰ جُنُباً إِلاّٰ عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لاٰمَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً قول الفقهاء اذا كان الماء نجسا فليتمم أولا،و تأويل قول النبي،اي النبي الامي،و تأويل مباهلة الفقهية،و تأويل الظاهر السبعة التي هي ابواب العذاب الادنى، و تأويل المساواة في الكورين جميعا.

و كما ان العصيان الاول من جهة المؤيدين كان في اوّل الكور السد من أول اصحاب الكور،فلذلك اوجب القياس كون العصيان الثاني من جهتهم في ثاني الكورين،و ثاني صاحب الكور،و كما ان عصيان السابع بالقوة،و ثمانية حد السابع جائز،كذلك عصيان كتاب الايضاح-3

من في حد القوة كان ضعيفا حتى تتهيأ له التوبة التي هي دليل على المثابين و عصيان من هم في حد الفعل كان قويا حتى اصرّ عليه غير تائب،و هذا دليل على المعاقبين،و اسم هذا الساقط مذكور في القرآن على التقريب،كما ان اصحاب سائر الادوار مذكورين في القرآن على التقريب،و له اسم ثاني في القرآن يوافق المعرفة في حساب الجمّل،و ذلك ان كل واحد من اصحاب الكور الاول السد اسما واحدا فقط تأكيدا لانفراد ذكورهم.

و لكل واحد من اصحاب الكور الثالثة اسماء الازواج في كورهم،و كذلك امته مذكوره في القرآن مع اسم سائر الرسل،حتى انهم يؤدون الجزية،و تشبيها بهم،و الوقوف على امورهم في حد الايمان بعد جواز جزية العقبة 1،و فك الرقبة في حد الايقان.

و لذلك فرّق اللّه بين السبعة الذين هم في حد الايقان،و بين الثلاثة الذين هم في حد الايمان في قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لاٰ تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلاٰثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ ففي الحاج ظاهرة صحيحة و باطنه اي من الوقوف على الايمان الذي فيه معرفة صاحب الزمان،يتهيأ له معرفة الحدين الذين هم الخليفة و الساقط،ثم قال:و سبعة اذا رجعتم من الظاهر الذي هو حد الاسلام و الايقان،و وقفتم على الحدود السبعة من السد الى السد دون الحدين اللذين هما الخليفة و الساقط،ثم قال تلك عشرة كاملة يعني ان اصحاب هذين الكورين نطقاء و هم و خلفاؤهم مع الساقط عشرة نفر خمسة منها في الكور الاول،و خمسة في الكور الثاني،و هما السدان و اصحاب الاول الحدود مقابل الاجساد و أصحاب الكور الثاني مقابل الحواس الظاهر،و أصحاب الكور الثالث مقابل الحواس الباطنة في طريق العالم الصغير،فأمّا من طريق العالم


1) في نسخة س وردت العاقبة.

الكبير،فأصحاب الكور الاول و هم الحدود اي مقابل اصول العالم السفلي،و أصحاب الكور الثاني مقابل المحسوسات الخمس التي ينسب كل واحد منها الى اصل من اصول العالم السفلي الخمسة،و أصحاب الكور الثالث مقابل الارواح الخمسة الموجودة في العالم السفلي من مولداتها في ما هو مذكور في كتاب«البرهان»من بيانها غنى عن اعادة ذكرها ثانية في كتابنا هذا.

ثم نرجع الى ما كنا فيه من تأويل الولادة على قياس المتولدات فنقول:

ان الامرأة اذا ولدت على رأس السبعة اشهر يحيا المولود و لا يموت،كذلك القوة الروحانية اذا جاوزت السبع مراتب التي هي المعادن و النبات و الحيوانات الخرس و البشر بالقوة و الجن و الملائكة و أهل الجنة تصل الى الحياة الابدية التي لا تبيد و لا تستحيل بعدها.

و كما ان الامرأة اذا ولدت على رأس التسعة اشهر يحيا المولود أيضا كذلك القوة الروحانية،و ان صار شيطانيا بالقوة و ابليسيا بالقوة،ثم رجع عن ذلك و جاوز المراتب السبع التي هي تكملة التسعة،فلا يضره ذلك،و وصل الى الحياة الابدية.

و الباطني يستحق ان يسمّى جنيا بالقوة و ملكا بالقوة و انسانا بالقوة،لانه يصير يوما جنيّا بالفعل و يوما ملكا بالفعل و يوما انسانا بالفعل،و القشري يستحق ان يسمّى شيطانا بالقوة لانه يصير شيطانا بالفعل،و المرتد يستحق ان يسمّى ابليسا بالقوة،لانه يصير يوما ابليسا بالفعل،و لا يستحقان ان يسميا جنيين و لا ملكين بالقوة و لا انسانين بالقوة، لانهما يصيران شيئا ممّا عددناه يوما.

و كما جاز اذا قيل ان السلالة بشرا بالقوة،و ان كان بينهما و بين ان تصير بشرا بالفعل درجات،كذلك جاز اذا قيل للبشر انسانا بالقوة،و اذا كان بينه و بين ان يصير انسانا بالفعل درجات،و كما جاز اذا قيل ان السلالة نطفة بالقوة و علقة بالقوة و مضغة بالقوة و عظاما بالقوة و لحما و بشرا بالقوة،كحال تصورها في هذه الصورة يوما،كذلك يجوز ان يقال ان البشر جنيّا بالقوة و ملكا بالقوة و انسانا بالقوة و شيطانا بالقوة و ابليسا بالقوة، و كحال تصوره بهذه الصور يوما،كما ان التراب و الارض الجسمانية،كذلك البشر و الارض الروحانية،و كما ان غرض الصانع في التراب هو الصورة المهيأة لقبول آثارها في

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 36)

العالم السفلي التي هي انسان بالقوة،كذلك غرضه في البشر هو الصورة المهيأة لقبول آثار في العالم العلوي الذي هو الانسان بالفعل.

و كما ان بين الارض الجسمانية الجبرية و مقصودها جسمانيّين مجبورين هما النبات ؟؟؟ و الحيوان الخرس،كذلك بين الارض الروحانية و الاختيارية و مقصودها روحانيّين مختارين و هما الجن و الملائكة،و كما ان الارض الجسمانية ليست بمحركة فارتفعت على سبيل الجبر درجة درجة،حتى صارت كلها متحركة في الحيوان غير عالمه،كذلك الارض الروحانية؟؟؟ الاختيارية ترقى على سبيل الاختيار درجة درجة حتى تصير كلها عالما،كذلك الارض الروحانية الاختيارية ترقى على سبيل الاختيار درجة درجة حتى تصير كلها عالمة.

و كما ان خلق آدم ذكره الحاشيتان السفلي و المقصود حتى قيل ان آدم خلق من تراب.

كذلك في خلق اهل الجنة ذكرت الحاشيتان أيضا السفلي،و المقصود حتى قيل الانسان يصل الى الجنة من غير ان تذكر الواسطتان اللتان بينهما اعني الجن و الملائكة، كما لم تذكر الواسطتان اللتان بين التراب و بين آدم اعني النبات و الحيوان الخرس لا ظاهر الواسطتين الجسمانيتين المجبورتين تدلان على الواسطتين الروحانيتين المختارتين،فإن الارض الجسمانية ميتة،و النبات نائم،و الحيوانات الخرس مختلطة،و الارض الروحانية مستيقظة،ثم اذا نظرت الى ما فوق الارض الروحانية علمت انها مقابل الميت،و ؟؟؟ مقابل النائم،و الملائكة مقابل المختلط،و الجنة مقابل المستيقظ،و كذلك قال اللّه تعالى في الماضي المهمل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعٰامِ ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمٰاتٍ ثَلاٰثٍ ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ.لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ فَأَنّٰى تُصْرَفُونَ و قال في المستقبل المكلف: قٰالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قٰالَ آيَتُكَ أَلاّٰ تُكَلِّمَ النّٰاسَ ثَلاٰثَةَ أَيّٰامٍ إِلاّٰ رَمْزاً وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ اي على عدد النفحات الثلاث،لان حد الجن مرموز في البشر،و حد الملائكة مرموز في الجن،و حد المثابين مرموز في الملائكة،فهذه اذا

امست 1استحالات،اثنتان منهما طبيعيتان:كاستحالة الارض الى النبات و استحالة النبات الى الحيوان الخرس،و اثنتان ممتزجتان:كاستحالة الحيوان الخرس الى البشر، و استحالة البشر الى الجن،و اثنتان نفسانيتان:كاستحالة الجن الى الملائكة،و استحالة الملائكة الى اهل الجنة،و الالم يتابع الممتزجين دون استحالة الطبيعيين و النفسانيين، و كذلك قال اللّه: قٰالُوا رَبَّنٰا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنٰا بِذُنُوبِنٰا فَهَلْ إِلىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ .

و المتولدات التي هي في الدنيا ستة أيضا على عدد الاستحالات و هي عدد تام كعدد اصول الدنيا،اثنان منهما على غاية الكثافة مقابلان الارض و الماء و هما المعادن و النبات، و اثنان على غاية اللطافة مقابلان الكواكب و الافلاك،و هما الجن و الملائكة،و اثنان متوسطان و هما مقابلان النار و الهواء و هما الحيوان الخرس و البشر،ثم ان من هذه المتولدات الستة ما يقع عليها اسم الحيوان:أربعة اسفلها جاهل محض و هو الحيوان الاخرس،و اعلاها عالم محض و هم الملائكة،فكما ان المجاوز للجاهل المحض من الواسطتين اللتين هما البشر و الجن، جهله اكثر من علمه،كذلك المجاوز العالم المحض منهما علمه اكثر من جهله،و لأن علامتهما ظاهرة في الامهات،و ذلك ان اسفلها جامد محض و هي الارض،و اعلاها ذائب محض،و هي النار،و المتوسطات اللتان هما الماء و الهواء متقلبان بين الجمود و الذائب، الاّ ان المجاور للجامد المحض الى الجمود اميل لموافقته اياه بجوهره،و كذلك قلنا:ان اسفل هذه المتولدات الادنى الأربعة التي هي في الدنيا عصاه،و هي الجاهلة المحضة،و اعلاها طائعون و هي العالمة المحضة،و الواسطات المتقلبة بين المعاصي و الطاعات لتقلبها بين الجاهل و العالم،الاّ ان المجاورين للعصاة معاصيهم اكثر من طاعتهم،و المجاورين للمطيعين طاعتهم اكثر من معاصيهم،و علامة ذلك ظاهرة في الامهات أيضا،و ذلك ان الهيولى اسفلها غالب على صورتها حتى صارت تقبل المتضادات،و صور اعلاها غالبة على هيولاها،حتى صارت لا تقبل المتضادات و الواسطات الممتزجات،الاّ ان المجاور الاسفل هيولاه من جهة نتيجته الغالبة على صورته من جهة جوهره،و هي البرودة و صورته غالبة


1) في نسخة س وردت أضحت.

على هيولاه من جهة نتيجته،و هي الرطوبة،فلذلك يقبل المتضادات الجوهرية و لا ؟؟؟ نتيجة المجاور الاعلى لهيولاه الضعيفتان اللتان لا يتهيأ لاحدهما غلبته على صاحبه،؟؟؟ لا تقبل المتضادات،فاذا كان شيء هيولاه غالب على صورته فهو منفعل قابل للتضاد و كل شيء صورته غالبة على هيولاه فهو فاعل غير قابل للمتضادات.

ثم ان هذه المتولدات الستة على ثلاثة اقسام احدها نصف اصول العالم الذين مخلقون 1و مخلوقون على العدد التام،و هم مكلفون،و الآخر سدسها و هم الذين ؟؟؟؟ بمكلفين و لا اموات،و الثلاث ثلثها تأكيدا للتامية و تصديقا للصحيحة و هم الموات،فان سألنا سائل عن مقام الجن و الملائكة بالفعل،قلنا له:ان مقام الجن فيما بين فلك ؟؟؟ الى الارض في كل مكان الاّ ان اعين البشر لا تدركهم للطافتهم،و كذلك قال اللّه تعالى:

يٰا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطٰارِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاٰ تَنْفُذُونَ إِلاّٰ بِسُلْطٰانٍ يعني لا تطيقون ؟؟؟ الى العالم الروحاني الاّ بعد ان تستعلوا على مراتب الملائكة بالفعل،و مقام الملائكة فيما بين اعلى الفلك المستقيم الى اعلى فلك زحل يترددون هناك،فأمّا الانس بالفعل ؟؟؟ اهل الجنة الذين يتنعمون في العالم الروحاني.

و كما ان الدرجتين من الصورة الجسمانية في صلب الذكر،و الدرجات الاربع في الانثى الى ان تصير في الدرجة السابعة صورة مهيأة لقبول ما في هذا العالم السفلي كذلك الدرجات من الصورة الروحانية في جوف الآباء،و الدرجات الاربع في ؟؟؟ الامهات الى ان تصير في الدرجة السابعة صورة مهيأة لقبول آثارها في ذلك ؟؟؟ الروحاني الذي هو دار الخلود الذي لا عدد له،و لا اسماء،و لا يصل الانسان بالقوة الى ما لا عدد له و لا انتهاء ما لم يجاوز البيوت التي لها انتهاء في عددها مثل الآحاد و العشرات و المئات و الالوف،فصلب الأب بيت الآحاد اذ الغذاء يستحيل نطفه في اقل من عشرة ايام،و بطن الام بيت العشرات،و كذلك يولد المولود في الشهر العاشر، و الدنيا بيت المئات و كذلك قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ


1) وردت في نسخة س مخلوقون.

فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّٰ خَمْسِينَ عٰاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفٰانُ وَ هُمْ ظٰالِمُونَ فقبض من الألف خمسين عاما لئلاّ يتوهم احدا ان الدنيا بيت الالوف،و الافلاك بيت الالوف، و كذلك قال اللّه تعالى: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذٰابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللّٰهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّٰا تَعُدُّونَ و العالم الروحاني بيت الخلود للذي لا عدد له و لا انتهاء،فإذا صلب الأب غير موقت،و بطن الام موقت،و الدنيا غير موقتة،و الافلاك موقتة،و العالم الروحاني غير موقت،فصارت دائرة راجعة الى أولها فأولها غير موقت،و آخرها غير موقت،و لمّا كان الشاهد الظاهر من المتمكنين على ثلاثة أنواع:وجب ان يكون الغائب الباطن منهم ثلاثة اقسام أيضا،اي انه لمّا اجتمع خصماؤنا معنا على ان المكان الغائب على نوعين في قولهم:ان الافلاك تسعة و سبعة،لم يكن لأحد مشاهدة الآخر منهما،أولا ثم يتهيأ له مشاهدة الاشراف منهما،ثانيا و لو لا هذه المراتب،و إلاّ لم يكن يتعسر علينا الوقوف على كيفية جسم الدنيا من لا جسم، و من ادّعى لنفسه مرتبة فوق قدره فهو من الهالكين لقول أمير المؤمنين عليّ:ما هلك امرأ عرف قدره،و قد ادعاها الكيالية و الدهرية.

و ممّا يزيد قولنا في مسكن الافلاك تأكيدا ان الاشياء ثلاثة:جسم و جرم و روح، فلو كان للجنين قوة الروية ما يرى بعينه في بطن أمه الاّ الجسم،فلذلك خرج منه الى العالم الجسماني،و نحن لمّا خرجنا الى هذا العالم الجسماني،رأينا الاجرام السماوية و الكواكب العلوية باعيننا،فوجب بذلك ان مصيرنا بعد مفارقتنا القوالب،يكون الى العالم الجرماني، ثم هناك اذا وصلنا إليه نرى العالم الروحاني بأعيننا فنفتقد عند النفخة الثانية الى العالم الروحاني خالدين مخلدين 1.

و ممّا يزيد في قولنا تأكيدا انه لمّا صحّ ان غير المؤيدين لا يدخل الجنة،و صحّ ان المستجيبين و الدعاة لا يصيرون في الدنيا مؤيدين،ثبت ان لهم مقاما غير مقامهم في هذا العالم الجسماني،حتى يصيروا هناك مؤيدين،فيتحولوا حينئذ الى الجنة،و ممّا يزيده إيضاحا،انه لما وجب مكث الانس في هذا العالم الجسماني لما فيهم من آثاره و اجزائه


1) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 40)

المشبهة بهم كذلك وجب مكثه في العالم الجرماني بما فيه من آثاره المشبهة بهم أيضا،و ممّا يزيده شرحا ان البشر ينسب في الدنيا الى الأب،لان اوّل كونه في صلبه،و ان كان بعد ذلك قد اقام في بطن الام،كذلك الانسان بالفعل ينسب في الآخرة الى الام،لان اوّل كونه في الامهات،و ان كان بعد ذلك قد اقام في جوف الآباء التي هي الافلاك، لان البشر ثقيل من صلب ابيه و بطن أمه من الألطف الى الاكثف لانه الصورة الجسمانية،و الانسان بالفعل ثقيل من الاكثف الى الالطف لانه الصورة الروحانية، و الذكر في كل شيء الطف من الانثى،و النسبة ابدا ثابتة للأول دون الثاني،و الدليل على ان الافلاك بمنزلة الذكر و الامهات بمنزلة الانثى،ان الفلك ابدا متحرك،و الارض ساكنة،و المتولدات تتولد فيما بينهما بحركة الذكر و سكون الانثى وقت المجامعة.

فان سألنا باحث عن كيفية نطق الجن و الملائكة و أهل الجنة؟قلنا له:ان اوّل النطق العقل،و الثاني الفكرة التي تنبعث من العقل،و الثالث صورة الكلام التي تنبعث من الفكرة،و الرابع الكلام المؤلف بالحروف الذي ينبعث من صورته،و الكلام المؤلف بالحروف لا يكون الاّ من الصوت،و الصوت لا يكون الاّ من حركة خارجة،و الحركة خارجة لا تكون الاّ بعد سكونها،فهذه اذا سبعة أصول،و ان الكلام المؤلف بالحروف هو الذي يفهمه الجسماني عن جسماني،كفهمه جميع البشر كلاّ منهم فيما بينهم،و صور الكلام التي يفهمها مؤيد عن روحاني كفهم رسول اللّه(صلعم)لكلام جبريل،و كما قال اللّه تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ و لم يقل عن سمعك،لان صورة الكلام لا يفهم بالسمع،و انما يفهم في القلب،ثم قال:لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين اي بكلام مؤلف بالحروف يفهمه الناس جميعا،و الفكرة التي يفهمها روحاني عن روحاني كفهم جبريل عن اللوح المحفوظ.

و الآن،اذ بينا حدود النطق و درجاته،فقد امكن ان نبين حظ كل واحد من المتولدات،فنقول:ان المعادن ساكنة،ثم النبات متحرك حركة النمو و الازدياج، ثم ان الحيوان الاخرس يصون،كما ان البشر لا يستغنون عن الكلام المؤلف بحروف،ثم

ان الجن يستغنون عن الكلام المؤلف بالحروف،و تقوم صورة الكلام لهم مقامه،ثم ان الملائكة يستغنون عن صورة الكلام،لان الفكرة قامت لهم مقامه،ثم ان الانسان استغنى عن جميع درجات النطق،اذ ان العقل قام لهم مقامه،فهم في جوار العقل الكلي الذي هو الخلائق طرا يتنعمون بما لا عين رأت،و لا اذن سمعت،و لا خطر على قلب...

و هذه صورة ما بيّناه.

> CS <

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 42)

لقد سبق لنا بما قد بيناه:ان البشر واسطة بين البهائم و ما دونها،و بين الملائكة و ما دونها،لذلك قيل في حده انه حيّا ناطقا ميتا لانه لو قيل انه حيّا ميتا لكان كالبهائم.

و لو قيل انه ناطقا لكان كالملائكة بالفعل،فقد تبين بالوسط طرفاه،و لو لا ان طرفه الاعلى متنقلا من حاله لما كان مكلفا،و لما ثبت في قوله تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنٰا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنٰا وَ لاٰ تَجِدُ لِسُنَّتِنٰا تَحْوِيلاً و ان البشر مكلفون و قد صحّ انهم لم يصيروا مكلفين،الاّ لغرض.و الغرض الذي لاجله كلفوا الثواب الذي اذا وصلوا إليه رفع عنهم التكاليف.

فاذا سألنا سائل و قال:كيف يكون حال انتقال الجن الى درجة الملائكة؟قلنا له:

ان مثل الجن بالفعل كمثل الفرخ الذي يريد الشجرة من بعيد فيشتاق الى الطيران، و الوقوع على راسها،فلا يطيق ذلك في تلك الحال،الى ان يتغذى بمن يولد منه،الى ان يتهيأ له الطيران،و الوقوع على راسها،و كذلك يتهيأ للجن النظر الى الفلك المستقيم،و فلك البروج اللذان هما محيطان على السموات السبع و الارضين السبع،و مكان الملائكة بهما الا انه لا يتهيأ لهم الصعود إليهم فيغتذون بالعلوم الإلهية الربانية من اتصال الملائكة بهم الى ان يتهيأ لهم بذلك الانتقال الى مرتبة الملائكة و ان لم يتغذوا بالعلوم الالهية صاروا عند النفخة الاولى أبالسة معاقبين بين النيران السبع،و ذلك لان انتقالاتهم على نوعين:امّا ان يكونوا مثابين او معاقبين،و كذلك انتقال الانس بالقوة على نوعين أيضا.

و امّا انتقال الملائكة فهو على نوع واحد،و انما نشرح ذلك فنقول:

ان الانس بالقوة يطيعون و يعصون،و العاصي منهم يصير شيطانا مستحقا للعقاب بعد فساد قالبه 1،و المطيع منهم يصير جنيّا مستحقا للثواب بعد فساد جثته،و كذلك بيّن اللّه موتهم على نوعين:احدهما قوله: -قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ فملك الموت هاهنا دليل على القاعدين على كراسي الأوصياء و الائمة و الآخذين بما ليس لهم به حق،و لقبوا بملك الموت من


1) في نسخة س وردت قوالبه.

حيث انهم يميتون من اتبعهم على ضلالهم،و هذا الموت لا يرجى بعده حياة، و النوع الثاني قوله: وَ هُوَ الْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنٰا وَ هُمْ لاٰ يُفَرِّطُونَ يعني النطقاء و الاسس و الائمة،و انما نسب اللّه عز و جل قبض أرواحهم الى رسله،لانهم خرجوا من هذا العالم على دينهم،فالرسل اضداد ملك الموت كما ان اهل الباطن اضداد اهل الظاهر،و قد قال عز و جل: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- فالرسل تحي و لا تميت،و رؤساء الضلالة تميت و لا تحي،و ان اللّه عز و جل اجرى على صور المؤمنين الذين فارقوا قوالبهم في دور آدم عند انقضائه و ظهور نوح بالنفخة الاولى حتى وصلوا بذلك الى درجة الملائكة.

و ان كل واحد من الائمة الستة في دور آدم قام نوح مقام درجة من الدرجات الستة في الصورة الجسمانية التي هي الخلق الآخر،و آن آدم و شيث قاما مقام الأبوين،و النطفة اغتذت من لطائف الاغذية حتى استحالت علقة،الى ان يتهيأ ظهور من هو أفضل منه و هو ابراهيم،و ان كل واحد من الائمة الستة في دور نوح قام لابراهيم مقام درجة من الدرجات الستة في الصورة الجسمانية،كذلك الصور الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور ابراهيم قامت له مقام الاغذية اللطيفة 1في الصورة الجسمانية،الى ان تهيأ ظهور من هو افضل من ابراهيم و هو موسى،و صار الذين لم يطلبوا العلم في دوره،و لم يتعلموه معاقبين،و ان هؤلاء المؤمنين و ان قاموا لابراهيم مقام الاغذية في الصورة الجسمانية،فان كل واحد منهم قد قام بصورته البسيطة مهيأ لقبول العالم العلوي منتظرا للنفحتين،و ان اللّه اجرى على صورهم عند انقضاء دور ابراهيم و ظهور موسى في النفخة الاولى حتى وصلوا الى درجة الملائكة.


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 44)

و كل واحد من الأئمة الستة في دور ابراهيم قام لموسى مقام درجة من الدرجات الستة في الصورة الجسمانية،و موسى مقابل المضغة و المضغة اغتذت من لطائف الاغذية حتى استحالت عظاما،و صارت كثائف الاغذية اقذارا،كذلك الصورة الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور موسى قامت لموسى مقام الاغذية اللطيفة للمضغة منهم،الى ان تهيأ ظهور من هو افضل من موسى،و هو عيسى فصار الذين لم يطلبوا العلم في دوره معاقبين كالكثائف و الاقذار،و ان هؤلاء المؤمنين و ان قاموا لموسى مقام الاغذية اللطيفة للمضغة.

فان كل واحد منهم قد قام بصورته البسيطة 1مهيأ لقبول آثار العالم العلوي منتظرا للنفختين،و أجرى اللّه على صورهم عند انقضاء دور موسى و ظهور عيسى النفخة الاولى،حتى وصلوا بذلك الى درجة الملائكة.

و كما ان المضغة اوّل ما تحركت في بطن الانثى من الدرجات،كذلك موسى اوّل من حارب و قاتل و قتل من الرسل،و ان كلّ واحد من الائمة الستة في دور موسى قام لعيسى مقام درجة من الدرجات الستة الجسمانية،و عيسى مقام العظام،و العظام اغتذت من لطائف الاغذية حتى اكتسب باللحم،و صارت كثائف الاغذية اقذارا،كذلك الصورة الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور عيسى،قامت لعيسى مقام الاغذية اللطيفة للعظام الى ان تهيأ ظهور من هو افضل من عيسى،و هو محمد(صلعم)،فصار الذين لم يطلبوا العلم في دوره معاقبين كالاقذار،و ان هؤلاء المؤمنين و ان قاموا لعيسى مقام الاغذية اللطيفة للعظام،فان كل واحد منهم قد قام بصورة الجنيّة بالفعل مهيأ لقبول آثار العالم العلوي منتظرا للنفختين،و أجرى اللّه على صورهم عند انقضاء دور عيسى و ظهور محمد النفخة الاولى حتى وصلوا بذلك الى درجة الملائكة.

و ان كل واحد من الائمة الستة في دور عيسى قام لمحمد مقام درجة من الدرجات الستة في الصورة الجسمانية،و محمد مقابل اللحم،و اللحم اغتذت من لطائف الاغذية حتى صاروا خلقا آخرا تاما مهيأ لقبول آثار العالم السفلي،و صارت كثائف الاغذية اقذارا


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 45)

كذلك الصورة الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور محمد،قامت لمحمد مقام الاغذية اللطيفة للحم،الى ان تهيأ ظهور من هو افضل و هو القائم،فصار الذين لم يطلبوا العلم في دوره معاقبين كالاقذار،و ان هؤلاء المؤمنين،و ان قاموا لمحمد مقام الأغذية اللطيفة للحم،فان كل واحد منهم قد قام بصورته البسيطة مهيأ لقبول آثار العالم العلوي منتظرا للنفختين،و اجرى اللّه على صورهم عند انقضاء دور محمد و ظهور القائم في العالم السفلي النفخة الاولى،حتى وصلوا بذلك الى درجات الملائكة.

و ان كل واحد من الائمة الستة في دور محمد قام للقائم مقابل الدرجات الستة في الصورة الجسمانية،و القائم مقابل الخلق الآخر التام،الاّ انه لم يستغني عن الأغذية الروحانية التي يتهيأ له بها الوصول الى المرتبة القائمية بالفعل،كما لم يستغني من قبله من النطقاء عن ذلك،و الخلق الآخر لمّا خرج من بطن أمه،و اغتذى بلطائف الاغذية الى ان صار ناطقا عالما عاقلا و صارت كتائف الاغذية مطروحة من خارج،كذلك الصور الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور القائم بعد خروجه من هذا العالم السفلي،قامت له مقام الأغذية اللطيفة 1للخلق الآخر الى ان يبلغ القائم مرتبة القائمية حتى يتهيأ له بذلك الظهور بهويته البسيطة،و التأييد لخليفته الظاهر بهويته الكثيفة،فلهذه العلة وجب المكث طوال المدة التي تقوم بهويته البسيطة بعد انقضاء دور ازمنة خلفاءه السبعة،و صار الذين لم يطلبوا العلم في دور القائم معاقبين كالكثائف و الاقذار 2،و ان هؤلاء المؤمنين و ان قاموا للقائم مقام الاغذية اللطيفة للخلق الآخر،فان كل واحد منهم قد قام بصورته الجنيّة فكان مهيأ لقبول آثار العالم العلوي منتظرا للنفختين،فيجري اللّه على صورهم بواسطة القائم عند ظهوره بهويته البسيطة النفخة الاولى،حتى يصلوا بذلك الى درجات الملائكة.

ثم يمد القائم بما يمده الباري تعالى بواسطة العقل جميع صور الملائكة،و هم الذين فارقوا قوالبهم من لدن آدم الى يوم القيامة كلها بالنفخة الثانية،و هي المادة المقدرة من اللّه تعالى للانس باظهارها منه،فيقبل كل واحد منهم من مادة النضج على مقدار تهيئته


1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 46)

و طاقته فيصيرون انسانا بالفعل،و يصلون الى مراتب اهل الجنة فيتنعمون بما لا عين رأت،و لا اذن سمعت،و لا خطر على قلب بشر،فثبت بما بيّناه ان النفخة الاولى تكون عند انقضاء كل دور،و لكي يصل كل مؤمن صار في ذلك الدور جنيّا بالفعل الى مرتبة الملائكة بالفعل،و النفخة الثانية تكون عند انقضاء الكور العظيم الذي هو مجمع دور الرسل،و عند هذه النفخة يصير كل مؤمن في ذلك الكور ملكا بالفعل، و انسانا بالفعل،فيدخل الجنة بغير حساب،كذلك اثر النفخ في رءوس الاكوار دون غيرهم بدلالة قوله تعالى: وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصٰالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ و قوله أيضا: وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرٰانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهٰا فَنَفَخْنٰا فِيهِ مِنْ رُوحِنٰا،وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمٰاتِ رَبِّهٰا وَ كُتُبِهِ وَ كٰانَتْ مِنَ الْقٰانِتِينَ فالنفخ هو الاقرار الثاني،و يكون عند انتهاء الدور،و في الكور الماضي ابتداء الكور المستقبل،و لا يتهيأ لمن دونهما من الجسمانيين قبول النفخ بعجزهم عن النهي،لقبوله،و فيما هو مذكور في كتاب«البرهان»عن كيفية هذا النفخ غنى عن اعادته.

و ان كان كل واحد من الخلفاء الستة في دور القائم للمهدي الذي هو خليفة القائم مقام درجة من الدرجات الستة للصورة الجسمانية.

فان قال قائل لما قلت ان النفخة اثنتان مع اقرار كتمان احدهما سبع مرات في آخر كل دور مرة واحدة؟قلنا:و ان كل واحد من الانس بالقوة لا تجري عليه النفخة الاّ مرة واحدة عند نسخ الشريعة الاولى و تجديد شريعة الناسخ لها بواسطة الوحي،فلذلك قلنا ان النفخة اثنتان:احدهما عند ولادته الروحانية بقالبه في العالم الجسماني،و الثاني عند بروزه من البرزخ بصورته اللطيفة،و وصوله الى اعلى الفلك المستقيم معدن الملائكة، و مثال ذلك ان الموت واحد،و النفخة الاولى واحدة،و النفخة الثانية واحدة،و انّما قلنا ان الموت واحد،لان كل واحد من الاحياء الجسمانية لا يذوقه الاّ مرة واحدة،و كذلك قال تعالى: لاٰ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولىٰ وَ وَقٰاهُمْ عَذٰابَ الْجَحِيمِ .و كذلك الجن بالفعل الذي لا تجري عليهم النفخة الاولى،الاّ مرة واحدة

و كذلك الملائكة بالفعل لا تجري عليهم النفخة الثانية الاّ مرة واحدة،فالموت مقابل الظاهر،و النفخة مقابل الباطن،فلذلك كان الموت على الاجسام،و النفخ على الارواح، لان الجسم ظاهر،و الروح باطن،و كما ان المؤمن واقف على الظاهر و الباطن،كذلك الموت و النفخ جاريان عليه كلهما،و كما ان المسلم واقف على الظاهر دون الباطن،كذلك الموت جاري عليه،دون النفخة،و كما ان الموت واحد،و النفخة اثنتان كذلك الظاهر شيء واحد،و هو الشريعة و الباطن شيئان،تأويل و تأييد،و وجه آخر هو ان المؤمن واقف على شيئين ظاهر و باطن،و المسلم واقف على شيء واحد و هو الظاهر المحض، و الناس في حضور الموت متفاوتون في الاوقات،مختلفون لانهم لا يموتون في وقت واحد، و كذلك القشرية في أديانهم و مذاهبهم متفاوتون مختلفون،و من هاهنا كان الأذان دليل على دعوة الظاهر،لان الناس في صلواتهم مختلفون متفاوتون في القيام و الركوع و السجود و التشهد،و الناس في النفخة مؤتلفون متفقون،لان انتقالهم من الدرجة السفلى الى الدرجة العليا عند النفخ تكون في وقت واحد عند انقضاء كل دور،كذلك الأنبياء في مذاهبهم متفقون لاختلاف بينهم،و من هاهنا كانت الإقامة دليل على دعوة الباطن،لان الناس في صلواتهم متفقون في القيام و الركوع و السجود و الجلوس،و كما ان الموت يوجب العقاب كذلك الظاهر يوجب العقاب،و كذلك الآذان يوجب التطوع،الا ترى ان من لم يعرف التأويل استحق العقاب،و كما ان النفخة توجب الثواب،كذلك الباطن يوجب الثواب،و كذلك الإقامة توجب الصلاة المفروضة التي من اتاها و وقف على باطنها استحق الثواب و كذلك،كما ان الموت قبل النفخة هو الوقوف على الظاهر،اي قبل الوقوف على الباطن،و كذلك الأذان قبل الإقامة،و كما ان النفخة الاولى التي بعد الموت هو فساد القوالب و كان ذلك سبع مرات كل واحدة منها في آخر كل دور من الادوار السبعة،و كذلك الآذان و الاقامة جاءا في سبع مواضع،احدهما في وسط الخطوط في الصحارى و هو مقابل الدعوة الى الظاهر و الباطن في دور آدم و موت اهله و نفحتهم، و الثاني محاريب 1البيوت،و هي مقابل الدعوة الى الظاهر و الباطن في دور نوح و موت


1) في نسخة س وردت محاربة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 48)

اهله و نفختهم،و الثالث المساجد مقابل الدعوة في دور ابراهيم الى الظاهر و الباطن و موت اهله و نفختهم،و الرابع في المسجد الجامع،و هو مقابل الدعوة في دور موسى ما قد بيّناه و قدمنا ذكره،و الخامس في مسجد المدينة و هو مقابل الدعوة في دور عيسى الى ما قد بيّناه،و السادس في البيت الحرام و هو مقابل الدعوة في دور محمد(صلعم الى ما حكيناه،و السابع في بيت المقدس الذي هو المسجد الاقصى الذي بارك اللّه ؟؟؟ حيث قال: سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و هو مقابل الدعوة في دور القائم،و نفخته الاولى و الاخرى اللتان يكونان في آخر الدور و الكور،و لذلك كان لهذا المسجد اسمان احدهما بيت المقدس و هو مقابل النفخة الاولى،يعني ان من اجرى اللّه عليه النفخة الاولى فقد قدسه من جميع الشبهات و العيوب و النقصان،و الاسم الثاني المسجد الاقصى و هو مقابل النفخة الثانية يعني من اجرى اللّه عليه النفخة الثانية فقد بلغ درجة قصوى من مراده،و انتهى الى الغاية التي لا فناء بعدها و لا استحالة،و من هاهنا قال(صلعم):الناس يحشرون الى بيت المقدس و نحن نجعل الآن كل واحد من النطقاء السبعة مقابل درجة من الدرجات السبعة من الصورة الجسدانية،فنقول:

ان آدم مقابل المعادن،فلذلك امر باستخراج الجواهر المنعقدة و الذائبة من معادنها، و علّم امته كيف استنباط المياه من الآبار،و جريها من العيون،و علامات ذلك ان اللعّابين الذين يلعبان بالحجارة المسمّاة من ثلاثمائة و اثنى عشر بابا احدث في دوره.

و نوح مقابل النبات،فلذلك أمر امته بغرس الاشجار،و زراعة الحبوب،و حصادها، و درسها،و طحنها،و خبزها،و علّمهم تنجير السفن،و سوقها في المياه،و أوقفهم على حرف النجارة،و علامات ذلك ان اللاعبين الذين يلعبون بالخشب النباتي المسمّى الزروة و الشطرنج احدث في دوره.

و ابراهيم مقابل الحيوان الخرس الذي يؤكل لحمها،فلذلك امر امته بذبح القرابين، و اكل اللحوم من الشاة و غيرها من الحيوان الخرس التي يؤكل لحمها،و علامات ذلك ان

المزهر و الطنبور اللذان لا يتم طربهما الاّ بامعاء الحيوان و قد احدث في دوره،و كما انه ليس للمعادن و النبات صوت،و البهائم الخرس ذوات أصوات مختلفة،كذلك ليس للملاعب التي سميناها في دور آدم و نوح صوت،و المزهر و الطنبور لهم أصوات مختلفة.

و موسى مقابل البشر فلذلك امر امته بالختان،و قتل من خالفه منهم،و أمر بقطع يد السارق،و رجم الزاني،و حد القاذف،و قتل القاتل،و كما ان آدم امر بتخريج المعادن التي هي مقابلته،و الانتفاع منها،و نوح أمر بغرس الاشجار و النبات،و الانتفاع منه لانه مقابله،و ابراهيم أمر بذبح من هو مقابله من الحيوان الخرس و الانتفاع بلحمه و جلده، كذلك موسى اجرى القطع و الرجم و القتل و الحد على البشر الذي هو مقابله ليكون ذلك من فعل الحيوانات على الحكماء و العلماء،و ذلك ان الاغاني و الأنوالات 1و النايات احدثوا في دوره،و كما ان البشر لم يتميزوا عن سائر الحيوان الاخرس الاّ بكلامهم المؤلف بالحروف.

و عيسى مقابل الجن،فلذلك كان جمع أقاويله اقرب الى الباطن و البيان من سائر اقاويل امثاله،و علامات ذلك ان الصيد في البازات و الصقور،و الضرب بالصولجاناة و الاكراة، و كل ذلك احدث في دوره،و كما ان الجن يترددون بين السماء و الارض،كذلك البازات و الصقور في وقت الصيد،و الاكراة للعب يترددون بين السماء و الارض معا.

و محمد(صلعم)مقابل الملائكة،فلذلك ساواه اللّه مع الملائكة الذين لا يعصون اللّه ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون حيث قال: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً ،و علامات ذلك ان العالم صار في دوره افشى منها، و أكثر منها في ادوار سائر النطقاء،و انه عرّج به الى السماء ليلة المعراج،تشبها بالملائكة و القائم سلام اللّه على ذكره مقابل الانس بالفعل الذين هم اهل الجنة،فلذلك صار كل من آمن به،و وقف على تأويله،مستحقا للثواب في الجنة و التنعم بها،و علامات ذلك ان المثابين كلهم يصيرون مؤيدين يوم ظهوره بهويته البسيطة.


1) في نسخة ق وردت النوالات. كتاب الايضاح-4

فان قال قائل لما ذا احلّ ابراهيم ذبح الحيوانات الخرس و ايلامها و اكل لحمها كما ذكرته،قلنا له:لان القوة الروحانية مستجنة في المتولدات التي هي المعادن و النبات و الحيوانات الخرس و البشر و الجن،و الملائكة جعلت المتولدات لذاتها كالمصافي،و ذلك ؟؟؟؟؟ لم تتكامل في المعادن فجاوزتها الى النبات،فبقي منها في المعادن الصفاء و اللون،و قد ذكرنا ما بقي من آثار هذه القوة الروحانية في كل واحد من المتولدات فيما تقدم،و مثل هذا كمثل رجل صبّ الخمرة في البئر بواسطة المصافي،فهو و ان جاوزها الى البئر ؟؟؟؟؟ بد من بقاء رائحتها 1و رطوبتها في المصافي،فلذلك تبقى هذه القوة الروحانية و ان جاوزت جميع المتولدات على قدر قبوله،و قد قلنا ان هذه القوة الروحانية،تبقى و ان جاوزت جميع المتولدات على قدر قبوله،و قد قلنا ان هذه القوة الروحانية،تبقى و ان جاوزت جميع المتولدات الى ؟؟؟؟؟ الاعلى،فقد بقي من آثارها في كل واحد من المتولدات على قدر قبوله،و قد قلنا أيضا ان هذه القوة الروحانية لم تتكامل في المعادن،فجاوزتها الى النبات،ثم ان النبات اذا اكله الحيوان استحالت لطافته في صلبه نطفة،فتنتقل من درجة النباتية الى درجة الحيوانية،ثم ان الحيوان الاخرس اذا ذبحه البشر و اكله و استحالت لطافة لحمه في صلبه نطفة أيضا،فينتقل بذلك الانتقال من درجة البهيميّة الى درجة البشرية،ثم ان البشر اذا ما ذبحه الجني بالقوة باسم المؤيد الذي هو الجني بالفعل،يعني اخذ عليه العهد و أكل لحمه يعني فاتحه بالبيان،و قد استحالت لطافة علومه مع سائر ارواحه الى الصور الروحانية،فتنتقل بعد فساد قالبه بذلك من درجة البشر الى درجة الجن،و كما؟؟؟ الحيوان الاخرس اذا اكله امثاله من السباع لا يمكنه الوصول الى درجة البشر،بل يؤ؟؟؟ و يعذب بلا فائدة،كذلك البشر اذا فاتح امثاله من القشرية لا يتهيأ له الوصول ؟؟؟؟؟ درجة الجن،بل يؤلم و يعذب بعد فساد قالبه،و كما ان السباع يأكلون امثالهم من الحيوانات الخرس بلا ذبح،كذلك الظاهريون يفاتحون امثالهم من البشر بلا اخذ عهد و كما ان غير المذبوح من الحيوانات الخرس ميتة،كذلك غير المعهود عليه من البشر؟؟؟


1) في نسخة م وردت رائحة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 51)

ميتة،و كما ان الميت من الحيوان الخرس لا يجوز اكله،كذلك الميت من البشر لا تجوز مفاتحته،و قد ثبت ان مثل الميت كمثل الرماد الذي اذا مسّته نارا خارجة منه لم يتوقد، و مثل المذبوح كمثل الجمر الذي صفّى،فصار فحما؛فإذا مسّته النار استوقد،و النار هاهنا دليل على الروح الحسيّة،و المذبوح من السباع و الميت منها حرام،لانه لو كان حلالا لدخل الفساد في المراتب السبع و فيه ما فيه،و كما ان اكل اللحوم من الحيوان الذي يأكل اللحم حرام،كذلك لبس جلود الحيوان الذي يأكل اللحم حرام أيضا لهذه العلة، و كما ان إماتة من عصى رئيسه او ضربه،و قتل امثاله من الحيوان الناطق واجبة في العقل و الشريعة معا،كذلك الأمر في الحيوان،و كما ان قطع الجوارح من الانسان وكيها بالنار و إيلامها بالفصد و الحجامة،و تعذيبها بالادوية الكثيرة لصحة فانية و حياة زائلة لا يستقبح في العقل بل يحمد،كذلك ذبح الحيوانات الخرس و إيلامه بوصول لطافة لحومه الى مرتبة البشر التي من وصل إليها يمكنه الوصول الى الصحة الباقية 1و الحياة الخالدة 2،أو لا يستقبح في العقل،و لا يستقبح في الدين،و كما ان معذب جسده لصحة فانية،و حياة زائلة و ان كان شك في وجودهما عند ذلك الفعل،عاقلا لا يوصف بالجهل،و لا يذمّ بفعله،كذلك مؤلم الحيوان الخرس للصحة الباقية،و الحياة الخالدة،و ان كان شاكّا في وصوله إليهما عاقلا لا يوصف بالجهل،و لا يذم بفعله،و كما ان الجواهر اللطيفة المستجنة في المعادن لا يستقبح اخراجها بانواع الشدة و أجناس الحيل،كذلك لا يستقبح اخراج اللطافة المستجنة في الحيوان الخرس بأنواع الشدة و أصناف الحيل.

