عنوان کتاب : أعلام النبوة
نام ناشر : موسسه پژوهشی حکمت و فلسفه ایران
جلد : 1
نام و نام خانوادگی کاربر: hamid reza hakimi
نام سایت : www.noorlib.ir ( کتابخانه دیجیتالی نور )
تاریخ دانلود : 1399/04/03
تعداد صفحات دانلود شده: 364
(1)أنه ناظرنى2 فى أمر النبوة و اورد كلاما نحو ما رسمه فى كتابه الّذي قد ذكرناه3 فقال:
من أين أوجبتم4 أن اللّه اختصّ قوما بالنبوة دون قوم و فضلهم5على الناس و جعلهم أدلة لهم و أحوج6 الناس إليهم،و من أين أجزتم فى حكمة الحكيم أن يختار لهم7 ذلك و يشلى بعضهم على بعض و يؤكّد بينهم العداوات و يكثر المحاربات8 و يهلك بذلك الناس؟!
قلت:فكيف يجوز عندك فى حكمته أن يفعل؟!
قال:الأولى بحكمة الحكيم و رحمة الرحيم9 أن يلهم عباده أجمعين معرفة منافعهم و مضارهم فى عاجلهم و آجلهم10؛فلا يفضّل بعضهم على بعض و لا يكون بينهم تنازع و لا اختلاف فيهلكوا،و ذلك11 أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمة لبعض؛فتصدّق كلّ فرقۀ إمامها و تكذب غيره،و يضرب بعضهم
وجوه بعض بالسّيف،و يعمّ البلاء1 و يهلكون2بالتّعادى و المجاذبات؛و قد هلك بذلك كثير من النّاس3 كما نرى.
قلت:أ لست تزعم أنّ البارى جلّ جلاله4 حكيم5 رحيم؟
قال:نعم!
قلت:فهل ترى الحكيم فعل بخلقه6 هذا الّذي تزعم أنه أولى بحكمته و رحمته،و هل احتاط لهم،فألهم الجميع ذلك،و جعل هذه الهبة عامّة،ليستغنى7 الناس بعضهم عن بعض،و ترتفع عنهم الحاجة،إذ كان ذلك أولى بحكمته و رحمته؟
قال:نعم!
قلت:أوجدنى حقيقة ما تدّعى.فانّا لا نرى فى العالم إلاّ إماما و مأموما و عالما و متعلما فى جميع الملل و الأديان و المقالات من أهل الشرائع و أصحاب الفلسفة التى هى أصل مقالتك؛و لا نرى النّاس يستغنى بعضهم عن بعض8،بل كلهم محتاجون بعضهم الى بعض غير مستغنين بإلهامهم عن الأئمّة و العلماء،و لم يلهموا9 ما ادعيت من منافعهم و مضارهم فى أمر العاجل و الآجل،بل أحوجوا إلى علماء يتعلمون منهم و أئمّة يقتدون بهم و راضة يروضونهم10؛و هذا عيان لا يقدر على دفعه إلاّ مباهت ظاهر البهت و العناد.
و أنت مع ذلك تدّعى أنك قد خصصت بهذه العلوم التى تدّعيها من الفلسفة11،و أن غيرك قد حرم ذلك و أحوج إليك،و أوجبت عليهم التّعلم منك و الاقتداء بك.
(2)قال:لم أخصّ بها انا12دون غيرى،و لكنّى طلبتها و توانوا فيها،و إنّما حرموا ذلك لاضرابهم عن النّظر لا لنقص13 فيهم.و الدليل على ذلك أنّ احدهم
يفهم من أمر معاشه و تجارته و تصرّفه فى هذه الأمور و يهتدى بحيله1 الى أشياء تدقّ عن2 فهم كثير منّا،و ذلك لأنه صرف همّته إلى ذلك؛و لو صرف همّته إلى ما صرفت همّتى أنا إليه و طلب ما طلبت لأدرك3 ما أدركت.»
قلت:فهل4 يستوى النّاس فى العقل و الهمّة و الفطنة،أم لا؟
قال:لو اجتهدوا و اشتغلوا بما يعينهم5 لاستووا فى الهمم و العقول.
قلت:كيف تجيز هذا و تدفع العيان؟!و إنّا نرى و نعاين أنّ النّاس على طبقات و تفاوت مراتب،و لست6 تقدر على دفع ما اتّفق النّاس عليه،أن يقولوا:فلان أعقل من فلان،و فلان عاقل و فلان أحمق،و فلان أكيس من فلان7، و فلان كيّس و فلان بليد،و فلان لطيف الطّبع و فلان غليظ الطّبع،و فلان فطن و فلان غبىّ؛و من دفع هذا فقد كابر و عاند.و إذا ثبت هذا فقد وقعت8 الخصوصيّة.
و قد علمنا9 أنّ الأحمق البليد الطّبع الغبىّ10 لا يدرك بفطنته و نظره ما يدركه العاقل الكيّس الفطن اللّطيف الطّبع من العلوم الدّقيقة و الجليلة فى باب المعاش و الصّناعات التى ذكرت أنّ النّاس اشتغلوا بها عن النّظر11 فى العلوم الدقيقة و أنهم بلغوا فى تلك الصّناعات ما يدقّ عن أفهامنا.و النّاس فى ذلك أيضا12 يتفاوتون فى المراتب و الطّبقات و يتفاضلون فى كلّ صناعة.
و فى كلّ طبقة من النّاس فاضل و مفضول و عالم و متعلّم و لا نرى أحدا13 يدرك شيئا من الأمور بفطنته و كيسه و عقله إلاّ بمعلّم يرشده و بقانون يرجع إليه ثمّ يتحدّى على مثاله و يبنى عليه أمره؛و هذا ما لا مرية فيه،و لا يقدر أحد على دفعه.
و إذا ثبت هذا فقد جاز أن يقع التّفاضل فى النّاس،و التّفاوت فى مراتبهم؛كما قد اجزت لنفسك ما تدّعيه أنّك أدركت14 من علوم الفلسفة
بالعقل الكامل و الهمّة البعيدة1 و الطّبع2 التّام،ما لا يقدر على بلوغه من هو ناقص العقل متخلّف فى الهمّة3،و لا يتعلّمه و ان علّم،و لا يتوجّه له و إن هدى إليه4،لبلادته و نقصان طباعه؛و هذا موجود فى جبلّة النّاس،أنّ البليد الجافى لا يبلغ معرفة ما يبلغه الفطن و لا يطيقه و إن تكلّفه و اجتهد فيه.