ثم ان الجن بالفعل اذا استفادوا من الملائكة بالفعل علومهم امكنهم عند النفخة الاولى الوصول الى مراتبهم كذلك الملائكة بالفعل عند النفخة الثانية يوم ظهور القائم (صلعم)بهويته البسيطة،يدخلون الجنة بغير حساب،و يصيرون انسانا بالفعل،و ذلك اليوم الذي ذكره اللّه تعالى بقوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاٰئِكَةُ صَفًّا لاٰ يَتَكَلَّمُونَ إِلاّٰ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ وَ قٰالَ صَوٰاباً يعني القائم بهويته البسيطة،


1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة س.

و الملائكة صفّا يعني الملائكة الذين يستمدون من النفخة الثانية المادة التي قدرها اللّه تعالى باظهارها من القائم،و ممّا يؤكد ما قلناه قول الحكيم الصادق أعلى اللّه درجته في كتاب «المحصول»حيث فسر قوله تعالى وَ جٰاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا يعني كل صنف من الملائكة بمعزل على حدة وقت النفخة الثانية كما كانوا في هذا العالم السفلي على مراتب،كذلك يكون النشور صنفا منهم رسلا،و صنفا اسسا،و صنفا ائمة،و صنفا لواحقا،و صنفا اجنحة،و صنفا مستجيبين،و ان كل من فارق هذا العالم يكون قراره في عالم النفس و كل واحد يستقر عند صاحبه،فيكون اجتماع الرسل في جوار النفس و عندها،و اجتماع الاسس و الأئمة عند رسل أدوارهم،و اجتماع اللواحق عند امام زمانهم، و اجتماع الأجنحة عند لاحق جزيرتهم،و اجتماع المستجيبين عند جناحهم،و كل صنف منهم صنّف على حدة،و امام الجميع القائم سلام اللّه على ذكره.

و قال الحكيم الفاضل أيضا في كتاب«المحصول»:لو كانت الملائكة على هذه الحال التي هي و لم تستمد من حيث كان كونها منه،لم تكن تظهر،لكن ظهورها و إيجادها النفخ بها معلوم معدود،فعند بلوغها اجلها تظهر كما تظهر الصورة المركبة في الولادة اذا تمّ الاجل المقدر لها،فدلّت هذه الشهادة،على ان الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته،جعل الملائكة بالعقل من الصور التي بعد النفخة الثانية مقابل اللحم من الصورة المركبة،و إقامة الصورة المركبة بعد الولادة مقام الصورة الروحانية التامة بعد النفخة،ثم نرجع الى ما كنا فيه،فنقول:ان الدرجات الثلاثة التي هي المعادن و النبات و الحيوانات الخرس،لمّا كانت طبيعية جبرية كذلك كان وصولها الى درجة البشر على جهة الجبر و الإيلام،فكما ان الانس بالقوة و الجن و الملائكة نفسانيون اختياريون كذلك كان وصولهم الى الدرجة الانسية بالفعل اختياريّا،و كما ان الانس بالفعل على جهة الاختيار و التنعيم 1،الاّ ان انتقال الانس بالقوة ممتزج من بينهم،لانهم في آخر درجة من جهة،و في أولها من جهة.


1) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 53)

فان قال قائل:لم لم تشبه كل واحدة من هذه الدرجات السبع من الصورة الروحانية صاحبتها قلنا له كما ان النطفة الواقعة في بعض الحيوان لم تشبه الحي الذي منه وقعت الاّ في الحالة السابعة،كذلك القوة الروحانية المتولدة من العقل و النفس لا ترجع إليها بالمشاكلة و التشبيه الاّ في الحالة السابعة،و مثل ذلك موجود في كل شيء حتى النبات،و ذلك ان النواة اذا زرعت في الارض و استفادت من القوة النامية عند فساد جسمها، فأول شيء يبني منها عروقها المستورة في الارض،ثم يتبيّن من العروق ساقها،و هو الطف من العروق،ثم يتولد من الساق اغصانها،و هي الطف من الساق،ثم يتولد من الاغصان أوراقها،و هي الطف من الاغصان،ثم يتولد من الاوراق اورادها،و هي الطف من الاوراق ثم يعقد من الورود اثمارها،و هي الطف من الورود،ثم تبين في جوف الثمرة نواة تشبه بالنواة التي تولد منها جميع ما سميناه أولا،ثم ان لبها الطف من الجميع،فشبهنا النواة و لبها بالعقل و النفس،من الصورة الروحانية،و بالذكر و الانثى من الصورة الجسدانية،و شبهنا العروق بالمعدن من الصورة الروحانية،و بالسلالة من الصورة الجسدانية،و شبهنا الساق بالنبات من الصورة الروحانية،و بالنطفة من الصورة الجسدانية،و شبهنا الاوراق بالبشر من الصورة الروحانية،و بالمضغة من الصورة الجسدانية، و شبهنا الاوراد بالجن من الصورة الروحانية،و بالعظام من الصورة الجسدانية،و شبهنا الثمار بالملائكة من الصورة الروحانية،و باللحم من الصورة الجسدانية،و شبهنا النواة المستورة في جوف الثمرة بالصورة الروحانية،الشبيه بأبويها الذين هما العقل و النفس، و بالصورة الجسدانية الشبيه بأبويها الذكر و الانثى،فلمّا لم تشبه كل درجة من الدرجات السبع النباتية صاحبتها،و لا اصلها الذي كان يولد جميعها منه،الاّ في آخر الامر من الدرجات السبع،التي هي الصورة الجسدانية،و لا أبويها الذين كانوا تولدوا جميعهم منها، الاّ في آخر الامر،علما بذلك ان كل درجة من الدرجات السبع،التي هي الصورة الروحانية لا تشبه صاحبتها و لا أبويها الذين كان تولدها جميعها منهم الاّ في عاقبة الامر، و كما ان كل درجة تأخر تولدها من الدرجات النباتية كانت الطف من الذي تقدم تولدها، و كل درجة تأخر استحالتها من الدرجات التي هي الصورة الجسدانية كانت الطف من

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 54)

التي تقدمت استحالتها،كذلك كل درجة تأخر كونها من الدرجات التي هي الصورة الروحانية،كانت الطف و أعلى مرتبة من التي تقدم كونها.

فان سألنا سائل عن كيفية صور الملائكة و الجن و الانس بالفعل،و جواهرهم،قلنا له لا بد لهذا الجواب من مقدمات تقربها الى افهام المستجيبين و تقررها في افهام الباحثين،و ذلك انه لا بد لكل شيء من طرفين و واسطة،فصورة المعادن التي هي اسفل المتولدات و أولها تولدت من الطبائع الاربع،و ليس فيها من القوى اللطيفة شيء بالحقيقة الاّ آثارها،و الطرف السفلي منها في الاطيان و الرمال و الأكلاس 1،و هي موات ليس فيها من آثار القوى اللطيفة شيء و أوسطها الاحجار المنتقلة من نوع الى نوع في الالوف من السنين،و الطرف الاعلى منها هي الجواهر المذابة المنتقلة أيضا من نوع الى نوع،و قد اثّرت فيها القوة النامية فصارت لها زامّة،و الجواهر المذابة تزيد في الدهر المديد و الزمان الطويل،و قد روي عن جالينوس انه امتحن ذلك فوضع في بعض البيوت متاعا من الاسرب و هو الرصاص الاسود فوجده قد زاد على الدهر زيادة،و ان جالينوس هذا اغتنم ذلك ليقنع به قوما على حدوث شيء لا من شيء فسألهم جميعا عمّا سبب تلك الزيادة؟ يروم بذلك اقناعهم انه قد يجوز ان يحدث شيء لا من شيء فكان يمتحنهم بذلك و كل من اقتنع بذلك علم ان جالينوس غير متهيأ لقبول الحكمة،و انه ليس من اهلها،و كل من لم يقتنع بذلك و طلب تلك الزيادة سببا و مادة،و علم انه مستأهل لوضع الحكمة عنده، فأخبره عن كيفيتها و كميتها و تأويلها،و ممّا يؤكد ما قلناه ان في الاحجار شيء يسمّى سد،و انه ينبت شبه النبات و ينمو و يزيد،فاذا حصل يصير حجرا احمرا و قد ذكر «محمد بن زكريا الرازي»في كتاب«الخواص»انه رأى حجرا يشبه النارجيل فيه ثقب، و في جوفه حجر يتحرك كما يتحرك لب النارجيلة في جوفها،فجميع ما ذكرناه دلائل على القوة النامية،و قد اثرت في الطرف الاعلى من المعادن،و فيما ذكره الحكيم الصادق اعلى اللّه ذكره في كتاب«المحصول»من مراتب هذه القوى و الارواح غنى عن اعادة ذكره ثانيا في هذا الكتاب.


1) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 55)

ثم ان القوة النامية المؤثرة في الطرف الاعلى من المعادن صارت روحا للطرف الاسفل من النبات و الحشيش،و واسطة الحبوب،و طرفه الاعلى هو الاشجار الفاسدة في روحه النامية و القوة الحسية،فصارت لها زامّة فمن هاهنا قال الحكيم الصادق في كتاب «المحصول»ان خشب الخلق اذا ما انشق نصفين في وقت رطوبته ايام الربيع،و وضع بعضه من بعض على بعد شبر،و خليناه اياما،ينضم احدهما الى الآخر،فلو لا ان القوة الحسيّة قد أثرت فيه،فلا معنى اذا لحركته،و مما يشبه هذا ما ذكره أيضا«محمد ابن زكريا الرازي»في كتاب«الخواص»انه سار على الساحل فرأى شيئا ينبت مثل الصدف،و في جوفه حيوانة تشبه الديدان،و ممّا يزيد قولنا تأكيدا تولد البعوض من الاشجار الشيم،و الخلف و الفرصاد،و تولد الذباب من المروج و الغياض،و تولد العقارب من البازروج الممضوغ،و ذلك ان البازروج اذا مضغ في تموز،و وضع تحت اللبة او الاجرة اياما تولّدت منه العقارب،و كذلك تولد الديدان في التفاح و المشمش و السفرجل و سائر الفواكه،و كذلك تولد بعض الحيّات و الضفادع في الطحالب،و يولد السوس من الحبوب،و يولد دود القز من ورق الفرصاد،ثم ينتقل من الدودية الى الطيورية 1، و تولد الطيور من العدس،و كذلك اذا نظرنا في امور الهوام و الحشرات و الخنافس و الجعلان و ما اشبه ذلك،و اذا فتشنا عن حقائقها في كتب الحكمة و الطب وجدنا تولدها و أبا لها من النبات و الاشجار ففي ذلك اعظم الدلائل على ان القوة الحسيّة قد اثرت في بعض النبات كتأثير القوة النامية في بعض المعادن،فصوّرت النبات من الطبائع الاربع،و روحه من القوة النامية.

ثم ان القوة الحسيّة المؤثرة في الطرف الاعلى من النبات صارت روحا للطرف الاسفل من الحيوان الاخرس،و صورة الحيوان الاخرس من الطبائع الاربع،و القوة النامية، و روحه الحسيّة،لان بالروح يتبين الشيء من خلافه و ضده،و بها يظهر شرفه على ما دونه،كما ان فضل النبات على المعادن لم يتبين الاّ بروحه النامية،و فضل الحيوان الاخرس على النبات لم يظهر الاّ بروحه الناطقة،و الطرف السفلي من الحيوان الاخرس،و هي


1) وردت في نسخة س الطائرية.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 56)

البهائم و السباع،و واسطة السباحات،و طرفه الاعلى هي الطيور،فأثرت فيه روحه الحسيّة القوة الناطقة فصارت لها زامّة،و معنى القوة الناطقة قبول التعليم لأي شيء كان نطق او غيره،و من هاهنا وجب انه لم ينطق من أنواع الحيوان الخرس شيء،الاّ من نوع الطيور،و لم يقبل التعليم من اجناس الحيوان الغير ناطق اكثر ممّا قبله جنس الطيور،و انك اذا نظرت الى احوال الطيور بعين الحقيقة و الانصاف وجدتها شبيهة بأحوال البشر الذي هو الحيوان الناطق،فمن ذلك ما يقبله الباز و الصقر و العقاب و الشاهين و الباشق و امثالهما من تعليم الصيد،و من ذلك لعب الحمامات و أمثالها،و نطق الببغاء و العقعق و الزرياب 1و الدّرج و المطوّق و القمري و الشاري،فأمّا الببغاء و العقعق فانّهما يتكلمان كلّما تعلما من الكلام،و أمّا الزرياب فانه يكون بالعراق،و أكثر كلامه:«ويحك يا نبطيّة طبختي القنبضية»،و امّا الدّرج فان اكثر كلامه«ببغداد قد طاب نبيذ الدفل»و في جرجان ان يقول:«بكركان خردي دروسي كره‌كره بهما فتكن ديدي»،و امّا القمري فان اكثر كلامه:«موسى شورى حي كل»،و امّا الشاري فانه يكون بالعراق،فأكثر كلامه ان يقول:«يأتي النبي التقي و علي التقي»،و من ذلك بناء الخطاطيف و النحل 2و الزنابير و ان لها بيوتا تشبها بأبنية البشر،و من ذلك ما رايت مع اعرابي جاء من العراق الى خرسان و معه غراب يفرش الفراش و يبسطه بمنقاره،و يخبئ له خبيّة بين عشرين نفسا فيخرجها بإشارة صاحبه إليه من غير ان يفق على تلك الإشارة احدا ممن في المجلس،و يركب الديك و يضربه بمنقاره و يسوقه كما يسوق الرجل دابته،ممّا لم اراه بعيني من العجائب التي في الطيور،و سمعته اكثر من اطيق وصفه في كتابي،هذا و من ذلك ان الطيور تتزوج، و يحفظ الذكر ولده و يفديه لحفظ انشاءه له،و تفديته اياه شبيها بالحيوان الناطق و سائر ذكور الحيوان الخرس لا يفعلون ذلك،بل ليس لهم همة الاّ الفساد،و قد روي عن «محمد المكنّى بابن جابر السبع»اعجوبة:و ذلك انه قال:رفعت بيضة من وكر اللقلق، و وضعت مكانها بيضة بطة،فحضنها اللقلقان الذكر و الانثى،احدهما بعد الآخر الى


1) في نسخة س وردت الزارب.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 57)

ان اخرجوا منها الفرخ،فلمّا نظر الذكر منهما الى الفرخ طار و جاء و معه بعد هنيهة مقدار عشرة لقالق،فاحتاطوا باللقلقة الانثى و ضربوها بمناقيرهم الى ان قتلوها،قال ففسرت انهم ظنوا ان البط سفدها فلذلك قتلوها.

و من ذلك العلم الذي وصفه الحكماء مثل:بولس،و اسكندريس الطلسمين، و أرمينوس،و مقسيموس و غيرهم على جزر الطير دون سائر الحيوانات الخرس،و طلبوا لأفعالهم تأويلا مثلما يطلب لأحلام البشر،و بينوا ان للطير و لكل جنس منها في وقت و زمان تفسيرا و باطنا،و شرحوا لأصوات كل نوع منها بيانا و تأويلا،و أخرجوا من ذلك أحكاما مثل احكام النجوم و الافلاك،و استنبطوا منها علوما توازي علوم المنجمين مثلا، و ان هؤلاء الحكماء قد ذكروا في كتبهم ان هذا العلم علم طباعي 1لا علم نفساني،و ذلك ان الطيور من الدرجات الطباعية،لا من الدرجات النفسانية،و من ذلك ان انتقالها من بدء كونها الى انتهائها شبيه بانتقال البشر،لان انتقال البشر على أربعة اوجه:احدهم:

صلب الذكر،ثم رحم الانثى،ثم الدنيا مع القالب،ثم بعد الموت بلا قالب،كذلك انتقالات الطيور في أربعة أماكن من بين سائر الحيوانات الخرس،احدهم:صلب الذكر،ثم بطن الانثى،ثم البيضة،ثم الدنيا،و من ذلك انها استفادت زيادة في اجسامها حتى طارت و بلغت ما لم يتهيأ لأحد من الجسمانيين بلوغه،و كما استفاد البشر من العلوم التي تهيأ له بها الارتقاء الى درجة الخلود،ما عجز عنه سائر الجسمانيين،و قد قرن الجسم بالعلم عند الفصل فقال: وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمٰالِ قٰالَ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ .فمن هاهنا ضرب اللّه اكثر الامثال على الطيور من بين سائر الحيوانات الخرس،و من ذلك قوله: إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مٰا بَعُوضَةً فَمٰا فَوْقَهٰا،فَأَمَّا


1) وردت في نسخة ق«طبيعي».

اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ،وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً،وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً،وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفٰاسِقِينَ يعني فما فوقها من الطيور لان البعوضة من الطيور،و ما فوقها يكون من نوعها و قوله: فَبَعَثَ اللّٰهُ غُرٰاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوٰارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قٰالَ يٰا وَيْلَتىٰ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هٰذَا الْغُرٰابِ فَأُوٰارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّٰادِمِينَ و قوله: وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمّٰا يَعْرِشُونَ .

و قوله: وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقٰالَ مٰا لِيَ لاٰ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كٰانَ مِنَ الْغٰائِبِينَ .و قوله: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ فٰاطِرِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ جٰاعِلِ الْمَلاٰئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنىٰ وَ ثُلاٰثَ وَ رُبٰاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .و قوله: يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبٰاباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبٰابُ شَيْئاً لاٰ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّٰالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ .و قوله: وَ رَسُولاً إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتىٰ بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمٰا تَأْكُلُونَ وَ مٰا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .و قوله: وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قٰالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

و قوله: وَ قَطَّعْنٰاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبٰاطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ إِذِ اسْتَسْقٰاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنٰا عَلَيْهِمُ الْغَمٰامَ وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوىٰ كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .

و قوله: وَ قَطَّعْنٰاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبٰاطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ إِذِ اسْتَسْقٰاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنٰا عَلَيْهِمُ الْغَمٰامَ وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوىٰ كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .

ثم ان القوة الناطقة المؤثرة في الطرف الاعلى من الحيوانات الخرس صارت زوجا للطرف الاسفل من البشر،فصورة البشر من الطبائع الاربع،و القوتين النامية و الحسية و روحهم القوة الناطقة،فالطرف الاسفل من البشر الاطفال و واسطته المجانين و بعض القشرية دخلوا في جملتهم،و لذلك قال جعفر بن محمد الصادق:الجنون فنون،و أهونه الصرع، و طرفه الاعلى المكلفون،فأثرت في روحه الناطقة القوة العاقلة،فصارت لها زامّة،ثم ان القوة العاقلة المؤثرة في الطرف الاعلى من البشر صارت روحا للطرف الاسفل من الاحياء العاقلة،و الأحياء العاقلة،تخلصوا من كتائف الطبائع،الاّ انهم لم يتخلصوا من لطائفها،و كما ان كل واحدة من الأرواح الاربعة التي هي النامية و الحسيّة و الناطقة و العاقلة كانت اثرا في مفعوله،و احدى المتولدات الاربعة الجسمانية التي هي المعادن و النبات و الحيوانات الخرس و البشر،ثم قامت في المفاصل مقام الروح،كذلك الطبائع الأربع قامت في كل واحد من المتولدات الاربعة الجسمانية التي هي المعادن و النبات و الحيوانات الخرس و البشر،ثم قامت في المفاصل مقام الروح،و كذلك الطبائع الاربع قامت في كل واحد من المتولدات الأربعة في كل ذلك مقام القالب،ثم صارت كل واحدة من المتولدات الأربع الروحانية التي هي الشياطين و الأبالسة و الجن و الملائكة اثرا، و كما ان قوى الارواح كانت اثرا في المتولدات الطبيعية الاربعة في العالم السفلي،و قوالب المتولدات الاربعة الروحانية في العالم العلوي،كذلك قوى الطبائع كانت آثارا في المتولدات الروحانية الاربعة في العالم العلوي،و قوالب المتولدات الاربعة في العالم السفلي،و كما ان بدء و نشوء الانس بالفعل في عالم الطبيعة كان قالبه في بدئه من الطبائع،و كما ان خروجه من حد القوة الى حد الفعل عند عاقبة امره يكون في العالم الروحاني وجب ان يكون قالبه في انتهائه من الارواح،و كل شيء يقوم في هذا العالم السفلي المظلم الكثيف الجسماني الغليظ 1المؤلم المفسد الميت مقام الروح،فلا شك ان ذلك الشيء يقوم في


1) سقطت من نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 60)

العالم العلوي النير اللطيف الروحاني البسيط العقلاني المنعم 1المصلح الحي الخالد مقام القالب،و سنشرح في القسم الاخير من كتابنا هذا على السبيل الذي تدركه افهام المستجيبين لان بيان علم من العلوم اذا خالطه بيان اخر،يتعسر على المرتاد الباحث ادراكه،و الوقوف عليه.

ثم نرجع الى ما كنّا فيه فنقول:ان صورة الاحياء العاقلة،هي من القوى النامية و الحسيّة و الناطقة و أرواحهم القوة العاقلة و الطرف الاسفل منهم الشياطين بالفعل،و واسطتهم الأبالسة بالفعل،و الطرف الاعلى منهم الجن بالفعل،فأثرت القوة القدسية في أرواحهم العاقلة،فصارت لها زامّة،و صار الجن بالفعل بذلك معصومين،لا تقع منهم الكبائر كما لا تقع من المؤيدية لانهم قد تصوروا بصورة الجن بالفعل في قوالبهم،فلذلك فاقوا جميع البشر،و ان صغائر المؤيدين مغفورة لتشبثهم في القوالب،و صغائر الجن بالقوة غير مغفورة فصور المؤيدين و هم الملائكة بالقوة الذين هم النطقاء و الأوصياء و الائمة من الطبائع الاربع،و القوة الثالثة النامية و الحسيّة و الناطقة،و لهم معاينة الجن و الاتصال بالملائكة بالفعل،و ان الشياطين و الأبالسة بالفعل استفادت ارواحهم العاقلة عيانا لا علما،فلذلك صاروا معاقبين غير متهيئين لقبول آثار روح القدس،و ان الجن بالفعل استفادت أرواحهم العاقلة علما لا عيانا،فلذلك تهيأ لهم قبول تأثير روح القدس.

ثم ان القوة القدسية المؤثرة في الطرف الاعلى من الاحياء العاقلة صارت روحا لجميع الملائكة بالفعل الذين لا يعصون اللّه ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون،و ذلك ان تأثير روح القدس امكن الجن بالفعل و المؤيدين اجتناب الكبائر،فاذا صارت هي الروح قريبا للجن بها اجتنبت الكبائر و الصغائر جميعا،فصور الملائكة بالفعل من القوى التي هي النامية و الحسية و الناطقة و العاقلة و أرواحهم القوة القدسية قد اثرت فيها القوة العالمة،فصارت لها زامّة،لان القوة النامية و القوة الحسيّة في ذلك الوقت قد استحالت في الصفاء و اللون و الجلالة 2و الشرف كالقوة الناطقة،لان القوة الناطقة في القديم قد قهرتها،فصيرتها


1) وردت في نسخة س المناعم.
2) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 61)

مثلها،كقهر النار للحديد حتى لا تجد بينهما فرقا بوجه من الوجوه،و مثل ذلك كمثل الحديد الذي انتقل من حال الى حال حتى بلغ درجة الذهبيّة،و أمسك عندها عن الانتقال،لانه هو الغرض من ذلك الجنس،و كالحجر الذي انتقل أيضا من درجة الى درجة حتى بلغ درجة الياقوتية فأمسك عندها عن الانتقال لانه هو الغرض من ذلك الجنس،فلمّا جاز في الاجسام استحال الحديد الى الذهب،و استحال الحجر الى الياقوت على بعد ما بينهما من كثرة التفاوت،كذلك جاز في الأرواح انتقال القوة الناطقة للقوتين النامية و الحسيّة،و اعتبارهما مثلها في اللطافة و الصفا و الشرف.

ثم ان القوة العالمة 1المؤثرة في أرواح الملائكة صارت روحا لاهل الجنة الذين هم انس بالفعل،و هم الصورة الروحانية الخالدة المتنعمة الابدية الناجية من الاستحالة و الانتقال،حياة كلها،و عقلا كلها،و علما كلها،و نموا كلها،و معرفة كلها، و لطافة كلها،لا تتغير و لا تتبدل فصور الانس بالفعل الذين هم اهل الجنة من القوى التي هي النامية و الحسيّة و الناطقة و العاقلة و القدسية،و أرواحهم القوة العالمة قد اثرت فيها الكلمة فصارت لها زامّة،فلذلك تأبدوا و لم يتغيروا عن أحوالهم،فقد ثبت بهذه العلل ان النامية تقبل الحسيّة،و الحسيّة تقبل الناطقة،و الناطقة تقبل العاقلة،و العاقلة تقبل القدسية،و القدسيّة تقبل العالمة،و العالمة تقبل اثر الكلمة،و ليس وراء الكلمة للمتولدات مذهب،و لا للإنس بالفعل في الوقوف عليها مطمع.

فإذا قال قائل،ما الفرق بين اهل الجنة،و بين العلم اذا كان اثر الكلمة فيهم؟ قلنا له:الكلمة هي العلّة،و العلم معلول بها،و قد اتحدت العلة بالمعلول،فصاروا واحدا، كاتحاد النور بجرم الشمس،و الروح بالصورة،فامّا علة اهل الجنة فهي القوة العالمة لا الكلمة بينهم بعينها،الاّ ان اثر الكلمة لا يفارقهم،و لا يزايلهم،فهل يكون الفرق اكثر من هذا و ابين؟

فإن قال قائل لما ذا قلت ان القوتان النامية و الحسيّة قد شاركن الناطقة و العاقلة و القدسية


1) وردت في نسخة ق العلاّمة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 62)

في صور اهل الجنة،و هما اثران من الطبائع الاربع و الافلاك و اهل الجنة؟قلنا له:قد عطلت فيما ظننت،و أخطأت فيما توهمت انهما اثران من الطبائع الأربع،و الافلاك، و ذلك ان جميع النمو و الحس و النطق و العقل و العلم المؤثرة في جميع الاجساد الفانية في الدنيا، انما تأثرت كلها في العالم الروحاني الذي هو الجنة التي عرضها السموات و الارض أعدّت للمتقين،فإذا بلغ المثاب الى هنالك وجد جميع هذه الخيرات مجموعات في ذاته،و علم قولنا ان النمو و الحس اثر من آثار العالم الروحاني لا من آثار الطبائع و الافلاك،و انا نظرنا الى الاصول الموضوعة التي سميناها العالم السفلي الطبيعي الجسداني،فوجدنا الامهات الأربع التي هي النار و الماء و الهواء و التراب،و وجدنا في المواليد آثارا عجيبة هي معلومة في الامهات الأربع،و ذلك ان اوّل ما وجدناه فيها هو هذا النمو و الازدياد الذي هو قوة لا نهاية لها ابدا و لا تدرك بالوهم غايتها،لان الحبّة الواحدة تصير من حال صغرها شجرة، و تصير بالوزن و تنمو في كل سنة من الحب أوقية كل حبة منها تعمل عملها اذا وقعت في تدبير الارض التي هي تخرج هذه القوة الى حد الفعل،ثم قلنا له:اذا لم تكن الارض مقابلة النمو و الازدياد،فكذلك الهواء و الماء و النار،و كذلك الافلاك و النجوم،و كان كل واحد منها محدودا متناهيا 1يدرك مقدارها في الزرع و الطول و العرض و العمق و البعد و الصغر و الكبر على نحو ما تكلمت فيه الفلاسفة الطبيعيون،فمن اين ظهرت هذه القوة النامية في المواليد التي هي لا نهاية لها،و لو ان ظهورها كان من جهة الامهات الاربع و الافلاك و النجوم لكانت متناهية،و لكن الامهات و الافلاك و النجوم كلها أسبابا لاخراجها و اخراج الروحين الحسيّة و الناطقة،كما ان القلم و اللوح و اليد اسبابا لإظهار ما في ضمير العالم كالحروف و التصاوير و النقوش،و هي اذا آلات،و الآلة لصاحبها انما هي بسبب إظهار الغرض، و الغرض هو المواليد،و المواليد فيها النمو الذي يزداد ازدياد الابد،و الحس الذي به يبصر و يسمع و يشم و يذوق و يلمس و يتحرك حركة اختيارية،و في المواليد أيضا عجائب ليست في الامهات،و لا في الافلاك مثل الأراييح و الطعوم و الالوان و الاصباغ 2و المذاقات،


1) سقطت في نسخة س.
2) وردت في نسخة م الاطباع.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 63)

و ما ليس في الاصول طبيعي فهو فيها عرضي،و الذي هو في الشيء عرضي فهو في شيء آخر جوهري،فالنمو و الحس و الطعوم و الأراييح و الاصباغ و الالوان آثار في المواليد، و هي في موضع آخر،لانّا لا نرى ذلك في الامهات،و لا في الافلاك،فكلها كلاّ اذا اضطرارا للتأثير عليه،و رأينا بعد ذلك في هذه المواليد حياة و نطقا و حسّا و عقلا و تميزا و علما و معرفة و شمّا و ذوقا و سمعا و بصرا،و قد يفتح لكل ذي عقل ان الامهات و الافلاك عادمة لهذا،فالحياة و النطق و الحس و العقل اذا آثارا في المواليد فلها اذا جوهر هي له آثار، و ذلك هو الجوهر الحق،و هو الذي لا نهاية له في اوهامنا،و هو الذي ارتفع عن صفاتنا،و هو الذي نصير إليه،و هو الذي وعدنا،و هو الذي وصفه اللّه و رسوله،و ان هذه الاصباغ و الأراييح و النمو و الحس و الحركة و الحياة و النطق و العقل و العلم مجموعة فيه،و هو الجنة التي وعد بها المتقون في العالم الروحاني،و العلة الاخرى و هي انه لمّا اجتمعت الامة على ان الناس ينشرون مع قوالبهم التي هي في الدنيا،علمنا بذلك ان القوة النامية و الارواح الحسيّة التي قامت للارواح الناطقة مقام القوالب،لا تفارق الصورة التامة الذين هم المثابون،و لا الصور الناقصة الذين هم المعاقبون،و العلة الثانية و هي انّا لمّا اثبتنا ان القوة النامية التي تقبل الحسيّة،و القوة الحسيّة هي التي تقبل القوة الناطقة،و ثبت عندنا و عند خصيمنا ان القوة الناطقة لا تزايل المثابين الذين هم اهل الجنة،و لا تفارقهم صحّ بذلك ان النامية و الحسيّة لا يفارقونهم أيضا اذا كان بزوالهما عنهم زوال الناطقة،و بزوال الناطقة زوال العاقلة،و بزوال العاقلة زوال القدسية،و بزوال القدسية زوال العالمة،و بزوالهم جميعا تتلاشى الصور الروحانية،و في تلاشي الصور الروحانية بطلان الثواب و العقاب جميعا،و في بطلانهم للوعد و الوعيد،و في بطلان الوعد و الوعيد الامر و النهي،و في بطلانهما بطلان الرسل لثبات مذهب الدهريّة،و العلة الرابعة و هي انه لمّا اجتمع في الانس بالقوة آثار جميع الجسمانيين الذين تقدموه في المواليد و الاصول،ثبت عندنا انه لا بد ان تجتمع بالانس بالفعل آثار جميع القوى الروحانية التي تقدمته،و لو جاز الاّ ان تجتمع بعض القوى الروحانية في الانس بالفعل،جاز الاّ تجتمع بعض القوى الجسمانية في الانس بالقوة،فلمّا لم يجري باتفاق خصمائنا الاّ اجتماع بعض القوى الروحانية من

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 64)

الانس بالفعل،فقد صحّ بما قلناه ان جميع القوى الروحانية التي هي النامية و الحسيّة و الناطقة و العاقلة،و القدسيّة و العالمة مجموعة في الصورة الروحانية المهيأة لقبول آثار ما في العالم العلوي،و هي الانسان بالفعل الذي من اجله خلقت الدنيا و الآخرة،و كذلك قال النبي(صلعم)ان مؤمنا اعزّ على اللّه من جميع ما في السموات و الارض و ما بينهما.

فإن قال قائل كيف يعلم اجتماع جميع الأشياء الجسمانية في الانس بالقوة حتى يصح اجتماع جميع القوى الروحانية في الانس بالفعل؟قلنا له:لا بد لهذا الجواب من مقدمات،و ذلك ان المعادن هي اسفل المتولدات،و النبات اعلى منها بما استفاده من القوة النامية،فآثار المعادن موجودة في النبات و هي نواة و لا يوجد شيء في المعادن من قوى المتولدات التي فوقها،فكذلك لما كانت البهائم افضل من النبات بما استفادت من الروح الحسيّة،وجد فيها آثار دونها من المواليد،و ذلك ان عظامها شبيهة بالمعادن، و قوتها النامية شبيهة بقوت النبات،و تفردت بالروح الحسيّة دونها،و كذلك الانس بالقوة افضل من البهائم و النبات و المعادن بما استفادت من القوة الناطقة،فلذلك وجد فيه آثار من دونه،لان عظامه شبيهة بالمعادن،و أسنانه شبيهة باللؤلؤ،و أظفاره شبيهة بالمرمر، و عروقه شبيهة بالانهار و دماءه شبيهة بالمياه،و بكاه شبيه بعيون المياه،و شعره شبيه بالنبات، و فيه القوة النامية،فلذلك يزيد شعره و جسده و أظفاره،و كذلك استفادت الروح الحسيّة، فبتلك يسمع و يبصر و يتحرك و يشم و يذوق و يلمس و يفعل ما تفعله البهائم من المناكحة و غيره،ثم من بعد ذلك تفرّد بالروح الناطقة،فبذلك قهر الكل و جمعهم تحت امره و نهيه و تدبيره،حتى صاد الوحوش في الفيافي و اخرج الحيتان من البحار،و أنزل الطيور من الجو،و سخّر البهائم في الارض،فهو يعمل بهذا الاثر المسمّى الروح الناطقة الذي استفاده من العالم الروحاني،اعمالا لا تطيق الافلاك و الامهات بكليتها ان تعمل مثلها، فأخذتها من الافلاك بكليتها ثم اخرجت الزرع من الارض،بعد ان استعانت بالامهات الأربع و الزرع قبل ان يحصد لا تأكله الاّ البهائم،و لم يتهيأ للافلاك و الامهات ان تجعل ذلك الزرع عند الانسان بالقوة،بل قام الانسان بالقوة بذلك،فسخّر الارض وقت الزراعة،و سخّر الماء باجرائه عليها،و سخّر الهواء وقت الزرع،و سخّر الماء و المعادن

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 65)

وقت الحصد،ثم سخّر النار وقت الخبز حتى يتهيأ له اخراج غذاؤه من الزرع،فلو كان الفعل كله للافلاك و الامهات كان يجب ان يخرجوا الخبز لا الحنطة،و اللباس لا القطن،و الدهن لا السمسم،و العالم لا الجاهل و الانسان بهذا الاثر الذي استفاده يعمل اعمالا لا يعجز عنها كلية الافلاك و الامهات،فكيف تكون حالة ذلك الكل الذي منه هذا الاثر و عظمته،و انما يتهيأ للانسان بالقوة اتمام اعمال عجزت عن اتمامها الافلاك و الامهات،لان آثار الافلاك و الامهات موجودة فيه كوجود آثار المواليد الجسمانية فيه، و ذلك ان الصفرة مقابل النار و الحمرة مقابل الهواء،و البيضة مقابل الماء،و السودة مقابل التراب،و لا بد لهذه الطبائع الاربع من الاغتذاء من اكلها التي هي الامهات الاربع لكي يكون للقالب قوام،فلذلك يحتاج الى الاطعمة و الأشربة،و لو لم يتغذى بلطائف الاطعمة و الاشربة لفسد القالب،و تلاشى،و لو لم يرمي بكتائفها لا نشق القالب،فلهذه العلة جعل اللّه في بني الانسان لكل واحد منها مخرجا،فالنار و الهواء الطف و اعلى من الماء و التراب،كذلك جعل مخرج النار و الهواء في بدن الانسان اعلى من مخرج الماء و التراب،فالمنخر مخرج النار،و الفم مخرج الهواء،و الاحليل مخرج الماء،و الدبر مخرج التراب،ثم ان بدن الانسان على سبع مراتب،و هي اليد اليمنى و اليسرى ثم الظهر و البطن و الرجل اليمنى و اليسرى ثم الرأس سيدهم،مقابلها الأقاليم السبعة،ثم انه على اثنى عشر قطعة الرأس و العنق و اليدان و الظهر و البطن و الفخذان و الساقان و القدمان،مقابلهم الجزائر الاثنى عشر،و مما يلي الظهر خراب،و ممّا يلي البطن عمران،كذلك الدنيا نصفها خراب، و نصفها عمران،ثم ان في جسد البشر اثنى عشر مخرجا كالعينين و الاذنين و المنخرين و الفم و الثديين و السرة و الاحليل و الدبر،مقابلها البروج الاثنى عشر،ثلاثة منها مسدودة بالمناطق الثلاثة،ثم ان البشر لها الاعضاء الرئيسية و عددها سبعة:و هي الطحال معدن الهم،و الفم و الشم و السوداء مقابلة زحل،و الكبد معدن السرور و الخير،و الحمرة مقابل لمشتري،و القلب معدن العداوة،و الشجاعة مقابل المريخ،و الدماغ معدن التدبير، و العقل و الوقار مقابل الشمس،و الكليتان معدن الشهوة،و البيضة مقابلة الزهرة،و المرارة معدن المكر،و الخديعة،و الصفرة مقابلة عطارد،و الرئة معدن النفس،و سرعة الحركة

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 66)

مقابل القمر،و الامعاء ملتفة بهذه الاعضاء كالتفاف التنين بهذه الكواكب،و قوام الانسان بالقوة بالجسد و الروح،كذلك قوام دوران الافلاك بالقطبين،ثم ان الانسان بالقوة على ثلاثة قطع:اولها الرأس الى العنق،و هو مقابل العالم الروحاني،لان فيه معادن الوقار و العقل و الخير و الدراية و البصر و السمع و معرفة المذاقات و الالوان و الأراييح 1و الكلام و النطق،و ليس للبشر اثبات بلا رأس،كذلك ليس للعالمين الجرماني و الجسداني اثبات بلا العالم الروحاني،و ان اوّل ما يخرج من المولود الى الدنيا رأسه،و هذا دليل على ان اوّل شيء ابدعه اللّه عز شأنه العالم الروحاني،و من العنق الى الكشح دليل على العالم الجرماني،الذي هو الواسطة بين الروحاني و الجسداني،كذلك الظهر و البطن واسطة بين الرأس و الدبر،و كما ان الاعضاء الرئيسية السبعة في الظهر و البطن،كذلك النجوم السبعة في العالم الجرماني،و كما ان الظهر و البطن من المولود يخرج الى الدنيا بعد الرأس،كذلك جعل اللّه العالم الجرماني بعد العالم الروحاني،و من الكشح الى القدمين دليل على العالم الجسداني،لان فيه من الغائط و البول و الفتن،كذلك الألم و الاسقام و الكون و الفساد في هذا العالم الجسداني متصلة غير زائلة،و الانسان اذا قطعت رجله يحس و لا يموت،فكذلك يكون هذا دليل على ان العالم الروحاني مستغني عن العالم الجسداني، و آخر شيء يخرج من المولود الى الدنيا رجلاه،فهذا دليل على ان تولد العالم الجسداني من العالم الروحاني بواسطة الجرماني،و من هاهنا وجب:ان يخلق اللّه الانثى و المفيد و المستفيد لقوة الصورة الروحانية في الموضع الذي هو دليل على العالم الروحاني،ثم خلق الاثنين المعطي و القابل لقوة الصورة الجسمانية في الموضع الذي هو دليل على العالم الجسماني،و لمّا كان آثار جميع العالم و المواليد مجموعة في البشر،و وقوفه على جميع علومها و كيفياتها بالطلب و التعلم،و الاغتذاء من متفرقات هذا العالم السفلي،فهو اذا من جميع العالم يتغذّى،فترى الانسان الواحد يتغذّى من زرع بلده و غير بلده،او من لحوم حيوانات بلده،او غير بلده،و يحتاج مع هذا الى ما به تمام تغذيته من الافاويه


1) في نسخة ق وردت الروائح.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 67)

و الابازير و الأدوية و العقاقير 1و الجوارسنات و المعجونات و غير ذلك ممّا يحمل من البلدان النائية و الأرض القاسية،فهو يستعمله في طعامه الذي يتغذى به،و ما يتناوله لمصلحة جسده من كل محمول من الآفاق الشاسعة و الاقطار البعيدة،امّا معدنيا و اما نباتيّا او حيوانيا،و غير ذلك،فلمّا اغتذى بذلك اجتمعت فيه النطفة فتولدت منها هذه الصورة الجسمانية،فهي اذا من جميع العالم،و كانت آثارا و اجزاء،فلمّا نشأت الصورة،تمّت تلك الآثار و الاجزاء معها من كل جزء منها الى معدنه و موضعه بالطبع،فصار البشر كذلك يحب السفر و التدرج في البلدان الشاسعة و الدانية،و اذا سمع بصفة بلد بعيدة او قريبة اشتاقت نفسه الى رؤيتها و الوقوف عليها،و القصد نحوها،و من هاهنا قيل ان موت الانسان يكون حيث وقع عنه ترابه،و ان البهائم لا تحب السفر لانها لا تأكل من متفرقات هذا العالم شيئا،و ممّا يؤكد هذا ان الانسان يحب مولده و منشأه و مسقط رأسه،و ان كان وحشا اكثر من حبه لسائر البلدان ذات النزهة الرضيّة لان أجزاءه و آثاره الأكثر و الاعم من حيث ولد فيه،و من هاهنا قالت الحكماء:لو لا حب المولود الاوطان لخربت الدنيا، و ممّا يؤكد قولنا ان الانسان لا يقنع بالقليل لانه لم يكن من القليل،و صار يطلب الكثير لانه نشأ من الكثير،فصار هو العالم كله،و بهذا كان ملك العالم كله،لانه من العالم كله،و هاهنا نبين احد تأويلات قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰاوٰاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لاٰ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ حَلِيماً غَفُوراً .لان جميع الاشياء التي تقدمت البشر من الاحوال و الافلاك و الامهات و المواليد و الحيوان الاخرس و الاغذية،قد اجتمعت كلها في الانس بالقوة،فإذا سبّح اللّه و عبده حق عبادته،فقد عبد اللّه و سبحه بجميع ما سميناه و ذكرناه.