فاذا وجب هذا و ثبت أن تختلف5 أحوال النّاس فى العقل و الكيس و الفطنة، فقد وجب أن يحوج بعضهم إلى بعض6،و أن يتعلّم بعضهم من بعض، فيكون فيهم عالم و متعلّم،و إمام و مأموم،فى جميع الأسباب فى الدّين و فى الأمور الدنياويّة،كما نشاهده عيانا؛و قد انتقض قولك انه:لا يجوز فى حكمة الحكيم و رحمة الرّحيم أن يجعل النّاس بعضهم أئمّة لبعض، و انه يجب أن يلهم عباده أجمعين7 معرفة منافعهم و مضارّهم فى عاجلهم و آجلهم،و أن لا يحوج بعضهم إلى بعض؛و زعمت أنّ ذلك أحوط لهم،و أولى بحكمته.فانّ8 هذا غير موجود فى جبلّة النّاس.
و نرى الحكيم الرّحيم قد فعل بعباده خلاف ما تدّعيه أنّه أحوط لهم و أولى9بحكمته،إلاّ ما نجد فى طبائعهم من تساويهم فى أشياء طبعوا عليها، كما طبع عليها سائر أصناف الحيوان من البهائم و السّباع و الطّير و دوابّ الماء10 و جميع الأجناس،من طلب الغذاء و التّناسل،و ألهمت معرفة مالها من المنافع و المضارّ فى ذلك؛فكلّ جنس من الحيوان لا تفاضل فيه11و لا درجات بينه12،بل استوت فى ذلك،و هى مطبوعة عليه،فلا درجات بينها13و لا مراتب،لأنّها ليست بمأمورة و لا منهيّة14>و لا مستعبدة<و لا مكلّفة و لا مثابة و لا معاقبة؛و من15 أجل16 ذلك لا درجات بينها.
و خصّ البشر بأن يكون فيهم عالم و متعلّم،و إمام و مأموم،و فاضل
و مفضول،ليقوم الأمر و النّهى،و تظهر الطّاعة و المعصية،و يثبت الاستعباد،و يقع الثّواب و العقاب على حسب ما يكون من أعمالهم باختيار لا باجبار؛و هذا أوجب فى حكمة الحكيم و رحمة الرّحيم من أن يكون سبيل البشر سبيل البهائم و سائر الحيوان.
(3)و ليس يخلو الأمر من إحدى ثلاث خلال1:
إمّا أن تقول:إنّ الحكيم2 ترك ما ادّعيت أنّه أولى به فى حكمته و رحمته و أنّه أعمّ نفعا لبرّيته و أحوط لهم،فلم يفعله بهم و هو يقدر عليه،فانّ الّذي تدّعيه من هذا الباب هو معدوم فى العالم،و إنّه فعل بهم ما هو أعمّ ضررا و أقرب إلى هلاكهم على زعمك؛فيكون قد فعل ما لا توجبه3 الحكمة و الرّحمة؛فانّا نراه قد فعل بهم هكذا من إحواج بعضهم إلى بعض.
أو تقول:أراد ذلك و أوجبه4،فلم يقدر عليه؛فتلزمه5 العجز.
أو تقول:إنّ الأولى بحكمته و رحمته ما قد فعله بهم،على نحو ما ادّعيناه؛فترجع عن أصلك و تدع اعتقادك السّقيم6 و دعواك البشعة7 التى قد نقضتها على نفسك حين زعمت أنّك أدركت بفطنتك و دقة نظرك ما لم يدركه كثير من الفلاسفة القدماء؛و هم كانوا لك أئمّة،و فى أصولهم نظرت و كتبهم درست و بها استدركت ما تدّعيه.فمرّة تزعم أنّه لا يجب أن يكون الناس أئمّة بعضهم لبعض،و أنّه يجب أن يتساووا،فلا يحوج8بعضهم إلى بعض؛ ثمّ تنتقض9 على نفسك كما قد أجزت أن تتفاوت10 مراتب الفلاسفة حتّى يدرك بعضهم ما لا يدركه البعض،و أن يكون بعضهم أئمّة لبعض؛كما اتّفقت عليه الفلاسفة أنّ أفلاطن الحكيم11 كان إماما لأرسطاطاليس و أنّ أرسطاطاليس كان تلميذا له،و كما ادّعيت أنّهم قد نقصوا عن مرتبتك حين أدركت ما تدّعى
أنّهم لم يدركوه من الصواب الّذي زعمت أنّهم أخطئوا1 فيه،و أنّه واجب عليهم الرّجوع إلى قولك و الاقتداء بك.
أو ليس قد أثبت بهذه الدّعوى المراتب و الدّرجات و أثبتّ أن يكون فى الناس عالم و متعلّم و إمام و مأموم،و أن بعضهم تعجز فطنته عن فطنة غيره و إن اجتهد؟!أو ليس قد انكسر عليك قولك الأوّل؟!
و لعمرى إنّ هذا هو أشبه بالصواب و أثبت.
و إذا ثبت هذا،و جاز أن يكون فى الناس عالم و متعلّم، و إمام و مأموم،و أن تكون فيهم مراتب و درجات،جاز أن يختصّ اللّه بحكمته و رحمته قوما،و يصطفيهم2 من خلقه،و يجعلهم رسلا إليهم،و يؤيّدهم و يفضّلهم بالنّبوّة،و يعلّمهم بوحى منه ما ليس فى وسع البشر أن يعلموه3؛ليعلّموا النّاس،و يرشدوهم4 إلى ما فيه5 صلاح أمورهم دينا و دنيا، و يسوسوا6 الخلائق بمثل ما يرى من هذه السّياسة العجيبة التى يرتاض عليها الخاصّ و العامّ و العالم7 و الجاهل و الكيّس و البليد،و يستقيم أمر العالم بهذه السّياسة التى نشاهدها8بالشرائع التى شرعوها،و استغنى بها9 البليد الغليظ الطّبع عن النّظر فى دقائق علوم10 الفلسفة التى يتحيّرون فيها و تبهر عقولهم و يعجزون عن ضبطها و إن اجتهدوا.