و كذلك قال بعض الحكماء:اعلم وفقك اللّه ان الروح لا تزيد على مرور الايام عليها الاّ شرفا و فضلا،فالقالب ينشأ على ترتيب المعادن و النبات و البهائم،ثم يتلاشى على هذا الترتيب،و ذلك ان المعادن هي اسفل المواليد مواتا فلا روح لها،كذلك النطفة


1) سقطت في نسخة م.

التي منها توالد القالب موات لا حياة لها بمقابلة المعادن،ثم اذا خرج المولود من بطن الام و نما و زاد على مرور الايام عليه،مقابل النبات و كذلك الامر في الظاهر بارتباطه في المهد،لان المهد نباتي،ثم هو لا يتكلم بل يصوّت و يتحرك تشبها بالحيوانات الخرس، ثم يستفيد القوة الناطقة،فحينئذ يصل الى مرتبة الانسان بالقوة،ثم اذا اراد قالبه ان يفسد يرجع القهقرى الى اسفل المتولدات،و ذلك انه عند النزاع لا ينطق و لا يطيق ان يتكلم بل يتحرك شبيها بالحيوانات الخرس،ثم يحمل على الجنازة و اللوح 1،و هي نباتية مقابل المهد،ثم يعبر فيصير ميتا مثل المعادن،و يستوي أيضا بقياس نشوء القالب على ترتيب الامهات الاربع،و ذلك ان طبع المولود اوّل ما يولد يكون مائيّا بلغميّا،فإذا بلغ سبع سنين يصير هوائيّا دمويا،فإذا استوت لحيته يصير ناريّا صفراويّا،فإذا صار كهلا يصير ترابيّا سوداويّا،فاذا صار خرفا رجع الى طبع الاطفال و صار دائرا على وجه آخر،لان جسم المولود من التراب،فإذا ولد يغسل في تلك الساعة مقابل الماء، ثم يتنفس مقابل الهواء،ثم اذا بلغ الى اكل الاشياء المطبوخة مقابل النار ثم اذا فسد قالبه رجع القهقرى الى اسفل الامهات،و ذلك انه عند النزاع يتنفس مقابل الهواء،ثم اذا مات يغسل مقابل الماء،ثم يقبر فيصير ترابا مقابل الارض،و هذه حال القوالب،فامّا حال الارواح،فامّا ان تكون مهملة او معاقبة او مثابة،كما وصفنا.

فإذا سأل سائل،و قال قائل لمّا قلت ان كل واحد منهما دون الملائكة على ثلاثة أنواع،لا يقبل النوعان الأسفلان منه التأثيرات،و يقبله النوع الأعلى،و ان الملائكة على نوع واحد في قبول التأثير،و كذلك اهل الجنة على نوع واحد في قبول التأثيرات؟ قلنا له:لان المواليد التي هي دون الملائكة ليست في حد النفخ في الصور فلذلك وجب ان يكونوا متفاوتين في عدم التأثيرات،و وجودها،فأمّا الملائكة فانهم في حد النفخة الواحدة،و أهل الجنة في حد النفختين اللتين اجراهما عليهم،و النفخة الثانية في الصور يجب الاّ يكونوا متفاوتين في عدم التأثيرات و وجودها،لانهم لو كانوا متفاوتين في ذلك لم يكن للنفخ فائدة و لا معنى،الا انهم قبل النفخ متفاوتون في قبول التأييد،و القوة العالمة


1) في نسخة ق وردت الالواح.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 69)

و آثار الكلمة على قدر تهيئتهم و طاقتهم،و انما سميناه نفخ التأييد لان كل من دون الملائكة ممن اثرت فيه القوة القدسية يسمّى مؤيدا،فلمّا صارت الروح هي للذين اجرى اللّه عليهم احدى النفختين سميناه نفخ التأييد.

فان قال قائل لم اوجب انتقال الصورة الكثيفة الجسمانية من المواليد الى الصورة اللطيفة الروحانية في الدرجة الخامسة؟قلنا له لان الصورة الكثيفة من المتولدات لم تتصور الاّ بعد اجتماع الطبائع الاربع التي هي الحرارة و اليبوسة و البرودة و الرطوبة فيها،فلو كان منها شيء من هذه الطبائع الاربع معدوما لما كانت تتصور بالصورة الجسمانية،و لا كان لصورتها قوام و لا بقاء،كذلك الصورة اللطيفة لم تتصور الاّ بعد اجتماع الارواح الأربعة،التي هي النامية و الحسية و الناطقة و العاقلة 1،فيها،فلو كان فيها شيء من هذه الارواح الاربع معدوما،لم يكن يمكنها التصور بالصورة اللطيفة،و لا كان لها قوام و لا دوام،و ذلك ان المعادن لمّا لم يكن فيها من الأرواح الاربع شيء،لم تتصور بالصورة الروحانية،و ان النبات لمّا كانت احد الارواح لم يتصور أيضا بالصورة الروحانية،و الحيوانات الخرس لمّا اجتمعت فيه الروحان،و عجز عن قبول الروحين الباقيين،لم يمكنه التصور بالصورة الروحانية،و البشر لمّا اجتمعت فيه الارواح الثلاثة، و لم يمكنه قبول الروح الرابعة،و عجز عن التصور بالصورة الروحانية،و الاحياء العاقلة لما اجتمعت فيه الارواح الاربع،و تصورت بالصورة اللطيفة الروحانية،كما اجتمعت الطبائع الاربع في اوّل المتولدات التي هي المعادن،فتصورت بالصورة الجسمانية، فالتراب من الصورة الجسمانية،كالقوة النامية في الصورة الروحانية،و الماء من الصورة الجسمانية،كالروح الحسيّة من الصورة الروحانية،و الهواء من الصورة الجسمانية، كالروح الناطقة من الصورة الروحانية،و النار من الصورة الجسمانية كالروح العاقلة من الصورة الروحانية،و من هاهنا قالت الحكماء:ان المؤيد يمكنه مفارقة قالبه متى شاء، و لا يتعسر عليه ذلك،لان الروح الأربع قد اجتمعت فيه،و تصورت بالصورة الروحانية النامية التي هي صورة الجن بالفعل في قالبه،فهو اذا بالخيار ان شاء أقام في هذا العالم


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 70)

ليتم شريعته و تأليفها اذا كان ناطقا،او يكمل اذا ما اوجب اللّه عليه اداءه من حفظ الشرائع و تأويلها،إن كان وصيّا او إماما،و ان شاء ترك القالب و ارتفع الى العالم العلوي، و لذلك قال النبي(صلعم)قبل موته:ان اللّه تعالى خيرني من ان يخرجني من بين ظهرانيكم 1،و بين ان يؤخر وفاتي الى يوم القيامة،فاخترت الخروج على التأخير،ثم ان الصورة الروحانية اذا جاوزت في القالب من حد الجن بالفعل الى حد الملائكة بالفعل،لا يتهيأ للقالب ضبطها و إمساكها،فهو يفارقها لعجزه عن ضبطها ان شاء او ابى،و الدليل على ذلك ترك القائم سلام اللّه على ذكره قالبه و مصيره الى الفلك الروحاني حيث لم يتهيأ للقالب ضبطه لعظم صورته الروحانية و جلالها و شرفها،اذا كان اراد ان يجاوز مراتب الملائكة بالفعل و أهل الجنة فلم يمكنه ذلك،و هو بالقالب متشبث، ففارقه لهذه العلة.

و ممّا يزيد قولنا تأكيدا ان احدا من النطقاء لم يترك قالبه الاّ بعد ان اكمل تأليف شريعته و أتم مصالح امته،غير عيسى فانه خرج من هذا العالم السفلي قبل اكمال شريعته و إتمامها لوصول صورته الروحانية في القالب الى درجة الملائكة بالفعل،و عجز قالبه عن ضبطه و إمساكه،و من هاهنا قيل في الظاهر ان اللّه تعالى رفعه الى السماء من المنزل الذي كان توارى فيه من اليهود قبل ان تصل ايديهم إليه،و ان اليهود لمّا هجموا على ذلك المنزل وجدوا قالبه فصلبوه،فلذلك قال اللّه تعالى حكاية عنهم: وَ قَوْلِهِمْ إِنّٰا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّٰهِ وَ مٰا قَتَلُوهُ وَ مٰا صَلَبُوهُ وَ لٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ،وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مٰا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبٰاعَ الظَّنِّ وَ مٰا قَتَلُوهُ يَقِيناً .يعني ما قتلوا عيسى بل وجدوه ميتا،لان القتل هو ايصال الالم الى المقتول،و وجه آخر في تأويل هذه الآية:و ما قتلوه و ما صلبوه اي ما قتلوا المسيح و ما صلبوه،و المسيح اسم لصورته الروحانية،لانها مسحت عن الجسد الطبيعي اللحماني 2،و نزعت عنه،و عيسى اسم لصورته الطبيعية


1) في نسخة م وردت ظهركم.
2) في نسخة ق وردت اللحمي.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 71)

الجسمانية،و ان العيس في اللغة هي الإبل،و الإبل من الدرجات الطبيعية لا من الدرجات النفسانية،و قد ذكر اللّه في هذه الآية اسمين:اسم لصورته الروحانية،و اسم لصورته الجسمانية،ثم لم يوقع القتل على احد الاسمين في قوله:و ما قتلوه و ما صلبوه، و لم يقل و ما قتلوهما و ما صلبوهما،ثم قال:و لكن شبه لهم يعني ظنوا ان المسيح هو هذا الجسد الكثيف المصلوب،فاشتبه الامر عليهم،و ان الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علم الاّ اتباع الظن يعني ما يعلمون ان صورته الروحانية قد وصلت الى معدنها من العالم الروحاني،و ما قتلوه يقينا،ففي ظاهر هذا اللفظ يصح انهم ظفروا بقالب المسيح فصلبوه،لانه يدل انهم ظفروا ببعض منه فصلبوه،و هو الصورة الجسمانية،و لم يظفروا بالبعض الآخر ففاتهم و هو الصورة الروحانية،و ذلك ان معنى قوله و ما قتلوه و بسطا بين الشك و اليقين،بل رفعه اللّه إليه،اي رفع اللّه صورته الروحانية الى الجنة في جوار الاصلين،فكان اللّه عزيز بمنعه اليهود ان يظفروا بعيسى،و هو حي حكيم برفع صورته الروحانية الى السماء،و ممّا يزيده تأكيدا ان اللّه تعالى قال: إِذْ قٰالَ اللّٰهُ يٰا عِيسىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ جٰاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمٰا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ .يعني مميت صورته الجسمانية قبل وقوع القتل عليها،و وجود الالم،و رافعك إليّ يعني الصورة الروحانية،فلعلّ مدعي يدعي ان اللّه رفع المسيح من صورته الجسمانية الى السماء؟قلنا له:ان اجماع اعداء عيسى الذين هم اليهود و أولياءه الذين هم النصارى على قتله،ثم اخبر اللّه انه أماته 1في قوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ،و إقرار عيسى بذلك حيث يقول اللّه حكاية عنه:

مٰا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّٰ مٰا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ،فَلَمّٰا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يدل على ان جثة عيسى ليست في السماء


1) في نسخة م وردت توفاه.

و لا رفع جسمه و قالبه الى العالم العلوي،ثم إجماع المسلمين على حياته و انه رافعه الى السماء، يدل على ان اللّه رفع صورته الروحانية الى العالم العلوي.

و نرجع الى ما كنا فيه من ذكر المتولدات فنقول:انّا لمّا رأينا توليد المواليد الجسمانية مع الطبائع الاربع بعد المعادن،و ان كانت الطبائع الاربعة موجودة في المعادن وجب بذلك توليد المواليد الروحانية من الارواح الاربعة الموجودة في الاحياء العاقلة،و كما ان المواليد الجسمانية الكثيفة المتولدة بعد المعادن ثلاثة اصناف:اولها النبات و هو أفضل من المعادن لقوته النامية،و الثاني الحيوانات الخرس و هو أفضل من النبات لروحه الحسيّة، و الثالث البشر و هو أفضل من الحيوانات الخرس لروحه الناطقة،كذلك المواليد الروحانية البسيطة المتولدة بعد الاحياء العاقلة ثلاثة اصناف:اولها الملائكة بالفعل و هم أفضل من الاحياء العاقلة لأرواحهم القدسية،و الثاني اهل الجنة،و هم أفضل من الملائكة بالفعل لأرواحهم العالمة،و الثالث القائم سلام اللّه على ذكره و هو أفضل من اهل الجنة كلهم لاتحاده بالنفس،حتى صارت دائرة ثالثة،و بهذه الدائرة تأويل خطير،و لكن لا يتهيأ بيانه في هذا الكتاب،و نحن نقيس الآن على واحدة من الارواح على الامهات الاربع قياسا مجازيا لا حقيقيّا،و نريد بذلك تقريبها الى افهام الباحثين،فأقول:انه لا بد لكل واحد من هذه الارواح الاربعة التي لا يخلو منها شيء من الاشياء،فلم نجد شيئا نقيس هذه الارواح عليه اقرب إلينا من اصول هذا العالم الجسداني و هي:الامهات الأربع التي اسفلها التراب اعني الارض و هي باردة يابسة،ثم الماء و هو اعلى من الارض و الطف و هو بارد رطب،فالبرودة وافقت الارض،و صارت ملاصقة لها من الجانب السفلي و بالرطوبة وافق الهواء و صار ملاصقا له من الجانب العلوي،ثم الهواء و هو اعلى من الماء و ألطف و هو حار رطب،فبالرطوبة وافق الماء،و صار ملاصقا له من الجانب السفلي،و بالحرارة وافق النار،و صار ملاصقا لها من الجانب العلوي،ثم النار و هو اعلى من الهواء،و هي حارة يابسة،فبالحرارة وافقت الهواء،و صارت ملاصقة له من الجانب السفلي،و باليبوسة وافقت التراب و صارت ملاصقة له من الجانب العلوي، فرجعت إليه،و صارت دائرة متصلة اعلاها باسفلها،و أسفلها باعلاها،فنقول:ان

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 73)

المعادن موات ليس فيها من الأرواح شيء،و قوامها من التراب و الماء و الهواء و النار،و قوام النبات من القوة النامية،و انها على اربع مراتب:اسفلها و أقلها في الحشيش و هو مقابل الارض،و ثانيها في الحيوان و هو مقابل الماء،و ثالثها في الاشجار،و هي مقابل الهواء، و رابعها في البهائم و السباع و هي مقابل النار،و ليس للأمهات مجاز،لان النار راجعة الى التراب بيبوستها،و صارت دائرة فلذلك تهيأ للبهائم استفادة الروح الحسيّة،فهم اذا من جهة قوتهم النامية مقابل النار و من جهة أرواحهم الحسيّة مقابل التراب،و قوام الحيوانات الخرس بالروح الحسيّة،و هي أيضا على اربع مراتب اسفلها و أقلها في البهائم و السباع،و هي مقابل التراب،فلذلك قلنا:ان البهائم و السباع الترابية،و ثانيها في الشباحات و هي مقابل الماء،فلذلك صار عيشهم في الماء،و ثالثها في الطيور،و هي مقابل الهواء،فلذلك صار في الهواء،و رابعها في الاطفال و المجانين،و بعض القشرية المهملين،و هي مقابل النار،و ليس للامهات بعد النار مجاز،فلذلك امكن للاطفال و المجانين و القشرية المهملين الاستفادة من الروح الناطقة،فهم اذا من جهة أرواحهم الحسيّة مقابل النار،و من جهة أرواحهم الناطقة مقابل التراب.

و قوام البشر بالروح الناطقة،و هي أيضا على أربع مراتب اسفلها و أقلها في الاطفال، و بعض القشرية المهملين و هي مقابل التراب،فلذلك قلنا:ان التراب دليل على البهائم، و ثانيها في المستجيبين و المأذونين و الاجنحة الذين هم جن بالقوة،و في اضدادهم القشريّة الذين هم شياطين بالقوة،فلذلك كلفوا طلب التأويل؛لانه تعالى لا يكلف نفسا الاّ وسعها، و هي مقابل الماء،و ثالثها في اللواحق و في اضدادهم المرتدين و الفلاسفة و فقهاء القشرية الذين هم ابالسة بالقوة،و هي مقابل الهواء،و رابعها في الائمة و في أضدادهم الشياطين بالفعل،و هي مقابل النار،و ليس للامهات من النار مجاز،فلذلك تهيأ للائمة و لاضدادهم الشياطين بالفعل،استفادة الروح العاقلة،فهم اذا من جهة أرواحهم الناطقة مقابل النار،و من جهة أرواحهم العاقلة مقابل التراب لأن بين الائمة و بين الشياطين بالفعل تفاوت كثير في قبول الارواح العاقلة،كتفاوت اهل الظاهر بين ذوي الارواح اهل الآخرة في قبولها،و ذلك ان الشياطين بالفعل ليسوا بواقفين على العلوم الروحانية الالهية

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 74)

كما وقف عليها الامام،فلذلك عجزوا عن استفادة الاثر من الروح القدسيّة 1، و صاروا معاقبين،و لم يعجز الامام عن ذلك،و صار مثابا.

و قوام اصحاب الدرجة الخامسة بالروح العاقلة هي أيضا على أربع درجات اسفلها و اقلها في الامام،و هي مقابل التراب،و لذلك لم يفاتح الامام الناس،الاّ من جهة الظاهر،لان التراب دليل على الظاهر،و ان الامام لا يعجز عن قبول الاثر من قبول الروح القدسيّة لوقوفه على العلوم الالهية في الدنيا و الآخرة جميعا،و عجز ضده الشيطان بالفعل الذي مرتبته من الروح العاقلة عن قبوله،لعجزه في الدنيا عن قبول العلوم الربانيّة،و اشتغاله بعلم الظاهر،و لذلك كانت روحه العاقلة مقابل التراب،لان التراب دليل على الظاهر،و الدرجة الثانية من الروح العاقلة في الاساس،و في ضده ابليس بالفعل و هي مقابل الماء،و الماء دليل على العلم،فلذلك فاتح الاساس الناس بالعلم و التأويل،و وقع اسم الأبالسة على الفلاسفة الذين اقتصروا بالعلم دون العمل،و من هاهنا عجز الابليس بالفعل عن قبول الاثر من الروح القدسيّة،و صار معاقبا:و لم يعجز الاساس عن قبوله،و صار مثابا،و كما ان المرتدين و الفلاسفة هم الأبالسة بالقوة،كذلك هم أضداد الاساس بالقوة،و كما ان القشرية هم الشياطين بالقوة،كذلك هم اضداد الائمة بالقوة،و لو لا التباس هذه النكتة على الموقنين،لأجريناها مستوفية لا خفاية و من حولها،و الدرجة الثالثة من الروح العاقلة،في النطقاء،و في الجن بالفعل،و هي مقابل الهواء،و ان الروح العاقلة لمّا اتحدت بالنطقاء و بأشكالهم الذين هم الجن بالفعل،و و قفوا على العلوم الالهية الربانية تهيأ لهم بذلك قبول الاثر من الروح القدسيّة،و الدرجة الرابعة من الروح العاقلة في الملائكة بالفعل،الذين هم اعلى السماء السابعة و هي مقابل النار، و ليس للامهات بعد النار مجاز،فلذلك تهيأ للملائكة بالفعل استفادة الروح القدسية، فهم اذا من جهة أرواحهم العاقلة مقابل النا،و من جهة أرواحهم القدسية مقابل التراب.

و قوام الملائكة بالفعل الروح القدسيّة،و هي أيضا على أربع درجات،اسفلها


1) في نسخة م وردت المقدسة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 75)

و أقلها في الملائكة بالفعل،الذين هم بين السماء السابعة،و بين فلك البروج و هي مقابل التراب،و الدرجة الثانية في الملائكة بالفعل،الذين هم بين البروج،و بين فلك المستقيم و هي مقابل الماء،و الدرجة الثالثة في الملائكة بالفعل الذين هم في الحركة الوهمية،و هم الملائكة المقربون،و هي مقابل الهواء،فهذه الامكنة التي بيّناها للملائكة بالفعل،انما بيناها على تقدير فضائلهم على من دونهم في الاوهام،و تقريبها الى الافهام على معنى انهم محتاجون الى تفريغ مكان و تشغيل آخر،لان الصورة البسيطة الروحانية لا تشتغل بمكان و لا تحتاج إليه،بل ان ذلك من صفات صور الكتائف 1،و الدرجة الرابعة من الروح القدسية في اهل الجنة الذين هم الانس بالفعل،و هي مقابل النار و ليس للامهات من النار مجاز،فلذلك تهيأ للانس بالفعل استفادة الروح العالمة،فهم اذا من جهة أرواحهم القدسيّة مقابل النار،و من جهة أرواحهم العالمة مقابل التراب.

و قوام الانس بالفعل الذين هم اهل الجنة بالروح العالمة،و هي أيضا على أربع مراتب اسفلها و أقلها في المستجيبين و المأذونين و الدعاة،اذا صاروا انسا بالفعل على تفاوت بمقدار كل واحد منهم،و رهبية لقبولها على حسب ما قلناه،بان التفاوت موجود في كل مرتبة من مراتب قابلي الارواح التي بيّناها من الروح النامية الى الروح العالمة، و هي مقابل التراب و المرتبة الثانية في اللواحق و الائمة و الخلفاء،اذا صاروا انسا بالفعل على التفاوت بمقدار فعل كل واحد منهم على صاحبه،و هي مقابل الماء،و المرتبة الثالثة في الاسس،اذا صاروا انسا بالفعل على التفاوت أيضا و هي مقابل الهواء،و المرتبة الرابعة في اهل عليين على التفاوت أيضا،و هم النطقاء اذا صاروا انسا بالفعل على التفاوت أيضا،و هي مقابل الهواء،و المرتبة الرابعة في اهل عليين على التفاوت أيضا،و هم النطقاء اذا صاروا انسا بالفعل،و هي مقابل النار،و هاهنا نبين تأويل قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً يعني و ما اوتيت من العلم الاّ قليلا،و وجه آخر و هو ان معنى قوله و ما اوتيت من العلم يعني الروح العالمة الاّ قليلا يعني الاشياء قليلا نزرا من آثار آثارها حتى امكنكم بذلك


1) وردت في نسخة ق الاكتاف.

الاثر الوقوف على العلوم التي هي فيما بين ظهرانيكم على مثل علم الطب و الهندسة و النجوم 1و الفلسفة و الصناعات و علم الشرائع و التأويل و ما اشبهها،و انما قلنا من آثار آثار آثارها،لان الروح العالمة التي هي النور الحق اثر في القدسية،و القدسية اثر في العاقلة،و العاقلة اثر في الناطقة التي هي روح البشر،فثبت بذلك ان العلوم التي هي فيما بين البشر من آثار آثار الروح العالمة و هذه المراتب كلها مبينة في كتاب«البرهان»اذ هو منقول على الحقائق دون غيرها.

و إذا فالديانات و المذاهب منقسمة على ثلاثة اقسام احدها الظاهر كقشر البيض و هو مقابل الاجسام،و كما ان الاجسام مختلفة على انواع كثيرة لا يحصى عددها حتى كان منها اجسام موات،و منها اجسام نيام،و منها اجسام احياء مهملون،و منها اجسام أحياء مكلفون،كذلك الاختلافات موجودة في الظاهر على حسب ما بيّناه في اوّل كتابنا هذا عند ذكر فرق:المرجئة،و الحديثة،و المعتزلة،و الجبرية،و الخوارج،و الشيعة و غيرهم،و الثاني الممتزج كبياض البيض و هو مقابل الارواح،فكما ان الارواح مختلفة لا تشبه بعضها بعضا مثل النامية و الحسيّة و الناطقة و العاقلة 2و القدسية و العالمة حتى كان منها أرواح غير مكلفة،كذلك الاختلافات موجودة في الممتزج،مثل الاختلافات الموجودة بين الخطّابية و بين المحمّرة و المخمّسة و المبيّضة،و الاسماء الواقعة عليهم، و التناسخية و السمابلية و الدهرية و الكيالية و البدئية و السهروردية و الحلاّجية و المنهالية و العامرية و غيرهم من المدعين ان لهم بواطن،و الثالث كالمخ من البيض،و هو مقابل العقل،فكما ان العقل لا يختلف في نفسه اذا كان كل عاقل في المشاهدة مكلف،و كل مكلف عاقل،و لم يكن كل جسم مكلف،كما كان كل مكلف جسما،و كذلك لم يكن كل حي مكلف،كما ان كل مكلف حي،كذلك علمنا انه لا يوجد في الباطن الحقيقي اختلاف البتة بوجه من الوجوه،اذ هو مقابل العقل الذي لا يوجد فيه اختلاف البتة، و كما ان الجسم الخالي من الروح ميت،كذلك الظاهر الممتزج لا يبلى لانه جيفة،و كما


1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 77)

ان الجسم الحي الخالي من العقل مجنون لا يستأهل ان يكون متصرفا في أوامر ربه و نواهيه، كذلك الظاهري الواقف على الممتزج دون الحقيقة معاند مجنون لا يستأهل ثواب ربه و رحمته،اذ الثواب تابع للتكلف،و هو مقابل المجنون الذي ليس بمكلف،و كما ان الجسم الحي العاقل 1مستحق لتكليف ربه كذلك الظاهري الواقف على الممتزج، و الحقيقة ان الجميع متأهل للوصول الى الثواب الابدي،و الظاهري مسمع،و الممتزج بصري،و الحقائق قلبي،و الواقف على الجميع مؤمن،و على الظاهر الممتزج دون الحقائق موقف،و على الظاهر دون الممتزج و الحقائق مسلم،و كذلك قال اللّه تعالى: وَ اللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .و قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ .و معنى أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا،و هم امة محمد(صلعم)فمنهم ظالم لنفسه،و هم الظاهريون السمعيون،و منهم مقتصد و هم الممتزجون البصريون،و منهم سابق بالخيرات،و هم اصحاب الحقائق القلبيون.

الا ترى ان اللّه نفى هذه العلوم عمن ليس من امة محمد،فقال: وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا،وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ الْغٰافِلُونَ .اعني لا يفقهون بها الحقائق الايمانية،و لهم أعين لا يبصرون بها الى الممتزج الايقاني،و لهم آذان لا يسمعون بها الى الظاهر السمعي، و اذا سأل اللّه عبده يوم القيامة،يسأله عن هذه العلوم الثلاثة،و كذلك قال اللّه عز و جل: وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً .فذكر هذه الاعضاء الثلاثة دون سائر الجوارح التي تقع منها الطاعات و المعاصي للعلة التي بيناها،و اذا سأله تعالى فوجده ضابطا لهذه


1) سقطت في نسخة م.

العلوم الثلاثة عاقلا عليها جازاه بثواب غير موصوف بهذه الدلالات الثلاثة،كذلك قال رسول اللّه(صلعم)عن قوله تعالى:اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت،اي جزاء علمه الظاهري السمعي الاسلامي،و لا خطر على قلب بشر اي جزاء علمه الحقيقي القلبي،و بهذا الثواب لكل من وصل الى هذه العلوم الثلاثة التي امر اللّه تعالى بالوقوف على جميعها حين قال: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مٰا تَشْكُرُونَ و الشكر باللغة الفارسية يؤكد ما قلناه،فلذلك وصف اللّه نفسه بهذه الصفات الثلاثة دون سائر ما يوجد من سائر صفات البشر مثل الشام و الذائق و اللامس،فقال انه سميع بصير عالم،فلذلك أضاف وحي رسله الى هذه الجوارح الثلاثة دون غيرها،و امّا الذي أضافه الى القلب،فقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ و أمّا الذي أضافه الى السمع فقوله: فَلَمّٰا أَتٰاهٰا نُودِيَ يٰا مُوسىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً و امّا الذي اضافه الى البصر فقوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ و الى هذه الاسماء الثلاثة نتيجة قوله: وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مٰا يَشٰاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ .

و ممّا يؤكد قولنا قول النبي(صلعم):المريض مالك ثلث ماله،و قال:داوا مرضاكم بالصدقة،فالمريض الذي لا يملك الاّ ثلث ماله في الباطن هو المريض الروحاني الذي وقف على العلم السمعي دون العلمين الآخرين،و المريض الذي يحتاج الى مداواته بالصدقة،هو الذي ابلى من غلبته قليلا،فوقف على العلم الثاني الذي هو العلم البصري فيحتاج الى اداء الصدقة التي امر اللّه بها في قوله للمطيعين،اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يديه نجواكم صدقة،و قوله:خذ من اموالهم صدقة حتى يتهيأ له الوقوف على العلم الثالث الذي هو علم الحقائق القلبي،فيكون صحيحا مالكا على جميع ماله،اي على جميع العلوم الثلاثة،فالسيف اذا سببا لعلم الظاهر السمعي الاسلامي،و العهد سببا لعلم الممتزج

البصري الإيقاني،و الصدقة سببا لعلم الباطن القلبي الحقائقي،فإذا تقرر هذا فنقول ان هذا الكتاب،و كتاب«راحة العقل» 1،و كتاب«بلينوس»،و كتاب«المبادئ» مقوالات على الواسطات الممتزجات بين الممتزج البصري و بين الحقائقي القلبي،كما ان كتاب«المقتبس»و«الجامع» 2و ما اشبهها مقوالات على الواسطات بين الظاهر السمعي و بين الممتزج البصرى و كتاب«البرهان»و ما يتبعه من كتب«الكفاية و الكافي» و«الأمن من الحيرة» 3،و«الحاصل و المحصول»مقاولات على ذوات الحقائق باعيانها،فلذلك صارت هذه المراتب و غيرها ممّا يحتاج إليه الباحث مبرهنة فيها دون غيرها من الكتب،و لا حول و لا قوة الاّ باللّه العلي العظيم.

فاذا سأل سائل عن الايمان،ايمان الانس بالقوة،و الانس بالفعل،هل هو متساوي او متقارب؟قلنا له لا بد لهذا الجواب من مقدمات نقربها الى افهام الباحثين، و نقررها في اوهام الطالبين،و ذلك ان نقول بقوة اللّه و منة اولياءه المانّين علينا جماعة المستجيبين:ان المعاني هي الهويات الذاتيات التي يشار إليها بالوجود،و الاسماء دالات على تلك المعاني باعيانها و باسم واحد لمعنى واحد لا يجاوز ذلك،و هي محمولات على المعاني التي هي الهويات و الصفات محمولة على الاسماء التابعة لها مخبرة بافعال الهويات و جواهرها و ايجابها و كمياتها و كيفياتها و سائر اغراضها،فالاسم هو فرس و حمار و ثور فلا يقع الاّ واحد على نوع واحد من أنواع الجسم فقط،اعني ان الفرس هو نوع واحد من انواع الحي الذي هو الجنس،و كذلك الثور و الحمار،و الصفة كالكاتب و الطويل و الاسود و الغني، و ما يجري هذا المجرى من الصفات التي هي كثيرة لاحقة بالاسم محمولة عليه،و الاسم واحد لنوع واحد و شخص واحد،و الصفة كثيرة لواحدة،و واحدة لكثير،اعني انه تقع الكتابة و الطول و السواد و الغنى على رجل واحد،و تقع الكتابة و الطول و السواد و غير


1) مؤلفه الفيلسوف حميد الدين الكرماني.
2) مؤلفه ابو حاتم الرازي.
3) مؤلفه أبو يعقوب السجستاني.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 80)

ذلك على كثير من الاشخاص أيضا،فمن حدودها انها واحدة لكثير،و كثير لواحدة،و انها مشتقة،و ان حد الاسم انه موضوع لواحد.

فلو ان قائل يقول:انا قد نجد اسماء كثيرة واقعة على واحد مثل الصخرة و القهر و الحجر التي هي اسماء لمعنى واحد؟قلت له:الاسماء المترادفة و ان اختلفت الفاظها من غير اشتقاق،يوجد فيها،فانها في الحقيقة اسم واحد،اذ لا تدل الاّ على معنى واحد فقط،و ان وجب ان يكون ذلك كذلك،فلننظر الآن الى ما عرفناه من الاسماء التي فيها اسماء اللّه تعالى أ هي الصفات بالحقيقة أم الاسماء؟فنقول:ان هذه التسعة و التسعين التي علمناها انما هي صفات كلها،ليس شيء منها اسم حق،و ذلك انّا اثبتنا ان الصفات تكون مشتقة كثيرة لواحد و واحد لكثير،و لمّا جاوزت هذه الاسماء،لان الاسماء من واحد،و كانت مشتقة،فعلمنا انها صفاة الاسماء،لان الاسم يكون مشتقا و لا يجاوز الواحد من واحد،و من هاهنا قال الرسول(صلعم)ان للّه اسماء تكمّلت بالمائة لا يعلمها احد الاّ فتح به كل مغلق،و بدل به كل صعب،فقد ثبت بذلك ان هذه صفات محمولة على الاسم الذي ذكره الرسول،و الاسم لمعنى ما.

و لننظر الآن في حقيقة ما قلناه ان هذه التسعة و التسعين صفات كلها،ليتضح لنا ذلك لانّا وجدنا القرآن يدل على اسم مستور عنّا،و ان هذه الاسماء صفات لاسماء اخرى،و ذلك انه امرنا تعالى ان نبتدئ ببسم اللّه الرحمن الرحيم،فلو كان له اسما لما قال بسم اللّه،بل كان يقول باللّه،هذا من طريق اللغة،و انه لا يجوز ان يقول باسم الانسان،الاّ و الاسم مضمر تحته،كزيد و خالد و محمد،فلم يقل هاهنا بسم اللّه،و الاسم مضمر تحته بين اللّه و الاسم أيضا،فقد قلنا ان الاسم هو الذي لا اشتقاق له و الصفات هي التي لها اشتقاقات،فالاسم مثل جبل و صخر و فرس 1و حمار،و الصفة مثل الكاتب و الطويل و القائم،و ليس للصخر و الجبل اشتقاق،و للكاتب و الطويل اشتقاق من اسم قبله،يعني الكاتب من الكتابة،و الطويل من الطول،و الكتابة و الطول مصادر لأسماء


1) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 81)

و لا صفات،و منها تصدر الاسماء التي هي بالحقيقة صفات لا اسماء،لان الاسماء المشتقة منها هي الكاتب و الطويل و الغني و ما اشبهها،و هي صفات محمولة على اسم الانسان الذي هو زيد و خالد،فالمعنى هو الهوية قبل الاسم،و الاسم محمول على المعنى،و الصفة محمولة على الاسم،لكن بين الاسم و الصفة جوهر منه صدرت الصفة عنه،اعني ان الكتابة قبل الكاتب و الطول قبل الطويل،و السواد قبل الأسود،و ليس بين الاسم و المعنى الذي هو الهوية جوهر صدر الاسم منه لانه ليس بين معنى الجبل الذي هو الهوية و بين الجبل الذي هو الاسم للجبلية و قد صدر الاسم منها،يدل هذا الحال على ان الاسم للمعنى ليس بينهما واسطة،و ان بين الاسم و بين الصفة واسطة صدرت الصفة منها،و هي المصدر،و ان هذه الصفات على نوعين:احدهما صفات الفعل،و هي الصفات التي يوصف بها اللّه في شيء دون شيء،و هو مثل قولك متكلم و مريد و خالق و غافر فيجوز ان يقول كلّم موسى و لم يكلم فرعون،فأراد اليسر و لا اراد العسر،و غفر لمحمد،و لم يغفر لأبي جهل و خلق الانسان و لم يخلق افعاله،و النوع الآخر هو صفات الذات، و هي الصفات التي لا يجوز ان يوصف اللّه بها في شيء دون شيء،و هو مثل قولك عالم و قادر فانه لا يجوز ان تقول:علّم موسى و لم يعلّم فرعون كما جاز ان يكلم موسى،و لم يكلم فرعون،و كذلك لا يجوز ان يقول قدر على كذا،و لم يقدر على كذا،فالآن اذا ثبت ذلك فنقول:ان اسفل الصفات صفات الفعل مثل الغافر و الخالق،ثم صفات الذات مثل العالم،و فوقها المصدر الذي هو العلم و الالوهية،و فوق الالوهية الاسم،و الاسم للمعنى لا محالة،و المعنى هو الهوية،فالاسم اذا محمول على تلك الهوية،و الجوهر الذي هو الالوهية بعد الاسم،و فوق الصفة،و الصفة التي هي اللّه مشتقة من تلك الالوهية التي هي الجوهر،و باقي الصفات تتبع هذه الصفة الواحدة التي هي اللّه،مثال ذلك ان هوية الانسان هي الحاملة للاسم الذي هو زيد و خالد،و زيد هو اسم الهوية،و الكتابة جوهر يصير به الانسان كاتب،فالكتابة قبل الكاتب و زيد قبل الكتابة لان زيد و لا كتابة و لا كاتب او كتابة،و كاتب مقابل فضل نبع بينهما،فالمعنى هوية زيد و الاسم و الكاتب 1


1) وردت الكتابة في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 82)

صفة زيد،و الكتابة جوهر ما لزم من الروحانية و الجسماني،و لا اطلاع عليها لأحد من المخلوقين بحيلة من الحيل،و الاسم لازم ذلك المعنى،و لا يعرف،و لا غير الاسم،و لا اسمعنا به،الاّ انه قيل لنا ان اللّه اسما عظيما يفتح به كل مغلق،و يدل به على كل صعب،و الجوهر الذي اشتقت منه الصفة هو العلة التي ظهر منها كل معلول،و هي دون الاسم،و فوق الصفة،فأول الصفاة هو اللّه مشتق من ذلك الجوهر الذي هو العلة، و هو الالوهية،و هو الخلق الاول الذي هو القلم،ثم تطرد الصفات الى ان يتبع هذه الصفة على معاني الحدود حتى ينتهي الى الآخر الذي لا حد له،فمقدارنا الذي نحن فيه اليوم هو هذه الصفات التي حصلت لنا بمنزلة الاسامي،و مقدار الرسل انهم قد اتصلوا بالاسم الحق كما قيل في الاخبار انهم كانوا يعرفون الاسم الاعظم،و كما امر اللّه رسوله في قوله:فسبّح باسم ربك العظيم،كذلك الجن بالفعل قد اتصلوا بالاسم كما اتصلت به الرسل لانهم قد بلغوا في الدنيا في قوالبهم الى مرتبة الانس بالقوة،ثم اجتازوا الى درجة الجن بالفعل،الى ان استحقوا النبوة و الرسالة.

فقد ثبت بما بيناه خمس مراتب اسفلها صفات الفعل،ثم الذات،ثم المصدر،ثم الاسم،ثم الهوية،فنقول الآن:ان البهائم لا تعرف شيئا من الصفة،و الانسان بالقوة ينتقل الى درجة الجن بعد مفارقة القالب،كتنقله عن صفات الذات،فجعلت له بمنزلة الاسم،فاذا انتقل الجن الى درجة الملائكة عند النفخة الاولى كشف لهم عن المصدر و جعل لهم بمنزلة الاسم،و اذا انتقل الملائكة عند النفخة الثانية الى الجنة التي هي الدرجة السابعة كشف لهم عن الاسم الحق المحض في حد الاشراق حيث يقول تعالى:

و أشرقت الارض بنور ربها،و لا اطلاع لا حد من المخلوقين على الهوية بحيلة من الحيل، فبهذا المقدار يعرف التفاوت فيما بين ايمان كل مستفيد،و ان من نوره و تأويل الصعود الى السماء،هو الصعود الى العلم الملكوتي التأييدي،عنى به ان كل من ايّد من عنده فقد على الى الحد السامي في العلوم،و انما سمينا هؤلاء الحدود اسماء اللّه و صفاته لانهم دالون الى التوحيد قائمون للدلالة الى تجريد اللّه تعالى،و حد الاسم هو ان يكون دليل على المسمّى و انه وضع لحاجة غيره و لا لحاجة المسمّى به،لانه تعالى لا يحتاج الى الوقوف

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 83)

على اسمه،لكن الطالب له و المحتاج إليه يستدل عليه بالاسم،و الصفات هي ما دون النفس من جميع الحدود الروحانية و الجسمانية.

و الصفات على نوعين،صفات الذات،و صفات العقل،فصفات الذات هي الحدود الروحانية،و صفات العقل هي الحدود الجسمانية،و صفات الذات لا يراها الاّ الخواص،و صفات العقل يراها الخواص و العوام جميعا،و هذا الموجود في الشاهد،و ذلك لان صفات الذات على المجاز فيما بيّنا و هي التي لا تفارق الموصوف كالعلم و الجهل و القدرة و الكرم و الرحمة و الرأفة،و صفات الفعل هي التي تفارقه كالظلم و العدل و سفك الدم 1و القتل، و صفات ذلك الملك لا يراها الاّ خواصه و ندماه،و صفات فعله يراها الخواص و العوام جميعا، كذلك الخواص الذين هم المؤيدون بمعرفة الجسمانيين الذين هم صفات الفعل،و الروحانيين الذين هم صفات الذات على الحقيقة،و العامة لا تعرف معانيه الاّ بالحدود الجسمانية الذين هم صفات الفعل،و قد قال اللّه تعالى: وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمٰائِهِ سَيُجْزَوْنَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ يعني ان هؤلاء الحدود الجسمانيين و الروحانيين الذين بمعرفتهم يصل المستجيب الى التوحيد و ذروا الذين يلحدون في اسمائه،يعني ارفضوا جميع من انكر هؤلاء الحدود و عدل عنهم و كفر بهم،و المصدر هو النفس،و كما ان المصدر اشتقّت الصفات كلها منه،كذلك من النفس ولدت الحدود الجسمانية و الروحانية،و كما ان المصدر واسطة بين الاسم و الصفات،كذلك النفس واسطة بين العقل و سائر الحدود التي دونها،و كما ان العقل تام لا يزيد و لا ينقص،و الواحد الذي هو دليل عليه لا يزيد و لا ينقص من واحد،و كما ان النفس داخلة في العمل،و الاثنين الذي هو دليل عليها،و النقطة في الزيادة و النقصان، و اللفظة الثانية التي هي اوّل نقطة خط الدائرة داخلة في العمل،لان النقطة متولدة منها، متصلة بها،كذلك المصدر داخل في العمل،لان الصفات المشتقة منه متصلة به، فالنبات الذي هو فيه احد القوى السبع الذي لا يرى صفات الفعل و لا يعلمها،و الحيوانات


1) وردت الدماء في نسخة ق.

الخرس ترى صفات الفعل،و لا ترى صفات الذات،و لا تعلمها،و من هاهنا شبه اللّه القشرية بهم حيث قال: وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدىٰ لاٰ يَسْمَعُوا وَ تَرٰاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ و حيث قال: وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ الْغٰافِلُونَ لانهم لمسوا التنزيل و أقروه و عاينوه،لكن عمت قلوبهم عن معرفة معانيه،و تأويل متشابهه،كما ان الانعام رأوا صفات الفعل،و عميت قلوبهم عن معرفتها،و قد ساواهم اللّه معهم حيث قال: أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ اي ترى الاشخاص و تسمع الاصوات و لكنها عاجزة عن معرفة ما في الشخص من المضار و المنافع،كذلك القشرية يريدون القرآن و يقرءونه،و لا يعرفون ما فيه من مضارهم و منافعهم،و اللبيّة يعرفون ذلك جميعا،فلذلك اثبت اللّه لهم ما نفاه عن القشرية في قوله تعالى: وَ اذْكُرْ عِبٰادَنٰا إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصٰارِ فدلّت هذه الآية على ان من خالف امر اللّه ليس بأولي الايدي و الابصار لانه قد نفى عن القشرية ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ آذٰانٌ يَسْمَعُونَ بِهٰا قُلِ ادْعُوا شُرَكٰاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاٰ تُنْظِرُونِ فقد تبين بهذه الآية ان ليس لهم ارجل و لا أيد و لا اعين و لا اذان،فلو كان بما وصف عنه من جوارح الجسد لكان كل من خالف امر اللّه بغير أيد و لا ارجل و لا اعين و لا اذان،و لم يكن ينالها الاّ اولي الالباب،لكن عنى بما وصف به عباده المصطفين لتهيئوهم لقبول ما في العالم العلوي،اذ المثاب بعد الموت لا يخلو من الايدي و لا الارجل و الاعين و الآذان الروحانية،بما قدمنا ذكره،و لا تكن هذه الاشياء للمعاقب بعد الموت الاّ منكوسة لا ينتفع بها بل يؤلم بذلك و يعذب به، و المستجيبون و المأذونون و الاجنحة يرون صفات الفعل الذين هم الحدود الجسمانية،و يتصلون

بها،و يعلمونها،و لا يرون سائر الصفات و يعرفونها،و المريدون و الجن بالفعل يرون صفات الذات الذين هم الملائكة،و الصور التامة فيعلمونها و لا يرون المصدر الذي هو النفس و يعرفونه،و يتصلون بالاسم الحق الذي هو العقل بواسطة الملائكة و الصور التامة و الملائكة بالفعل يرون الصور التامة و المصدر الذي هو النفس و يعلمون و لا يرون الاسم الحق الذي هو العقل و يعرفونه و يتصلون به بواسطة الصور التامة و المصدر و الصور الروحانية التامة ترى المصدر التي هي النفس،و الاسم الحق الذي هو العقل و يتصل بالاسم الحق بواسطة المصدر،فلو كان النبات يرى صفات الفعل لما كانت البهائم واسطة بينه و بين البشر،و لو كانت البهائم تعلم صفات الفعل كما تراها،ما كان البشر واسطة بينها و بين المؤيدين و الجن بالفعل،و لو كان البشر يرون سائر الصفات كما يعرفونها لما كان المؤيدون وسطاء بينهم و بين الملائكة الذين هم صفات الذات،و لو كان المؤيدين و الجن بالفعل يرون المصدر كما يعرفونه،لما كانت الملائكة و الصور التامة وسطاء بينهم و بين المصدر،و لو كانت الملائكة بالفعل يرون الاسم الحق كما يعرفونه لما كانت الصور التامة و المصدر وسطاء بينهم و بين الاسم الحق،و لو كانت الصور التامة لا ترى الاسم الحق،لما استحقت ان تسمّى صورا تامة بل كانت،نواقص بعجزها عن رؤية المبدع التام.

و فيما يلي صورة ما بيّناه من الصفات و الاسماء.

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 86)

> CS <

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 87)

فان قال قائل ما ينكر ان تكون الصورة التامة تعرف الباري تعالى عند رؤيتها لاسم الحق،كما وجب على الملائكة بالفعل عرفان الاسم الحق عند رؤيتهم المصدر؟قلنا له:

هيهات انا اوجبنا على الملائكة بالفعل عرفان الاسم عند رؤيتهم المصدر،لان المصدر خلق من الاسم،كما ان الابن في الشاهد خلق من الأب،و المصدر و المطر خلق من السحاب،فعلمت الملائكة بالاسم عند رؤيتهم المصدر،كما يعلم الأب العاقل عند رؤيته الابن،و السحاب عند رويته المطر،فأمّا الاسم الحق فقد انقطعت الاوهام فيما و راءه،لانه ابدع لا من شيء،لان الباري هو الذي قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ اَللّٰهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فلذلك لم يجز للصورة التامة عند رؤية الاسم عرفان الباري تعالى،و ان الاسم الحق نفسه عاجز عن معرفة الباري تعالى،عجز الجسمانيون عن ذلك،فكيف يطيق من وراءه ان يعرف الباري، و هذا الذي قلناه هو جواب طويل،فامّا الجواب الموجز فهو قولنا ان المصدر لمّا خلق من شيء،وجب عند رؤيته عرفان الشيء.

فان قال قائل لما ذا قلت ان صفات الذات هم الحدود الروحانية،و صفات الفعل هم الحدود الجسمانية؟قلنا له لان صفات الذات و الموصوف بها اعلى من صفات الفعل الموصوف بها كما ان الروحانيين اعلى من الجسمانيين،و ان صفات الفعل هم الحكماء الاربعة و أوصياؤهم الاربعة،و الاسماء الثمانية و العشرون في ادوارهم الاربعة في كور القرار، ثم النطقاء الاربعة و اسسهم الاربعة و الاسماء الثمانية و العشرون في ادوارهم الاربعة في كور التعبد،ثم الناطقان و اساسهما و الاسماء الاربعة عشر في دوريهما و صاحب الكشف و الخلفاء السبعة فيما بينهما في كور العلم،فجميع ذلك تسعة و تسعون حدا تصديقا لقول الرسول:ان للّه تسعة و تسعون اسما من احصاها دخل الجنّة،يعني من أقرّ بها و عرفها دخل الجنة،و كل من خرج من هذا العالم السفلي صار من صفات الذات، و الذين لم نذكرهم تكملة الوجبة و هم:احد و عشرين نفرا سوى الساقط،لانهم مستورون عند اصحاب الرهائن،و وجه آخر و هو التسعة و التسعون الصفات الذين بعضهم صفات الفعل، و بعضهم صفات الذات،فصفات الذات السابق و التالي،و هما اسم اللّه و آله و الحروف

العلوية 1السبعة،و الفروع الثلاثة و الجنسان و الاسماء السبعة،و ساعات الليل و النهار و أياديهم و الجناح و النطقاء الخمسة،لان احدهم قد عدّ مع بابه،و اسسهم الاربعة،لان شيئا لا يعد معهم لانه لم يكن لآدم شريعة يحتاج الى تأويلها،و الخلفاء السبعة الذين هم خلفاء صاحب التأويل و الملائكة الاثنى عشر الذين امرهم اللّه بالسجود لآدم،و هم الذين في الستر يتغيبون،و بظهور القائم يظهرون و القائم المتمم للجميع،و القاضي لديون آبائه اجمعين،و هذه تسعة و تسعون حدا ذكرها الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته في«الحاصل و المحصول»و قد قال الرسول:انّ للّه تسعة و تسعون اسما من احصاها دخل الجنة،يعني من عرفها و تولاها،و أنزل كل حد منزلته الموهوبة له،استحق المفاتحة،و اطلق و انتج له التقلب في عالم الحقيقة في الدنيا،و وجب له الثواب الجزيل في الآخرة.

فان قال قائل فمن الموصوف بصفات الذات،و من الموصوف بصفات الفعل؟قلنا له:ان الموصوف بصفات الذات هو العقل الذي هو الاسم الحق،و ذلك لانه الأول الذي لا جوهر له،منه ابدع،و الاسم الذاتي لا انشقاق له،و العالم الذي لا علم له منه علم،و القادر الذي لا قدرة له منها قدر،و الحي الذي لا حياة له منها حي،فهو اذا الأول الذي ابدع لا من شيء و القادر الذي قدر لا من شيء،و الحي الذي احي لا من شيء اوّل بذاته،و اسم بذاته،و عالم بذاته،و قادر بذاته،و حي بذاته و لو لم يكن كذلك لكان محتاجا 2الى علم به يعلم،و الى قدرة بها يقدر،و الى حياة بها يحى،و الى جوهر منه يبدع،و لو كان محتاجا ما كان تاما،و اذ لم يكن تاما لم يكن اوّل شيء ابدعه المبدع،فان الموصوف بصفات الفعل هي النفس لانها اخرجت جميع ما كان في حد القوة بما استفادته من مركزها الذي هو العقل الى حد الفعل،فهي اذا عالمة بعلم، و قادرة بقدرة،و مؤيدة بإرادة،و ان علمها و قدرتها و ارادتها هي القوة التي استفادتها من العقل،فعلمت بتلك القدرة،و كذلك سبيل سائر الصفات،و كذلك من دون النفس


1) سقطت في نسخة م.
2) وردت في نسخة س بحاجة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 89)

الروحانيين و الجسمانيين يعلمون بعلم استفادة من غيرهم و بقدرة يعطيها اياهم غيرهم،و كذلك قال اللّه تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعٰاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهٰا مِنْ وِعٰاءِ أَخِيهِ كَذٰلِكَ كِدْنٰا لِيُوسُفَ مٰا كٰانَ لِيَأْخُذَ أَخٰاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ نَرْفَعُ دَرَجٰاتٍ مَنْ نَشٰاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يعني ان كل من هو دون العقل،فامّا الباري فلا يجوز ان يقال له فوق و لا تحت و لا دون و لا غير ذلك.

فان قال قائل اخبرني عن افضل الصفات و اعلاها؟قلنا له افضل الصفات و اعلاها ما جمعها اللّه تعالى في بسم اللّه الرحمن الرحيم،و أفضل هذه الاسماء المجموعة فيها بما في قوله:لا إله الاّ اللّه،و تأويل لا إله الاّ اللّه،انها أربعة اشياء اسمان لطيفان خاصيان و هما اللّه و إله،و كلمتان عاميتان و هما لا،و إلاّ احدهما نفي و الآخر اثبات،فالاسمان اللطيفان دليلان على العقل و النفس البسيطين الذين هما اصل العالمين السفلي و العلوي و من فيهما،و ذلك ان اسم اللّه الاعظم دليل على العقل الذي يدل على وحدانية الباري تبارك و تعالى و كذلك قالت الحكماء:ان الاسم غير المسمّى و هو دليل على المسمّى،و ان الكلمات الاربع في الشهادة،و ان العقل لمّا ابدعه المبدع جمع في صورته الاصول الثلاثة التي هي النفس و الناطق و الصامت و ان حروف اللّه مقابل ركعات صلاة الفجر،و قد بيّنا تأويلها في صدر كتابنا هذا،و فيه غنى عن إعادتها ثانيا،و إله دليل على التالي و هو ثلاث احرف مقابل فريضة صلاة المغرب اي ان اللّه جمع في صورتها الاصليين السفليين الذين هما الناطق و الصامت،و هذان الاسمان سبعة احرف يعني ان الاصلين مجمع الحروف العلوية السبعة،و انما كانت ركعات سنة صلاة الفجر قبل فريضتها، و سنن سائر الصلوات بعد فرائضها ليكون ذلك دليلا على انهما دليلان على اصلين من الاصول الاربعة،فلا يذهب علينا عددها عند الاصول،و سائر السنن دلائل على الفروع دون الاصول،و هو دليل على الناطق أيضا،و هي قطعتان مقابل السجدتين، الاّ ان اللّه جمع في علومه علم الصامتة لا دليل على الصامت و هي قطعة واحدة مقابل الركوع،الاّ ان اللّه لم يجمع فيه شيء من حدود غيره من هؤلاء الاصول

الثلاثة،و هاتان الكلمتان خمسة احرف اي انهما يجمعان الامام و اللاحق و الجناح 1و المأذون و المستجيب،و لو ان الكلمة لا تكون اقل من حرفين،و الاّ كانت دليلا على الناطق بحرفين،و على الصامت بحرف واحد،كما كانت دليلا على العقل بأربعة احرف و على النفس بثلاثة احرف،فلمّا لم يكن للرسول اخراج حرف واحد بدل كلمة واحدة جعل الدليل عند ذلك في القطعة دون الحروف و اجتهد فيها حتى تهيأ له تحصيل قطعة هي عند العوام حرفا واحدا،فهذه أربعة افراد،زوج منها جامع العالم العلوي و السفلي، و هما الاصلان القلم و اللوح،و زوج جامع الازواج لهذا العالم السفلي،و هو الناطق المستفيد علمه من عند الأصلين،و الصامت القابل منه بحسب صمته،و خضوعه على سبيل الروحانية،لا بآدابه الجسدانية لقبول عامة البشر خصوصية جارية بينهما،و مثلهما في ذلك مثل آدم و حواء حين خلق آدم من الارض،و خلقت حواء منه،و انهما قد خصّا بذلك دون سائر البشر،و ان احدى كلمتي الشهادة مضافة الى احد الاسمين الذي هو الابتداء،و هو قوله:لا إله،فذلك دليل على ان الصامت في دار العمل مقامه مقام النفس في العالم العلوي،و ان منه تكون ابتداء الشهادة،و قد اقيم للتأويل لينفي بحسن بيانه الالوهية عن المخلوق و المبدع اللذان هما النفس و العقل،و ان الكلمة الاخرى في الشهادة مضافة الى الاسم الانتهائي،و هو قوله:فتلك الانفس البسيطة بكفايتها اعجزتنا عنها،و لما عجزنا عنها علمنا انها بصفتها بالقول المنطقي اعجز،و لمّا صحّ عندنا عجزنا عن الوقوف على الانفس البسيطة بكفايتها،و عن صفاتها بالقول المنطقي،ثبت بذلك عندنا اننا بالوقوف على مبدعها،و وصف باريها اعجز،لكنّا لمّا رأينا في المعقول المدرك قوة تامة، و وجدنا انفسنا عاجزون عن الاتيان بمثلها،ثم وجدنا مفعولا غير مدرك،و كان وجودنا اياه ليس بوجود او وقوف على كيفيته بل وجود اثباته بما ظهر من افعاله المتقنة،فعلى ما ظهر من افعاله حكمنا على جلالته و علوه عن الاحاطة به،لان كل ما هو الطف فهو احوط على الاشياء من الاكتف،فوجدنا أيضا المخلوق على ما وصفنا،و المبدع على ما ذكرنا،فثبت لنا ان القول و الوصف منقطعان عن المبدع،سوى ان نقول:مبدع الاشياء لا من شيء،


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 91)

لم يزل هو فقط و لا شيء معه،و هو الواحد الذي ليس بواحد الاعداد،لان واحد الاعداد يتكثر و هو لا يتكثر،ابدع بوحدته صورة العقل،و هي صورة واحدة تكثرت بما انبعث منها،و هو النفس بخلق واحد محض،فظهرت الوان الصور من المنبعث منها على قدر ما فيها من طبقات الانوار فصارت تلك الطبقة صورا كثيرة،و ان الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته قال في كتاب«المحصول»عند فراغه من القول في المبدع،و انما يتهيأ لنا هذا القول في المبدع بما منّ علينا من آثاره المؤثرة فينا من جهة العقل و النفس،لا عن وقوف منّا على شيء،و هذا المقدار هو الذي اخرجنا من الفناء الى البقاء الابدي،و قد اوردنا من القول في المبدع من باب الاثبات،و نفي الصفات،ما فيه كفاية للمسترشد،و ميلا من الوقوع في التشبيه و الخروج منه الى التعطيل،اذ ان المعرفة المحضة هي الخروج من تشبيه ما ادخله النطقاء صلوات اللّه عليهم في مرموزات 1كلامهم،لمّا جعلوا كلامهم الروحاني جسمانيّا تعطفا منهم على اممهم لمعرفتهم ما هم عليه من العجز عن قبول الكلام البسيط ما لم يجعل جسمانيا مشاكلا لاجسادهم المركبة،ثم نفوا عنه ما الصقوا به من التشبيه بالتأويل الصحيح،و من لم ينل من اتباعهم التأويل لا يعدوا من احدى الحالتين،امّا ان يعتقد بان الامر على ما يجد من نص التنزيل من غير تأويل،و يتهيأ له بذلك دفع الصفات و الاضافات في محض التشبيه،لانه تعالى يقول في كتابه: بَلْ كَذَّبُوا بِمٰا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّٰا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ الظّٰالِمِينَ فقد دلّ بقوله هذا ان من تخلف عن التأويل لم يحط علمه بكيفية الشيء،لانّ الإحاطة بحقيقة الشيء يكون بعلم التأويل،لان علم التأويل هو علم الانتهاء،به يتمّ علم الإحاطة و المنكر له واقع في التشبيه و الشرك،و كذلك قال اللّه تعالى: وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ و قال الرسول:الشرك في امتي اخفى من دبيب نملة سوداء على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء،و امّا ان يذهب على رأيه الضعيف فينبذ ما في التنزيل وراء ظهره،فيخرج منه الى الزندقة و التعطيل،لانه


1) وردت في نسخة م مرموزة.

لمّا فارق التنزيل،و انكر صاحب الظاهر و الباطن ظاهرا و باطنا معا.

فأمّا تأويل بسم اللّه الرحمن الرحيم،فهو انها اربع كلمات دالات على الاصول الاربع «بسم»دليل على النفس لانها قامت للفعل مقام الاسم لدلالتها عليه،و هي ثلاثة احرف كحروف إله،و ركعات فريضة صلاة المغرب لا الأساسين مبروزين في النفس،و هي أربعة احرف بالقوة و الرمز،كما ان الاربعة احرف بالقوة،و فريضة صلاة الظهر اربع ركعات بالقوة،يعني ان النفس هي العقل بالقوة،تصير يوما ما مثله،و ذلك لانّ الحرف الناقص من بسم و آله هو الألف،و من صلاة المغرب هو الانتصاب الذي هو دليل علي الخط المستوي،فيشبه الألف،و الألف دليل على العقل،يعني ان ليس في النفس نقصان شيء من المراتب و الفضائل الاّ مرتبة العقل،و كما ان الألف لا يتصل بشيء من الحروف،بل الحروف تتصل بها،كذلك العقل لا يتصل بشيء من الحدود، و الحدود كلها متصلة به،و الباقي حروف المعجم دليل على النفس،و كما ان النفس تتصل بالفعل،و الحدود متصلون بها،فلذلك الباء تتصل بالحروف،و الحروف تتصل بها، و كما ان العقل اوّل الحدود،و النفس ثانيه،كذلك الألف اوّل حروف المعجم،و الياء ثانيهما،و كما ان العقل لا يدخل في العمل كالواحد من العدد،و المركز من الدائرة و النفس داخلة في العمل كالاثنين من العدد،و أول نقط الخط من الدائرة،كذلك الألف لا تدخل في العمل،اذ هو مركز الحروف،و أولها،و الباء كأول نقطة الخط للحروف، و بذكرها يبتدئ كل عمل،و يقرأ كل شيء،ان هي اوّل حروف بسم اللّه الرحمن الرحيم،و لذلك اسقط الرسول البسملة من سورة التوبة لوجود الياء في اولها،و الدلائل على ان العقل لا يدخل في العمل،و النفس داخلة في العمل،اكثر من ان يعد و أشهر من ان يوضح،و كذلك كان الثاني ان يوضح،و كذلك كان الثاني من كل شيء داخلا في العمل دون الاول،من ترك ذكر الكور الاول،و ابتداء ذكره في الكور الثاني، و نفي الشريعة من الدور الاول،و إثباتها في الدور الثاني،و كنفي تناسل الائمة من الامام الاول،و ابتداء تناسلهم من الامام الثاني،و كنفي الحرف الاول من ابتداء السور، و ابتداءها من الحرف الثاني،و كنفي الزيادة و النقصان من اوّل الحساب الذي هو الواحد،

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 93)

و ابتداءها من الاثنين،و كإسقاط اوّل النقطة من الدائرة،و كابتدائها من النقطة الثانية، و كإسقاط المركز من اسم اللّه حتى صار مستورا،و ابتداءه من الاسم الثاني،الذي هو اللّه،و كإسقاط المركز من الثالث و السبعين حتى لا يعد منهم،و كإسقاط المركز من الصدقة حتى يذكر ابدا خارجا من ذكره،و كإسقاط الصلاة الاولى من الاولية،و ابتدائها من الثانية،حتى قيل ان اوّل صلاة فرضت تسمّى بالفارسية«بمارنين» 1و كإسقاط اوّل الايام من العدد،و ابتداءها من اليوم الثاني،و كإسقاط اوّل البروج بالعلامة،و ابتداءها من الثاني،و مثل هذا كثير تركت ذكره مخافة التطويل،فاللّه دليل على العقل،و هو أربعة احرف:لان اصول الثلاثة مبروزة فيه و كما ان اوّل بسم هو الحرف الذي هو الدليل على النفس،كذلك اوّل حروف اللّه هو الحرف الذي يدل على العقل،و الرحمن دليل على الناطق الذي بسط الرحمة للانام بما فرش لهم من الدعوة فوسعهم ذلك كلهم اجمعين،فغير محظور عليهم و لا ممنوع منهم،و هو سبعة احرف ستة منها مثبتة في اللفظ و الكتابة جميعا،و واحدة مثبتة باللفظ،خفيّة بالكتابة،يعني ان النطقاء الستة يعرفون باسمائهم،و ظاهرون في شرائعهم عند القشرية و اللبيّة جميعا،و مرتبة القائم سلام اللّه على ذكره ظاهرة عند اللبيّة خفية عند القشرية،و الرحيم دليل على الاساس،و هو ستة احرف،يعني ان الاسس ستة،و ذلك انه ليس للقائم شريعة يحتاج فيها الى اساس لبيان تأويلها،و قد قال الرسول:الرحيم اسم راق من الرحمن يعني ان الاساس راق لاهل الحرم بما فاتحهم به من بيان ظاهر الناطق تعطفا عليهم و رحمة لهم،و قال امير المؤمنين:

الرحمن منه الرحمة،و الرحيم منه المغفرة،اي ان من الناطق الإيقاظ و الاعذار و الإنذار رحمة لهم،و من الصامت البيان و الهداية،و بهما تقع المغفرة للانام،قال جعفر بن محمد:

رحمن باهل الدنيا برهم و فاجرهم،رحيم بمن قال لا إله الاّ اللّه،اي ان ظاهر الناطق يناله اهل النجدين البر منهم و الفاجر،و ان باطن الاساس لا يناله الاّ الموحدون من اهل الحرم،و ان الرحيم مشتق من الرحيم و لذلك قال الرسول:اللّه الرحيم،انا الرحيم،و انت


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 94)

شققت 1اسمك من اسمي،فمن وصلك وصلته،و من قطعك قطعته،اي ان رحمة الاساس الذي هو حقيقة صلة الرحم،اشتمل على المحقين دون المبطلين،و ان الرحمة كتبت للابرار دون الفجار،و بها نالوا المغفرة دونهم،و قد قال رسول اللّه(صلعم):

صلة الرحم تزيد في العمر و قاطع الرحم ملعون:فصلة الرحم هو ان من وصل الاساس بالناطق،و اللاحق بالمتم لم يزل في زيادة من اقتباس الرحمة و النعمة و البركة التي هي عمارة دينه،حتى تؤديه في ذلك الى العمر الازلي،و الكرامة الابدية،و ان من قطع بين الاساسين و بين الفرعين،و دعا الى النجدين دون الآخر فهو ملعون منفي مطرود،من حرم اللّه في العاجل،و من ثواب اللّه في الآجل،و هذه كلمة أربع:فهي آية واحدة، و هي فاتحة الكتابة،اي ان الأساسان فتحا الدعوة الى الشريعة و البيان،و فاتحا الناس بما ايّد كل واحد منهما بمقدار من الاصلين،و كانت الاصول الاربعة كلها في ذلك يدا واحدة.

و هذه الآية تستفتح كل كتاب،اي بهذه الحدود تستفتح كل دعوة و هم مفاتيح الحكمة و ينابيع العلم في كل شريعة،و ان هذه الكلمات الأربع مجمع احد و عشرين حرفا تسعة عشر حرفا ظاهرة في اللفظ و الكتابة 2جميعا،و حرفان ظاهران في اللفظ و اللغة، خفيان في الكتابة،فذلك دليل على ان الاصول الاربع مجمع الحدود الى الاحدى و العشرين تسعة عشر حدا منها قابلين التأييد،واقفين على التأويل،و هم الائمة السبعة، و اللواحق الاثنى عشر،و واحدان منها واقفان على التأويل،عاجزان عن قبول التأييد، و هما الداعي و المستجيب،و هي احد عشر فصلا،فصلان منها لا يريان بل يوقف عليهما بالعقل،و الفصول التسعة الباقية مرئيون مدركون،فذلك دليل على ان الدعوة الى الشريعة، و البيان في كل دور مقسومة منفصلة على الاساسين و الاسماء السبعة الجسدانيين المرئيين المؤيدين من الاصلين الذين لا يريان بل يثبتان بالعقل،و الدليل بالحروف في هذه الآية كلها من عشرة جواهر،و تلك دلائل على الحدود العشرة الممنون عليهم بالنعمة


1) في صفحة م وردت شقيت.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 95)

و البركة،المخصوصون بمراتب الدعوات الى توحيد اللّه تعالى،خمسة منهم روحانية و هم:

الاصلان و الجدان و الخيال،و خمسة جسمانية و هم:الاساسان و الفرعان و الجناح،و ان الخمسة من هذه الحروف مكررة و خمسة منها غير مكررة،اي ان مراتب الخمسة الجسمانيين تكرر في كل دور فيقام مقامهم في كل شريعة من يعطي مراتبهم مثل الاساسين و الفرعين و الجناح فعلى هذا كان الرسم في كل شريعة فكلما انقضى اهل دور اعطيت له هذه المراتب،و من يقوم مقامهم في الدور المستأنف،سنة اللّه قد خلت من قبل و لن تجد لسنة اللّه تبديلا،و ان مراتب الخمسة الروحانيين هي باعيانها قائمة في كل دور كالاصلين و الجدين و الخيال،اي قائمة لا تغيير لها و لا تبديل فيها،و ان سبيلها غير سبيل الجسمانيين.

و وجه آخر من التأويل ان منها ما هي مكررة و هي خمسة احرف،اي ان كل واحد من الحدود الخمسة الجسمانية ربما يبلغ من حد الى حد،فيعاد العقد عليه،و يكرر في كل مرتبة و ذلك مثل الجناح ربما يبلغ من حد اللواحق،و اللواحق ربما يبلغ الى حد الانماء،و المتم ربما يبلغ الى حد الاساس،و الاساس ربما يبلغ الى حد النطقاء 1، و منها ما هي غير مكررة و هي خمسة احرف،اي ان الحدود الخمسة الروحانية لا يكون العقد عليهم لانهم لا ينتقلون من مرتبة الى مرتبة.

و ان هذه الحروف العشرة هي الألف و اللام و الحاء و الميم و النون و الراء و السين و الياء، فالالف دليل على العقل،لانه المؤلف بين جميع الحدود،بما يبدو منه من البركة الجارية إليهم،و لان الحدود جميعها اتصلت به،و ممّا يجري منه إليها انتظمت،و الألف في الهجاء هي الألف،فكما ان الألف محيط بالاصول الثلاثة التي هي المائة و العشرة و الواحد، كذلك العقل محيط بالاصول الثلاثة التي هي النفس و الناطق و الاساس،و كما ان الاساس الذي هو آخر الاصول و اسفلها راجع الى العقل الذي هو اوّل الاصول و اعلاها،فصارت دائرة كرجوع التراب الذي هو آخر الامهات و أسفلها الى النار الذي هو اوّل الامهات


1) وردت في س و ق الناطق و هو الأصوب.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 96)

و اعلاها،و ذلك لأن من العقل ابتدأ التأييد،و من النفس تراكيب العالم،و من الناطق تأليف الشرائع حدا،و تراكيب العالم،و من الاساس تأويل جميعها،و بالتأويل يستفاد التأييد، كذلك الألف من الألف دليل على العقل،و اللام دليل على النفس،و اللام و الفاء منها دليلان على الاساس الراجع الى العقل،لانهما مرافقان لاسم الاساس في حساب الجمل، و ان في الرحمن الفين:احداهما مثبتة في اللفظ و الكتابة،و الاخرى مثبتة في اللفظ خفية في الكتابة،و ليس في الرحيم الاّ الف واحد،فذلك دليل على ان للناطق مثل ما للاساس، و انه يتبين له من ذلك نصف ما يجري إليه،للذكر مثل حظ الانثيين،و انه يكتم عنه ما يتفرد به من حظه بحق النطق تفضيلا له عليه،و ان الألفات في بسم اللّه الرحمن الرحيم خمسة،اي ان في الحدود الاربعة الروحانية التي هي النفس و الجد و الفتح و الخيال من العقل اثر و ليس دونه في الحدود الروحانية غيرهم فهو اولهم،و ان الالفين من هذه الالفات الخمس ظاهرتان في اللفظ،و ألف غير ظاهرتين في الكتابة.يعني انه قام في الاسم مقام التأييد،فصار الفتح و الخيال،و ان كان كل اسم منها محمولا على جزء من اجزاء التأييد،فان التأييد هو اسم محمول على هذه الاسماء الثلاث حامل لها،لان الجد هو الجزء الاعلى من التأييد،و الفتح هو الجزء الأوسط منه،و الخيال هو الجزء الاسفل منه،و الجد هو خاصية الرسول،و الفتح خاصية الوصي،و الخيال خاصية الامام، فالرسول اذا رسول و وصي و امام،لان له من الجد و الفتح و الخيال نصيب،و الوصي وصي و إمام لا رسول،لان له من الفتح و الخيال نصيب،و ليس له من الجد نصيب،لانّا لو قلنا ان له من الجد نصيب فقد اشركناه مع الناطق في رسالته،و هذا هو فساد منكر في الدين مخالف في العقل،و الامام إماما لا وصيّا و لا رسولا،لان له من الخيال نصيب، و لا جد او فتح له،فقد ثبت بما بيناه ان الالفات الثلاث الظاهرة في اللفظ و الكتابة جميعا دلائل على ان الحدين الروحانيين الذين هما النفس و التأييد من العقل أثرا،و ان الاثنين الظاهرين في اللفظ الخفيين في الكتابة،يدلان على الفتح و الخيال ظاهران في الحد الذي قام مقام التأييد عند الاسم خفيان فيه في الاسم،و الام دليل على التالي، لانه هو الذي تولّى في بدء ظاهر الخلقة،و تركيب العالم،و أولاه العقل بدء الاعمال

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 97)

و التراكيب،و المرتبة بامر الباري تعالى و صيّره بابه في اداء الجاري عنه الى من دونه من الحدود،و ن الألف في بسم اللّه الرحمن الرحيم اربع مرات اي ان في الحدود الثلاث الروحانية التي هي الجد و الفتح و الخيال من التالي اثرا،و ليس دونه من الحدود الروحانية غيرهم،فهو رابعهم،و الهاء دليل على الحد المنهي للنطقاء حتى تهيأ لهم بواسطته معرفة الاصلين،و الهاء في بسم اللّه الرحمن الرحيم مرة واحدة،اي ان الجد لا يناله من الجسمانيين الاّ رجل واحد و هو الناطق،و بهذه الاحرف الثلاثة التي سميناها قوام الشهادة و دوامها، و هي دلائل على العقل و النفس و الجد المتحد بالناطق،فالالف دليل على السابق،و انه خط واحد غير مركب بخط آخر لا يتصل بحروف،و تتصل الحروف به،على ان السابق بسيط محض غير منسوب بالتركيب لا بهويته و لا بفعله،و ليس فوقه شيء يتصل هو به،بل هو معلول بكلمة الباري،و علة ثابتة فيه لا تفارقه،و الحدود كلها دونه محتاجون إليه،متصلون به في استفادة الكلمة،و ان صورة اللام مثل صورة الألف مضموم إليها خط بالعرض على ان التالي بسيط لأن هويته مثل السابق،و انه العالم مركب من دونه،و شاهد السابق بدرجته المخصوصة به،و ان الهاء هي ثلاث خطوط مركبات مضمومات بعضها الى بعض،و هي دليل على الحد الذي هو ثالث الحدود الروحانية، و الجد هو التأييد المتحد بالناطق،و من هاهنا خط في وسط الهاء،و خط اذا اتصلت بحرف دونها،لان الهاء التي هي ثلاثة اضلاع دليل على الجد،فالجد اتحد بالناطق دونه اذا زيد عليها خط في الوسط ليكون ذلك دليل على الناطق،و الجد و النفس و العقل، و ذلك لان اوّل اضلاعها دليل على شهادة الناطق،لدرجة السابق،و الضلع الآخر بالعرض شهادة لالتصاق التالي به،و انه صاحب التراكيب،و الخط المخطوط في الوسط دليل على اقراره بانه متصل بالتالي و السابق بواسطة الجد،و الضلع الثالث طرف منه متصل بالضلع العرضي 1،و الطرف الآخر متصل بالضلع الاول،فذلك دليل على اقرار الناطق بان ظهوره و تأليفه الشرائع من التالي بواسطة الجد،و ان بعد ظهوره بما


1) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 98)

استفاده منه رجع الى السابق مع انه في العالم الجسماني بمنزلة السابق في العالم البسيط فاستقام رجوع الناطق إليه،فهذه دائرة متصل اخرها بأولها،لان الحروف الاخرى في الشهادة مكررات،و ذلك دليل على ان من ظهر في العالم من بعد الناطق المتصل بالاصلين بواسطة الجد الذي هو مجمع الخياليين،لم ينل شيئا غير ما كان ناله الناطق،بل كلهم بمواده 1سابحون،ليس لاحد منهم ملجأ غيره و لا مأوى سواه،و هم كلهم متولدون منه بقوته الجارية إليه من الاصلين بواسطة الجد،و الحاء دليل على الفتح،اي به يتهيأ للاساس فتح كل ما اغلقه الناطق في الشرائع،و أبطنه في التنزيل،و به يستفتح كل واحد من الحدود ممن هو فوقه،و به يفتح عليه،و به يتهيأ لأرباب الدين إقامة مفاتيح الأبواب، فالابواب دليل على اللواحق،و من هاهنا قال تعالى: وَ قٰالَ يٰا بَنِيَّ لاٰ تَدْخُلُوا مِنْ بٰابٍ وٰاحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوٰابٍ مُتَفَرِّقَةٍ:وَ مٰا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّٰهِ مِنْ شَيْءٍ،إِنِ الْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ و المفاتيح دليل على الدعاة،و الباب الواحد دليل على الاساس،و كذلك قال الرسول:«انا مدينة العلم و علي بابها»و قال اللّه تعالى: وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهٰا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً،وَ ادْخُلُوا الْبٰابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ،فالحاء في بسم اللّه الرحمن الرحيم مرتان احداهما هي دليل على الناطق،و الثانية هي دليل على الاساس، يعني ان ذات الفتح لا يناله من الحدود الجسمانية الاّ رجلان و هما الناطق و الاساس فيفيدان من دونهما ذلك،و الميم دليل على الخيال لان به يتم كل حد له نيل من التأييد،فيرى فيه صورة كل من يأتم به عند غيبته عنه،و الميم في بسم اللّه الرحمن الرحيم ثلاث مرات يعني ان الخيال لا يناله من الحدود الجسمانية الاّ ثلاثة نفر و هم:الناطق و الاساس و الامام فيفيدون اللواحق الاثنى عشر و يخطون لهم خطا من ذلك،و النون دليل على الناطق الاول الذي نطق لاهل النجدين بالحق رمزا مشيرا الى اساسه الدال عليه و الكاشف لهم عن


1) وردت في نسخة س بمادته.

حقائق ما نطق به من التنزيل،و الألف من الشرائع و النون في بسم اللّه الرحمن الرحيم واحدة،يعني ان ما ناله الناطق من الاصلين افادة اهل النجدين على نوع واحد رمزا من غير شرح،و ظاهرا بلا باطن،و تنزيلا بلا تأويل،و الراء دليل على الاساس،لانه غاية نيل التأويل الذي به يرى كل مسترشد رشده،و منه يستفيد الباحث كلا الشيئين الظاهر و الباطن،و كذلك كان الأصلين من الاّ و السين و حرفين من الحروف،و مرتبتين في بسم اللّه الرحمن الرحيم،و كل ذلك يدل على ان كل ما استفاده الاساس من الأصلين كان يفيده اهل النجدين على وجهين:ظاهرا و باطنا و رمزا و سرا 1و تنزيلا و تأويلا، و الراء موجودة في الرحمن و الرحيم جميعا 2،و النون موجودة في الرحمن معدومة في الرحيم، فذلك دليل على مرتبة الاساس،الموجودة في الناطق،و مرتبة الناطق المعدومة في الاساس، و الياء دليل على الامام،لانها حرف النداء في اوّل الكلمة،و حرف النسبة في آخرها، اي ان النسبة الروحانية متصلة به من جميع الحدود عند الكشف،و به يدعى كل اهل زمان يومئذ،و لذلك قال تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولٰئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتٰابَهُمْ وَ لاٰ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً و من هاهنا قال الرسول:من مات و لم يعرف امام زمانه معرفة جليّة مات موتة جاهليّة،و ان الياء موجودة في الرحيم معدومة في الرحمن اي ان الائمة يكونوا من صلب الأساس،لا من صلب الناطق،و من اجل ذلك ظهرت الياء في اسم الصامت،و لم تظهر في اسم الناطق،و ظهرت الياء في اسم الصامت،و ظهرت أيضا في اسم ثاني الائمة و ابنه زين العابدين،و لم تظهر في اسم اوّل الائمة دون أولاء خامس الخاتمة،و لا بد من ظهورها في السبع الثاني على هذا المثال،و الياء في بسم اللّه الرحمن الرحيم مرة واحدة كما انها اصل واحد من العشرات،يعني ان ما استفاده الامام من الاصلين افاده لاهل النجدين على نوع واحد رمزا من غير شرح،اذا كان سبيله معهم على منهاج الناطق،لانه قام مقامه في العالم السفلي بعد خروج الاساس عنه،و السين دليل على اللاحق،لانه منه ظهر السناء


1) سقطت في نسخة م.
2) وردت في نسخة م معا.