(4)فأىّ الأمرين أولى بحكمته و رحمته،و أوجب عليك أن تأخذ به:
أن يختصّك بهذه الفضيلة التى ادّعيتها لنفسك و نقضت بها دعواك الأولى، فتثبت11 دعوى من يقول بأنّ12 فى العالم إماما و مأموما و عالما و متعلما13؟
أو دعواك الأولى أنّه لا يجوز فى حكمته أن يكون فى العالم إمام و مأموم و عالم و متعلم1؟فاختر أيّهما شئت!فإن اخترت هذه الدعوى بطلت دعواك و انكسرت عليك2،و أنت نقضت على نفسك.و ان اخترت الأخرى،و أجزت فى حكمة الحكيم أن يختصّك بهذه الفضيلة دون غيرك،و أن يحوج النّاس إليك و إلى التّعلم3 منك،فلم أنكرت أن يختار عزّ و جلّ رسلا و يختصّهم بالنّبوّة و يجعلهم أئمّة للنّاس،و يحوج النّاس إليهم و إلى التعلّم منهم،ليكونوا ساسة4 للنّاس فى أولاهم و قادة لهم فى أمر دينهم؛ كما تراه أنّه قد فعله؟و لم جاز أن يفيض عليك نعمته،فيجعلك إماما للنّاس و أنت لا تقدر على سياسة رجلين،و لم يجز أن يفيضها5 على أنبيائه الذين اصطفاهم و جعلهم أئمّة للنّاس،حتّى ساسوا العالم بأبنية6 شرائعهم و أحكامهم؟!!
فهذا ما جرى فى هذه المسألة،و إن كان الكلام يزيد و ينقص و الألفاظ تختلف؛كان7 جملته8 و معانيه ما قد ذكرته.و قد كان ادّعى فى غير هذا المجلس ما احتججت به،أنه أدرك من العلوم ما لم يدركه من تقدّمه من الفلاسفة، الى غير ذلك مما قد ذكرته من دعاويه.
(1)و طالبته2 فى مجلس آخر و قلت له:أخبرنى عن الأصل الّذي تعتقده3 من القول4بقدم الخمسة:البارى و النّفس و الهيولى و المكان و الزمان؛ أ هو شيء وافقك عليه القدماء من الفلاسفة5،أم خالفوك فيه؟
قال:بل6 للقدماء فى هذا أقوال مختلفة،و لكنّى استدركت هذا بكثرة البحث و النظر فى أصولهم،فاستخرجت ما هو الحقّ الّذي لا مدفع7 له و لا محيص عنه.
قلت:فكيف عجزت فطن هؤلاء الحكماء و اختلفت8 أقاويلهم،و كانوا بزعمك مجتهدين قد صرفوا هممهم إلى النّظر فى الفلسفة حتى أدركوا العلوم اللّطيفة و صاروا فيها علماء و قدوة؛و أنت تزعم أنك أدركت ما لم يدركوا بكثرة نظرك فى رسومهم و كتبهم؛و هم لك أئمّة،و أنت لهم تبع،لأنك درست رسومهم و نظرت فى أصولهم و تعلمت من كتبهم؟فكيف يجوز
أن يكون التابع أعلى1 من المتبوع،و الماموم أتمّ فى الحكمة من الامام2؟! قال:أنا أورد عليك فى هذا ما تعلم أنّ الأمر كما ذكرته،و تعرف الصّواب من الخطأ فى هذا الباب:اعلم أنّ كلّ متأخّر من الفلاسفة إذا صرف همّته إلى النّظر فى الفلسفة و واظب على ذلك و اجتهد فيه و بحث عن الّذي3 اختلفوا فيه لدقّته و صعوبته،علم علم من تقدّمه منهم و حفظه و استدرك بفطنته و كثرة بحثه و نظره4 أشياء أخر؛لأنه مهر بعلم من تقدّمه و فطن لفوائد5أخر و استفضلها؛اذ كان البحث و النّظر و الاجتهاد يوجب الزيادة و الفضل.
قلت6:فان كان الّذي استدركه المتأخّر خلافا على من تقدّمه كما خالفت أنت من تقدّمك،فانّ الخلاف ليس بفائدة؛بل،الخلاف شرّ و زيادة فى العمى و تقوية للباطل و نقض7 و فساد.و نحن نجدكم لم تزدادوا بكثرة البحث و النظر بآرائكم الاّ اختلافا و تناقضا.فاذا شرطت على نفسك أنّ8 المتأخّر يدرك ما لم يدركه المتقدّم كما زعمت أنك ادركته و أوردت الخلاف على من تقدمك،لا تأمن أن يجيء بعدك من يجتهد فوق ما اجتهدت،فيعلم ما قد علمت و يستفضل،و يدرك بفطنته و اجتهاده و نظره ما لم تدركه أنت؛فينقض ما حكمت به و يخالفك فى أصلك،كما نقضت على من تقدمك و خالفته فى أصله،حين9 ادّعيت قدم الخمسة و زعمت أنّ من تقدّمك قد أخطأ حين خالفك؛و كما قد خالف10بعضكم بعضا.و على هذه الشّريطة فانّ الفساد قائم فى العالم و الحقّ معدوم أبدا و الباطل منتظم،و الذين خالفوك قد مضوا على الباطل و الضّلال؛لأنّ الخلاف باطل و الخطأ ضلال.و يلزمك أيضا على هذه الشريطة أن تمضى على الباطل و الضّلال،اذ11 كان الّذي يجيء بعدك يأتى بفائدة و يصيب
ما لم تصبه،على قياس1 قولك.
(2)قال:ليس هذا باطلا و لا ضلالا2،لأنّ كلّ واحد3 منهما مجتهد.
فاذا اجتهد و شغل نفسه بالنظر و البحث فقد أخذ فى طريق الحقّ؛لأنّ الأنفس4 لا تصفو5 من كدورة هذا العالم،و لا تتخلص الى ذلك العالم الاّ بالنظر فى الفلسفة.فاذا نظر فيها ناظر و أدرك منها شيئا و لو أقلّ قليل، صفت نفسه من هذه الكدورة و تخلصت.و لو أنّ العامّة الذين قد6 أهلكوا أنفسهم و غفلوا عن البحث نظروا فيها أدنى7 نظر،لكان فى ذلك خلاصهم من هذه الكدورة،و إن أدركوا القليل من ذلك8.
قلت:أ لست أوجبت أنّ النّظر فى الفلسفة هو الوصول إلى الحقّ و الخروج عن الباطل؟
قال:نعم!
قلت:قد زعمت أنّ النّاس هلكوا بالتّعادى و الاختلاف؛فعلى زعمك،لا يزداد من ينظر فى الفلسفة الاّ هلاكا؛لأنك قد أقررت،أنّ للفلاسفة أقاويل مختلفة،و أنّ الّذي تعتقده خلاف ما كان عليه من تقدّمك،و ألزمت نفسك هذه الشّريطة910:أنّ الّذي يجيء بعدك يجوز أن يخالفك و يخالف غيرك.فعلى هذه الشّريطة،يقوى سبب الهلاك11 فى كل يوم و يزداد الباطل و الضلال.
قال:أنا لا أعدّ هذا باطلا و لا ضلالا؛لأنّ12 من نظر و اجتهد هو محقّ،و انّ لم يبلغ الغاية على ما قد و صفته لك13،و لأنّ الانفس لا تصفو
الاّ بالنظر و البحث؛هذا هو جملة القول فقط.
قلت:أمّا اذا أصررت على هذه الدّعوى و رددت الحقّ و عاندت، فأخبرنى ما تقول فيمن نظر فى الفلسفة و هو معتقد لشرائع الأنبياء؛هل تصفو نفسه و هل ترجو1 له الخلاص من كدورة هذا العالم؟
قال:كيف يكون ناظرا فى الفلسفة و هو معتقد2 لهذه الخرافات،مقيم على الاختلافات،مصرّ على الجهل و التقليد؟!
قلت:أو ليس ادّعيت أنّ من نظر فى الفلسفة،و ان لم يتبحّر فيها، و نظر3 فى أقلّ قليل منها،صفت نفسه؟!
قال:نعم!
قلت:فانّ هذا الّذي لم يتبحّر و نظر4 فى القليل،قد اقتدى بمن تقدّمه و قلّده،و لم يحصل الاّ على الاقتداء بالخلاف و على التّقليد؛فأىّ خرافات أكثر من هذه،و أىّ تقليد فوق هذا،و اى جهل5 أعظم منه،و أىّ تصفية لنفس هذا؟!و على ما ذا حصل الاّ على رفض الشرائع و الكفر6باللّه و أنبيائه و رسله،و الدخول فى الالحاد،و القول بالتّعطيل؟!أو ليس هذا أولى بأن7يسمّى جاهلا8 مقلّدا معتقدا للخرافات و الاختلاف من جميع الناس؟.
قال:اذا انتهى الكلام الى هذا يجب أن يسكت!!
(1)و طالبته فى مجلس آخر،و قلت له:أخبرنى،الست تزعم أنّ الخمسة قديمة لا قديم غيرها؟
قال:نعم!
قلت:فانّا نعرف الزّمان بحركات الفلك و بمرّ الأيّام و الليالى، و عدد السنين و الأشهر،و انقضاء الأوقات؛فهذه قديمة مع الزّمان أم محدثة؟
قال:لا يجوز أن تكون1 هذه قديمة،لأنّ هذه كلّها مقدرة على حركات الفلك،و معدودة2بطلوع الشمس و غروبها؛و الفلك و ما فيه محدث؛و هذا قول أرسطاطاليس فى الزّمان.و قد يخالفه غيره؛و قالوا فيه أقاويل مختلفة، و أنا أقول:ان الزمان زمان مطلق،و زمان محصور.فالمطلق هو المدة و الدهر،و هو القديم،و هو متحرك غير لابث.و المحصور هو الّذي بحركات
الفلك و جرى الشمس و الكواكب.و اذا ميّزت هذا و توهّمت حركة الدهر، فقد توهمت الزّمان المطلق؛و هذا هو الأبد السّرمد.و ان توهّمت حركة الفلك،فقد توهمت الزمان المحصور.
قلت:فأوجدنى للزمان المطلق حقيقة نتوهمها.فانّا اذا رفعنا حركات الفلك و مرّا لأيام و الليالى و انقضاء1 الساعات عن الوهم،ارتفع الزمان عن الوهم،فلا نعرف له حقيقة،فأوجدنى حركة الدهر الّذي ذكرت أنّه الزمان المطلق.
قال:ألا ترى2 كيف ينقضى أمر هذا العالم بمر الزّمان:(طفّ طفّ،طفّ)؟هو شيء لا ينقضى3 و لا يفنى4،و هكذا حركة الدّهر اذا توهّمت الزّمان المطلق.
قلت:انّما ينقضى أمر العالم5بمر الزّمان الّذي هو بحركات الفلك و العالم محدث و الفلك محدث،و انت مقرّ بذلك؛و الزّمان من أسباب العالم و هو محدث معه؛و مرّ الزّمان و انقضاؤه6 مع انقضاء أمر العالم،كما أنّ حدوثه مع حدوثه؛و لا نعرف للزمان حقيقة الاّ ما ذكرنا من حركات الفلك و الشّمس و عدد السّنين و الأشهر و الأيّام و السّاعات؛فاذا رفعت7 هذه عن الوهم ارتفع الزّمان،فلا زمان كما ذكرنا.فإمّا أن تجعل هذه أيضا قديمة مع الزّمان حتى يكثر عدد الاشياء القديمة،و يكون الفلك و ما يدبّره داخلا فى هذه الجملة؛فيكون من ذلك الرجوع الى القول بقدم العالم.
أو8 تقرّ بأنّ الزمان محدث كما هذه محدثة.أو توجدنى9 للزمان انيّة غير هذه،
يكون واقعا تحت الوهم،كما انّه الآن واقع1 تحت الوهم،بوقوع هذه تحت الوهم.و هذه الالفاظ التى أوردتها،قولك:طفّ طفّ طفّ2، هو أيضا شيء يقع عليه العدد،و لا يقع تحت الوهم الاّ من جهة النطق و العدد؛ و النطق و العدد محدّثان.و اذا3 كان كذلك فلم تورد بعد4 شيئا حين أوردت هذه الألفاظ التى يستحى5 العاقل من6 مثلها.فهات ما تكون له حقيقة و يقع تحت الوهم!!
قال:هذا7 لا ينقضى القول فيه.و قد عرّفتك أنّ ارسطاطاليس كان يعتقد ما تقوله أنت،و قد خولف فيه.و قول أفلاطن8 لا يكاد يخالف ما نعتقده فى الزمان؛و هذا عندى أصوب الأقوال9.