و النور.و بعلمه يستضيء اهل الحرم،و السين ستة اصول من العشرات،اي ان سادس الاصول التي هي الاصلان و الاساسان و الفرعان،و السين ثلاث سنّات 1و ثلاثة احرف، و لها ثلاثة نقط من تحت عاشرتها ذات الحروف،فذات الحروف دليل على اللاحق الداعي الى الحدود التسعة فوقه،و ذلك ان السّنات الثلاث دليل على الجد و الفتح و الخيال، و الحروف الثلاث دلائل على التالي و السابق و الكلمة،و السين في بسم اللّه الرحمن الرحيم مرة واحدة،اي ان اللاحق يفيد من دونه من الاجنحة ما ينال من متمه شرحا من غير رمز على وجه واحد،و الباء دليل على الجناح،و الثواب الابدي و الباء في بسم اللّه الرحمن الرحيم مرة واحدة،اي سبيل الجناح كسبيل اللاحق يفيد المستجيبين ما ينال من اللاحق شرحا من غير رمز على سبيل واحد،و الباء في بسم اللّه الرحمن الرحيم زيادة،و ليست بأصلية فيها،و سائر الحروف منها فيها اصلية اي ليس سبيل الجناح كسبيل الحدود الذين لهم من التأييد حظ على مقدار كل واحد منهم،بل الجناح مضاف إليهم و زيادة لهم، و مؤدي عنهم الى اهل الحرم،و الباء في احرف المعجم اصلية،و في جوار الألف دليل على السابق،حتى صارت ثانيهما لحسابها و عدد حروفها،و هي في حروف بسم اللّه الرحمن الرحيم زائدة و ليست بأصلية،و لا في جوار الألف،بل هي اوّل حروفها التي تقرأ لان المستجيب اوّل ما يتصل بالجناح ثم باللاحق المؤيد بالخيال من جهة الامام، و وجه آخر و هو ما قلناه ان الهاء دليل على الجناح بعد قولنا انها دليل على التالي،لان اسفل الحدود الجسمانية هم المستجيبون،و اعلاهم النطقاء،و قد قام الجناح للمستجيبين مقام التالي للنطقاء،و ذلك لان الجناح يؤدي الى المستجيبين عند حدود النعمة المقتبسة من البركة الجارية من التالي الى الحدود كلها،فيكون بذلك قوام جميع اهل الحرف، فكان مقام الجناح لهم مقام التالي عند من هو فوق الجناح،و هو و ان كان متصل بالجناح، فهو متصل بالحدود كلها حتى التالي بواسطته،و ان الجناح و ان كان مضافا إليهم،و ليس له من التأييد حظ،فان احد الحدود المعدودة معهم،كذلك الباء و ان كانت زائدة


1) وردت في ق سنين.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 101)

في بسم اللّه الرحمن الرحيم،و مضافة الى حروفها الاصلية فانها احد الحروف المعدودة ببعضها،و ان خمسة احرف من هذه الحروف العشرة مشكولة بالنقط،و هي:ن،ز، ي،ش،ب،و خمسة لا نقط لها و هي:ا ل ح م ه‍،فالخمسة المشكولة بالنقط هي الحدود الجسمانية اي ان لكل واحد منهم شكل و نظير في العالم السفلي،فالناطق له شكل من النطقاء،و الاساس له شكل من الاسس،و المتم له شكل من الاتماء،و اللاحق له شكل من اللواحق،و الجناح له شكل من الاجنحة،و الخمسة التي ليست مشكولة بالنقط هي الحدود الروحانية،حرف واحد مشكول و هو الحاء،اي ان الفتح يشاكل الجد من جهة،و بشبه الخيال من جهة،لانه الواسطة بينهما،و من هاهنا قيل جدان اذا ضمّ الفتح الى الجد،و خيالان اذا ضمّ الخيال الى الفتح،و وجه آخر و هو ان خمسة منها مشكولة بنقط اي ان ارواح الخمسة مشكولة بالاجسام الكثيفة،و أجسامهم مشكولة بالاعمال المتولدة،و كل حرف من المشكولات بالنقط يعرف بنقطته،اي كل واحد من الحدود الجسمانية معروف عند الانام بصورته الكثيفة،و بها يميز بينه و بين نظيره،و خمسة منها غير مشكولة بنقط،اي انها غير متجسمة و لا مشكولة بالاجسام و الاعمال،بل هي لطيفة روحانية،و ان الحرف الواحد منها مشكول و لكن ليس بشكله نقطة تشبه شكل الجسدانيين،اي ان الفتح واسطة بين النطقاء و الاسس،و هو شكل للخيال الذي به تستفتح 1اللواحق من الاتماء،و الاتماء من الاسس،و ان شكل الحاء ليس بنقطة تشبه اشكال الحروف الخمسة،اي ان الفتح و ان كان مقابلا للحدود الجسمانية في كل المراتب فليس هو بمتجسم بالصورة الجسمانية،و وجه آخر و هو ان النقط دالة على الحروف، و منزّلة كل واحد منها منزلة،فالخمسة الجسمانية منقوطة،لانه لا بد لكل واحد منهم من دليل عليه،و على درجته من العلم و الدين،و الخمسة الروحانية ليست بمنقوطة،لان المستجيب اذا وقف على الحدود الجسمانية الخمسة و اتصل بهم فلا يحتاج الى ادلة يدلونه على غير هم من الحدود الروحانية،فقد ثبت بما قلنا ان الحدود الجسمانية قامت للحدود الروحانية


1) «تفتح»وردت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 102)

مقام النقط،و لم تستغني الحدود الجسمانية عنها،و قد اخبرنا تأويل الشهادة،و فاتحة الكتاب على الحدود مواقع الطاعات الذين لا يقبل اللّه عز و جل من احد طاعة الاّ بواسطتهم،و تركنا مساواتهم مع الآفاق و الانفس كراهية لتطويل الكتاب،و اعتمادا على ان الباحث يقف عليها عند قراءته سائر كتب البيان.

فان قال قائل ان الرب على من يقع؟قلنا له ان الرب اذا لفظت به مرسلا و لم تضفه الى شيء فيكون وقوعه على الواحد الاحد الذي لا يتكثر،و هو الباري و الرب و المبدع على التحقيق و لا على المجاز بل على التقريب،حيث اذا اضفته الى شيء مثل قوله: وَ جٰاءَ رَبُّكَ و قال الرسول:و سترون ربكم،فيكون وقوعه على التالي،و هذا اللفظ مطلق بين الناس ان يقال لصاحب الشيء رب العبد،و رب الدار،و رب الضيعة،و نحو ذلك.

فان سألنا سائل عن تأويل الوجه و العين و النفس و اليدين؟قلنا له ان وجه اللّه دليل على السابق الذي به عرفه من عرفه،و من وجهه نال امره من ناله،و قد قال تعالى:

وَ لاٰ تَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني ان كل شيء خلقه اللّه فهو يستحيل من حال الى حال و له ابتداء و انتهاء،و ليس للسابق استحالة لان ابتداءه و انتهاءه كان في دفعة واحدة بلا زمان واقع عليه،كما قال اللّه: وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ و ممّا يؤكد قولنا قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ يعني ان السابق لا يزول عن حاله،و كل من هو مخلوق فهو فاني،الاّ السابق،و من هو متصل من امر اللّه من جهته،فانه لا زيادة فيه و لا نقصان،لانه قام مبدعا بالابداع التام من مبدع التمام،و امّا عين اللّه فهي دليل على السابق أيضا،لان اللّه تعالى جعله عينا لمن هو دونه من الحدود كلها،فلذلك قال:و لتضع على عيني،و امّا تأويل قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا يعني بذلك الأصلين و الجدين و الخيال،و امّا قوله حكاية عن عيسى وَ إِذْ قٰالَ اللّٰهُ يٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ قٰالَ سُبْحٰانَكَ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مٰا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِي وَ لاٰ أَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّٰمُ الْغُيُوبِ اي ان نفس اللّه هي النفس الكليّة و نفس عيسى نفس الرسالة التي هي روح القدس، عنى بذلك بانك محيط بمقدار روح القدس المتحد بي،و مبلغه 1،و انا لا احيط بنفسك الكليّة التي قد جمعت فيها صور الدارين،و جعلتها دار المعاد لخلقك،و ما اتيت من علمها لأحد الاّ قليلا،و اليدان دليلتان على الأصلين و قوله: قٰالَ يٰا إِبْلِيسُ مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعٰالِينَ اي ما منعك ان تخضع لمن اتصل بيدي بلا واسطة جسمانية،فصار مؤيدا مخلوقا مقدرا من جهتهما،و لو كان تأويل هذه الآية على ما ذهب إليه المشبهة حين قالوا للباري يدين لكان يوجب ذلك ان يكون له أيد كثيرة لقوله ممّا عملت ايدينا انعاما،و لقوله:و السماء بنيناها بأيد فلما طلبوا الايدي كان ذلك تأويلا خلاف ما يؤدي ظاهر القرآن،فلم يلومنا حين طلبنا لليدين تأويلا خلاف ما يؤدي ظاهر القرآن،فامّا تأويل قوله: وَ السَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ فهو ان كل ما على فهو اسماؤه و منها سميت السماء سماء لانها علتنا و ارتفعت علينا،و جمعها سماوات،و من هاهنا سمي السحاب سماء و جمعه اسمية،و السقف سماء و جمعه سمى،فقد ثبت بذلك ان السماء هاهنا دليل على الناطق لانه سمى على اهل العالم بعلمه العالي،و بتأييده السامي،و الايدي هما الاصلان و الفروع الثلاثة الذين هم قد هيئوا للنطقاء ليصيروا سماء،و قد قال الرسول كلتا يدي الرحمن اليمنى عنى بذلك ان كل من اتصل بالاصلين او وقف على مرتبتهما فهو من المثابين الناجين، و ذلك ان الشمال دليل على الظاهر المقلد بلا تأويل لاشتمال الهواء عليه و اليمين دليل على الباطن الذي لا يوقف عليه الاّ بعد اليمين من جهة اليمين لئلا يتوهم من الباحثين متوهم ان احدا يصل الى الجنة في جوار الاصلين غير اهل الباطن،و من هاهنا قال تعالى و السموات مطويات 2بيمينه،و لم يقل بشماله لان الظواهر تصير كلها مطويات في التأويل و ذلك لان السموات دليل على النطقاء الذين هم أرباب الظواهر فدعوتهم جميعا

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 103)

وَ لاٰ تَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني ان كل شيء خلقه اللّه فهو يستحيل من حال الى حال و له ابتداء و انتهاء،و ليس للسابق استحالة لان ابتداءه و انتهاءه كان في دفعة واحدة بلا زمان واقع عليه،كما قال اللّه: وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ و ممّا يؤكد قولنا قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ يعني ان السابق لا يزول عن حاله،و كل من هو مخلوق فهو فاني،الاّ السابق،و من هو متصل من امر اللّه من جهته،فانه لا زيادة فيه و لا نقصان،لانه قام مبدعا بالابداع التام من مبدع التمام،و امّا عين اللّه فهي دليل على السابق أيضا،لان اللّه تعالى جعله عينا لمن هو دونه من الحدود كلها،فلذلك قال:و لتضع على عيني،و امّا تأويل قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا يعني بذلك الأصلين و الجدين و الخيال،و امّا قوله حكاية عن عيسى وَ إِذْ قٰالَ اللّٰهُ يٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ قٰالَ سُبْحٰانَكَ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مٰا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِي وَ لاٰ أَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّٰمُ الْغُيُوبِ اي ان نفس اللّه هي النفس الكليّة و نفس عيسى نفس الرسالة التي هي روح القدس، عنى بذلك بانك محيط بمقدار روح القدس المتحد بي،و مبلغه 1،و انا لا احيط بنفسك الكليّة التي قد جمعت فيها صور الدارين،و جعلتها دار المعاد لخلقك،و ما اتيت من علمها لأحد الاّ قليلا،و اليدان دليلتان على الأصلين و قوله: قٰالَ يٰا إِبْلِيسُ مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعٰالِينَ اي ما منعك ان تخضع لمن اتصل بيدي بلا واسطة جسمانية،فصار مؤيدا مخلوقا مقدرا من جهتهما،و لو كان تأويل هذه الآية على ما ذهب إليه المشبهة حين قالوا للباري يدين لكان يوجب ذلك ان يكون له أيد كثيرة لقوله ممّا عملت ايدينا انعاما،و لقوله:و السماء بنيناها بأيد فلما طلبوا الايدي كان ذلك تأويلا خلاف ما يؤدي ظاهر القرآن،فلم يلومنا حين طلبنا لليدين تأويلا خلاف ما يؤدي ظاهر القرآن،فامّا تأويل قوله: وَ السَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ فهو ان كل ما على فهو اسماؤه و منها سميت السماء سماء لانها علتنا و ارتفعت علينا،و جمعها سماوات،و من هاهنا سمي السحاب سماء و جمعه اسمية،و السقف سماء و جمعه سمى،فقد ثبت بذلك ان السماء هاهنا دليل على الناطق لانه سمى على اهل العالم بعلمه العالي،و بتأييده السامي،و الايدي هما الاصلان و الفروع الثلاثة الذين هم قد هيئوا للنطقاء ليصيروا سماء،و قد قال الرسول كلتا يدي الرحمن اليمنى عنى بذلك ان كل من اتصل بالاصلين او وقف على مرتبتهما فهو من المثابين الناجين، و ذلك ان الشمال دليل على الظاهر المقلد بلا تأويل لاشتمال الهواء عليه و اليمين دليل على الباطن الذي لا يوقف عليه الاّ بعد اليمين من جهة اليمين لئلا يتوهم من الباحثين متوهم ان احدا يصل الى الجنة في جوار الاصلين غير اهل الباطن،و من هاهنا قال تعالى و السموات مطويات 2بيمينه،و لم يقل بشماله لان الظواهر تصير كلها مطويات في التأويل و ذلك لان السموات دليل على النطقاء الذين هم أرباب الظواهر فدعوتهم جميعا


1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 104)

يومئذ تكون مطوية في التأويل فهم كلهم كافون عن فعلهم من الدعاء الى استعمال الشرائع و الظواهر يومئذ متمسكون بما عندهم من التأييد و التأويل،و هو اليوم الذي ذكره اللّه تعالى قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جٰاءَتْ رُسُلُ رَبِّنٰا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنٰا مِنْ شُفَعٰاءَ فَيَشْفَعُوا لَنٰا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّٰا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ .

و إن سأل فقال ان اسم اللّه بلسان الفرس هو«خداى» 1فعلى من يقع هذا الاسم؟ قلنا له ان«خداى»هو الاسم الحق الذي هو السابق لانه الآتي بذاته من غير جوهر منه ابدع و ان كان ابدعه المبدع فقد ابدعه لا من شيء،فقد صحّ انه«خداى»اي هو الآتي بنفسه من غير جوهر منه اتى فان قال فهل يسمى الباري بشيء من الذي ذكرناها؟قلنا له ان للّه تعالى اسمان على التقريب،و هما الباري و المبدع ليس فوقهما و لا وراءهما اسم،و ليس ذلك على التحقيق لان الباري و المبدع غير مدرك باللفظ تحقيقا، و لا على المجاز بل هو على التقريب اي قربت ذلك الى المتعلمين باقرب الالفاظ الى الحق على الامكان،و هما اسمان الاحد المحض الذي لا يدرك بحاسة سمع فيكون مبتدأ متناهيا و لا بحاسة ذوق فيكون محسوسا مطعوما،و لا بحاسة لمس فيكون ملموسا مقبوضا، و لا بإحالة عقل فيكون مدركا معقولا،و لا بإبداء فكرة فيكون معروفا معلوما،و لا بتأليف طبع فيكون مجموعا معدودا،و لا بتغيير لفظ فيكون بالحروف موصوفا فكيف يتهيأ لاحد وصف الباري تعالى باداة جسدانية مخلوقة من النطق و غيره،و ان المنطق عاجز عن وصف العقل و النفس اذ هو دونها لان العقل و النفس بسيطان،و المنطق مركب،فلمّا عجز المنطق عن وصف العقل و النفس علمنا انه عن وصف مبدعهما اعجز،فثبت لنا بذلك ان الحدود الجسمانية و الروحانية هي مواقع لحمل الصفات،لان كل صفة توصف بالمنطق المركب فهي واقعة على الحدود الجسدانية منهم،و الذي يعتقد،بالضمير،و لا


1) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 105)

يطلق به اللفظ المركب،فهو واقع على الحدود الروحانية منهم،و الذي لا يتهيأ ان يشار بوقوع الحواس الظاهرة و الباطنة عليه فان ذلك هو الباري تعالى،و الحواس الظاهرة هي السمع و البصر و الشم و الذوق و اللمس و الحواس الباطنة هي الفكر و الذكر و الفهم 1و الذهن و الحفظ و اللسان هو المعبر عن الحواس الظاهرة كتعبير العقل للحواس الباطنة.فكل شيء ادركته بهذه الحواس،و عبرت عنه فهو مخلوق و خالقه بخلافه،و خارج عنه لا يدركه شيء من المخلوقين تعالى ذكره و كيف لا يكون المخلوق بخلاف الخالق و أحدهما فاعل حقيقي و الآخر مجازي،ثم لمّا لم يوجد في الشاهد الفاعل المجازي فعلا الاّ بعد ان كان مشارا إليه بالوحدة المجازية،علمنا ان الفاعل الحقيقي في الغاية موصوف بالوحدة الحقيقة،و ان الناس في معرفة التوحيد على ثلاثة اصناف:صنف قصد بذلك الى التنزيل دون التأويل،فوقع في التشبيه و التمثيل 2و الشرك لانه ليس في ظاهر التنزيل من اوله الى آخره الاّ التشبيه،و صنف تركوا التنزيل و رموا به وراء ظهورهم فوقعوا في التعطيل،و صنف اقروا بالتأويل و طلبوا التوحيد في تأويله فهم المؤمنون الموحدون الذين ليسوا بمشبهة و لا بمعطلة فكما ان الناس كانوا في معرفة التوحيد على ثلاثة اصناف كذلك المقرون بما يشبه الباري في العبادة على ثلاثة اصناف:صنف عبدوا ما مثلوا في قلوبهم و أدركوا بابصارهم،و صنف عبدوا ما مثلوا في قلوبهم و لم يدركوا بابصارهم، و صنف عبدوا ما لم يمثل في قلوبهم،و لم يدركوا بابصارهم،فاخبرني ايها المدعي عبادة الواحد المعبود من اي الاصناف الثلاثة انت تعبد المقصود إليه الموصوف بدعائك يا رب يا رحمن يا رحيم،و العلماء مجتمعون على انه لا يرى بالابصار،و لا يدرك بالحواس،و لا يقاس بالناس،روي ذلك عن امير المؤمنين و ابن عمه ابن عباس،و لا تحيط به الاوهام،و القلب حاسة و اللسان حاسة،و لمّا كان اللّه باتفاق الموحدين خلاف ما يتصوره الوهم كذلك هو خلاف ما ينطق به اللسان اذ كان نطق اللسان اكثف من وهم القلب،فان هرب من الجواب افحم،و ان خرج من الاصناف الثلاثة فقد الحد،و ان قال بذلك برأيه و قياسه و تقليده فقد هلك،و ان قال اجره من غير تعطيل،و أوحده من غير تمثيل،و اضيف


1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 106)

اسماء التنزيل و مواقعها الى التأويل الى اوّل اسم من اسمائه الذي هو الاسم الحق و نفى عنه ما لا يليق به من التشبيه و الصفات فقد نجا و فاز فوزا عظيما،و وجه آخر و هو انه لو لا التعارف و الصورة،و الاّ لم يكن يجوز لنا ان نسمّي المبدع بشيء من الاسماء،فلمّا اضطرّ العلماء اضافوا هذه الاسماء التي هي الأحد و الباري و المبدع الى الانس المحض لانهم لو رفعوا هذه الاسماء عنه لم ينل المسترشد معرفته،و ان هذه الاسماء واقعة عليه من نحو فعله و ابداعه و تكوينه الاشياء،و لا يعرف له اسما من نحو ذاته،بل من نحو ذاتنا كلها مثل ما وجدنا الاشياء على قسمين:موجود و معدوم،فقلنا:انه موجود لفضله على المعدوم،ثم لمّا كان الموجود على ضربين حي و ميت،قلنا:انه حي لفضله على الميت،ثم لمّا كانت الاحياء على صنفين:متكلم و غير متكلم قلنا:انه متكلم لفضله على الفقير،ثم لمّا كانت الملوك على قسمين:ظالم و عادل،قلنا:انه عادل لفضله على الظالم،فقد صحّ بذلك ان تسميتنا اياه و وصفنا له على قدر طاقتنا و من نحو ذاتنا،فما رأيناه شريفا من الصفات اضفناه إليه،و ما رأيناه وضيعا نفيناه عنه كقولنا:خالق القدرة و الابدان و ليس له اسم من نحو ذاته على الحقيقة فهو اذا احد حقيقي غير متكثر 1، و لا مجازي،و المخلوق واحد مجازي متكثر حقيقي.

فان قال قائل:لما ذا قلت انه لا يجوز ان اسمي الباري بشيء من الاسماء على الحقيقة؟قلنا له ان من وصف و سمّى صار معروفا،و المعروف لا يكون خالقا لعارفه، لان المعروف و المعلوم محاط به و العارف و العالم محيط به،و المحاط به لا يكون إلها،و كذلك قوله تعالى: وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلاٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّوٰاعِقَ فَيُصِيبُ بِهٰا مَنْ يَشٰاءُ وَ هُمْ يُجٰادِلُونَ فِي اللّٰهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحٰالِ ،و قال: يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً فكيف يسمّى و يوصف من لا يحاط به علما و ممّا يؤكد قولنا هذا ان المعلومات على قسمين:محسوس و معقول،و كلما هو معقول في الدنيا فهو في الآخرة


1) وردت في نسخة م مكترث.

محسوس،فلو كان الباري من المعلومات لا يخلو ان يكون محسوسا في الدنيا او في الآخرة،و لمّا ثبت انه غير محسوس بكتاب اللّه و سنة رسوله و حجة العقل لا في الدنيا و لا في الآخرة صحّ انه غير معلوم،و كذلك قال فأعبد و اصطبر لعبادته هل تعلم له سميّا فلو قلنا انه عالم و زيد عالم و انه قادر و عمر قادر صار كل واحد منهما سمي لصاحبه،و في ذلك رد الآية،و من رد الآية فقد كفر و من كفر فقد الحد،و ما احسن ما قاله جعفر بن محمد الصادق:سبحان من جعل اقرار الشاكرين بالعجز عن اداء شكره شكرا لهم كما جعل اقرار المؤمنين بالعجز عن معرفته ايمانا لهم به،و من هاهنا قال علي بن موسى الرضي:

العقل آلة أعطيناه لإقامة العبودية و لاستدلال الربوبية،و قال الحكماء في هذا المعنى سبحانه تعاظم و استكبر عن ان يكون يعرف او ينكر،و من هاهنا قيل ان اللّه اسم من اسماء الباري تعالى،لان اللّه مشتق من أله الرجل باله اذا تحير في امره،فتأويله اذا من اراد ان يعرفه او يعلمه او يدركه يتحير 1في ذلك و لا يصل الى مراده،و كذلك قيل للسابق الياس لان جميع المخلوقين آيسوا من ادراك مرتبته و جلالته،و قيل للتالي الخضر لانه حيث يتصل ببيت هناك تخضر العلوم حتى يكون منها غذاء للارواح،كما ان من الخضرة غذاء الاجسام،و ان العجز عن ادراك السابق و التالي يقطع القول عن ادراك مبدعهما في وقت من الاوقات،لا و لا السابق يطمع في ذلك بل هو أخضع و اخشع للباري في جميع خلقه لانه اقرب إليه و معرفته به الطف من معرفة الجميع،فليس من خلق يعظم الباري تعالى تعظيم السابق.و لا يخافه مخافته،و الدليل على هذا ان في هذا العالم كل من كان اخشع لربه كان اعلم به،و لم يكن في هذا العالم اعبد من الرسل و لا اخشع منهم لانهم اعلم ممن دونهم و معرفتهم التوحيد ادق من معرفة سواهم و لذلك قال اللّه تعالى:

وَ مِنَ النّٰاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعٰامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰانُهُ كَذٰلِكَ إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ و وجه آخر و هو ان مفعول العبد و مصنوعه لا يكون حيّا و لا قادرا و لا عالما،و لو كان حيّا او عالما او قادرا لما كان


1) في صفحة س وردت يحتار.

العبد صانعه و لا فاعله لانه كان يشبهه،و الفاعل لا يشبه مفعوله،ثم ان العبد لمّا رأيناه حيّا قادرا عالما نفينا هذه الصفات عن باريه لأنّا لو وصفنا الباري بهذه الصفات لما كان خالق عبده،او كان يشبهه،و الخالق لا يشبه مخلوقه،فالعبد اذا واسطة بين مصنوعه و باريه و لا يشبه احدا منهما لانه لو اشبه مصنوعه استحال ان يكون صانعه،و لو اشبه خالقه استحال ان يكون مخلوقه،فخضوع العبد عرضي لا يبقى وقتين،و العبد جسم و روح يبقى وقتين،و العرضي لا يشبه الجسم و لا الجوهر الذي هو الروح،و الباري تعالى لا يشبه الجسم و لا الجوهر و لا العرضي،لانه خالق الجميع و انه لا يرى و لا يرى،لأنك اذا قلت انه يرى كنت قد شبهته بالجسم،و اذا قلت انه لا يرى كنت قد شبهته بالروح، فقد صحّ بما قلناه ان الباري لا يوصف بشيء من صفات الكثيف و اللطيف و ان مصنوع العبد لا يعرف الواسطات التي بينه و بين صانعه،مثل ابيه و أمه و الامهات و الافلاك و الارواح،و لا يعرف الصانع،فلذلك سمي صانعه عالما و عارفا،و لو كان مصنوع العبد يعرف الواسطات،و لا يعرف الصانع يوجب ذلك،ان يعرف الواسطات و الصانع جميعا،فلمّا لم يعرف مصنوع العبد شيئا من الواسطات التي بينه و بين صانعه كان ذلك دليلا على ان العبد لا يعرف بالتعليم و التأييد سوى الواسطات شيئا،اذن فمصنوع العبد معلوم غير عالم،فلو قلنا انه عالم نقضنا قولنا انه غير معلوم،لانه لا يصير معلوما من الجهة التي وصفناه،لان الواصف لا يطيق وصف شيء الاّ بعد ان يكون ذلك الوصف معلوما عنده،و إذا كان معلوما عنده فقد استوى مع العبد و مصنوعه، حيث احاط علم العبد به،و وجه آخر هو انه لو جاز ان يقول انه عالم،جاز بذلك ان يقول انه عارف،لان المعرفة جزء من اجزاء العالم،فلمّا صحّ بحجة العقل،و ظاهر التنزيل و إجماع الامة.انه لا يجوز ان يقال للباري عارف ثبت انه لا يجوز ان يقال له عالم و مصنوع العبد مفعول غير فاعل،و العبد مفعول غير فاعل،و الباري تعالى غير مفعول و غير فاعل،فلو قلنا انه فاعل صيرناه محتاجا،لانه الفاعل في الشاهد و هو الذي يفعل الشيء،و الذي يفعل الشيء من الشيء محتاجا الى ذلك حتى يتهيأ له الفعل، و جلّ الباري عن ان يكون محتاجا الى شيء ما،و وجه آخر و هو انّا اذا قلنا انه فاعل

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 109)

كنا قد نقضنا قولنا بانه غير معلوم،لانه يصير معلوما من الجهة التي قلنا انه فاعل، و في قولنا انه معلوم ردّ على قوله: يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ،و امّا قول القائل ان الباري تعالى عالم و فاعل 1و قادر فهو على المجاز لا على التحقيق،و ذلك لان العالم و الفاعل و القادر اسماء من اسماء الباري عز و جل،و الاسماء مخلوقة محدثة 2،كانت بعد ان لم تكن،و انها دالة عليه،كما ان الاسم دال على المسمّى،فاذا ثبت انها غير الباري،و انها دالة عليه صحّ،لان لهذه الاسماء و الصفات ذوات اخرى،و هي واقعة عليها،و هذه الذوات هم الحدود الروحانية و الجسمانية الذين يدلون على وحدانية الباري تعالى،و ان الباري لما خلقهم اقام كل واحد منهم بحال الدعوة الى تجريده و توحيده و بأمره اضاف الصفات الواقعة عليهم الى هويته،و هذا موجود في الشاهد مثل ما يضيف السلطان ضرب الجلاّد الى نفسه اذا كان يأمره،و مثلما يضيف الجواد العطيّة الى نفسه اذا كانت بأمره،و اذا كان المعطي غيره،و من و كلائه و قومه،و الدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اللّٰهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً الا ترى انه أضاف تلك المبايعة الى هويته لمّا كانت بأمره،و ان كان المبايع غيره و مثل قوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ قَتَلَهُمْ وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاٰءً حَسَناً إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فأضاف الرمي الى هويته،و ان كان الرامي غيره،و كذلك اضاف الصفات الى هويته،و ان كان الموصوف بها غيره،و قد قال الرسول:يد السائل بيد اللّه،فأضاف يداه الى اللّه لمّا كان يعطيه اللّه،و مثل هذا قوله: وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ لاٰ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّٰهَ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ ذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاٰةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّٰ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ و لمّا


1) سقطت في نسخة ق.
2) في نسخة س وردت حديثة.

كان الاجنحة و اللواحق يأخذون العهود و المواثيق على الباحثين و المستجيبين بامر الباري اضاف ذلك الى هويته،و لو لم يكن اللّه في اخذ العهود و المواثيق امر الرضى،لما كان اضافه الى هويته،و الدليل على ذلك قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ بٰارِزُونَ لاٰ يَخْفىٰ عَلَى اللّٰهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّٰهِ الْوٰاحِدِ الْقَهّٰارِ و متى كان الملك لغير اللّه و هو يقول: قُلِ اللّٰهُمَّ مٰالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشٰاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشٰاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشٰاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشٰاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لكن لمّا كان على الملك في هذا العالم صاحب التأييد الذي كان في قيامه رضاء اللّه و عز المؤمنين،أضافه الى هويته،و مثل قوله: يَوْمَ لاٰ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّٰهِ و متى كان الامر لغير اللّه و هو يقول تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اسْتَوىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهٰارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاٰ لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبٰارَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعٰالَمِينَ لكن لمّا كان على وجه الارض من يترأس من غير ان يجعله اللّه رأسا للدين،و لا اهلّه لتأويله،و لا كان في افعاله للّه رضاء،عدّ ان الامر لغير اللّه،و ان يوم القيامة لمّا كان رجوع الامر و النهي الى الجاري بكلمة اللّه على ما يوجب الكلمة جريا،اضافه اللّه الى هويته فتبين في هذه الآيات انه لو لم يكن للّه تعالى في اخذ العهود و المواثيق رضاء،و امر لما اضافه الى هويته في الآيات المذكورة في القرآن و هي اكثر من ان تحصى في هذا الفصل من كتابنا هذا،فكل هذه الآيات و الشهادات تؤكد قولنا ان الاسماء و الصفات واقعة على الحدود الروحانية و الجسمانية،و ان كان الباري اضافها الى هويته.

و نرجع الى ما كنا فيه من ذكر العبد و مصنوعه فنقول:ان العبد و مصنوعاته كلها متساوية على صفاته بميزان الفاعل ليتبين بذلك الفاعل و المفعول منهما،فكلتا الصفتين تنفيان عن الباري تعالى بانه لا يشبه احدا منهما و انما قلنا ان مصنوع العبد متساوي و العبد على صفاته بميزان المفعول،و ان جميع المخلوقين متساوون امّا بالاسم و امّا بالصفة

و امّا بالمعنى،فأمّا نفي اسماء المخلوقين عنه فهو قوله: رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبٰادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا يعني ان جميع الاسامي منفية عنه،و امّا نفي صفاة المخلوقين عنه فهو قوله: يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و كيف يوصف من لا يحاط به علما،و امّا نفي معاني المخلوقين عنه فهو قوله: فٰاطِرُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً وَ مِنَ الْأَنْعٰامِ أَزْوٰاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و قوله: وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلاٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّوٰاعِقَ فَيُصِيبُ بِهٰا مَنْ يَشٰاءُ وَ هُمْ يُجٰادِلُونَ فِي اللّٰهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحٰالِ .

فان قال قائل ان المؤمنين يستغفرون اللّه باسمائه الحسنى،فمن يغفر لهم؟قلنا له:

ان الاسماء و الصفات تقع على الحدود التي بينّاها الاّ ان الغفران و الإجابة تكون من الباري و مثال ذلك ما تراه في الشاهد لان الاسماء تقع على الاجسام دون الارواح،و الإجابة تكون من الارواح،و ذلك انك اذا دعوت الاموات باسمائهم لا يجيبك احد،و ان كانت الاسماء واقعة 1عليهم،و اذا دعوت الاحياء اجابتك ارواحهم،و من هاهنا صحّ ان الاسماء و الصفات تقع على الحدود،و الاجابة تكون من الباري تعالى من الدليل الواضح ان الاسماء لا تقع على الاجسام دون الارواح،فاذا مات الرجل و دفن قيل دفن زيد، و صليت على جنازته،فلو كان الاسم يقع على الروح لم يوجد الاسم عند فقد الروح، فلمّا وجد الاسم عند فقد الروح علمنا ان الاسماء واقعة على الاجسام دون الارواح.

فان قال قائل فإذا لم يثبت ان تقول ان المبدع عالم فنقول:هل تقول ان الاشياء كلها كانت عنده معلومة قبل ابداعها قلنا له اذا كانت صورة الاشياء عنده معلومة في الازل،فوجب علينا ان نقول:هو عالم،لان المعلوم يوجب العالم،و العالم يوجب المعلوم،فلمّا لم تقل انه عالم،و لا عالم لم يجب ان تكون صورة الاشياء معلومة عنده


1) وردت«دالة»في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 112)

لانه لو كانت صورة الاشياء معلومة عند المبدع قبل ابداعها كانت قديمة مع الواحد، و لم يكن الواحد واحدا مجردا فردا بل كان واحدا كثيرا قد جمع الكثرة بقوة العلم الذي فيه،و الصورة المستحدثة منه ربما كانت تصير يوما ما مثله لان المكوّن من الشيء و ان كان ضعيفا عند ظهوره يصير يوما ما مثل ذلك الشيء الذي كان بدئه منه،و هذا فاسد متناقض،و لو كانت الصور عنده معلومة قبل ابداعها لم يكن هو اوّل مبدع،بل كان يوجب ذلك الحال انه مبدع و له مبدع قد تقدم،لان المبدع هو الذي يبدع لا من شيء و لا مثل شيء و لا في شيء و لا مع شيء و لا عن شيء،فلو كانت الصورة عنده معلومة قبل ابداعها،كان يبدع مثل الشيء المعلوم عنده،و من الشيء المعلوم عنده، و هذا اعتقاد سقيم فاسد،و قد قال الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته في كتاب(المحصول) فان قال قائل فان لم تكن الصورة عنده معلومة قبل ابداعها يوجب ذلك انه ابدع ما لم يعلم و ما لم يكن عنده قلنا له ان القبلية و البعدية 1وجدناهما في المخلوقين،و وجدنا في المخلوق من يصور الصور لا على نوع الابداع،لكن على نوع الاخراج من الشيء، و ان الصور التي اظهرها تقدمه هوايتها قبل ظهورها منه و كانت عنده معلومه بلا وقوف احد عليها غيره،فلمّا وجدنا هذه المسائل موجودة عند المخلوق الذي هو في الدرجة الثانية و الثالثة لا في الدرجة الاولى،اي انه ليس بمبدع لا من شيء بل هو الذي ظهر من شيء المبدع بقوة ابداع المبدع فيه،ايقنا انه منفي عن المبدع الحق،و آخرا انه لو كانت الاشياء معلومة عند الباري في الازل كان الباري تعالى محتاجا الى علم و الى معلوم به استطاع خلق الاشياء،و المحتاج لا يكون آلة و الآخر هو ان الاشياء،لو كانت معلومة في الازل عند الباري،و كان البار عاجزا عن خلق الاشياء الاّ بعد ان تكون تلك الاشياء معلومة عنده،و كانت المعلومات لا تقوم بذاتها الاّ بعد ان يخلقها الباري فقد صار كل واحد من الباري و المعلوم محتاجا الى صاحبه،و اذا كان الامر على هذه الصفة فمن جعل احدهما أولا بان يكون آلة لصاحبه،من الآخر،لان المعتقد بان الاشياء كانت معلومة


1) وردت الابعادية في نسخة م.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 113)

عند الباري،فلا يخلو من احد الاقاويل الثلاثة،امّا ان ينسب الخلق الى الباري و المعلوم جميعا فيستوي مع المشركين و الكفّار،لان من قال انه ابدع المبدع الصور ما لم تكن الصور عنده معلومة قبل ابداعها محال فقد نسب الخلق الى الباري،و المعلوم جميعا،و امّا ان ينسب الخلق الى المعلوم دون الباري فيصير ملحدا معطلا احمقا،و امّا ان ينسب الابداع و الخلق الى الباري دون المعلومات فيستوي مع الموحدين المعاندين للاسم،لانه اذا قال لا بد ان تكون هذه الاشياء معلومة عند الباري في الازل،ثم تضيف كون الاشياء الى الباري دون المعلومات فهذا يكون قد نقض قوله اذا جاز كون الاشياء الى الباري دون المعلومات فقد نقض قوله اذ جاز كون الاشياء من الباري من غير ان يستعين بمعلوماته و كان مثله في ذلك كمثل بعض الامة حيث قالوا ان اللّه جسم ثم نقضوا اقوالهم بنفيهم عنه معاني الاجسام لانهم لم يتخلصوا من التشبيه 1و الكفر حيث قالوا ان اللّه جسم،و ان نفوا عنه معاني الاجسام كما ان المعتقد ان الاشياء كانت معلومة عند الباري في الازل لم يتخلص من الشرك،و ان جعله مستغنيا عن معلوماته،و آخرا و هو ان كانت الاشياء معلومة عند الباري في الازل لا تخلو تلك المعلومات من ان تكون غير الباري بعضه،أم هو فان؟قال اذا قلنا ان المعلومات عن بعض الباري فقد اثبتنا بان الباري متجزئ متبعض، و من قال ان الباري متبعض متجزئ فقد كفر و ألحد عند جميع الامة،لان المتبعض المتجزئ هو الذي يجوز ان يتبعض و يتجرأ حتى يفنى و يبيد و يتلاشى،فان قال:

ان المعلومات هي الباري نفسه فقد سمّاه باسم مخالف لكتابه و سنة نبيه،و من خالفها فهو ملحد،و أيضا فان المعلومات اغفري لنا...يا معلومات تجاوزي عنّا...فلمّا لم يجوز ذلك باجماع الامة،و حجة العقل،و بكتاب اللّه و سنة نبيه،علمنا ان قول من قال ان المعلومات هي الباري نفسه هذر و باطل و كفر و شرك،و ان قال ان المعلومات غير الباري فلا يخلو امّا ان تكون قديمة او محدثة،فان كانت قديمة فالمعتقد لهذا القول يعبد الهة


1) وردت في نسخة م الشبيهة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 114)

لا يحصى عددهم الاّ اللّه،و ليس لانكاره على النصارى حيث قال:ان اللّه ثالث ثلاثة المعنى اذا هو شر منهم،و ان قال انها محدثة فقد جعل الباري محل للحدثان،و هو محدث جلّ و تقدس،فان قال انها محدثة اجاز كون الباري و لا معلومات،ثم احدث المعلومات في المبدع،لا من شيء،و ليس يخلو المعترض بهذا من ان يكون نافيا نصف الصفات مثل:المعتزلة و النجارية و الخوارج،او مثبتا للصفات كلها مثل:الكيالية و الحدثية و الكرامية و الهاشمية،فان كان نافيا نصف الصفات فجوابه ما بيناه،و إذا كان من المثبتين لجميع الصفات فعارضه بالعلم بدل المعلوم في جميع ما شرحناه،فانه لا يجد مخرجا من معارضتك و ذلك انهم يقولون:ان اللّه عالم بعلم،و قادر بقدرة،و حي بحياة، و سميع بسمع،و بصير ببصر،و على سبيل سائر الصفات عندهم و مناظرتهم ايسر من مناظرة نفي نصف الصفات،لان من نفى نصف الصفات فهو اقرب الى الحق ممن اثبت جميع الصفات،و يقال لهم جميعا،أ لستم تزعمون ان الباري جل و عز سميع بصير في الازل،و لا مسموعات و لا مبصورات،فان قالوا نعم قيل لهم ما تنكرون انه عالم في الازل و لا معلومات،و لا يجدون في ذلك فرقا و لا يخلو حينئذ جوابهم من أربعة اوجه، امّا ان يثبتوا ان له مسموعات و مبصرات كما اثبتوا ان له معلومات حتى يكون معه قدما من الاشياء الموجودة ما لا يحصى،و امّا ان يقولوا انه عالم و لا معلوم،و سميع و لا مسموع، و بصير و لا مبصور.فحينئذ اسألهم عن حد العالم،فإن قالوا حد العالم عندكم هو الذي له معلوم،فانهم لا يطيقون الخروج منها،اذ لا يستطيعون اثبات عالم لا معلوم له في الشاهد،و لا في العقل،و إن قالوا ان حد العالم هو الذي له علم،فقل لهم اعلم ان الباري غيره او بعضه و هو هو،فإن قالوا ان علم الباري غيره فهم يعبدون إلهين اثنين، و ان قالوا بعضه فقد زعموا ان الباري متبعض 1متجزئ،و ان قالوا هو فلم اثبتوا اشياء غير هويته،و ليس لاحد ان يسميه من رأيه و قياسه اسماء لم يأمر الباري جل عن تسميته أيضا،ثم انه لو كان العلم هو الباري بنفسه جاز لنا ان نقول:يا علم ارزقنا،يا علم


1) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 115)

اغفر لنا،يا علم اعفو عنه،فلمّا لم يجز ذلك،علمنا ان قول من قال ان العلم هو الباري و هو نفسه،هذر و باطل و كفر و شرك.

و امّا ان يقول انه سميع على معنى انه عالم بالمسموعات و بصير،على معنى انه عالم بالمبصرات؟قلنا له لو جاز ذلك ان نقيس السميع و البصير على خلاف ما يعرفه اصحاب اللغة للقول،بل انه عالم على معنى انه سميع،فان قال انه لا يجوز ان نقول انه عالم على معنى انه سميع فان ذلك غير جائز باللغة؟قلنا لهم فكذلك لا يجوز في اللغة ان نقول انه سميع على معنى انه عالم بالمسموعات،و الاّ فما الفرق و ما هي الدلائل على ذلك في الشاهد لان الرجل اذا صار أصمّا بعد خمسين سنة من عمره فلا يسمّى سميع،و ان كان عالما بالمسموعات،فدلّت هذه الشهادة على فساد قول من قال ان اللّه سميع على معنى انه عالم بالمسموعات،فان قالوا انما قلنا انه سميع على معنى انه عالم بالمسموعات لجاز الاثبات ان له مسموعات و كنا قد اثبتنا ان له مع الباري اشياء اخرى قديمة معه،و هذا ما لا يجوز لمؤمن ان يقوله،قلنا لهم فكذلك انما قلنا انه عالم على معنى انه سميع،لانه اذا اثبتنا ان له مسموعات فقد اثبتنا بان تلك الاشياء خارجة منه و مباينة له،و إثبات الاشياء الخارجة منه أيسر في العقل من إثبات الاشياء الحالة في ذاته،و إلاّ فما الفرق؟ و لا يجدون فيما بينهما فرقا بحيلة من الحيل،و أمّا اذا رجعوا فيقولوا انه لم يكن سميعا و لا بصيرا و لا عالما في الازل،ثم خلق ذلك اجمع،ثم صار محلاّ لها،فقل لهم ان محل المحدثات لا يكون إلها لان من صار محلاّ للمحدثات فهو محدث،و لو لا ذلك لتعسر علينا الوقوف على حدث العالم ان هو محل للمحدثات التي هي الاجتماع و الافتراق و النشوء 1و البله.

و يقال لمن يقول ان القرآن مخلوق هل كان اللّه لم يزل متكلما؟فيقول لا،قيل له فهل كان ساكنا؟فيقول لا،قيل له اذا لما كان الباري لم يزل موجودا على قولك غير موصوف بالكلام و ضده هو الذي وصف بالسكون،فلم لا يجوز ان يكون غير موصوف


1) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 116)

بالعلم و ضده و هو الذي يوصف بالجهل،فإذا كان المناظر ممن يقول ان القرآن غير مخلوق كعارضه بالاخذ و الترك و المحبة و الرضا على هذا المثال،و كذلك يقال لمن قال ان القرآن غير مخلوق،أ لستم تزعمون ان الباري مكلم في الازل و لا مكلم؟فإن قالوا نعم، قلنا لهم:فما تنكرون انه عالم في الازل و لا معلوم؟فإن قالوا ان العالم يوجب المعلوم، قلنا فكذلك المتكلم يوجب المكلم،مع ان المتكلم و لا مكلم من صفات المجانين،و لمّا جاز ان يصفوا اللّه بالكلام،قصده كذلك جاز ان يوصف بالعلم و ضده،و الاّ فما الفرق؟فليس لهم من بعد هذا الاّ الشفة و اللفظ و الانهماك في الغوايا.

و نرجع الى ما كنا فيه من حكاية الفصل الذي ذكره الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته في كتاب«المحصول»فقال:ان الصور اذا كانت معلومة عند المبدع قبل ابداعه اياها لكانت و المبدع زوجا لا فردا،و لكانت الصور عند هويته جامعة لجميعها،فهوية المبدع مع هوية الصور كان زوجا،و ان كان زوجا فإبداع المبدع للصور لم يكن ابداعا بل كان توليدا،و لم يكن بينه و بين المعلول الضعيف المحتاج فرقا،اذ ان كل زوج من المخلوق الواقع تحت الحواس الخمس،فضلا عن الزوج اللطيف الذي تعالى عن الوقوع تحت الحواس الخمس هما يولدان الصور بلا نهاية به،و ثبت توليد هما ذلك اجتماع صور ذلك الجنس فيهما بالقوة قبل ظهور صورهما،و ذلك ان زوجا واحدا من اي حيوان اذا كان بالتركيب صحيحين فيجامعان فيتولد لهما بكل مجامعة ولدا،و كذلك الولد اذا ادرك و جامع انثاه يتولد بينهما مثلهما،فاذا اتى عليهما زمان امتلأ العالم من الازدواج من اولاد زوج واحد،و هذا مشهور في كل جنس من الحيوان،فهذه الحال موجودة في جميع الاجناس من اجتماع الصور قبل ظهورها في المخلوق،يبقى قول القائل ان المبدع كانت صور الاشياء عنده معلومة،و يزداد حال الذي داخل بما قال انه لم يكن عالما بما ابدع،اذ لم تكن الصور عنه معلومة عليه و وجه آخر في جواب قوله،ان المبدع لم يكن عالما بما ابدع لم تكن الصور عنده معلومة،و هو ان هذه الاصول موجودة اذا وقعت الاسماء عليها بعد ظهورها،و كذلك الاشياء اللطيفة التي تقدمت الموجودات و صار اثباتها بدلالات ما ظهر من افعالها قد وقعت الاسماء عليها من بعد ظهور هويتها و ان

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 117)

جملتها قبل كونها لم تكن هوية لواحد منهما،و لا صورة و لا ذاتا،و ان المبدع ابدعها دفعة واحدة باصولها و إمكانها و فروعها من غير تقدم المكان لا المتمكن و لا الاصل او الفرع، بل ابدع جوهرا تاما فيه جميع كل شيء بصورته و جنسه و نوعه و جميع كيفياته معلومة فيه، و ذلك قوله تعالى: وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ فلو كان عند الجسمانيين شيء اسرع من لمح البصر،لكان الباري يضرب المثل به تقريبا الى اوهامهم، و تقريرا في افهامهم،فالباري اذا هو المبدع التام الذي ابداعه كان تاما،فالمبدع بالابداع التام من المبدع التام لم يكن الاّ تامّا،و هذه الاسماء التي وصفناها مثل المبدع و الابداع و المبدع انما وقعت عند ظهور المبدع،كما ان الاسماء التي هي الخالق و الخلق و المخلوق ظهرت عند ظهور المخلوق و ذلك ان المبدع لمّا كان معلولا بالعلة وقع عليها اسم مشتق 1من اسم المعلول،و لمّا كان مبدعا اضيف ابداعه الى المبدع،و كذلك اسم السابق اذا وقع على المبدع عند الظهور المسبوق،فإذا رفع المسبوق بالوهم ارتفع الاسم عن السابق،و لو رفع الاسم عن المبدع الحق لم ينل المسترشد معرفته،اذن فوضع الاسم هو الدلالة من دونه ليكون لهم سببا و مرقيا الى معرفته،و ان اسمه واقع عليه من نحونا عليه و ابداعه و تكوينه الاشياء،و ليس له اسم من نحو ذاته بل من نحو ذاتنا،و كذلك ما دون الاسماء من الصفات فسبيلها هو ما ذكرنا،لان الحكماء اجازوا اضافتها الى المبدع الحق بل لهذه العلة التي قلنا انها الوحدة و الامر و الازلية،فالكلمة و العلة هي اسماء واقعة على الابداع و الاول و السابق و العقل و القلم و القضاء هي اسماء واقعة على المبدع،كما ان الآخر و التالي و النفس و اللوح و القدر و النور هي اسماء واقعة على التالي،و اعلم ان الابداع في المبدع كالفعل في المفعول،و كما ان هوية الفعل من الفاعل،لا شك تقول هذا خط فلان، و هذا نسخ فلان،و هذا حرز فلان،و هذه صنعة فلان،ففلان هو الفاعل و ليس الخط هو فلان،فكذلك هوية الابداع من المبدع الحق،و كما ان ظهور الفعل في المفعولات، لانك لا ترى في الكاتب خطّا و لا في الناسخ نسخا و لا في الحرز حرزا و لا في احد من


1) في نسخة م وردت مركب.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 118)

الصنائع صنعة بل الخط في المكتوب و النسخ في المنسوخ و الحرز في المحروز و الصنعة في المصنوع،كذلك كان ظهور الابداع في المبدع و لا في المبدع،و كما ان اثر الفعل في كل مفعول مثبتة بالفعل من غير ان يوقف على هوية الفعل كذلك اثر الابداع في المبدع مثبت من غير ان يقوم كل واحد منهما بهويته بل هويتهما هوية واحدة،فجميع هذا الذي وصفناه يوجب نفي اثبات القدم للصور قبل ظهورها و الصحيح المستقيم هو ان يقال للباري مبدع الاشياء لا من شيء من غير صورة واحدة و صورة كثيرة تقدمت الابداع، و انه لم يزل و لا ابداع و لا مبدع و لا مشير الاّ هو و لا اشارة و لا اسم واقع و لا صفة يوصف بها و لا مكان احاط به و استقر عليه بل هو قبل الزمان و المكان لم يزل و لم يزال،فلا يقال متحرك و لا ساكن اذ هما مسبوقان بالحركة و السكون و لا يقال هو حركة او سكون لانهما من صفات المخلوقين و موهوبات 1منه لخلقه،و كلما هو موجود في الخلق فهو منفي عن الخالق.

و لمّا وجدنا هويتنا و ما هو اعلى منا و ما هو ادنى منا كلها مبدعه مخلوقة و معلولة بالابداع و الخلقة علمنا ان مبلغ علمنا مبلغ علتنا و ان العلة كالافاضة علينا من مبدعنا و خالقنا و نحن عاجزون عن مجاورة 2ما افيض علينا غير مدركين لما وراء العلة،فليس لنا اذا من ادراك المبدع سوى الاقرار به فقط من غير وقوف منا على ما بينه،و الاقرار منا هو اضافة جميع ما افاضه علينا اللّه جل و عز،و انه هبة منه لنا وجودا و تفضلا علينا، و هذا القول المنطقي و الاعتقاد العقلي الذي نقوله في التوحيد و نعتقده ظهر بعد ظهور هويتنا،و لمّا وجدنا الاقاويل و العقول مبدعة مخلوقة ايقنا ان القول المنطقي و القول الوهمي الفكري العقلي لا يحيط على ما فوقه لان هذا غير ممكن ان يحيط المحاط على المحيط به.

و الدليل على ذلك هو انّا لو توهمنا بالوهم و الفكر و العقل بالوقوف على الذي لم يجد شيئا يستقر عليه فيتكل على رأيه و هو ان يؤديه ذلك الى التعطيل فلذلك قال الرسول على


1) سقطت في نسخة م.
2) وردت بنسخة ق مجاراة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 119)

الرمز و المثل لا صلاة عند طلوع الشمس و لا عند غروبها لانها تطلع و تقرب بين قرني الشيطان،و لهذا تأويل يؤكد قولنا هذا و حقيقته مذكورة في كتاب«البرهان»المنقول على العلم الثالث من العلوم الآخرية التي هي مقابل الهوى،و ذلك لان الصناعات الدنيائية 1على اربع منازل اسفلها صناعة الطب و هي مقابل التراب،و الثانية الهندسية،و هي مقابل الماء،و الثالثة صناعة النجوم و هي مقابل الهوى،و الرابعة صناعة الفلسفة و هي مقابل النار،و كما ان كل واحدة من هذه الامهات الأربع ليست بناجية ما لم تجتمع باعتدال في الخامس الذي هو المقصود منها،فإذا قد ثبت ان المقصود من الامهات الاربع تنجو بالمقصود من العلوم الاربعة،ثم عاد الامر من بعد ظهور هذه الصناعات الأربع في البدء الى العلوم الآخرية التي هي المقصود من هذه الصناعات الاربع فصارت على اربع مراتب اسفلها علم الظاهر الاسلامي السمعي و هو مقابل التراب،و الثانية علم الممتزج الايقاني البصري و هو مقابل الماء و الثالثة علم الحقائق الايماني القلبي و هو مقابل الهواء، و الرابعة علم الغيب التأييدي الدماغي و هو مقابل النار فلذلك قال تعالى: عٰالِمُ الْغَيْبِ فَلاٰ يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً الاّ من ارتضى من رسول اللّه فانه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا،ليعلموا انهم قد بلغوا رسالة ربهم،و أحاط بما لديهم و احصى كل شيء عددا،و كما انّا قادرون على اكل الامهات السفلية بلا واسطة، و عاجزون عن اكل النار،كذلك نحن متهيئون لقبول العلوم الثلاثة التي هي الظاهر الاسلامي السمعي 2و الممتزج الإيقاني البصري و الحقيقي الايماني القلبي،و عاجزون عن قبول العلم الرابع الغطائي الغيبي الدماغي التأييدي،و لذلك كلفنا اللّه بالعلوم الثلاثة،و لم يكلفنا بالعلم الرابع الذي هو من مراتب الرسل و الأنبياء في قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مٰا تَشْكُرُونَ و قوله: وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً لانه تعالى لا يكلف نفسا الاّ وسعها.


1) وردت بنسخة س الدنيوية.
2) سقطت في نسخة ق.

و من هاهنا ضرب اللّه مثل ابراهيم في رؤيته الكواكب بالاسلام أولا عند التسمية التي لا يقف عليها الاّ من جهة السمع حيث قال: وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اجْتَبٰاكُمْ وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هٰذٰا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاٰةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللّٰهِ هُوَ مَوْلاٰكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلىٰ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ و هذا من قبل، و في رؤيته القمر الايقاني ثانيا التي هي من الفعل البصري حيث قال: وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ و في رؤيته الشمس بالايماني ثالثا عند الاتباع الذي هو من فعل القلب حيث قال: إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ و في توجهه الى الفاطر بالتأييد،رابعا عند احياء الطيور التي علت باجسامها في العالم الكبير،كعلو الدماغ في العالم الصغير حيث قال: وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قٰالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ثم اخذ اللّه على عباده في تكليفهم طلب العلوم لهذه المراتب في قوله: وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلاّٰ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْنٰاهُ فِي الدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّٰالِحِينَ .

و قول الرسول طلب العلم فريضة على كل مسلم و لم يقل على كل مؤمن لان على المسلم ان يطلب العلم ليصير مؤمنا،و على المؤمن ان يعلمه لطلبه،كما ان على العطشان البعيد من الماء طلب الماء و على العطشان الغامس في الماء شربه لا طلبه،و فيما هو مبين في كتاب«البرهان»من تأويل اخبار ابراهيم و الطيور و حقائق أجزائها الاربعة و براهين رؤيته الكواكب و النيرين،و بيان ما يقابل الفلك من هذه العلوم كمقابلتها الامهات الاربع،و اظهار درجة الاهمال منها غنى عن اعادتها و ذكرها في هذا الكتاب.

فان سألنا سائل عن كيفية عذاب الشياطين و الأبالسة 1بالفعل و أحوالهم؟قلنا ان بعضهم معذبين في النار الجسمانية و بعضهم في النار الجرمانية ما دامت السموات و الارض، فأمّا ما بعد ذلك فان الأبالسة الذين هم المرتدون يعذبون في النار الروحانية و سنشرح ذلك بمنة اللّه و بأوليائه بوحي لتقريره في افهام المستجيبين و تحريره و لتقريبه الى افهام الباحثين فأقول:ان النار الجسمانية هي الاثير المحيط بالهواء و الماء و الارض،و النار الجرمانية هي النيران المتولدة من دوران الافلاك السبعة،فهي تمنع المعاقبين فيما بينهم و تثبت بهم حتى لا يتهيأ لهم الوصول الى دار النعيم و كذلك سميت الافلاك العالم الجرماني و النيران المتولدة من دونها النار الجرمانية لان الجرم في اللغة المنع و اللبث و الجرم في اللغة أيضا الجسم الاّ انه في المعقول نعلم ان العالم الجرماني الذي هو الافلاك الطف من العالم الجسماني الذي هو الامهات،فامّا النار الروحانية فسنبين تأويلها فيما بعد و لا حول و لا قوة الاّ باللّه العلي العظيم.ثم اني اقول ان الشياطين و الأبالسة بالقوة اذا فارقوا قوالبهم يصيرون شياطين و أبالسة بالفعل،فصورهم من القوى الثلاثة التي هي النامية و الحسية و الناطقة 2و أرواحهم من القوى العاقلة و انهم اذا انتهوا الى الاثير اشتملت عليهم النار المحيطة في الهواء لعجزهم عن الوصول الى العالم الروحاني الابدي لانهم غير متهيئين لقبول آثاره و ذلك لتصورهم في الصور الناقصة المنكوسة المعكوسة المعوجة الطبيعية،فيبقون هناك معذبين بين هذه النار و بين النار المتولدة من دوران فلك القمر هذا العذاب و ذلك لمن تكون صوره شيطانية اكتف و هم حذاق الاطباء المشتغلون بعلوم الطبائع و المطبوعات و المنكرون علم التأويل المقرون بقدم العالم من الدهرية و غيرهم و اسم هذا العذاب سقر قال تعالى:

مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ الْخٰائِضِينَ وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّٰى أَتٰانَا الْيَقِينُ .

ان سقر ثلاثة احرف،كذلك قمر ثلاثة احرف،و ان سقر قطعة واحدة،كذلك


1) سقطت بنسخة ق.
2) سقطت بنسخة ق.

قمر قطعة واحدة،و سقر تسعة اصول من الحساب،فذلك دليل على انها في تاسع الافلاك من اعلى،و قمر سبعة اصول من الحساب،دليل على انه في سابع الافلاك المدبرات من اعلامه اصل واحد من الحساب،فلذلك دليل على انه اوّل المدبرات من اسفل،كما ان الواحد اوّل الحساب،و كذلك قال الرسول:ان الشمس و القمر نوران مكتوبان في النار،و اذ كان المعاقب من حذاق 1المهندسين المشتغلين بعلم الدقائق و الاشكال و العدد و الحساب الراوين علم التأويل اجتازت صورته الصورة الشيطانية من فلك القمر، و لا يطيق الاجتياز من فلك عطارد لكثافتها فتشب بها النيران المتولدة من شدة دوران فلكي القمر و عطارد فتبقى هناك معذبة،و اسم هذا العذاب الهاوية،و قد قال تعالى:

فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا هِيَهْ نٰارٌ حٰامِيَةٌ .

و عطارد خمسة احرف و اصوله من الحساب على عدد حروفه كذلك هاوية ثلاث قطع و هاوية تسع اصول من الحساب يعني انها في احد الافلاك التسعة،و اذا كان المعاقب من انكر علم التأويل من حذاق المنجمين اجتازت صورته الصورة الشيطانية من فلك عطارد، و لا يطيق الاجتياز من شدة دوران فلك الزهرة لكثافتها فتثبت بها النيران المتولدة من شدة دوران فلك الزهرة و عطارد فتبقى هناك معذبة،و اسم هذا العذاب جحيم،قال اللّه تعالى:

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ .

امّا زهرة فأربعة احرف كذلك جحيم أربعة احرف،و زهرة ثلاثة قطع كذلك الحروف المنقوطة من جحيم ثلاثة،و كما ان القطعة الوسطى من زهرة اعظم من القطعتين الآخرتين كذلك النقطة الوسطى من جحيم اعظم من النقطتين الآخرتين،و كما ان القطعة الاولى من زهرة نصف القطعة الآخرة منها لان«ز»نصف دائرة و الهاء دائرة تامة، كذلك النقطة الاولى من جحيم نصف النقطة الآخرة،و حروف زهرة مع اصل حسابها من الجمل خمسة اعداد فذلك دليل على ان الزهرة خامسة المدبرات من اعلى جحيم سبعة


1) في نسخة س وردت حاذق.

اصول من الحساب يعني في سابع الافلاك من اعلى،و اذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل،و من الفلاسفة الذين هم مشتغلون بما بعد الطبيعة نابذون الكتب المنزلة وراء ظهورهم اجتازت صورة شيطنته من فلك الزهرة،و لا يطيق الاجتياز من فلك الشمس التي هي اصل جميع النيران فتثبتت بها النيران و الحرارة المتولدة من الشمس و من شدة دوران فلك الزهرة و الشمس فتبقى هناك معذبة،و اسم هذا العذاب لظى،قال اللّه تعالى:

كَلاّٰ إِنَّهٰا لَظىٰ نَزّٰاعَةً لِلشَّوىٰ .

و شمس ثلاثة احرف،و شمس قطعة واحدة كذلك لظى قطعة واحدة،و شمس أربعة اصول من الحساب ليكون ذلك دليلا على انها رابع ابواب جهنم من اعلى و أسفل،و كذلك روي عن الرسول انه قال:ان الشمس و القمر نوران مكتوبان في النار،و وجه آخر و هو انه لمّا كانت لظى أربعة اصول من الحساب ليكون ذلك دليلا على انها في رابع الافلاك من اعلى و أسفل،و اذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل من حذاق فقهاء القشرية و المشتغلين بعلم الظاهر و شرائع الرسل اجتازت صورته الشيطانية من فلك الشمس، و بقيت تحت فلك المريخ فتثبتت بها النيران المتولدة من الشمس و المريخ و من شدة دوران فلكيهما تحت فلك واحد فتبقى هناك معذبة و اسم هذا العذاب حطمة،قال اللّه تعالى:

كَلاّٰ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْحُطَمَةُ نٰارُ اللّٰهِ الْمُوقَدَةُ .

و مريخ أربعة احرف كذلك حطمة أربعة و احرف مريخ قطعتان كذلك الحروف المنقوطة حرفان من حطمة و أصل حساب مريخ أربعة اعداد على عدد حروف حطمة تأكيدا لمّا بيناه بان مريخ و حطمة ثلاثة اصول من الحساب يعني انهما في الفلك الثالث من افلاك المدبرات السبعة،و اذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل من حذاق المتكلمين المشتغلين بعلم الدقائق و الصفات و الافعال و الوعد و الوعيد المقرون بالرسل،و ما اتوا به، اجتازت صورة شيطنته من فلك المريخ،و لا يطيق الاجتياز من فلك المشتري لكثافتها فتثبتت بها النيران المتولدة من شدة دوران فلك المريخ و المشتري فتبقى هناك معذبة و اسم هذا العذاب جهنم،قال اللّه تعالى: إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ يعني رؤساءهم و احبارهم و رهبانهم،كما قال: اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ .

و مريخ أربعة احرف كذلك حطمة أربعة و احرف مريخ قطعتان كذلك الحروف المنقوطة حرفان من حطمة و أصل حساب مريخ أربعة اعداد على عدد حروف حطمة تأكيدا لمّا بيناه بان مريخ و حطمة ثلاثة اصول من الحساب يعني انهما في الفلك الثالث من افلاك المدبرات السبعة،و اذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل من حذاق المتكلمين المشتغلين بعلم الدقائق و الصفات و الافعال و الوعد و الوعيد المقرون بالرسل،و ما اتوا به، اجتازت صورة شيطنته من فلك المريخ،و لا يطيق الاجتياز من فلك المشتري لكثافتها فتثبتت بها النيران المتولدة من شدة دوران فلك المريخ و المشتري فتبقى هناك معذبة و اسم هذا العذاب جهنم،قال اللّه تعالى: إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ يعني رؤساءهم و احبارهم و رهبانهم،كما قال: اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ .

و مشتري خمسة احرف،و جهنم مع التشديد به التي على حرف النون،خمس احرف و ذلك لان العرب تعد للتشديد به حرفا واحدا مثل فرّ يفرّ و هو على قياس فعل بفعل فرّ حرفان،و فعل ثلاثة احرف لان التشديد في فرّ قامت مقام حرف واحد حتى ساوى الفعل،و كما ان الياء من مشتري مفرده شبهته بالخفض كأنها مستعارة باللفظ،كذلك التشديد به قطعتان،و كما ان قطعة من مشتري أربعة احرف و قطعة حرف واحد كذلك قطعة من جهنم أربعة احرف،و قطعة هي للتشديد به حرف واحد،و مشتري و جهنم أربعة اصول من الحساب فذلك دليل على انهما في رابع الافلاك من اعلى،و ان كان المعاقب ممن آمن بالتأويل و سمعه و وعاه ثم ارتد عنه و على اهله جحودا 1و عنادا و أنكر اليوم الآخر على ما يوجبه التأويل و التنزيل جميعا و اجتازت صورته صورة الشيطنة 2من فلك المشتري،و لا يطيق الاجتياز من فلك زحل فتتثبت به النيران المتولدة من شدة دوران فلك المشتري و زحل فتبقى هناك معذبة.

و اختلف الحكماء في حرف زحل فقال حكماء المنجمين و الفلاسفة،زحل ثلاثة احرف و قال حكماء الديانة و الاسلام انما زحل هو أربعة احرف تكلمة الثمانية و العشرون حرفا مع حروف اسماء الكواكب الستة التي سميناها و هي،مشتري،مريخ،شمس، زهرة،عطارد،قمر،ليكون ذلك دليلا على الاسابيع الاربعة التي هي النطقاء و الاسس و الاتماء و الخفاء،فمن هاهنا وجب ان تكون حروف كل سبعة ثمانية و عشرون عددا مثل البروج السبعة في استواء الشمس الربيعي الى الاستواء الخريفي،و هو:حمل ثور جوزاء سرطان اسد سنبلة ميزان و مثل حروف الاشهر السبعة و هي:محرم صفر ربيع اوّل ربيع ثاني،جمادى اوّل،جمادى الثاني،رجب،و لذلك جعل اولها من الاشهر الحرم،و آخرها


1) سقطت في نسخة ق.
2) وردت في نسخة س شيطانية.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 125)

من الاشهر الحرم أيضا لتصير دائرة راجعة الى اولها محدودة بالسبعة كرجوع برودة القمر الى أولها التي هي برودة زحل،و كرجوع الميزان بالاستواء الى الحمل،و مثل حروف الايام السبعة و هي:احد اثنان ثلاثة أربعة خميس،جمعة،سبت،و مثل اضافة العدد بعضه الى بعض من واحد الى سبعة و هو واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة و عدد حروفها كذلك،و مثل حروف اسماء النطقاء السبعة و هم:آدم نوح إبراهيم موسى عيسى محمد قائم،و مثل حروف الأوصياء السبعة و هم:شيث سام اسماعيل يوشع شمعون علي مهدي،و مثل حروف اسماء الأئمة السبعة و هم في دور محمد:علي حسين علي محمد جعفر اسماعيل محمد،و مثل حروف الدرجات السبع التي هي سلالة نطفة علقة مضغة عظام لحم خلقا آخر،و مثل حروف المنازل السبع التي هي معدن نبات حيوان انسان جن ملك انتهى،و مثل حروف المراتب السبع التي هي مستجيب مأذون داعي حجة متم وصي ناطق،و مثل هذا كثير كحروف الخلفاء السبعة و حروف آية التوكل و حروف الجمل من الآحاد الى الالوف،و عدد حدود الشهادة و عدد الركعات التي لا يجوز تركها للخاطر،و عدد لبلوغ المولود الى غايته في العقل،فقد قيل ان سننه في اوّل السبع يسقط،و في السبع الثاني يزاهق،و في السبع الثالث تستوي لحيته،و في السبع الرابع يتم عقله،و من بعده تجارب و تعاليم،و ان في بعض اصل واحد الذي هو حروف المدبرات السبعة بالغربية مع شهرة شأنها و علو امرها يكون بطلان الجميع و فيه ما فيه مع ان اسماء هذه المدبرات السبعة بالفارسية لا يتجاوز أيضا ثمانية و عشرين حرفا و هي:كيوان هرمزد بهرام مهر(تا)هيد يشرمه و أصولها سبعة على عددها، و ممّا يزيد قولنا تأكيدا عن اللغة ان زحل مشتق 1من زوحل يزوحل زوحلة فهو من مزوحل اي بعد فهو بعيد و يقال أيضا لكل من ابطأ سيره و زوحل يزوحل،و يقال زحل و زوحل اي متخلف عن القافلة،و بعير زوحل اي متخلف عن الدور.قال الأصمعي زوحل فوعل من زحل اي بعد كما قال اللّه تعالى: إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ


1) في نسخة م وردت منشق.

اَلْكَوْثَرَ اي اعطيناك كثيرا يقال كوثر من الكثرة،و قال المفسرون:انا اعطيناك الكوثر اي نهر في الجنة كثير الماء،و ممّا يزيد قولنا تأكيدا من البيان ان تقول،كما ان اسم زحل ظاهر و باطن حتى كان ظاهر ثلاثة احرف و باطنه أربعة احرف دون اسماء سائر المدبرات،و كما ان ظاهر الكوثر على معنى انه على ميزان فعل و باطنه على معنى فعول لقوله تعالى:الكوثر كذلك ظاهر زحل ثلاثي و باطنه رباعي،لان باطن كل شيء يدل على الاصول الاربعة دون ظاهره،و من هاهنا سمّى اللّه هذا العذاب باسمين احدهما ثلاثي و الآخر رباعي،فامّا الثلاثي فهو ويل،و قد قال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ يعني عن تأويلها غافلون،ويل ثلاثة احرف، و قطعتان كذلك زحل عند حكماء الفلاسفة ثلاثة احرف،و قطعتان:و امّا الرباعي فهو سعير و هو أربعة احرف مقابل زوحل كما قالت حكماء الديانة،و قد قال تعالى:

وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِمَصٰابِيحَ وَ جَعَلْنٰاهٰا رُجُوماً لِلشَّيٰاطِينِ وَ أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰابَ السَّعِيرِ اي في الفلك السابع ليكون دائرة السعير فرجع في هذه الآية الفلك السفلي الى الفلك السابع كرجوع صاحب كل واحد منهما الى صاحبه بالبرودة، و زحل سبعة اصول من الحساب يعني هو من المدبرات من اعلى فيما بين الافلاك السبعة لئلاّ يقع في وهم احد ان المدبرات في الفلك المستقيم او في فلك البروج شيء و يلي اصل واحد من الحساب فذلك دليل على انه في اوّل الافلاك المدبرات،كما ان الواحد اوّل الاعداد، و سعير سبعة اصول من الحساب،فذلك دليل على انه في سابع الافلاك من اسفل،و انما جعلنا دلائل هذه الكواكب و أبواب النار من الحساب،لان اصل علم النجوم و الافلاك هو حساب،و يلي سعير جهنم حطمة لظى هاوية سقر،و كلها سبعة اصول من الحساب على عددها.

فذلك دليل على ان أبواب النار سبعة ليس لها ثامن تصديقا لقول اللّه عز و جل:

لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ فأمّا تأويل قول رسول اللّه (صلعم)ان في الجحيم زمهرير يعذّب به الكفار فهو ان موضع القطب بارد جدا و كذلك الزهرة و القمر ابتدائهما زمهريران باردان رطبان،و ان المعاقب اذا قابل القطب

و الزهرة و القمر و كوكبا له من البرودة حظ فيصير من شدة البرد اذا جاوزه تثبت النيران به و ذلك لان فلك البروج يدور ما في جوفه من الافلاك،و الافلاك تدور في اهل النار مع دورانها في الاعالي و الاسافل مرة تحت الارض و مرة فوقها،و هاهنا نبين قول اللّه تعالى: وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوٰاهُمُ النّٰارُ كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا (اي من تحت الارض) أُعِيدُوا فِيهٰا وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذٰابَ النّٰارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ .

و الدليل على ان القمر و الزهرة زمهريران باردان،هو ان زمهريران اصول من الحساب تدل على ان اكثر الزمهرير في الفلك الثالث من اسفل برودة اصل واحد من الحساب.

فذلك دليل على ان البرودة في المدبر الاول من اسفل،و هاهنا نبين تأويل قول اللّه تعالى:

لاٰ تُبْقِي وَ لاٰ تَذَرُ لَوّٰاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهٰا تِسْعَةَ عَشَرَ يعني الكواكب السبعة و البروج الاثنى عشر،لان الباري عز و جل قد خلقها مجبورة على تعذيب اهل النار و تقلبهم في الافلاك في الاعالي و الاسافل و إيلامهم في النار و الزمهرير،ثم قال اللّه تعالى: وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلاّٰ مَلاٰئِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ يَزْدٰادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمٰاناً وَ لاٰ يَرْتٰابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكٰافِرُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّٰ هُوَ وَ مٰا هِيَ إِلاّٰ ذِكْرىٰ لِلْبَشَرِ اصحاب النار يعني البروج الاثنى عشر،و الملائكة هم اصحاب الاعراف المقيمون الى يوم القيامة بين الافلاك السبعة التي هي النار و بين العالم الروحاني الذي هو الجنة،و المواضع مرموزة في هذه الآية،و هذا مثل قوله:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّٰا فِيهٰا وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنٰا فِيهٰا وَ إِنّٰا لَصٰادِقُونَ يعني اهل القرية،و مثل قوله: إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ يعني الى ثواب ربها و مثل هذا كثير في القرآن و الاشعار 1و لغة العرب تركنا ذكره مخافة التطويل و ملالة القارئ


1) سقطت بنسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 128)

و الناقل،ثم قال تعالى:ما جعلنا عدتهم الاّ فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتاب يعني كتاب تركيب العالم كما قال تعالى: الم ذٰلِكَ الْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ثم قال: وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلاّٰ مَلاٰئِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ يَزْدٰادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمٰاناً وَ لاٰ يَرْتٰابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكٰافِرُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّٰ هُوَ وَ مٰا هِيَ إِلاّٰ ذِكْرىٰ لِلْبَشَرِ يعني الذين و صلوا الى العلم الثالث حتى صاروا مؤمنين،و قد قيل ان في النار حيّات و أفاعي اراد بذلك الجوزهر و هو التنين الملتف بالافلاك السبعة له رأس و ذنب،و لذلك قال تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كٰانَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ اراد بالسلسلة الجوزهر و طوله على مقدار الافلاك السبعة،و من هاهنا قول رسول اللّه (صلعم):ان في النار أودية و جبال و صعود و هبوط اراد بذلك الجوزهرات و الدرجات و الظلمة و الاوتاد و الهبوط و النحوس و العقود و الوجوه و الحدود،و غير ذلك ممّا يعرفه حذاق المنجمين و هاهنا نبين قول اللّه تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ .

و قد روي عن رسول اللّه(صلعم)انه قال:ان اللّه تعالى يفتح وقت الشتاء جزء من باب من أبواب زمهرير جهنم لكي تبرد الدنيا،و يشتق الناس،و يفتح جزء من باب من أبوابها وقت الصيف لكي تحمل الدنيا حرّا كذلك،و قال المنجمون ان هذا البرد وقت الشتاء انما يتولد من الافلاك و الانجم 1،و كذلك الحر وقت الصيف يتولد منها، فقول رسول اللّه(صلعم)المرموز يؤيد اقاويل المنجمين و الفلاسفة و وافقهما ما قاله


1) وردت النجوم في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 129)

الحكماء في تأويل هذه الآية لها سبعة أبواب،لكل باب منهم جزء مقسوم اي سبعة ادوار النطقاء الذين هم اصحاب الظاهر اي لكل ناطق منهم شريعة معلومة،فظاهر مقسوم فيما بينهم،و في تأويل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً اي كل ما انقطعت شريعة صاحب دور ظاهر بدلناهم ظاهرا غيره،هذا في الادوار،فامّا في الدور الواحد فتأويله كلما فسد مذهب من مذاهب الظاهرية بدلناهم مذهبا غيره يعني من الظواهر المحضة المقسومة بين ادوار النطقاء السبعة،فذلك تأويل العذاب الادنى،لا تأويل العذاب الأكبر،و قد قال تعالى: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذٰابِ الْأَدْنىٰ دُونَ الْعَذٰابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني دون عذاب النار المقسومة من الافلاك السبعة لعلهم يرجعون يعني عند وصولهم الى العذاب الادنى قبل ان يصلوا الى العذاب الاكبر الذي لا ينفعهم الرجوع حينئذ،و ممّا يؤكد قولنا قول اللّه تعالى: لَهُمْ عَذٰابٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ لَعَذٰابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَ مٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مِنْ وٰاقٍ و العذاب الادنى بين المتولدات الجسمانية في ادوار النطقاء،و لعذاب الآخرة اشقى،و ما لهم من اللّه من واق،و الذين هم معاقبون في الافلاك السبعة السفلية الذين هم اطباء القشرية و مهندسوها و منجموها و مفلسفوها و فقهاؤها و متكلموها لا يخلدون في العذاب بل عذابهم على قدر طاقتهم لضبط صورهم الروحانية ثم يفيدون فيضمون الى سائر الناس من اصناف المقلدين الذين هم في الدوران لانهم منكرون لا جاحدون،فلذلك قال اللّه تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فامّا الذين هم معاقبون في فلك زحل الذين هم المؤيدون فعقابهم دائم،و انهم يتحولون عند فناء الافلاك الى العذاب الروحاني لتصورهم بالصورة الروحانية التي لا تبيد لانهم جاحدون لا منكرون،و كذلك قال اللّه تعالى: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ و قال: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ

اَلْقُصْوىٰ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَوٰاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعٰادِ وَ لٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللّٰهُ أَمْراً كٰانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللّٰهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ .

فقد تبين بهذا ان المقلدين اموات في الدوران بعد فساد قوالبهم،و المؤيدون حسّاسون احياء معذبون فلذلك صار عذابهم ابديّا،و الفرق الستة الذين هم الافلاك الستة السفلية واسطات بينهم و بين العامة،فلذلك صار عذابهم متناهيا،و من هاهنا وصفهم اللّه بكلا الطرفين فقال: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاٰ يَمُوتُ فِيهٰا وَ لاٰ يَحْيىٰ و كذلك قال رسول اللّه(صلعم)ان بعض الناس يعذبون على قدر ذنوبهم اي على قدر بقاء صورهم الروحانية،و الذين هم دون هؤلاء المعذبين و فوق المقلدين فهم الأرواح الفاسدة المترددة فيما بين السماء و الارض،و هم حراس على القاء الشرور في هذا العالم و الاضرار به كل واحد منهم يدور على قدر تباعده من التقليد ثم يخمدون و يتبددون فينضم كل جزء الى شكله باقيا في الدوران الى ان ينجو.

فلعل سائل يسألنا عن تأويل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً فنقول:ان اللّه تعالى زجرنا ابلغ الزجر حتى وقفنا على بلوغ زجره من جهة المشاهدة ليكون احكم في التدبير و ذلك لان في المشاهدة لا يؤلم احدا الاّ بوجود ثلاثة اشياء احدها ان تكون الهيولى مهيأة لقبول الالم كالمضروب، و الثاني ان لا يمتنع المؤلم عن اتصال الالم كالضارب من المضروب،و الثالث الآلة التي إليها يوصل المؤلم الالم الى المؤلم كالخشب و ما اشبهه،فان صحّ ذلك فنقول ان اللّه تعالى في دوام الهيولى: كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا اي لو وقفوا على الحقائق حتى تصوروا بصور لا تتبدد و لا تبيد،و قال في دوام اتصال الالم الى المؤلم: كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهٰا وَ ذُوقُوا عَذٰابَ الْحَرِيقِ ،و قال في دوام الآلة التي بها يصيبهم المؤلم: وَ مَنْ يَهْدِ اللّٰهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِهِ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمٰا خَبَتْ زِدْنٰاهُمْ سَعِيراً و قد قلنا ان سعير اسم لفلك زحل الذي يعذب فيه المرتدين، و هذا تأويل هذه الآية في العذاب الابدي الذي استحقه المعاقبون بالاصرار على معاصيهم التي كانت سبقت منهم في عصيان آدم و حواء بعد ورود الرسل و بعد ما وقفوا على حقائق ظواهرهم حتى خرجوا من عذاب هذا العالم مصرين 1على ذلك غير نادمين،فأمّا تأويلها في العذاب لانتهاء الذي استحقوه بما سبق لهم من العصيان حتى اخرجوا من الجنة في وقت آدم و حواء،و هي مثبتة على جلود متولدات الجسمانية يستحيل من جلد الى جلد في الدوران،و محمولة على قشور الامهات الطبيعية التي تنتقل من صورة الى صورة في الجولان،و كذلك قال اللّه تعالى جل ذكره: فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّٰامٍ نَحِسٰاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذٰابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ لَعَذٰابُ الْآخِرَةِ أَخْزىٰ وَ هُمْ لاٰ يُنْصَرُونَ يعني بين المتولدات الجسمانية في الدوران، و عذاب الآخرة اخزى و هم لا ينصرون و في هذا المقدار الذي بيناه من تأويلها بلاغ للعاقل،و مقنع للمسترشد و فيما هو مذكور في كتاب البرهان غنى عن اعادة ذكره هاهنا.

فلعل سائل يسألنا عن تأويل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً فنقول:ان اللّه تعالى زجرنا ابلغ الزجر حتى وقفنا على بلوغ زجره من جهة المشاهدة ليكون احكم في التدبير و ذلك لان في المشاهدة لا يؤلم احدا الاّ بوجود ثلاثة اشياء احدها ان تكون الهيولى مهيأة لقبول الالم كالمضروب، و الثاني ان لا يمتنع المؤلم عن اتصال الالم كالضارب من المضروب،و الثالث الآلة التي إليها يوصل المؤلم الالم الى المؤلم كالخشب و ما اشبهه،فان صحّ ذلك فنقول ان اللّه تعالى في دوام الهيولى: كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا اي لو وقفوا على الحقائق حتى تصوروا بصور لا تتبدد و لا تبيد،و قال في دوام اتصال الالم الى المؤلم: كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهٰا وَ ذُوقُوا عَذٰابَ الْحَرِيقِ ،و قال في دوام الآلة التي بها يصيبهم المؤلم: وَ مَنْ يَهْدِ اللّٰهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِهِ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمٰا خَبَتْ زِدْنٰاهُمْ سَعِيراً و قد قلنا ان سعير اسم لفلك زحل الذي يعذب فيه المرتدين، و هذا تأويل هذه الآية في العذاب الابدي الذي استحقه المعاقبون بالاصرار على معاصيهم التي كانت سبقت منهم في عصيان آدم و حواء بعد ورود الرسل و بعد ما وقفوا على حقائق ظواهرهم حتى خرجوا من عذاب هذا العالم مصرين 1على ذلك غير نادمين،فأمّا تأويلها في العذاب لانتهاء الذي استحقوه بما سبق لهم من العصيان حتى اخرجوا من الجنة في وقت آدم و حواء،و هي مثبتة على جلود متولدات الجسمانية يستحيل من جلد الى جلد في الدوران،و محمولة على قشور الامهات الطبيعية التي تنتقل من صورة الى صورة في الجولان،و كذلك قال اللّه تعالى جل ذكره: فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّٰامٍ نَحِسٰاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذٰابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ لَعَذٰابُ الْآخِرَةِ أَخْزىٰ وَ هُمْ لاٰ يُنْصَرُونَ يعني بين المتولدات الجسمانية في الدوران، و عذاب الآخرة اخزى و هم لا ينصرون و في هذا المقدار الذي بيناه من تأويلها بلاغ للعاقل،و مقنع للمسترشد و فيما هو مذكور في كتاب البرهان غنى عن اعادة ذكره هاهنا.

و نعود الى ما كنا فيه من امر الافلاك و النجوم فنقول:ان زحل مشتري مريخ شمس زهرة عطارد قمر،ثمانية اصول من الحساب فذلك دليل على انه لا بد لهذه الافلاك السبعة تكملة الثمانية،و اذا كان هذا الانسان ممن اقرّ بالتنزيل الذي هو الاسماء السمعي التقليدي الاسلامي،و أيقن بالممتزج الذي هو علم الآيات البصري الايقاني،و آمن بالتأويل الذي هو علم الحقائق القلبي المعقولي الايماني،فانه لا يكون معاقبا بل يكون جنيّا مثابا تجتاز صورته الطبيعية المهيأة لقبول آثار العالم العلوي من فلك زحل الى الفلك الثامن عند استحالته من الجنيّة الى الملكيّة فيكون هناك مع الملائكة المنتظرين ثواب ربهم،و ذلك لان صورة هذا المثاب الطف من النار فلا تتشبث بها النيران للطافتها اذا غلبت ناطقيته حسيته فتصيرها مثلها،و كذلك قال رسول اللّه(صلعم)أبواب الجنة


1) في نسخة س وردت مصرورين.