قلت:فاذا رجعت10 إلى التقليد و الى الاختلاف11 الّذي أنكرته،و اقتديت بافلاطن12 فى هذا الباب و قلّدته،و تركت قول أرسطاطاليس و خالفته، فقد سلمناه لك.و يلزمك أيضا فى المكان مثل ما قد لزمك13 فى الزمان.
قال:كيف؟
(2)قلت:أخبرنى عن المكان،أ هو محيط بالأقطار،أم الأقطار محيطة به14؟
قال:بل الأقطار محيطة بالمكان.
قلت:كيف لا تعدّ الأقطار مع15 الخمسة التى زعمت أنّها قديمة؟ لأنّه ان كان المكان قديما،فقد أوجبت أنّ الأقطار قديمة معه!
قال:الأقطار هى المكان،و المكان هو الأقطار،و هما شيء واحد لا فرق بينهما.
قلت:كيف لا يكون الفرق1بينهما؟و كيف يكونان شيئا واحدا و قد أعطيتنى أنّ الأقطار تحيط بالمكان و المكان لا يحيط بالأقطار؟!أو ليس قد فرّقت بهذا القول بين المكان و الأقطار؟و لعمرى إنّ الصّواب أن تفرّق بينهما،و لكن قد اضطرك الأمر الى أنّ تباهت2 و تقول:انهماشى واحد، حين انتقض عليك قولك3بقدم المكان دون الأقطار.فامّا أن تجعل الاقطار الستّة قديمة مع المكان حتى يصير عدد الاشياء القديمة أحد عشر، أو ترجع عن القول بقدم المكان4.
قال:قد اختلف قول الفلاسفة فى الاقطار،فأنكر بعضهم أن تكون ستّة،و قالوا فى هذا أقوالا كثيرة.
فلما رأيته قد فزع الى هذا القول يريد أن يخرج الى كلام آخر،قلت:
لا نبالى اختلفوا فى عددها أم اتّفقوا،زادوا أم نقصوا،قالوا انّ اعدادها5كثيرة او قالوا هو6 قطر واحد،فانّ تلك الكثيرة او هذا الواحد،هو مع المكان.
فان كان المكان قديما،فان القطر قديم7؛و ان كان[القطر]محدثا8، فانّ المكان محدث و لا بدّ للمكان من الاقطار؛لانه ان لم تكن اقطار،فلا مكان.
قال:فانّى9 أقول فى المكان أيضا:انّه مكان مطلق
و مكان مضاف1.فالمكان2 المطلق،مثاله مثال الوعاء الّذي يجمع أجساما، و ان رفعت الاجسام عن الوهم،لم يرتفع3 الوعاء؛كما لو انا4 رفعنا الفلك عن الوهم،لم يرتفع الشيء الّذي هو فيه عن الوهم؛بل،هو باق5 فى الوهم،كالدّن6 الّذي يفرغ من الشراب،فارتفع7 الشّراب عن الوهم و لم8 يرتفع الدّن9بتّة10.و المكان المضاف إنّما هو مضاف الى المتمكّن.
فاذا لم يكن11 المتمكّن،لم يكن مكان12.و هذا مثل العرض الّذي اذا رفعته عن الوهم ارتفع الجسم؛كما أنك اذا رفعت الخطّ عن الوهم،ارتفع السّطح13 عن الوهم.
قلت:فان السطح من الخطّ و ليس مثاله مثال14 المكان من المتمكّن؛ و إنّما المثال،كقولك الاوّل فى الفلك و لكنّ الامر خلاف ما ذكرت انّك إذا15رفعت الفلك عن الوهم،لم يرتفع المكان عن الوهم؛بل يرتفع المكان عن الوهم بارتفاع1617 الفلك عن الوهم.و الّذي قلت فى باب الدّنّ و الشّراب،هو أيضا مثل الخطّ و السّطح؛لأنّ كليهما18 جسمان،و ليس مثل المكان و المتمكّن19.
قال:فأوجدنى للاقطار20 أتّية يشار إليها21.
قلت:أجبنى!هل نحن فى المكان؟
قال:نعم!
قلت:فأشر إلى المكان الّذي نحن فيه.
قال:هذا الّذي نحن فيه،لا يدفعه أحد.
قلت:قولك ان أشرت إلى1 الأرض،قلنا هذه أرض و لها أقطار؛ و ان أشرت الى الهواء،قلنا هذا هواء و له أقطار؛و ان أشرت الى السّماء قلنا هذه سماء،و لها أقطار.
قال:هذه كلّها متمكّنة فى المكان،و المكان ليس له جرم يشار إليه، انّما يعرف بالوهم.
قلت:و كذلك الأقطار التى تحيط بالمكان،ليس لها جرم يشار إليه،إنّما تدرك2بالوهم؛كما يدرك المكان بالوهم3.فان ارتفعت الأقطار عن الوهم ارتفع المكان.فاذا لا مكان و لا أقطار،و سبيلهما فى الوقوع تحت الوهم سبيل واحد.و هذه المسألة مثل4 ما جرى فى باب الزّمان.
قال:أجل لعمرى،و الّذي أقوله أيضا فى باب المكان هو قول أفلاطن5؛و الّذي تشبّثت6به أنت،هو قول أرسطاطاليس.و أنا،قد7وضعت فى المكان و الزّمان كتابا؛فان أردت الشفاء فى هذا الباب، فانظر فى ذلك الكتاب.
قلت:لست أدرى ما فى ذلك8 الكتاب،و لا ما قاله أفلاطن9 و أرسطاطاليس فهات على10 ما تدّعيه برهانا،و لا تحلنى11 على كتاب.
قال:هو ما قد قلت لك.-ثم سكت.
(1)قلت:قد انقضى1 هذا2.أ لست تزعم أنّه3 لا قديم الاّ هذه الخمسة، و أنّ العالم محدث؟
قال:نعم!
قلت:و أىّ هذه4 الخمسة أحدث العالم؟
قال نعم5!
قلت6:تكلّم فى هذا الباب؛فانّه أنفع،فقد كثرت المطالبة من الدّهريّة لما بالعلّة فى حدث العالم.
قال:للنّاس فيه أقاويل7 غير مقنعة،و ليست عليهم حجة أوكد ممّا استدركته،و لا تثبت8 لأحد حجة فى ذلك دون الرّجوع إلى ما أعتقده.