ثمانية اي من اراد الوصول الى الفلك الثامن فقد نجا من عذاب النار،و فاز فوزا عظيما، و من هاهنا قيل في عذاب الدنيا الذي هو العذاب الادنى في تأويل قول رسول اللّه(صلعم) ابواب جهنم ثمانية اي من آمن بخليفة القائم سلام اللّه على ذكره الذي هو ثامن الخلفاء فقد نجا من العذاب الادنى،و كذلك قلنا ان من وصل الى الفلك الثامن فقد نجا من العذاب الأكبر،فهذان التأويلان ايقانيان،فامّا التأويل الحقيقي الايماني،فهو ان الجنة هي العقل،و أبوابها الثمانية هي النفس و الحروف العلوية السبعة،و ممّا يؤكد ما قلناه قول اللّه سبحانه و تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّٰالِمِينَ فِيهٰا جِثِيًّا فتأويل هذه الآية اذا صرفته الى العذاب الادنى في العالم الوصفي،فهو انه لا يتهيأ لأحد الوصول الى علم ما لم يقبل الظاهر أولا في العالم الجسماني،و هو انه لا يتهيأ لاحد الوصول الى العالم الروحاني ما لم يعذب في الدوران بين تراكيب الدنيا و متولداتها،و اذا صرفته الى العذاب الاكبر فهو لانه لا بد للصور الروحانية المهيأة لقبول العالم العلوي من الاجتياز على الافلاك السبعة التي هي ابواب النار حتى يتهيأ له الوصول الى العالم الروحاني، و الصراط الذي شبهه رسول اللّه(صلعم)بالجسر هو هذا لا غير،و قد قال رسول اللّه (صلعم):ان بعض الناس يمروا عليه كالفرس الجواد،و بعضهم يمشي،و بعضهم يسقط مرة و يقوم اخرى،و قد وصفهم بذلك على قدر لطافتهم و تهيؤهم لقبول آثار العالم اللطيف،و كذلك اخبر(صلعم)في قصة ليلة المعراج في صفات أهل الجنة و أهل النار جميعا،و من هاهنا اصاب العصاة ما اصابهم من الصواعق و الخسف و القذف من السماء ثم احياهم اللّه تعالى بعد ذلك بقوله تعالى: وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّٰاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنٰاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ و كما اصاب المطيعين ما أصابهم من الرخاء و النعمة منها،فمثل المؤمن المذنب عند اجتيازه بالصراط الذي هو دليل على الافلاك السبعة كمثل سهم ملطخ بالنقط يرمي به في النيران المؤثرة فهو ان اشتعلت فيه النار جائز منها الى الهواء الملاحق بها و كذلك المؤمن المذنب يصل الى الفلك

الثامن و ان اشتعلت به نيران الافلاك السبعة عند اجتيازه فيها بالجهد الجهيد،و هو قول رسول اللّه(صلعم)ان المؤمن المذنب يعذب في النار بقدر ذنوبه ثم يخرج منها،و فلك البروج ثمانية اصول من الحساب فذلك دليل على انها في الفلك الثاني من اعلى،و الفلك المستقيم واحد من الحساب فذلك دليل على انه اوّل الافلاك من اعلى،اذ الواحد هو الاصل الاول في الحساب،فإذا دخل الفساد في السموات و الارضين و تفرقت اجزاؤه، و تبدلت تراكيبه يوم القيامة،و صارت معدومة يوما فحينئذ يبقى العالم الروحاني العلوي مع المثابين و المعاقبين الذين كانوا في فلك زحل و هم المؤيدون،فكل شيء يلتذ به المثاب يومئذ يعذب المعاقب و يؤلم به لانه غير متهيأ لقبول آثاره،و مع ذلك مثله كمثل الشمس التي هي نعمة و راحة الاعين الصحية و بلاء و سقم للاعين الرمداء لانها غير متهيئة لقبول اضواءها،و الشمس دليل على العالم الروحاني،و الاعين الصحيحة دليل على المثابين، و الاعين الرمداء دليل على المعاقبين،و أيضا هو مثل العالم الروحاني مع المثابين المعاقبين كمثل بعض الاشجار التي جذبت الماء الى نفسها،و ذاقت الربيع،و عجزت عن جذب البعض،قيل فلم تجذبه،فاذا اظلها الصيف،صارت من الشمس نغمة الاشجار الروية لانها متهيئة لقبول آثارها و بلاء الاشجار الاخرى لانها غير متهيئة لقبول حرارتها فكلما كانت الشمس في اخر الاشجار كانت الروية منها اطرى و اخضر و أحسن،و كانت الاشجار الاخرى ايبس و أوحش،فشبهنا الربيع بالدنيا،و الماء بالعلم،و الاشجار الروية بالمؤمنين، و الاشجار اليابسة بالقشرية،و الشمس بالعالم الروحاني،و أيضا و هو ان مثل عذاب الأبالسة بالفعل بعد يوم القيامة في العالم الروحاني كمثل العظام و العروق و الاعصاب الحيّة الغير مكسية 1باللحم و الجلدين للصور المستقيمة في الدنيا،و كمثل العظام و العروق و الاعصاب و اللحم الحيّة غير المكتسية بالجلد الذي به يتم الخلق الآخر بين الصور المستقيمة في الدنيا،و ذلك لان الصور المستقيمة في الدنيا هم الذين جازوا المراتب السبع في اصلاب آبائهم و بطون امهاتهم حتى تهيأ لهم بذلك قبول آثار ما في هذا العالم السفلي،فكذلك


1) في نسخة س وردت مكتسية.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 134)

الصور المستقيمة في الآخرة هم الذين جازوا المراتب السبع فيما بين الامهات الاربع و الفلكين حتى تهيأ لهم بذلك قبول آثار العالم العلوي،فامّا السقط الذي صارت خلقته معكوسة في بطن أمه فلأنه عرضت له اما من جهة الامهات،و امّا من جهة الافلاك فلم يتهيأ له بذلك الوصول الى الدرجة السابعة،و وقف عند درجة من الدرجات التي دونها، و لم يمكنه مجاوزتها فخرج من الدنيا ناقصا عاجزا عن قبول آثارها و نعمها،و تلك الآثار تصير النعم عليها عذابا،و الصور المستقيمة رحمة و ثوابا،و كذلك الأبالسة بالفعل فان صورهم في قلوبهم معكوسة لميلهم الى الظواهر دون البواطن و لاقتصادهم على العمل بالشرائع دون العلم فلم يتهيأ لهم بذلك الوصول الى الدرجة السابعة،و وقفوا عند الدرجة الخامسة،و لم يمكنهم مجاوزتها عند قبول نفخ التأييد في صورهم،و وصلوا بذلك الى العالم العلوي بالمخالفة عادمين للمشاكلة،فلم يتهيأ لهم لهذه العلة قبول آثاره و نعمه فصارت تلك الآثار و النعم عليهم عقابا و عذابا،و الانس بالفعل هم المثابون رحمة و ثوابا،و هذا العذاب هو العذاب الروحاني الذي سميناه النار الروحانية.

فقد ثبت بجميع ما بيناه ان عذاب المرتدين في ثلاثة مواضع احدها في الدنيا قال اللّه تعالى: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذٰابِ الْأَدْنىٰ دُونَ الْعَذٰابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و هو عذاب القشور الادنى و لقوله جل و عز: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً و قوله:دون العذاب الاكبر يعني دون العذاب الذي بين الافلاك السبعة لعلهم يرجعون،فلو لا ان العذاب الادنى قبل فساد القالب و الموت و الالم يكون لقوله تعالى لعلهم يرجعون معنى،و لا فائدة لان التوبة و الرجوع لا يقبلان بعد الموت من التائب و الراجع،و العذاب الثاني الذي بين الافلاك و مدته الى يوم القيامة،و كيفية مدة هذا العذاب مشروحة في كتاب البرهان، فمن طلبه من المؤمنين الواقفين على العلم الثالث وجده،و انما صار هؤلاء بين هذه الافلاك لان أرواحهم الحسيّة كانت مستفادة من الفلك،ثم غلبت الناطقة في الدنيا لبعدها عن التوحيد و فرارها من الايمان،فلم يتهيأ لها مفارقته اذا صار كل شيء مغلوبا،

و كان في جوار الغالب مقهورا،و لو لا المطر و الزلزلة لم تتحد النار بالارض،فلمّا جاز ان تثبت الارواح بالقوالب التي هي اكتف من العالم الجرماني،و تشبيها بالافلاك التي هي الطف من الامهات الاولى،و من هاهنا قال محمد(صلعم)ان ارواح الكفار معذبة الى يوم القيامة في وادي برهوت محضر موت بحضرموت و يقال له وادي برهوت،و في هذا المعنى اخبار كثيرة مروية عن الرسول(صلعم)و عن اصحابه،و تأويل هذا الخبر هو ان قول(صلعم)محضر موت يعني ان هذا العذاب بعد حضور موتهم،حتى لا يتوهم احد الباحثين ان هذا العذاب الادنى الذي هو قبل حضور الموت بين ظواهر النطقاء، و امّا قوله وادي برهوت فتأويله ان وادي برهوت سبع قطع دلائل على الافلاك السبعة، و هو أربعة اصول من الحساب تدل على حقائقها الاربع التي هي المشرق و المغرب و الجنوب و الشمال،و هي كلمتان دليلتان على قطبي فلك الافلاك،و فيها علامات الكواكب السبعة و ذلك لان الواو من كيوان و واو كيوان من زوحل،و لام زوحل،من ويل، و داله من أورمزد من المشتري،و ميم المشتري من جهنم و ياءه من بهرام،و ميم بهرام من المريخ،و ميم المريخ من الحطمة،و راءه من خرشيد،و شين خرشيد من الشمس،و ياء خرشيد مع ثلاثة حروف الشمس من لظى،و هاءه من ناهيد،و هاء ناهيد مع ثلاثة حروف من الجحيم الزهرة و ياءه من سر و ناسر اي من حروف عطارد و الف عطارد من هاوية،و الف من ما و ميم من ما من القمر،و قاف القمر من سقر فتبقى بعد ذلك من حروف وادي برهوت حرفان و هما الباء و الراء،و المعادن و هما أيضا موجودان في اسماء هذه الكواكب التي هي أبواب النار تأكيدا لما قلناه،و تصديقا لما بيّناه،و وجه آخر هو ان اسماء الكواكب السبعة بالفارسية على هذه الحروف المثبتة في تأويل وادي برهوت،و ان كانت على سبعة اعداد فان اصول اجسامها لم تجاوز من تسعة و لم ينقص منها،و يكون ذلك دليلا على انه لا بد لهذه الافلاك السبعة من فلكين محيطين بها تكملة للتسعة،كذلك وادي برهوت و ان قام كل حرف منه مقام كوكب من الكواكب السبعة فان اصل حروفه لم يتجاوز التسعة اعداد و لم ينقص منها ليكون ذلك دليلا على انه لا بد لأفلاك هذه الانجم السبعة من فلكين محيطين بها تكملة للتسعة،و الدليل على ذلك

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 136)

الحرفين الباقيين من وادي برهوت و هما الواو و التاء،و قالوا و من حروف فلك البروج، و الثامن حروف الفلك المستقيم،و هذه الشهادة في الاسماء العربية ظاهرة في زحل الذي فلكه جامع الافلاك المدبرات الستة التي دونه،و انه و ان كانت عدد حروفه سبعة،فان اصول حسابه لم يجاوز التسعة و لم ينقص منها ليكون ذلك دليلا على الفلكين العظيمين المحيطين بالافلاك السبعة،و هذان الفلكان قد قاما في العالم الجرماني للافلاك السبعة مقام النار و الهواء في العالم الجسماني للاقاليم السبعة التي هي كرة واحدة من الماء و التراب و مقام الناطق و الاساس في العالم الوضعي للأئمة السبعة،و مقام العقل و النفس في العالم الروحاني للحروف العلوية السبعة،و ان هذين الفلكين لا يعدوهما الحكماء 1و النطقاء مع الافلاك السبعة بوجه من الوجوه ليكون ذلك دليلا على ان الافلاك السبعة معدن العذاب،و الفلكين العظيمين معدن اصحاب الاعراف الذين تخلصوا من العقاب و هم الملائكة الذين ينتظرون الثواب،و الدليل على ذلك قوله تعالى: اَللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّٰهَ قَدْ أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً و ذلك ان في أحاديث الرسول (صلعم)سبع سماوات في وقت من الاوقات،و قد اجتمعت الامة كلها على ان السموات سبع،و كذلك الفلاسفة و المنجمون لا يقولون ان الافلاك المدبرات اكثر من سبعة،و انهم اذا ارادوا ذكر جميع الافلاك في كتبهم قالوا:افلاك المدبرات السبعة و الفلكان العظيمان، و قالوا أيضا الافلاك السبعة و فلك البروج و فلك المستقيم،و قالوا أيضا بان لهذين الفلكين فلك الكواكب الثابتة و فلك البروج،فكل هذا دليل على ان علماء الديانة و الفلاسفة كلهم من أول الدهر الى يومنا هذا يفرقون بين الافلاك السبعة و بين الفلكين العظيمين تصديقا لما بيناه و لا يولدون من دوران هذين الفلكين أية نار او حرارة كتولدها من دوران الافلاك السبعة التي دونها و لانهما من طبيعة خامسة و انهما خارجان من الطبائع الاربع، فلذلك استحالا ان يكونا هيولى شيء ما فيقبلان حين يقبلان شيئا من الحرارة و البرودة


1) سقطت في نسخة م.

و الرطوبة و اليبوسة لانهما مسلوبات عن صفاتهما،و الذي يحكى عن طبائع صفات البروج،فان ذلك من آثارها لا من ذاتها لانه قد يؤثر بالحرارة من ليس بحار كالحركة و يؤثر بالبرودة من ليس باردا كالسكون،و ممّا يزيد قولنا تأكيدا ان هذين الفلكين لو كانا من طبع التراب و الماء اذن لتحركا عن المركز،فلمّا كانت حركتهما لا الى المركز و لا عن المركز اخذنا العجب،و هل يتحرك شيء من الافلاك السبعة الى المركز او عنه، و حركة المحيط اسرع الحركات فيجب ان تكون النار المتولدة بينه و بين فلك البروج اعظم النيران،و دوران الكل على المركز،فالكل له طبيعة خامسة توجب تلك الطبيعة حركة على المركز اذا فهما يتحركان على المركز و يدوران و يديران معهما الافلاك السبعة كحجر المغناطيس الذي يدور معه الحديد اينما دار،و ان كان طبعه مخالفا لطبع الحديد،و لو لا وصل هذه الافلاك السبعة بهذين الفلكين على سبيل وصل الحديد لحجر المغناطيس و الاّ كانت تبدلت و انحدرت بعض اجزائها الى الاسطقصين المحركين للمركز في عالمهما،فلأجل هذه الفضيلة أيضا فرقت الحكماء باسرها بين هذين الفلكين،و بين الافلاك المدبرات السبعة حتى لم يذكروهما معهم.

و حدثني بعض من اثق به و هو:«أبو دهرية عليم بن خليف السبقي»قال:

سألت الحكيم الخرساني اعلى اللّه درجته و هو في العمل عن الفلكين العظيمين،و قلت ان حكماء المنجمين و الفلاسفة قد أجمعوا على ان الافلاك تسعة،سبعة منهم مدبرات و اثنان عظيمان لا يعدان مع سائر الافلاك،فما بال رسول اللّه اخبرني عن السموات السبع التي هي الافلاك السبعة و لم يبين في التنزيل و لا في الاخبار اثرا لهذين الفلكين مع شهرة امرهما عند جميع الحكماء و علو شأنهما بين حذاق المنجمين؟و مع قوله عز و جل: وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لاٰ طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ إِلاّٰ أُمَمٌ أَمْثٰالُكُمْ مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ و قوله: وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لاٰ يَعْلَمُهٰا إِلاّٰ هُوَ وَ يَعْلَمُ مٰا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّٰ يَعْلَمُهٰا وَ لاٰ حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لاٰ رَطْبٍ وَ لاٰ يٰابِسٍ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ فقال:قد ذكرهما الرسول(صلعم)في أقاويله المروية عنه في

الكرسي و العرش،فالكرسي و العرش دليلان على الفلكين:الفلك المستقيم و الفلك الثامن، و قد أحاط الفلك المستقيم سائر الافلاك الثمانية و الارضين تصديقا لقوله تعالى: اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاٰ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاٰ نَوْمٌ لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّٰ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّٰ بِمٰا شٰاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ لاٰ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمٰا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فالسين و الياء من كرسي موجودتان في المستقيم،و الراء من عرش موجودة في البروج،فلمّا كان الامر على ما قلناه فقد تبين هاهنا تأويل قول رسول اللّه(صلعم)ان أرواح المؤمنين تصير بعد موتهم طيورا خضرا يطيرون تحت العرش الى يوم القيامة،و هذا القول مقابل لقوله (صلعم)ان ارواح الكفّار معذبة الى يوم القيامة في وادي حضرموت و يقال له وادي برهوت،و فيما بيناه دليل على ان الافلاك السبعة معادن العذاب،و الفلكان العظيمان معدنان لانتظار الثواب،و كما ان في الفلكين العظيمين من المثابين من ينتقلون في الثانية عند ظهور القائم سلام اللّه على ذكره بهويته البسيطة الى الثواب الابدي كذلك من في الافلاك من المعاقبين ينتقلون عند ظهور القائم سلام اللّه على ذكره بهويته البسيطة الى العقاب الابدي،و الصحيح المستقيم في الكرسي و العرش ان نقول انهما:دليلان على العقل و النفس في العالم الروحاني الاّ ان الفلك المستقيم و فلك البروج قد قاما في العالم الجرماني مقامهما،و كمقام الناطق و الاساس في العالم الجسماني،و العذاب الثالث هو عذاب الآخرة يوم بروز القائم سلام اللّه على ذكره بهويته البسيطة و كما ان الملائكة يصيرون يومئذ الى الثواب الابدي في العالم الروحاني،كذلك الأبالسة يصيرون يومئذ الى العقاب الابدي في العالم الروحاني أيضا،فكل شيء يلتذ به المثاب يؤلم به المعاقب على حسب ما بيناه و الدليل على ذلك قول اللّه تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا، وَ لَقَدْ قٰالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاٰمِهِمْ وَ هَمُّوا بِمٰا لَمْ يَنٰالُوا وَ مٰا نَقَمُوا إِلاّٰ أَنْ أَغْنٰاهُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّٰهُ عَذٰاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ مٰا لَهُمْ فِي

اَلْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاٰ نَصِيرٍ و هذا معناه في عذاب الافلاك السبعة،و الآخرة يعني في العذاب الابدي الذي يكون بعد القيامة،و ما لهم في الارض من ولي و لا نصير،و قوله تعالى: لاٰ يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ .

و الآن اذ نبين حال كل واحد من المتولدات الجسمانية و الروحانية و الطبيعية يظهر لنا حال المعاقبين الذين هم الشياطين و الأبالسة فنقول:انه لا بد لنا ان نقيس المتولدات الاربعة على الامهات الاربعة،فالمعادن مقابل التراب من الامهات،فلذلك استطاعت الاغتذاء منه كما لم ينتقل عنه من حال الى حال ما يغتذي منه،و كما ان المعادن اسفل المتولدات كذلك التراب اسفل الامهات،و كما ان المعادن ذوي الوان و لا طعم،كذلك التراب ذو لون و لا طعم،و ليس في المعادن آثار شيء من المتولدات الثلاثة الجسمانية لانها اسفل المتولدات،و النبات مقابل الماء من الامهات فلذلك استطاع الاغتذاء منه برأسه الراسب في الارض،و كما ان النبات ثاني المتولدات،و الطف من المعادن كذلك الماء ثاني الامهات و الطف من التراب،و كما ان النبات بلون و طعم،فكذلك الماء بلون و طعم،و كما ان النبات قاهر للتراب و المعادن من جهة واحدة التي هي السبق الاعلى على جميع الجهات،و ان اثر المعادن موجودة في النبات و هو النواة،و قد تفرّد النبات بقوته النامية فضلا عليها،و الحيوان الاخرس مقابل الهواء فلذلك استطاع استعماله للاغتداء منه حينما يتنفس،و كما ان الحيوان الاخرس ثالث المتولدات كذلك الهواء ثالث الامهات، و كما ان الحيوانات الخرس قاهرة للتراب حين وطيه و حفره،و الماء حين شربه،و النبات حين اكله،و المعادن حين علاها من جميع الجهات،كذلك الهواء محيط بالماء و التراب من جميع الجوانب و آثار المعادن و النبات موجود في الحيوان الاخرس و هي العظام 1و القوة النامية،و تفرد بالروح الحسيّة فضلا عليهما،و البشر من المتولدات الاربعة الجسمانية و اعلاها و الطفها كذلك النار رابعة الامهات الاربعة و أعلاها و الطفها،و كما ان البشر قاهر


1) سقطت بنسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 140)

لما دونه من المتولدات كالتراب حين وطيه و حفره و استعماله في اينيته،و قد جعل بعضه مزارع و بعضه مراحا،و الماء حين اجراه في الطواحين على وجه الارض،و الهواء حين جعل منه الطواحين،و فرق بين التبن و الحبوب،و اظهره في المراوح ليتنفس به،كذلك النار محيطة بالهواء و الماء و التراب و آثار المعادن و النبات و الحيوان الاخرس موجودة فيه، فعظامه مقابل المعادن و قوته النامية التي بها يزداد شعره و أظفاره،و جسمه مقابل التراب و قوته الحسيّة التي بها يبصر و يسمع و يشم و يذوق و يلمس مقابل الحيوان الاخرس،و قد تفرد بالروح الناطقة فضلا عليهم جميعا فكل واحد من هذه المولدات الاربعة التي ذكرناها،و ان كان مقابل الام من الامهات الاربع التي هي الصور القائمة لم يحل عن سائر الامهات بطبعه و جسده المجبورين لانهم جميعا مجبورين بطبائعهم و اجسادهم.

فامّا المتولدات الاربعة الروحانية التي هي الشياطين و الأبالسة و الجن و الملائكة فكل واحد منهم لا يخلو من المتولدات الاربعة التي هي الهيولى على الترتيب،و لو لا انهم مختارون في اجسامهم و أرواحهم جميعا،الاّ انهم من جهة تثبت بقية آثار المتفردات فيهم مجبورون، و انا اقيس المتولدات الاربعة الروحانية على هذه المفردات الاربعة قياسا مجازيا لا حقيقيّا،فأقول:ان الشياطين مقابل الرطوبة و ذلك لان لطائف المفردات الاربعة متثبتة بهم،و ذلك ان الامهات الاربع التي كل واحدة منها روح متثبتة بالمتولدات الاربعة الروحانية على الترتيب،و كما ان المفردات الطف من الامهات كذلك الذي تثبتت به المفردات الطف من الذي تثبتت به الامهات،و الأبالسة مقابل البرودة لانهم قد خلوا من الرطوبة فلم يبق من آثارها فيهم شيء،الاّ ان بعض لطائف آثار المفردات الثلاثة متثبت بهم،و لهذه العلة صار الشياطين و الأبالسة معاقبين في النار المتولدة من الافلاك، لان النار منهمكة في احراق الاشياء الباردة الرطبة،و لا يمكنها احراق اليابس الحار لان النار لا تحرق نفسها،و الدليل على ذلك ما نراه في المشاهدة من احراق النار الاشياء الباردة الرطبة و عجزها عن احراق الحار اليابس و لو لا برودة في الحطب و سائر النبات و رطوبة في الاشياء الدهنية و الاّ لم يكن يتهيأ للنار احراقها و الاشتعال بها،و فيما ذكره الحكيم الصادق اعلى اللّه درجته في كتاب«المحصول»من مضادة النار و الماء البارد

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 141)

الرطب،و انهما كهما في احراقه غنى عن الاعادة في هذا الكتاب،و الجن مقابل اليبوسة و ذلك لانهم قد خلوا من الرطوبة و البرودة و لم يبق فيهم من آثارها شيء الاّ ان بعض لطائف اليبوسة و الحرارة متثبتة بهم و قد قيل ان قوالبهم هوائية،و قوالب الملائكة نارية، و أهل الجنة مستغنون 1عن الامهات،و لذلك صار وضوء الانسان مائيا و تيممه ترابيّا، و وضوء الجن هوائيا،و تيممهم مائيا،و لذلك توضأ رسول اللّه ليلة الجن بنبيذ التمر لانه من جنس الماء الذي يجوز للجن التيمم به كما يجوز للبشر التيمم بما هو من جنس الارض كالصفاء الثابت و التراب،و وضوء الملائكة ناري،و تيممهم هوائي رواه:أبو عبد اللّه النيسابوري،عن رابع الخلفاء عليهم السلام،و من هاهنا قال:بان الأئمة لما جاز ان تثبت الروح بالقالب الهوائي و الناري الذين هما الطف من الارض و الملائكة مقابل الحرارة لانهم قد خلوا من الرطوبة و البرودة و اليبوسة و لم يبق فيهم من آثارها شيء،الاّ ان بعض لطائف الحرارة متثبت بهم و كذلك ضرب اللّه تعالى مثل بعضهم قبل العصيان بالنار حيث قال: قٰالَ مٰا مَنَعَكَ أَلاّٰ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قٰالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ و هذا مرموز خفي مستور بيّنه في كتاب البرهان، و كما ان البرودة الطف من الرطوبة،و اليبوسة الطف من البرودة،و الحرارة الطف من اليبوسة كذلك ابليس الطف من الشيطان،و الجن الطف من ابليس،و الملك الطف من الجني،و كما ان الاثنان الذين هما المعادن و النبات من المتولدات الاربعة الجسمانية، و الاثنان الذين هما الحيوان الاخرس و البشر احياء كذلك الاثنان الذين هما الأبالسة و الشياطين من المتولدات الاربعة الروحانية معاقبون،و الاثنان الذين هما الجن و الملائكة مثابون،و كما ان بدء التراكيب كان من المفردات التي هي الهيولي،ثم من الامهات التي هي الصورة،و لذلك كان مجاز الصورة الروحانية عند تخلصها من الامهات على المفردات حتى يتهيأ لها بذلك التخلص من الجميع و الوصول الى معدنها الذي بدت منه متنعمة خالدة،و كما ان بدء الصورة الجسمانية من المفردات،ثم من الامهات كذلك


1) وردت بنسخة ق مستغنية.

بدء الصورة الروحانية،من الامهات ثم من المفردات على العكس،فلذلك قلنا ان بدء انبعاث الصور الجسمانية من الآباء التي هي الافلاك،ثم من الامهات التي هي الاستقصات،و بدء انبعاث الصور الروحانية من الامهات التي هي الاستقصات،ثم من الآباء التي هي الافلاك،و النسبة ابدا ثابتة و كما ان المتولدات الاربعة الجسمانية من الامهات الاربعة التي هي التراب و الماء و الهواء و النار كذلك المتولدات الاربعة الروحانية من القوى الاربعة التي هي النامية و الحسية 1و الناطقة و العاقلة،و كما ان كل واحدة من الارواح الاربعة اثر في كل واحدة من المتولدات الجسمانية من السفل الى العلو،ثم قام الجميع المتولد الخامس من السفلي مقام القالب،كذلك اثر كل واحد من المفردات الاربعة في كل واحد من المتولدات الاربعة الروحانيين من العلو الى السفل،ثم قام حيث صار صورة للمتولد الخامس من السفل مقام القالب كذلك اثر كل واحد من المتولدات الاربعة الروحانيين من العلو الى السفل ثم قام حيث صاروا صورة المتولد الخامس من اعلى مقام القالب،و كما ان كل مولود كان اعلى و الطف من المواليد الاربعة الجسمانية كانت الارواح فيه اكثر،كذلك كل مولود هو اسفل و اكتف من المواليد الاربعة الروحانية كانت المفردات فيه اكثر و انما كان ذلك كذلك لان المواليد تجتهد في التخلص من الطبائع و آثارها في الجبر و الاجتبار حتى يتهيأ لها بذلك الوصول الى العالم الروحاني و كل مولود هو اسفل و أكتف فهو في آثار الطبائع الطخ،و كل مولود هو اعلى و الطف فهو في آثار الطبائع ابعد و اصفى،و مثل ذلك كمثل درة وقعت في الغائط و البول فمتى ما رفعت منهما كانت ملطخة فإذا غسلت مرارا ذهب عنها النتن،و رجعت الى حالتها الاولى،فشبهنا الارواح بالدرة و شبهنا وقوع الدرة في الغائط و البول بتثبت المفردات بالمتولدات الاربعة الروحانية،و شبهنا صفاء الدرة عند ذهاب النتن عنها بالصورة المستقيمة الروحانية الخالدة الابدية و الصافية التي هي الانسان بالفعل،و كما ان قوى الارواح كانت آثار في المتولدات الاربعة الروحانية و قوالب المتولدات الاربعة الجسمانية و كأبدانها


1) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 143)

و نشوء المتولدات الروحانية في عالم الامهات وجب ان تكون قوالبهم في بدئهم من الامهات،و كما ان خروجها من حد القوة الى حد الفعل كان خارجا من عالم الامهات وجب ان تكون قوالبهم من الارواح،و قد ذكرنا ذلك في كتابنا هذا عند ذكر الارواح و القوالب،و نعود لذكره بالنظر لحاجتنا إليه في هذا المكان و لا حول و لا قوة الاّ باللّه.

فامّا اهل الجنة الذين هم الانس بالفعل فانهم قد تخلوا عن جميع الطبائع و فارقوا جميع الامهات و المفردات و قواهم الروحانية التي بها يكون قرارهم و هو القائم سلام اللّه على ذكره و مائهما الروحاني النفسي و هوائهما الروحاني للعقل،و قامت الكلمة للعقل و النفس، و القائم في العالم العلوي مقام النار للهواء و الماء و الأرض في العالم الاسفل و هاهنا يصح تأويل قول اللّه تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ الْوٰاحِدِ الْقَهّٰارِ و قوله: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّٰ مَنْ شٰاءَ اللّٰهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرىٰ فَإِذٰا هُمْ قِيٰامٌ يَنْظُرُونَ وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا وَ وُضِعَ الْكِتٰابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ و هذا التأويل هو تأويل الانتهائية،و تأويل آخر في هذا المعنى غير الذي بينّاه و هو اسفل المتولدات الاربعة الجسمانية المعادن و هو مقابل الارض الجسمانية،و ثانيها النبات و هو مقابل الماء الجسماني،و ثالثها الحيوان الاخرس،و هو مقابل الهواء الجسماني،و رابعها البشر و هو مقابل النار الجسمانية،ثم ترجع المعقولات الاربعة الروحانية في الدوران معكوسة عندنا لا عندهم حتى يصل الرابع منهم الى القرار الذي هو الارض الروحانية،و ذلك ان الأبالسة مقابل النار الروحانية و لهذا عوقبوا بها في الآخرة عند بروز القائم سلام اللّه على ذكره بهويته البسيطة،و الجن مقابل الهواء الروحاني،و الملائكة مقابل الماء الروحاني، و اهل الجنة مقابل الارض الروحانية،و العقل و النفس مقابل الشمس و القمر الروحانيين و الكلمة مقابل نور الشمس الروحاني.

و جميع ما قلناه و فصلناه تقربا الى الاوهام و تقريرا في الافهام لان هناك مكانا و زمانا و انتقالا و تحويلا يؤكد قولنا في هذا البيان ما قاله«بليانوس»الحكيم في كتابه المسمّى

«مواريث الحكماء»قال:انه لمّا وجب ان تكون القوة الطبيعية في اوّل الحال أرجح و القوة النفسية اضعف،أوجب ذلك ان القوة الطبيعية في الآخرة تصير ضعيفة،و القوة النفسية تصير قوية،و كان الموجود أولا من المواليد الخيال،و كانت كثافتها من النفس، و كانت كثافة كثيرة غزيرة و لطافة قليلة ضعيفة فوجب بذلك ان تصير القوة النفسية في آخر الحال عظيمة مثل الخيال،و القوة الطبيعية مثل اللطافات التي فيها ضعفا و صغرا، فإذا كان ذلك كذلك فهو الجبل قياسه الاّ ان الغرض كان ان تصير اللطافة خارجة كما كانت الكثافة خارجا،و لكن اللطافة في الكثرة و القوة مثلما كانت الكثافة،و ذلك ان المواليد انما وجد ان تنشأ من هذه الارض التي هي غاية الكثافة و كان انتهائها الى النفس التي هي غاية اللطافة،فلمّا ابتدأ في التولد جاء الولد بقشر يشبه والدته التي هي الارض و في الحالة الثانية بقشر يشبه والدته الاخرى التي هي الماء،و في الحالة الثالثة بقشر يشبه والدته الثالثة التي هي الهواء،و في الحالة الرابعة بقشر يشبه والدته الرابعة التي هي النار،و الحالة الاولى هي الياقوتية و الذهبية في قشورها الحجرية الكثيفة،و الحالة الثانية هي الاصباغ و الأراييح و المذاقات في قشورها النباتية،النامية،و الحالة الثالثة هي البهيمية في قشورها الحسيّة،و الحالة الرابعة هي البشرية في صورتها الصافية المستقيمة التي هي مقابل النار التي انتصابها كانتصاب البشر،و اذا تناهت به هذه الاحوال الأربع انتهى منها الى حال خامسة هي الطف من هذه،و صار يتدرج منها درجة درجة حتى ينتهي ثانيا الى درجة الأرضية،الاّ ان تلك الارض تكون حينئذ الطف من هذه النار الجسمانية بدرجات لا تحصى عددا،و هذا رمز له حقيقة،و ذلك ان المولود اذا بلغ حد النار التي هي الحال الرابعة من صورة البشرية رجع بعد الموت في الدوران معكوسا متقلبا تحت نار لطيفة روحانية 1مؤدية في التدبير اذا كان مستحقا للثواب الى هواء لطيف روحاني 2يؤديه ذلك الماء الى ارض لطيفة روحانية ينتهي به القرار إليها، فلها اذا عند تدبير كل انتقال من الانتقالات الروحانية أيضا ظهورا في عالمه بصورة لها


1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة ق.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 145)

قشر يشبهها الى ان ينتهي به القرار الى الارض التي تنعكس إليها،فابتداؤه ارضي و نهايته ارضية و هاهنا نبين قوله تعالى: مِنْهٰا خَلَقْنٰاكُمْ وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهٰا نُخْرِجُكُمْ تٰارَةً أُخْرىٰ و الاخراج تارة اخرى ان الصورة اذا انعكست إليها في الحالة الآخرة نشأت نشوءا نباتيا فظهرت عجائبها،و هو اخراج الارض اثقالها التي ذكرها اللّه تعالى في القرآن،و هاهنا نبين تأويل قول اللّه تعالى: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا وَ وُضِعَ الْكِتٰابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ و تأويل قوله يوم تبدل الارض غير الارض،و فيما هو مشروح في كتاب(الفصل)و في كتاب«البرهان»غنى عن إيضاحه في هذا الكتاب و انما بينت طرفا مرموزا ليكون الباحث عند قراءته في طلب العلم الثالث الذي هو علم الحقائق حريصا في البحث عنه من عند أربابه،و لا حول و لا قوة الاّ باللّه العلي العظيم.

و إذ قد بينت ما بينت اقول:ان اشباه الانعام الذين قال اللّه تعالى فيهم: وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ الْغٰافِلُونَ فلو كانوا قد وقفوا على علم التوحيد،ما كانوا مقلدين،و لو لم يكونوا مقلدين ما كانوا في الدوران بين الامهات معذبين فيما بين الحياة و الموت تشبيها بالحيوانات الخرس و الانعام،ثم ان الواقفين على الصناعات التي هي صناعة الطب و الهندسة و النجوم و الفلسفة و الفقه و الكلام،لو كانوا وقفوا من جهة التأويل و الحقائق على علم التوحيد و الدلائل و التنزيل و الإرادة،و ما هو المراد بكيمياتها و كيفياتها و لمياتها و أنزلوا كل واحد منهم منزلته،ما كانوا منكرين،و لو لم يكونوا منكرين ما صاروا شياطين،و لو لم يصيروا شياطين ما كانوا بين الافلاك الستة معاقبين على قدر بقاء صورهم التي تؤديهم الى الدوران بين الامهات،ثانيا ان الواقفين على ما كان مستورا عند الشياطين لو لم يجحدوا ما كانوا ابالسة و لو لم يكونوا أبالسة ما صاروا معاقبين خالدين آبدين 1،و الدليل على ذلك ان عزازير لو كان في علمه ان المعبود المطلوب السجود إليه هو


1) في نسخة م وردت مؤبدين.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 146)

الباري تعالى دون آدم و ان كان هو المدلول به آدم ما صار ابليسا لكنه لمّا اراد لآدم ما كان يتمنى لنفسه جحد مرتبته كذلك و عصى المعبود و المدلول حتى صار معاقبا،ثم ان كل شريعة الفها رسول من الرسل بعد آدم كان بناءها في الباطن على الدلائل و المدلول اذا كان سبيلهم في ذلك لان كل شيء اراد ان يحدث في اولاد آدم صلوات اللّه عليه و عليهم و ذلك لان كل شيء اراد ان يحدث في اولاد آدم جعله اللّه عز و جل مبروزا في امور آدم، كما ان كل شيء يكون بدئه من شيء فهو مبروز في ذلك الشيء الاول بالقوة،فلهذا قلنا ان اللّه تعالى جمع في آدم و حواء كل ما يجري في جميع اولادهما من الطاعة و المعصية و الذنب و التوبة،و غير ذلك لا يحدث في اولادهما ممّا قل او كثر،عظم او صغر،الاّ و قد جرى ذلك على آدم و زوجته و ذلك ان اولادهما بين مطيع و عاصي و بين كافر متمرد و مؤمن مخلص و بين رسول كامل و عدو تام العداوة بإزائه،و ان من اشتهر بغلظ الجثة الموصوفة في كور آدم شبيها بكون البشر في بدئه و سكونه في دار الخلد اشبه بما ينتهي إليه الصالحون منهم بما وعدهم ربهم من رجوعهم الى دار الخلد مثابين،و ان آدم و حواء كانا مجمع البشر كذلك اولادهما،و ان كثر عددهما لا يجاوزون من ذكر و انثى،و ان عصيان آدم شبيه بما يرتكب العاصي من المناكر،و توبته شبيهة بتوبتهم،و قبول توبته شبيه بقبول توبتهم،و مضادة ابليس شبيه باضداد الرسل و الأنبياء على ما قال اللّه تعالى: وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيٰاطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ مٰا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ مٰا يَفْتَرُونَ فالذي لم يجري من آدم جرى من أولاده في حياته فوقف عليه من ذلك قتل قابيل هابيل فجرى ذلك في البشر الى يوم القيامة،و من البشر من يخرج من الدنيا على الطاعة المحضة من اوّل عمره الى آخره و هذا شبيه بهابيل، و منهم من يخرج من الدنيا على المعصية من اوّل عمره الى آخره فهو شبيه بقابيل،و منهم من يجري امرا على الطاعة و المعصية شبيه بآدم،و قد قال اللّه تعالى: فَأَكَلاٰ مِنْهٰا فَبَدَتْ لَهُمٰا سَوْآتُهُمٰا وَ طَفِقٰا يَخْصِفٰانِ عَلَيْهِمٰا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ

فلهذا قلنا ان الشرائع التي شرعها الرسل بعد آدم لبناؤها على علم التأويل،و الدلائل و المدلول اذا كان السجود الذي امر اللّه تعالى الملائكة به لآدم مبينا على علم التأويل و الدلائل و المدلول،و كان المعبود بذلك السجود للباري جل ذكره،و المدلول به آدم،و العبادة هي السجود، و الدلائل هي علم التأويل لذلك السجود فكذلك الشرائع التي الفها محمد(صلعم)فان سجودها مدلول آدم دورنا و المعبود بها اللّه جل ذكره دون آدم،و ذلك لان التنزيل و الشرائع حكم الظاهر و حكم الباطن،فامّا حكم الظاهر فهو الوقت و الوضوء و الصلاة و ما اشبههما، و حكم الباطن هو معرفة الدلائل و المدلولين و مراتبهم،و أنزل كل واحد منهم منزلته،و الاقتباس من علومهم،و كما ان الصلاة لم تجري في حكم الظاهر الاّ بمعرفة الوقت و لم يكن المعبود بذلك الاّ الباري جل و عز دون الوقت،كذلك الصلاة لا تجوز في حد حكم الباطن الاّ بمعرفة المدلول،و لم يكن المعبود بذلك الاّ الباري جل و عز دون المدلول،و الاّ فما الفرق؟ و أيضا و هو انّا لمّا رأينا الصلاة لا تجوز في حكم الظاهر الاّ بالقبلة و الماء و التراب،و المعبود هو الباري جل و عز دونهم علمنا بذلك ان الصلاة أيضا في حكم الباطن لا تجوز الاّ بمعرفة التأويل و الدلائل و المدلول و المعبود بها هو الباري جل ذكره دونهم،قال اللّه عز و جل:

فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ اي عن تأويل صلاتهم غافلون،و قال: عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ تَصْلىٰ نٰاراً حٰامِيَةً و كذلك سبيل اسماء اللّه و صفاته هي هذه السبيل التي وصفناها،اذ كل صفة منها دليل على حد من الحدود الذين هم وسطاء بين الباري جل و عز،و بين الباحث المستجيب،و المراد به اللّه دونهم،فالواصف هو الباحث،و الصفات هي الدلائل،و الموصوف هو المدلول و المراد به هو الباري جل و عز دونهم،و المراد هو المعبود،وعد الصفات هو العبادة، و العاد هو العابد،فعد الصفات لا تجوز الاّ بمعرفة الموصوف و المعبود بعدها هو الباري جل و عز دونها،و كذلك قال رسول اللّه(صلعم):انّ للّه تسعة و تسعين اسما من أحصاها دخل الجنة،عنى بذلك الحدود المنصوبين لنشر امر اللّه بين المستجيبين و هم تسعة و تسعين عددا فمن عرفهم و تولاهم و أنزل كل واحد منهم منزلته الموهوبة له و علم ان المعبود بذلك هو الباري عز و جل دونهم استحق المفاتحة،و اطلق لسانه،و ابيح له التغلب

و التصرف في علم الحقيقة في هذا العالم،و وجب له الثواب الجزيل في معاده،و مثل هذا قول رسول اللّه(صلعم):من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنة،فقيل يا رسول اللّه و ما اخلاصها؟قال:معرفة حدودها و أداء حقوقها،و تأويلها الموجز هو تأويل قوله ان للّه تسعة و تسعين اسما من احصاها دخل الجنة،فامّا تأويلها التام فقد ذكره الحكيم الصادق في كتاب«المحصول»و في ذلك غنى و بلاغا عن إعادة ذكرها في كتاب من البيان،و سبيل سائر الشرائع في باب التأويل،و الدلائل و المدلول هي هذا السبيل التي ذكرناها،الاّ اني تركت ذكرها مخافة التطويل،لان الغرض في هذا الكتاب هو البيان عن امور الملائكة و الجن و الشياطين و الأبالسة،و الاّ كنت اذكر باطن كل شريعة منها على نحو ما يوجبه التنزيل و التأويل معا.

و ممّا يزيد ما قلناه من وصف تعذيب الأبالسة و الشياطين تأكيدا،لان الاشياء المخرجة و المخرجة من حد القوة الى حد الفعل من البدء الى الانتهاء منقسمة على سبع ارباع اثنان من كل أربعة:لطيفان،و اثنان كثيفان،فالأربعة الاولى منها فوق الطبيعة، و الاربعة الثانية عناصر الطبيعة،و الاربعة الثالثة عالم الطبيعة و الاربعة الرابعة علل القبل و البعد،و الاربعة الخامسة الامهات الطبيعية،و الاربعة السادسة المتولدات الجسمانية و الاربعة السابعة المتولدات الروحانية،و انا ابين جميع ذلك على سبيل الايجاز و الاقتصار مخافة التطويل و ملالة القارئ فان استغلق على المتعلم منه شيء يسأل المستنبطين عن ذلك او قرأ كتب الفلاسفة الاسلاميين فيجد جميع ما ذكرته في كتابي هذا،و لم ابين الاّ النكت منه هناك مشروحا مبينا،و فيما ذكره الحكيم الصادق في كتاب«المحصول»غنى عن اعادته ثانيا في هذا الكتاب،ثم اني اصف الارباع السبعة فأقول:ان كل واحد من هذه الارباع اسم هو مجمعها،و ان الكلمة تجمع الاربعة التي هي فوق الطبيعة، و ان الاثنان منهما مختاران سميعان بصيران حيان عالمان قادران و هما العقل و النفس،و ان كل واحد منهما محدود لا الى غيرهما و لا نهاية لهما الاّ من جهته التي اتحد كل واحد منهما بصاحبه،و ان العقل مبدع ابدعه الباري جل و عز لا من شيء،و النفس مخلوقة قد خلقها الباري تعالى من العقل و الاثنان منهما مجبوران منفعلان من فوق و فاعلان بالجبر من

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 149)

تحت و هما الحركة الوهمية و السكون الوهمي و هما متولدان من العقل و النفس،و ذلك ان العقل لمّا كان تاما بالفعل و النفس تامة بالقوة،و صارت النفس محتاجة الى فوائد العقل تفتدي بها،فتصير تامة بالفعل،فمن اضطرابها لا تدعي الفوائد،حدثت حركة وهمية ثم سميت راحتها عند ما نالت الفداء و السكون الالهي،و كلاهما متولدان من النفس الا ان النفس لما كانت منبعثة من العقل اضيف تولدها إليهم جميعا.

و امّا الاربعة التي هي عناصر الطبيعة فيجمعهم الهيولى و هي المفردات الاربعة التي هي الحر و البرد و اليبس و الرطب،فاثنان منها جوهران متولدان من الحركة و السكون الوهميان احدهما ذكرا و الآخر انثى قابل،فامّا الذكر فهو المتولد من الحركة الوهمية و هو الحر، و الانثى متولدة من السكون الوهمي و هي البرد فمن هاهنا وجب ان الحركة تولد الحرارة حيثما كانت و السكون يولد البرودة،و كما ان الحركة كانت فاعلة فقد ولدت فاعلا ذكرا، و السكون كان قابلا ولد البرودة انثى فجاءت مهيأة لقبول الفعل،و اثنان منهما منتجان متولدان من الحر و البرد احدهما فاعلا ذكرا و الآخر قابلا انثى فامّا الذكر فهو المتولد من الحر و اليبس،و الانثى متولدة من البرودة و هي الرطوبة،و كما ان الحركات فاعلا ذكرا،و البرد كان قابلا انثى اولد قابلا انثى،و امّا الاربعة التي هي عالم الطبيعة فيجمعها الصور و المشرق و المغرب و الشمال و الجنوب المتولدة من الهيولى التي هي المفردات،فاثنان منها ذوي جسدين لان كل واحد منها ذكر و انثى احدهما المشرق و هو حار رطب جوهره ذكر و نتيجته انثى و له من البروج الجوزاء و الميزان و الدلو و من الكواكب المدبرات المشتري و الرأس و الآخر المغرب و هو بارد يابس جوهره انثى و نتيجته ذكر،و له من البروج الثور و السنبلة و الجدي،و من الكواكب المدبرات زحل و الذنب و عطارد،و اثنان منها ثابتان، لان كل واحد منهما من نوع واحد اعني الذكرية و الأنوثية،احداهما الجنوب و هي حارة يابسة و جوهرها و نتيجتها ذكر و لها من البروج الحمل و الاسد و القوس و من الكواكب المريخ و الشمس و الآخر الشمال و هي باردة رطبة جوهرها و نتيجتها انثى و لها من البروج السرطان و العقرب و الحوت،و من الكواكب الزهرة و القمر،و منتهى الجنوب خراب لشدة حرارته، و لا ينبت هناك نبات او زرع،و لا يكون لشيء من الحيوان فيه ثبات،و كذلك منتهى

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 150)

الشمال خراب و ذلك لشدة برودته،و لا يبقى هناك شيئا من الاشياء الحيوانية و لا النباتية و لا غيرهما،و من هاهنا صار جميع البشر الذين بناحية الجنوب سودا،و جميع البشر الذين بناحية الشمال بيضا،فمثلهم في ذلك كمثل الخبز الذي في التنور،فاذا خرقت من شدة الحرارة صارت سوداء و اذا لم يكن الخبز محترقا و لينا كان آدما،فلذلك كان البشر الذين هم في المركز من قطب الجنوب و الشمال آدما سمرا،و المنجمون يسمون العالم الجرماني عالم الافلاك و النجوم،و الفلاسفة يسمون عالم الطبيعة،كما سميناه نحن في هذا القول.

فامّا الاربعة التي هي علل القبل و البعد فيجمعها جهتان و هي الصيف و الشتاء،و الربيع و الخريف المتولدة من عالم الطبيعة،و هي الافلاك و الكواكب و البروج،اثنان منها اصلان احدهما الصيف و هو حار يابس جوهره و نتيجته ذكر،و الآخر الشتاء و هو بارد رطب جوهره و نتيجته انثى،و قد ذكر اللّه تعالى الشتاء و الصيف في قوله: لِإِيلاٰفِ قُرَيْشٍ إِيلاٰفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتٰاءِ وَ الصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هٰذَا الْبَيْتِ اَلَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ و لم يذكر الربيع و الخريف لان الشتاء و الصيف اصلان،و الربيع و الخريف منسوبان إليهما متولدان من بينهما،و اثنان منهما فرعان احدهما الربيع و هو حار رطب جوهره ذكر و نتيجته انثى شتوي،و الآخر هو الخريف هو بارد يابس و جوهره انثى شتوي،و نتيجته ذكر صيفي، و امّا الاربعة التي هي الامهات فيجمعها الفضاء و هي النار و الهواء و الماء و الارض،فاثنان منهما لطيفان احدهما النار و هي من عكس المريخ و الشمس و المريخ و هي حارة يابسة جوهرها و نتيجتها ذكر و ثانيها الهواء و هو من عكس المشترى و هو حار رطب جوهره ذكر و نتيجته انثى،و اثنان منها كثيفان احدهما الماء و هو من ثقل الزهرة و القمر و هو بارد رطب و نتيجته انثى،و الآخر هو الارض و هي ثقل زحل و الذنب و هي باردة و يابسة و جوهرها انثى و نتيجتها ذكر،و لمّا كان جوهرهما انثى صار اكتف من النار،و الهواء محيطا بهما،و صاروا ملونين لكثافتهما،و لا لون للنار و الهواء للطافتهما،و قد روى الحكماء القدماء من اصحاب الطبائع،ان الملون بالحقيقة منها هي الارض و ذلك لاجتماعها و تماسك أجزائها،لانها في طبعها باردة يابسة،و هاتان الطبيعتان يوحيان الانحصار،

فإذا انحصر الجسم غاية الانحصار،و لم تمتزج او تتبدل أجزاؤه من ملاقات الخامس، ادرك البصر كيفيته و لونه،و امّا الماء فقد اوجبوا ان له لونا ضعيفا شديد الاستحالة، و ذلك انه كان محسوسا بالبصر،فان لملاقات الارض،و ما يحيط به من الاماكن، و على قدر كميّته،و في انحصاره تختلف الالوان المحسوسة فيه فانه اذا كان منسطح 1على سطح الارض مصخر لونه الصفاء و البياض،و اذا كان محصورا في موضع عميق و كان كثير الكيمية فيه و رأى لونه لتهيأت الخضرة و السواد و الالوان المختلفة و ذلك لرقته و تموج أجزائه،و امّا الهواء فقد اوجبوا ان لا لون له اصلا،فان ظن ظان ان ما يراد في اوقات الضباب و الابخرة انما هو لون الهواء،فقد اخطأ،لان ذلك المحسوس المرئي انما هو اجزاء ارضيته صعدت بها الحرارة فوقعت تحت حر البصر،و قال بعض الحكماء من اصحاب الطبائع،ان للهواء لونا ضعيفا اضعف من لون الماء لا تطاق رؤيته من ضعفه الاّ عند وقوع الشمس عليه في بيت مظلم و هو الدر الّذي يرى،و أوجبوا ان جميع العالم مملوء منه،و امّا النار فقد اوجبت الحكماء انه لا لون لها أصلا و ذلك لحرارتها و انبساط أجزائها،و امّا المحسوس الذي يسمّى نارا فانما هو لهب و نار عاملة من بخار او دخان قد التهب و اسعر فحركت النار فيه،و متى فارقتها البرودة و لم يلحقها البصر و ان كان الاحراق قائما،و كذلك اذا ضربها الهواء و الريح تغرق أجزاؤها كما تغرق اجزاء الماء المحصورة في موضع من الارض اذا ضربته ريح قاهرة له تغرق،و ان الريح هو الهواء اذا تحرك سمي ريحا و الماء اذا تحرك سمي موجا و الارض اذا تحركت سميت زلزلة و هذه الامهات الاربع في افعالها مجبورة طبيعية و ذلك لان فعل فلان فعل قدرة،و فعل طباع، و فعل قدرة يحتاج و يؤثر و يفعل في شيء واحد افعال متضادة و متخالفة و متشاكلة كفعل الانسان في الثوب لمّا يخيطه و يمزقه و يطويه على ضروب و ينشره على ضروب،و كفعل الصائغ في الفضة انه يحدث فيها و منها صورا كثيرة،و الطبيعة أيضا تفعل في شيء واحد و فعل واحد و تأثير واحد كفعل النار فانها محرقة ابدا،و أفعال الطبيعة ثلاث فقط ما دافع


1) وردت بنسخة م مسطوح.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 152)

بين متضادين،او قبول بين خلافين ليس بمتضادين،او تقوية بين شكلين و ليس غير هذه الافعال الطبيعية فعل البتة،و مثال ذلك ان الحرارة دافعة للبرودة التي هي متضادة او قابلة الرطوبة،و اليبوسة مضادة للحرارة،و البرودة مضادة للرطوبة و الشكل متفق لشكله فليس بين المتضادين قبول و لا تفرقة،و لا بين الخلافين دفاع و لا تقوية،و لا بين الشكلين دفاع و لا قبول،لان اسم قبل،لم يقبل ان يقع على ما يجوز ان يقبله و يقبل سواه الذي هو ضده كالحرارة التي قبلت اليبوسة،ثم خلتها عند قبول الرطوبة،و امّا المسمّى الحار و اليابس و البارد و الرطب فهي الامهات الشاغلة للفضاء الذي هو مجمعها حتى صار بتمكنها فيه مكانا لها و هو الحامل لهذه الطبائع المتضادة،فيصير بعد ان كان حارا باردا،و بعد ان كان باردا حارا،و بعد ان كان يابسا رطبا،و بعد ان كان رطبا يابسا،و الحرارة لا تصير برودة ابدا،و لا البرودة حرارة،و لا الرطوبة يبوسة،و لا اليبوسة رطوبة ابدا فعلى هذا السبيل سائر الاجسام من الفضاء هيأتها و عظمها و كبرها و مساحتها حتى يصير ذلك الفضاء مكانها لها لا على مقدار رزانتها و خفتها،و ذلك لانا اذا اخذنا آنية و ملأناها زيبقا و كان وزن الزيبق التي ملأ تلك الآنية الف درهم،ثم اخرجنا الزيبق و ملأناها ماء فيكون وزن الماء اقل من ثمانين ممّا بدرهم او بدرهمين قد استويا في المساحة و شغل المكان في العظم و الكبر،ثم صبيناه من الآنية و ملأناها زيتا صافيا فيكون وزنه اقل من سبعين ممّا بدرهمين او بثلاثة،و كلما افرغنا الآنية من هذه المصافي امتلأت من الهواء على مقدار ما كان فيها من الاجسام الى ان فرغناهما من الدهن،و استوت الاقدار الاربعة اعني الزيبق و الماء و الدهن و الهواء في العظم و الكبر و المساحة،و اختلفت في الاوزان اختلافا متفاوتا الى ان تمكن فيهم الهواء الذي لا وزن له،لانه اذا اخذت انية خالية من الهواء و من جميع الاجسام فوزنت ثم ملأت من الهواء و وزنت بميزان دقيق لزادت بعد الاملاء من الهواء شيء يسير،و قد اعتبرنا نحن ذلك و فصلناه في هذه الدائرة...و اللّه الموفق.

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 153)

> CS <

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 154)

هذا و ان الارض مركز لسائر الافلاك التي هي في جوفه،و الافلاك متحركة ابدا كالذكران و الارض ساكنة من تحتها كالاناث،و المتولدات تتولد فيما بينهما،ثم وجدنا بعد ذلك الفلك الاعظم الاعلى المعروف بالفلك المستقيم ساكنا و سكونه لا كالسكون المشاهد المعروف عندنا،و لا نجد ابدا الاّ ان نقول هو ساكن لمّا وجدناه مكانا للمتحرك و الساكن،و لكن نقول ساكن لا بنوع السكون المشاهد عندنا بل على سبيل ما ذكرنا لا يحويه الوهم،و ذلك لان السكون الوهمي المتولد من النفس قام له مقام الروح للبدن، و قال بعض المنجمين:ان الفلك المستقيم يسير في كل مائة و عشرين سنة مقدار ما يسيره فلك البروج في يوم و ليلة،و ذلك لان حركته بالحقيقة هي السكون الوهمي،لان كل واحد من اجزائه على اي حال وجد انما يوجد وقتين في مكان واحد،و هذا هو معنى السكون،و كل واحد من سائر اجزاء الافلاك لا يوجد بوقتين في مكان واحد،فلذلك وجب في مسيره،و في قول بعض المنجمين في كل مائة و عشرين سنة مقدار ما تسيره سائر الافلاك في يوم و ليلة،فكل حركة موجودة بينهما فهي من تأثير الفلك المستقيم و مستفادة منه،و لمّا ثبت ان يكون الفلك المستقيم ساكنا على ما قد ذكرناه سكونا وهميا لا حيّا وجب ان يكون فوقه حركة لطيفة هي في الفضل على السكون.

و قد علم الخاص و العام ان طعم العسل حلوا طيبا و كذلك هذه العلوم الربانية التي ذكرناها من تأويل الشرائع اذا عرضت على الارواح المريضة ثقل عليها قبولها،و تبحث عندها آثارها مثل الكفر و الزندقة،فلمّا كان الامر على ما وصفناه صحّ ان ذو الجسم و غداؤه لا ينتفع به الروح و لا غداء الروح ينتفع به الجسم،و ذلك لان رجلا ما لو احتاج للوصول الى علم الطب و الفلسفة و الدين في الشرائع فجمع من غذاء الاجسام الطف الأغذية و اعلاها من الفالوذج و اللحمان و غيرها،و أكلها ليصير بتلك الاغذية عالما بما ذكرنا لا يمكنه ذلك،و كذلك غذاء الروح و علمها لا ينتفع الجسد لغذائها،و انه لو جاء و اعلم الناس الى رجل جائع فتلا عليه علم الأولين و الآخرين لم يسكن بجسمه من لهب الجوع 1و ألمه،و لم ينتفع بتلك العلوم،و كان رغيفا يأكله في تلك الحال احب إليه


1) في نسخة س وردت المجاعة.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 155)

في ذلك الوقت من العلوم الرياضية و الدينية،فقد بان و صحّ بما قلناه ان غذاء الجسم لا تنتفع به الروح،بل تحتاج الروح الى غذاء لتناوله من جوهره الذي ظهر منه و ظهوره كل الكلمات التي تعلمها من والديه في ايام الصغر،و من العلماء في ايام الكبر،و ظهور الكلمات كان من الكلمة المحضة التي هي علة العقل و النفس،فكل من اكثر الغذاء من جوهره الذي بدأ منه و هي الكلمة التي ايّد بها الرسل صلوات اللّه عليهم تنزيلا و تأويلا و هو معدن الثواب،لان الثواب معناه الرجوع،و امّا الفروع الاربعة فالامام و اللاحق و الداعي 1و المأذون،اثنان منهما لطيفان مؤيدان و هما الامام و اللاحق لان اللاحق يقبل العلم بالخيال الذي هو خاصة الامام،و يتهيأ له لا بالكلام المؤلف بالحروف،و اثنان منهما كثيفان:و هما الداعي و المأذون لانه لا حظ لهما في التأييد.

و امّا العوالم الاربعة فهم:العالم الروحاني و الجرماني و الجسماني و الوصفي،اثنان منهما لطيفان احدهما العالم الروحاني و الآخر العالم الوصفي الذي يتصل به و اثنان منهما كثيفان و هما العالم الجرماني و الجسماني،و الابتداء في العالم الروحاني من القلم و اللوح،كذلك الابتداء في العالم الجرماني من الفلك المستقيم و فلك البروج،و الأب؟؟؟ في العالم الجسماني من الهيولى و الصورة،و الابتداء في العالم الوصفي من الناطق و الصامت،و الابتداء في الشهادة من النفي و الاثبات و الفروع في الروحاني ثلاثة جد و فتح و خيال،و كذلك مناطق الافلاك ثلاثة الغربية و الشرقية و الوسطى،كذلك قوام العالم الجسماني ثلاثة اشياء طول و عرض و عمق،كذلك قوام العالم الوصفي ثلاثة اكوار:الاقرار و التعبد و العلم،فالاقرار اسلام،و التعبد ايقان،و العلم ايمان،كذلك قوام الشهادة ثلاثة احرف:الف،ل، ه‍،و الارواح التي تتصل من العالم الروحاني في العالم الجسماني أربعة:النامية و الحسية و الناطقة 2و العاقلة،و زمامها القدسية،كذلك جهات العالم الجرماني أربعة:المشرق و المغرب و الجنوب و الشمال،كذلك قوام العالم الجسماني بالامهات الاربع،النار و الهواء


1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 156)

و الماء و التراب،كذلك قوام كل كور في العالم الوصفي أربعة ادوار النطقاء،كذلك قوام الشهادة أربع كلمات لا إله الاّ اللّه،و الحروف العلوية في العالم الروحاني سبعة احرف على عدد اسباب الاصلين احدهما العلة و الثاني العقل و الثالث النفس و الرابع نظر العقل الى علته فهو لا يفارقها كملازمة كل شيء خاصيته و الخامس نظر العقل الى ما دونه بالافادة،و السادس نظر النفس الى العقل بالاستفادة،و السابع نظر النفس الى من دونها للافادة،كذلك مدار العالم الجرماني على المدبرات السبع،و كذلك في العالم الوصفي من دور الى دور سبعة ائمة و كذلك كلمات الشهادة على سبع قطع،و الاصلان و الفروع ثلاثة،و الحروف السبعة في العالم الروحاني في اثنى عشر حد و أيضا فان حروف القلم و اللوح و الجد و الفتح و الخيال غير مكررة اثنى عشر حرفا و كذلك قوام العالم الجرماني باثنى عشر برج،و كذلك قوام العالم الجسماني باثنى عشر جزيرة،و كذلك قوام العالم الوصفي من أوله الى آخره اثنى عشر باب للنطقاء،و أيضا فان العلوم في العالم الوصفي تظهر من جهة اللواحق الاثنى عشر،و كذلك الشهادة اثنى عشر حرفا فانها الدرجات الاربع و هي:

الأياسية و الكيمية و الكيفية و الليمية،اثنان منهما كثيفان و هما الاياسية و الكيمية،لان الواقف عليهما مهمل،و اثنان منهما لطيفان:و هما الكيفية و الليمية،فان الواقف عليهما مستحق للجزاء،و فيما ذكرنا من تأويل الدرجات الاربع عند صورة الدائرة بلاغ للعاقل و غنى عن إعادة ذكرها في هذا الموضع.

فامّا العلل الاربع فهي التي توجد الاشياء الموجودة فيها و منها علة فاعلة و هي التي تفعل الشيء،و علة جوهرية و هي التي منها فعل الشيء،و علة صورية و هي التي تصور الشيء، و علة متممة و هي التي لها جعل الشيء،و كل شيء وجدت له علة جوهرية اعني الجوهر الّذي منه فعل الشيء،فالعلة المتممة لازمة له لا محال،و كل ما لم يقف له على جوهر صنع منه لم يوجد له علة متممة،و اذا كانت العلة المتممة موجودة كانت العلة الجوهرية لان هاتين العلتين تجريان مجرى الصفات،فلم يتحد شيء لشيء الاّ من شيء،و لم يفعل شيء من شيء الاّ لشيء مثال ذلك ان الارض هي اقرب الاصول من الحس و هي قرارنا و قد وجدنا لها العلة المتممة لان الحكماء قالوا انها جعلت لتكون قابلة للاجرام

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 157)

السماوية فتؤدى الصور المعدنية و النباتية و الحيوانية،فاذا وجدنا علة الآخرية التي هي المتممة،فالاضطرار اوجب لها العلة الجوهرية التي منها جعلت الارض،و اذا وجبت العلتان وجبت العلة الصورية التي بها شيء من شيء،و لمّا لزمتها العلل الثلاثة لزمتها العلة الرابعة التي هي العلة الفاعلة عالتها و ركبتها فصورة بصورة مهيأة بهيئتها الموضوعة لاخراج الصور المعدنية و النباتية و الحيوانية،و اذا وجب ذلك الاصل واحد من الاصول فيعلم يقينا ان الباقي من الاصول أيضا الى ان يشتهي الارتقاء درجة درجة الى سدرة المنتهى التي هي العقل الذي لا يوجد له علة متممة لانه تمام من الوقت الذي ابدع و هو الخلق الاول الذي لم يخلق من شيء و انما وجب ان يقول انه لا من شيء لانا لم نر له علة متممة في الحس و لا في العقل و لا يستبدله العقل،و لا في الحس يوجد علة متممة،و لا يوجد له أيضا علة متممة جوهرية بل قد ثبت ان له علة فاعلة،اعني ان الباري جل و عز ابدعه لا من شيء.

و امّا الابحاث الاربعة فانها هي التي بها يسأل عن الاشياء،و بما يعرف كل ما يتصور معرفته في النفس من اصناف العلوم اولها هل،و الثاني ما،و الثالث اي،و الرابع لم،فهل يبحث بها اينية الشيء،و اي يبحث بها عن جنس الشيء،و لم يبحث بها عن علة التمامية التي أوجبته فكل مطلوب ادرك علته في هذه الابحاث الاربعة فقد علم بحقيقته،و كل ما لم يعلم بهذه الابحاث الاربعة بجميعها،فالعالم بها منقوص،و اشرف هذه الابحاث هو البحث بلم،لانه هو الغاية و التيمم فليس وراءه مطلب و لا بحث، و اثنان من هذه الابحاث بسيطان و هما:هل و أي،و اثنان منها مركبان و هما:ما و لم فما و لم اللذين هما مركبان افضل و ألطف من هل و أي اللذين هما بسيطان لان البسيطان مشتركان لعامة الحيوان،و المركبان مخصوصان للانسان و انما صار هل و أي بسيطين لانهما،يشابهان الشيء اشارة فقط و لا يحتاج الى تركيب جواب فهما كقول القائل،هل الاشياء؟فيقول نعم او يقول اي الحيوان الناطق؟فيقول الانسان و امّا ما،فأمّا صارا مركبين؟و كان الجواب فيهما بكلام مركب لانه اذا قيل لو كان الشيء احتاج المجيب الى ان يأتي بجنسه و نوعه و فصوله ليقرب ذلك الى و هم السائل،و اذا قيل لم كان الشيء،احتاج

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 158)

المجيب الى ان يأتي بالجنس و النوع المركب منهما علته الموجبة له فكل مسألة يسأل عنها بهل و اي اللذان مبسوطان،و الجواب مبسوط فيها بالحجر و ان الحجر مبسوط و كل مسألة يسأل عنها بما و لم؟فالجواب بالتفويض لانه يفوض الى المجيب الكلام و لا يحجزه عليه و ان التفويض مركب،و ان كانت المسألة مركبة؟و الجواب مركب.

و امّا الحواس و ان كانت في العدد خمسة فانها في الحقيقة من أربعة اشياء،فأسفلها اليد التي يكون منها حاسة اللمس الذي يعرف الخشونة من اللين و هو مقابل الارض لان الخشونة و اللين انما يكونان في الاشياء الارضية،و الثاني الفم الذي يكون به حاسة الذوق و هو مقابل الماء لانه لا يعرف طعم الشيء الاّ بعد ترطبه معا اذ ان الفم معدن البزاق و البزاق لا يكون الاّ من الماء،و الثالث الاذن التي يكون منها السمع و هو مقابل الهواء لان الصوت ما لا يقبله،الاّ الهواء قبولا تاما،فلا تطيق الاذن استماعه،و الرابع العين التي يكون بها البصر و هي مقابل النار لان البصر لا يطيق ادراك الالوان الاّ بواسطة النار،فامّا في النار فانه يدرك الالوان بواسطة نور الشمس التي هي اصل النيران،و امّا في الليل فانه يدرك بنور النار،او بواسطة النور الذي يقبل القمر من الشمس،فامّا الشم الذي يكون في الانف فانه يكون مقابل البخارات المتولدة من هذه الامهات الاربع و ليس له اصل خارج عن هذه الامهات لانه يدرك الارياح و البخارات المتولدة من الامهات،فلذلك كان هو الواسطة بين الواسطات الاربع لانه اخذ من كل واحد منها نصيبه،فقد ثبت بما بيناه ان اصول الحواس أربعة اشياء هي مقابل الامهات الاربع،و ان كانت في العدد خمس و السمع و البصر لطيفان فلذلك اذا وصف اللّه عز و جل بهما فيقال انه سميع بصير،و الذوق و اللمس كثيفان فلذلك كفر و ألحد من وصف اللّه بهما،و قد اجتمعت الحكماء كلها على ان اشرف الحواس الخمس التي تميز بهما الحيوان،فلمّا تميزت حاسة السمع و البصر لانهما الآلتان العظيمتان للنفس فيؤديان إليها اوائل الاشياء فتتخذها مقدمات تستفتح سائر العلوم،و امّا البصر فانه يؤدي الالوان و الاشكال و الحركات،و امّا السمع فيؤدي الاصوات و الالحان،فان من فقد البصر في اصل كونه فقد معرفة الاشكال و الالوان اصلا،و ان من فقد السمع في اصل كونه فقد معرفة

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 159)

الاصوات،و عجز عن ان ينطق او يفهم نطقا،و لم يكن للنفس معما فقدته ادات تتخذها مقدمة للتمييز فتبقى جاهلة بالعلوم لا يتهيأ لها اخراج ما فيها بالقوة الى الفعل، و امّا الحواس الثلاثة التي هي الشم و الذوق و اللمس،فليس ترتفق النفس بها في هذا المعنى من التمييز و ادراك العلوم في غذاء البدن فقط،فأمّا الحاستان اللتان هما السمع و البصر فخادمتان للنفس المنطقية التي هي الروح الناطقة،و هذه الثلاثة فخدام للنفس البهيمة 1التي هي الروح الحسيّة،و لهذا المعنى احتج اللّه عز و جل على الخلق بالاعطاء التي ركبها فيهم في قوله ان السمع و البصر ليكون خطه التفكر و الحفظ و البصر،و السمع خطه التأدية إليه فيتهيأ له معرفة الاشياء،فهذه الحواس التي ذكرناها هي الحواس الظاهرة.

و امّا الحواس الباطنة فالفكر و الحفظ و الفهم و الذهن و الهمة،و الحواس الظاهرة دلائل على الحدود الجسمانية و الحواس الباطنة دلائل على الحدود الروحانية،فالفكر دليل على السابق،و الحفظ دليل على التالي،و الفهم دليل على الجد،و الذهن دليل على الفتح، و الهمة دليل على الخيال،و الحواس الظاهرة،فان البصر دليل على الناطق لان العين لا ترى ما وراءها،انما ترى قدامها،كذلك الناطق لم يبين التأويل انّما بين التنزيل فقط، و العين لا تبصر الاّ بالنهار،كذلك الناطق لا يفيد الاّ من جهة الظاهر،لان النهار دليل على الظاهر و بالنهار لا يرى الاّ الشمس يعني ان اهل الظاهر لا يعرفون شيئا من الحدود الاّ الناطق،و العين لا ترى في الليل الاّ بواسطة النار التي هي دليل التأييد،يعني ان التأييد لا يستفيده احد من الناطق الاّ من كان له حظ من التأييد و العين لا ترى الاّ الشاهد و الموجود كذلك الناطق لا يخبر الاّ عن الاجسام و الاعمال و الدنيا و يعرف الاعمى و البصير بالعيان،كذلك الناطق يعرفه الخلق طرّا 2عيانا فيقبلون شرائعه طوعا و كرها، ظاهرا مكشوفا و لا يرى اليد التي هي دليل على الداعي عند غمض العين الاّ ما يغني كذلك الدعاة الى الناطق في وقته يدعون الى ما فيه صلاح الدنيا الفانية،قال(صلعم)


1) وردت بنسخة ق الباهيمية.
2) سقطت بنسخة س.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 160)

أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الاّ اللّه،فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم و أموالهم الاّ بحقها و حسابهم على اللّه،و ليس لسائر الاعضاء في الروية شركة مع العين، كذلك النطقاء معدودون،و ليس لسائر الخلق في النبوة شركة،و من فضل العين على الاذن ان الانسان يرى بشيء من بعيد مثل الخيال و النيران و الشمس و القمر و الكواكب، و لا تطيق الاذن الاستماع الاّ من قريب،كذلك الناطق يستفيد من العلم الروحاني الذي هو ابعد الاشياء من جسده،و لا يستفيد الصامت الاّ من الناطق الذي هو اقرب الاشياء منه،و قد سمّى اللّه تعالى استفادة الناطق من العلم الروحاني روية في قوله: مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ أَ فَتُمٰارُونَهُ عَلىٰ مٰا يَرىٰ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ عِنْدَهٰا جَنَّةُ الْمَأْوىٰ و الاذن دليل على الصامت،فكما ان الاذن تسمع من ورائها،و من قدامها،و من تحتها،كذلك الصامت يبين التأويل و التنزيل و الظاهر و الباطن جميعا،و الاذن تسمع بالليل و النهار جميعا كذلك الصامت يفيد من جهة الظاهر و الباطن معا،و الاذن تسمع الاشياء الشاهدة و الغائبة و الموجودة و المعدومة الماضية و الآتية،كذلك الصامت يدعو الاجساد و الارواح الى الظاهر و الباطن الذين بهما صلاح الدنيا و الآخرة،و الاصم و السامع لا يعرفان الاّ بالتجربة، كذلك الصامت لا يعرفه احدا الاّ من جهة التطلب و التجارب و لا يقف على تأويله الاّ المؤمنون المجيبون المقرون بوصايته،و لا تسمع اليد التي هي دليل على الداعي عند غمز الاذن الاّ الباقي،كذلك دعاة الصامت يدعون الى ما فيه صلاح الآخرة الباقية،و ليس لسائر الاعضاء في الاستماع مع الاذن شركة،كذلك الاسس معدودون ليس لاحد من الناس في الاساسية معهم نصيب و من فضل الاذن على الانف ان الانسان يسمع الاصوات من حيث لا يطيق شم الأراييح لبعد المسافة فكذلك الصامت يدرك العلوم و يصيبها من حيث لا يستطيع الامام الوصول إليه في اقتباسها،لان الانف دليل على الامام،و الانف يدرك الأراييح بالليل و النهار،كذلك الامام حافظ التنزيل على المسلمين و موصل التأويل الى المؤمنين،و ليس لسائر الاعضاء في الشم مع الانف شركة،و الائمة معدودون ليس لسائر الناس في الامامية معهم حظ و من فضل الشم على الذوق ان

الانسان يدرك الأراييح 1من حيث لا يطيق الذوق كذلك الامام يدرك العلوم و يستفيد التأييد من حيث لا يتهيأ للواحق ادراكها و استفادتها،و الفم الذي فيه حاسة الذوق دليل على اللاحق،و الفم يفرق بين الحلو و المر و الحامض و ما اشبهها من الطعوم،كذلك اللاحق و الامام يفرق بين الاعتقادات الصحيحة و السقيمة و بين الظاهر و الباطن و بين الانف و الفم،كذلك بين اللاحق و الامام اتصال من جهة الخيال مستور،و في الفم لسان يعبر عن جميع الحواس الظاهرة و الباطنة كذلك اللاحق هو المعبر عن الحدود الجسمانية و الروحانية،و ليس لسائر الاعضاء في الذوق مع الفم شركة،كذلك اللواحق معدودون ليس لسائر الناس معهم في تربيتهم شركة و من فضل الذوق على اللمس ان الذوق الطف من اللمس،و اعلى ترتيبا كذلك علم اللاحق الطف من علم الداعي و اعلى بيانا،و اليد التي فيها حاسة اللمس دليل على الداعي و اليد خادمة الحواس الاربع،كذلك الداعي خادم الاساسين و الفرعين و الحواس الاربع يكون في الموضع الذي هو دليل على العالم الروحاني،و اليد لم يكن هناك معنى ان الاساسين و الفرعين لهما تأييد من العالم الروحاني، لكل واحد منهم على مقداره،و ليس للداعي حظ من التأييد،و في اليدين عشر اصابع، و الاصابع الخمس من اليد اليمنى دليل على الحدود الخمسة الروحانية،لان اليمين دليل على الباطن،و الباطن مقابل الروح،و اصحاب اليمين هم المؤمنون،لانهم أقروا بوصايا الصاحب ممثول اليمين حتى تهيأ لهم بذلك الوقوف على التأويل بين اليمين،و الاصابع الخمس في اليد اليسرى دليل على الحدود الجسمانية الخمسة لان الشمال دليل على الظاهر،و الظاهر مقابل الجسم،و أصحاب الشمال هم القشرية لان النار تشتمل عليهم في الآخرة،كما ان الاهواء الرديئة شملتهم في الدنيا،و انما كانت هذه الاصابع العشر في اليدين،لان الداعي هو المعبر عن مراتب هؤلاء الحدود العشرة و سائر الاعضاء كلها في اللمس و معرفة الخشونة و اللين مع اليد شركة،لذلك ليس للدعاة عدد في هذا الكتاب احوط عليه.


1) بنسخة ق وردت الروائح.
الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 162)

و قد جعلت الدائرة بالصفر التي هي في الدوائر كلها علامة الارض التي هي نصف دائرة بالحقيقة،و ثانيها دائرة ممتزجة بها و هي علامة الماء،لان الماء ممتزج بها حتى صار دائرة واحدة بالحقيقة،نصفها التراب و نصفها الماء،لان مركزها من التراب و هي امكن من المتولدات الاربعة الجسمانية التي هي المعادن و النبات و الحيوان الاخرس،و الدائرة الثالثة علامة الهواء و هو محيط في الارض و الماء على جميع الجوانب لان كل ما كان الطف من الحدود المذكورة صار محيطا على ما دونه،فالارض اغلظ من الجميع،و الماء الطف منها،و الهواء الطف منهما و قد احاط بالماء على الارض،و أحاط الهواء بهما جميعا،فالهواء معدن للجن و الجن يترددون فيما بين الارض الى فلك زحل،الا ان نيرات الافلاك لا تثبت بهم للطافتهم و لهذه العلة فلا تدركهم اعين البشر،و الدائرة الرابعة علامة للاثير الذي هو النار المحيطة بالهواء و ما دونه،و الدائرة الخامسة علامة لفلك القمر الذي هو محيط بالنار و ما دونهما،و هذا الفلك هو سقر موضع عذاب الدهريين من الطبيعيين و الاطباء و امثالهم،و الدائرة السادسة علامة لفلك عطارد و هو محيط بفلك القمر و ما دونه و هو الفلك الادنى و هو الهاوية معدن عذاب المهندسين،و الدائرة السابعة علامة لفلك الزهرة و هو محيط بفلك عطارد و ما دونه و هذا الفلك هو الجحيم معدن لعذاب المنجمين،و الدائرة الثامنة علامة لفلك الشمس و هو محيط بفلك الزهرة و ما دونه،و هذا الفلك هو لظى معدن لعذاب الفلاسفة المنكرين للرسل المشتغلين بما بعد الطبيعة،و امّا الدائرة التاسعة فعلامة لفلك المريخ و هو محيط بفلك الشمس و ما دونه،و هذا الفلك هو الحطمة معدن لعذاب فقهاء القشرية،و الدائرة العاشرة علامة لفلك المشتري و هو محيط بفلك المريخ و ما دونه، و ما الفلك هو جهنم معدن لعذاب متكلمي القشرية،و الدائرة الحادي عشر علامة لفلك زحل و هو محيط بفلك المشتري و ما دونه،و هذا الفلك هو ويل و سعير معدن لعذاب المرتدين،و الدائرة الثانية عشر علامة لفلك البروج و هو محيط بفلك زحل و ما دونه و كل من وصل إليه فقد نجا من العذاب لانه من امكنة الملائكة،و الدائرة الثالثة عشر علامة لفلك المستقيم و هو محيط بفلك البروج و ما دونه،و قد قام السكون الوهمي له مقام الروح للبدن،و هو أيضا معدن الملائكة،و الدائرة الرابعة عشر علامة للحركة الوهمية التي لا تقيد

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 163)

الافلاك قوة الحركة و هي محيطة بالفلك المستقيم و ما دونه،و هو أيضا معدن الملائكة، و الدائرة الخامسة عشر علامة النفس في العالم الروحاني و هي محيطة بالحركة الوهمية و ما دونها من الافلاك و الامهات و المواليد،و هي مقدار الانس بالفعل الذين هم المثابون، و الدائرة السادسة عشر علامة العقل و هي محيطة بالنفس و ما دونها من الحركة الوهمية و الافلاك و الامهات و المواليد و هي تقوم في العالم الروحاني للانس بالفعل مقام الشمس في العالم الجسماني للانس بالقوة و هذه الدائرة مع الدوائر الاخرى المعبرة في الصفحات السابقة.

و يتضح ان الاساسين و الفرعين تأيدا من العالم الروحاني المحسوسة و المعقولة التي جعلناها في هذه الدوائر مرتبة بعضها فوق بعض بالشرف،و محيطة بعضها ببعض،و لا تخلو احاطتها من نوعين احدهما احاطة الجسم بالجسم و هي احاطة مستدير بمستدير كإحاطات الافلاك بالامهات الاربع،لانه اذا كان الاعلى علة الاسفل فلا بد ان يكون الاسفل في الواسطة دونه لتكون أجزاؤه العليا منه في جميع جهاته و في الامكنة المتساوية فيكون قويّا على التأثير في كله بالسواء،و النوع الآخر احاطة ما ليس جسم بجسم و هي احاطة تدبيره و فعله و تأثيره حتى يصل إليه في كل اجراءه و من جميع اسبابه تمثلا باحاطة الجسم بالجسم،و هذا مرادنا في احاطة العقل بالنفس لانه الطف من النفس و أجل ان يوصف بالجسمية،و كذلك احاطة الحركة الوهمية بالافلاك لانها ليست بجسم بل هي اعراض مجتمعة تحدث ابدا ما دامت طالبة لعلتها المتممة،و لا يتهيأ لعقولنا ادراك كيفيات تلك الحركة الوهمية،و انما صورنا علامات العقل و النفس في هذه الدوائر على مثال احاطة جسم بجسم ليكون ذلك اقرب الى افهام الباحثين،و مع هذا كله فانه لم يكن لنا امكان تصويرها على غير هذا السبيل،لعجزنا عن الوقوف على كيفياتها و ماهياتها،و لا حول و لا قوة الاّ باللّه العلي العظيم،و ذلك لانه يتعسر علينا الوقوف على كيفيات احد النوعين اللذين هما تحت الجنس الرابع و هو لا جسم،و مثال ذلك ان اوّل الاجناس هي حي،و تحته نوعان ناطق و لا ناطق،و الجنس الثاني و هو النامي و تحته نوعان حي و لا حي،و الجنس الثالث هو الجسم و تحته نوعان نامي و لا نامي،و الجنس

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 164)

الرابع هو الانس و تحته نوعان جسم و لا جسم،و كما ان بدء تولد الاشياء كان من لا جسم،كذلك انتهاؤها اذا جعلناها معكوسة الى جسم،و الاقاويل الصادقة المستقيمة انما يبين صدقها عند عكسها،فإذا كان القول عند العكس مستويا،فهذا القول الصحيح، و ان كان عند العكس معوجا فهو القول السقيم،فكما قلنا ان من لا جسم كان تولد الجسم الذي هو لا نامي،و من بعد لا نامي كان تولد النامي،و من النامي كان تولد اللاناطق،و من بعد لا ناطق كان تولد الناطق،كذلك تقول ان اقرب الاشياء إلينا اذا جعلته معكوسا في الاجناس و الأنواع،الناطق ثم اللاناطق ثم النامي ثم اللانامي الذي هو الجسم ثم لا جسم،و فيما ذكره الحكماء في كتبهم من باب كيفية الاجناس و الانواع غنى عن اعادة ذكره ثانيا في كتابنا هذا،و بلاغ مقنع للعاقل عمّا سواه.

و اذا قد بلغنا آخر ما وعدنا به بعون اللّه و تأييده و هدايته و تسديده و الحمد للّه و الصلاة على نبي الهدى و على وصيه المرتضى و الائمة الراشدين من ذريتهما،و النجباء و المبتهلين الى اللّه جل ذكره.

و حسبنا اللّه و نعم الوكيل،نعم المولى،و نعم النصير.و سلام على المرسلين.

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 165)

فهرس الكتاب

صفحة

مقدمة المحقّق ...

مقدمة المؤلف ...1

الفرق بين الانسان بالقوة و الانسان بالفعل ...13

الإیضاحCover 1 ، Section:النص ، (صفحه 166)

انجزت المطبعة الكاثوليكية في بيروت طبع هذا الكتاب في التاسع و العشرين من شهر نيسان سنة 1965 6740-1-65/4/29