قلت:و ما تلك الحجّة المقنعة؟
قال:أنا أقول:انّ الخمسة قديمة،و إنّ العالم محدث.و العلّة
فى إحداث العالم،أنّ النّفس اشتهت أن تتجبّل1 فى هذا العالم، و حرّكتها الشّهوة لذلك،و لم تعلم ما يلحقها من الوبال اذا تجبّلت2 فيه و اضطربت فى إحداث العالم،و حركت الهيولى حركات مضطربة مشوّشة3 على غير نظام و عجزت عما أرادت.فرحمها البارى جلّ و تعالى4، و أعانها على إحداث هذا العالم،و حملها على النّظام و الاعتدال رحمة منه لها،و علما أنّها إذا ذاقت وبال ما اكتسبته،عادت الى عالمها و سكن اضطرابها و زالت5 شهوتها6 و استراحت.فأحدثت هذا العالم بمعاونة7 البارى8لها.لو لا ذلك لما قدرت على إحداثه9،و لو لا هذه العلّة لما احدث العالم.
و ليست لنا حجّة على الدّهرية10 أو كد من هذه.و ان لم يكن هكذا، فلا حجّة لنا عليهم بتّة11بتّة؛لأنّا لا نجد لاحداث العالم علّة ثبتت12بحجّة و لا برهان.
قلت:أمّا الحجج على الدهريّة فى إحداث العالم فكثيرة13،و لكنّها خفيت عليك؛لأنّ هواك فيما تدّعيه قد غلب.و إن لم يكن على الدّهريّة حجّة فى إحداث العالم إلاّ ما ذكرت،فقد ضعف من قال بحدث العالم-و نعوذ باللّه من ذلك-لانّ الّذي تدّعيه،ينكسر عليك من وجوه كثيرة.
قال:و من أين ينكسر عليّ؟
(2)قلت:أخبرنى!أ لست تزعم أنّ النّفس اشتهت أن تتجبّل فى
هذا العالم،فاضطربت فى إحداثه على ما حكيت من القول،فأعانها البارى رحمة منه لها؟
قال:نعم!
قلت:فهل علم البارى أن يلحقها فى ذلك1 الوبال إن تجبّلت فيه؟
قال:نعم2!
قلت:أ ليس لو لم يعاونها على إحداث هذا العالم و منعها من التّجبّل فيه،كان أولى بالرّحمة لها من أن أعانها و أوقعها فى هذا الوبال العظيم على زعمك؟
قال:لم يقدر على منعها من ذلك.
قلت:قد3 ألزمت البارى العجز!
قال:لم ألزمه العجز.
قلت:أ لست تزعم أنّه لم يقدر على منعها؟فقولك:«لم يقدر»أ ليس هو عجز؟
قال:لم أعن،أنّه لم يقدر لانّه عجز عن منعها؛و لكنّى أضرب لك مثلا تعرف منه صواب ما أوردته:إنّما المثل فى هذا كمثل4 رجل له ولد صغير يحبّه و يرحمه و يشفق عليه و يمنع منه الآفات.فتطلع ولده هذا فى بستان،فرأى ما فيه من الزّهر و الغضارة.و فى البستان شوك كثير و هوامّ تلسع،و الصّبىّ لا يعرف ما فيه من الآفات،إنّما يرى5 الزّهر و الغضارة، فتحرّكه الشّهوة و تنازعه نفسه6 إلى الدّخول إلى هذا البستان،و والده يمنعه لعلمه بما فى البستان من الآفات،و هو يبكى و ينزع إلى ذلك جهلا منه بما يلحقه
من الوبال من جهة الشّوك و الهوام.فيرحمه والده و هو يقدر على منعه1 من الدّخول؛و لكن يعلم أنّه لا ينتهى حتّى يدخله،فتشوكه شوكة أو تلسعه عقرب؛ فعند ذلك ينتهى،و تزول شهوته،و تستريح نفسه؛فيخلّيه حتّى يدخله.
فاذا دخله2،لسعته عقرب،فرجع ثمّ لم تنازعه نفسه بعد ذلك3 إلى العود إليه،و استراح.فهكذا مثال النّفس مع البارى جلّ4 و تعالى،و هذا معنى قولى:«لم يقدر على منعها»،و لم ألزمه العجز.
قلت:و هذا أيضا5 منكسر6 من جهات.
قال:كيف؟
قلت:أ ليس تقول إنّ البارى جلّ و عزّ7 تامّ القدرة؟
قال:نعم!
قلت8:فكيف لم يعرّف النّفس9 ما ينالها من الوبال إذا تجبّلت فى هذا العالم قبل أن تتجبّل فيه،و هو قادر تامّ القدرة؟فانّ ذلك أتمّ فى الحكمة و أبلغ فى الرحمة من أن ألقاها فى هذا الوبال الطّويل هذا الدّهر المديد.فان زعمت أنّه لم يقدر أن يعرّفها إلاّ بعد تجبّلها فى هذا العالم، فقد عجّزته؛لأنّ المخلوق أيضا لا يقدر أن يعرّف الصّبىّ إلاّ بعد دخوله10البستان؛فاذا قد استوى الخالق و المخلوق فى القدرة؛و هذا هو العجز التامّ،جلّ اللّه و تعالى عن ذلك.و إن زعمت أنّه قدر و لم يفعل،فقد أدخلت النّقص فى رحمته و حكمته،عزّ اللّه عن ذلك.و ينكسر أيضا من جهات أخر:أ لست تزعم أنّ النّفس كانت جاهلة11بما يلحقها من الوبال
إذا تجبّلت فى هذا العالم،و ضربت المثل بالصّبى و البستان؟
قال:نعم!
قلت:فقد وجدنا البستان مع وجود الصّبىّ،و الصّبىّ ينظر إليه و تحرّكه الشّهوة الغريزيّة للدّخول إليه،فهل كان العالم موجودا مع النّفس حتى تطلّعت فيه و حرّكتها الشهوة للتّجبّل1 فيه؟فان زعمت2 أنّ العالم كان موجودا مع النّفس3،فقد رجعت عن القول بحدث العالم؛لأنك زعمت أنّه موجود مع النّفس؛و النّفس عندك أزليّة قديمة.و ان4زعمت أنّ العالم كان معدوما5،فمن أين عرفت النّفس أنّ عالما يكون بهذه الصّفة حتى اشتهت أن تتجبّل فيه؛و النّفس جاهلة بما نالها6 من الوبال فى ذلك؛فهى بأن تجهل عالما ليس بموجود أولى.و إن زعمت أنّها علمت أنّ عالما7 يكون على هذا8 المثال قبل أن كان،فقد قضيت9 على النّفس بالعلم.فكيف يجوز أن10 تعلم أنّ عالما يكون بهذه الصّفة،و لم تعلم ما يلحقها من الوبال لمّا تجبّلت11 فيه؟و إن زعمت أنّ العالم ليس بقديم مع النّفس،و أنّه أحدث بعد ذلك،ثم تطلّعت النفس فيه،فقد نقضت قولك:انّ12 علّة إحداث العالم،أنّ النّفس اضطربت و حركتها الشّهوة للتّجبّل فى هذا العالم،فأعانها البارى حتى أحدثته.
(3)و فى وجه آخر:أخبرنى عن هذه الحركة التى بعثت13 شهوة النّفس على التّجبّل فى هذا العالم:أ هى14 غريزيّة،أم قسريّة؟فان ادّعيت أنّها غريزيّة،فقد لزمك أن تقول:إنّ هذه الحركة و الشّهوة قديمتان15
مع النّفس.و إذا كان كذلك،فيجب أن يكون سبعة أشياء قديمة؛ لأنّ الحركة و الشّهوة قديمتان.و يلزمك أيضا،أن يكون العالم قديما معها؛لأنّه إذا كانت1 علّة تجبّلها فى العالم،الحركة و الشهوة،و هما قديمتان2، فالعالم إذا قديم مع علّته؛لأنّ الطّبع لا يفتر عن عمله،و المعلول مضاف إلى علته.و إن زعمت أنّ الحركة التى بعثت الشّهوة،محدثة غير طبيعية،فلا بدّ أن تكون قسريّة3،و لا بدّ من قاسر قسرها؛و لا يجوز أن يكون شيء4 قسرها إلاّ البارى جلّ و تعالى؛الاّ أن تجعل5 القاسر لها الهيولى أو المكان أو الزمان؛و هذا خلف غير ممكن.
قال:فانّى أقول إنّ هذه الحركة ليست6 طبيعيّة و لا هى قسريّة.
قلت:فإنّ الفلاسفة اتّفقوا على أنّ الحركة حركتان:طبيعيّة و قسريّة؛ و لا ثالثة لهما7.
قال:صدقت،هذا قول القدماء.و لكنّنى قد استدركت فى هذا شيئا لطيفا،و استخرجت منه ما لم يسبقنى8 إليه أحد غيرى.و أنا أقول:إنّ9الحركات ثلاثة:طبيعيّة،و قسريّة،و فلتيّة.
قلت:فهذه10 الثّالثة لم نسمع بها11 و لا نعرفها،فعرّفناها12 كيف تكون؟
قال:أنا أضرب لك مثلا يتصوّر لك و تعرف وجه الصّواب فيه.
و جرت هذه المناظرة13بينى و بينه فى دار بعض الرؤساء، و كان ذلك الرّئيس قاعدا مع قاضى البلد يتناظران فى أمر بينهما،
و هما بحيث نراهما؛و حضر هذا المجلس معنا المعروف بأبى بكر ختن1 التّمار المتطبّب.فقال الملحد فى باب المثل الّذي2 أراد أن يثبت به الحركة الفلتيّة التى أبدعها:
(4)-هل ترى هذا القاضى قاعدا مع الأمير؟
قلت:نعم!
قال:أ رأيت لو أنه3 تناول طعاما ريا حيّا،فتحرّكت الرّياح فى جوفه و اشتدّت،و هو يمسكها و يضبط نفسه،و هو لا يرسلها حذرا من أن يتأذّى4الأمير بنتنها،أو حذرا من أن يكون لها وقع5،فيفتضح؛ثمّ تغلبه الرياح فتفلت منه؛فليست هذه الحركة طبيعيّة و لا قسرية،بل هى فلتيّة.
قلت:أ لست6 تزعم أنّ علّة هذه الرّياح التى انفلتت7 من القاضى، هى الطّعام الّذي تناوله؟
قال:نعم!
قلت:فيجب إذا8،أن تكون لهذه الحركة الفلتيّة التى تزعم أنّها حرّكت شهوة النّفس،علّة قد تقدّمت الحركة حتى أحدثتها9 فى النّفس،كما أنّ الطعام علّة لهذه10 الرّياح.و إذا كانت هنالك11 علّة12 قد تقدّمت، فلا بدّ أن تكون قديمة مع النّفس،أو أحدثها محدث.فان كانت قديمة معها،فهى13 طبيعيّة.و يجب أن تكون النفس أبدا متحرّكة بهذه الحركة، لأنّ الطّبع لا يفتر عن عمله؛و يجب أيضا أن تعدّها مع هذه الخمسة التى تزعم أنّها قديمة.و إن كانت هذه الحركة محدثة،فهى قسريّة.
فمن ذا1 الّذي أحدثها،و قسر النّفس عليها؟
فلما انتهى الكلام إلى هاهنا2،ضحك ختن التّمار شامتا به،و كان يحضر هذه المناظرات،فيظهر الشّماتة به إذا انكسر، لما كان بينهما من الخلاف فى قدم العالم و حدثه3.فلما ضحك متعجّبا لما أورده،خجل الملحد من ضحكه،و أقبل عليه و قال له:و أىّ4 مقدار للدّهرى5 حتى يستهزئ و يضحك و يسيء أدبه!دع عنك الضحك،و تكلّم على مذهبك من القول6بالدّهر و قدم العالم،لأعرّفك مقدارك.قال له ختن التّمار:الآن7بعد أن افتضحت و انكسرت و لم يقنعك حتّى ضرّطت القاضى و فضحته عند الأمير و أوردت هذا السّخف8 و هذه الحجة الباردة،أقبلت تسفّه9 عليّ و تستريح إلى مخاصمتى؟!دعنى و مذهبى،و أجب الرجل؛فليس هذا مما10يعينك11 و يخلصك من هذه الفضائح و الدّعاوى الباطلة التى12تمخرق بها على النّاس.
و بقيا ساعة فى نحو هذا13 التّشاتم و انقطع الكلام.
و انّما ذكرت هذه الحكايات لتعرف-رحمك اللّه-ما كان عليه الملحد من الاعتقاد الضّعيف و الرّأى السّخيف؛ثمّ يصنّف14بعقله المدخول و رأيه المأفون15 كلاما فى إبطال النّبوّة،و يورد ذلك
الهذر1 الّذي فى كتابه الّذي صنّفه فى هذا الباب.و أنا أذكر نكتا أحتجّ بها و أدلّ على فساد قوله،و أقول فى إثبات النّبوّة،و تقوية أمر الأنبياء و الرّسل عليهم السلام2و الدّلائل الواضحة على نبوّتهم،ما يمحق اللّه به دعاوى الملحدين الكفرة الضّالين الفجرة؛و إن كان اللّه عز و جل3،قد أوهن كيدهم،و أعزّ دينه و نصر أولياءه،و أهان أعداءه و أعداء دينه؛و أذكر من4 معجزات محمّد صلى اللّه عليه و آله5،القائمة فى العالم،ما لا يقدر ملحد على دفعه،و لا كافر على نقضه،بحول اللّه و قوته-عز جاره6-و بحسن نظر أوليائه.
و باللّه نستعين،و عليه نتوكل؛و هو حسبنا و نعم الوكيل.
و ممّا ذكر الملحد فى كتابه المسألة التى ذكرنا فى صدر كتابنا هذا:
أنّا ناظرناه عليها،و ذكرنا7 فى جوابها ما فيه مقنع لمن أنصف8 إن شاء9 اللّه.
(1)قال:انّ أهل الشّرائع أخذوا الدّين عن رؤسائهم بالتّقليد؛و دفعوا النّظر و البحث عن الأصول1،و شدّدوا فيه، و نهوا عنه؛و رووا عن رؤسائهم أخبارا توجب2 عليهم ترك النّظر ديانة،و توجب الكفر على من خالف الأخبار التى رووها3.
من ذلك،ما رووه عن أسلافهم:أنّ الجدل4 فى الدّين و المراء5فيه كفر؛و من عرض دينه للقياس،لم يزل الدّهر فى التباس؛و لا تتفكّروا6 فى اللّه و تفكّروا7 فى خلقه؛و القدر سرّ اللّه، فلا تخوضوا فيه؛و إيّاكم و التّعمّق،فانّ من كان قبلكم هلك بالتّعمّق.و ذكر نحو هذا،ثمّ قال:
(2)إن سئل أهل هذه الدّعوى عن الدّليل على صحّة دعواهم8،
استطاروا1 و غضبوا و هدروا دم من يطالبهم بذلك،و نهوا عن النّظر،و حرّضوا2 على قتل مخالفيهم.فمن أجل ذلك، اندفن الحقّ أشدّ اندفان،و انكتم أشدّ انكتام.
(3)و قال3 الملحد:و إنّما أتوا فى هذا4 الباب من طول الألف لمذهبهم،و مرّ5 الأيام و العادة،و اغترارهم بلحى التّيوس المتصدّرين6 فى المجالس يمزقون حلوقهم بالأكاذيب و الخرافات و حدّثنا فلان عن فلان بالزّور و البهتان و برواياتهم الأخبار المتناقضة؛من ذلك7:آثار توجب خلق القرآن و أخرى تنفى ذلك،و أخبار فى تقديم على و أخرى فى تقديم غيره،و آثار تنفى القدر و أخرى تنفى الاجبار،و آثار فى التّشبيه؛ذكرها الملحد و كرهنا تطويل الكتاب بها.
(4)و قال الملحد:إنّما غرّهم طول لحىّ التّيوس؛و بياض ثياب المجتمعين حولهم:الضّعفاء8 من الرّجال و النّساء و الصّبيان،و طول المدّة؛حتّى صار طبعا و عادة.
هذا كلام الملحد و احتجاجه فى هذا الباب.
جوابه(5)أمّا9 قوله:«إنّ أهل الشّرائع أخذوا الدّين عن رؤسائهم بالتّقليد
و دفعوا البحث عن الأصول و النظر و شدّدوا فيه و نهوا عنه»فقد ذكرنا فى صدر كتابنا ما فيه جواب قوله فى باب التّقليد و النّظر؛و لكنّا نعيد القول به، إذ كان هذا موضعه،و نقول:
إنّه و غيره ممّن يدّعى الفلسفة1،قد أوجبوا التّقليد على أتباعهم فيما يدقّ من علومهم،و أجازوا التّسليم2 لرؤسائهم فيما لا تبلغه عقولهم؛على ما ادّعاه الملحد من أنّ من نظر فى شيء من الفلسفة،تخلّصت نفسه من كدورة هذا العالم،و إن لم يبلغ الغاية فيها3.أو ليست هذه رخصة4 فى ترك النّظر فيما يدقّ،و التّسليم و الرّضى بمقدار ما يلحق؟أو ليس قد أوجب التّقليد5 فيما لا يبلغه عقله؟فكيف يجيز ذلك لأتباعه،و ينكر على أهل الشّرائع أن ينهوا أتباعهم عن النظر فيما تعجز عنه عقولهم،و أن يسلّموا لعلمائهم اذا عرفوا طريق الحقّ،و أن يقلّدوهم ما ليس فى وسعهم أن يلحقوه؟!
و نقول:إنّ أهل الحقّ و العدل لا يجيزون6 التقليد فى الأصول،مثل:
معرفة التّوحيد،و أمر النّبوّة،و إثبات الإمامة؛هذا ما لا يجوز قبوله بالتّقليد.فاذا ثبت7 التّوحيد و صحّ أمر النّبوّة و ثبت8 أمر الإمامة،بعد ذلك يجوز التقليد للامام الحقّ9 العادل العالم.و ليس فى جبلّة البشر أن يبلغوا الغاية من العلم10،اذ11 كان فوق كل ذى علم عليم.و إن سقط التّقليد بعد معرفة هذه الأصول كما ذكرنا و كلّف الناس كلّهم أن يبلغوا الغاية،فقد
(1)و أمّا ما ذكر فى باب البحث و النظر،فإنّ أهل الشّرائع كافة1، لا يدفعون ذلك؛و لا توجب الشرائع ترك البحث و النّظر.و إن2 كان3 قوم من ضعفاء أهل الملل يدفعون لضعفهم،و يخفى عليهم وجه4 الصّواب فيه، فليس ذلك بحجّة للملحد على كافّة أهل الشّرائع.و تحقيق ذلك فى القرآن العظيم،قال اللّه5 أصدق القائلين:
«فَبَشِّرْ عِبٰادِ اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ6 أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ7 اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ» .و أمر النّبيّ8 أن يدعو9 اليهود الى النّظر،فقال:«تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ
بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ» الآية.و دعاهم إلى النّظر فى التّوراة1و ما يوجبه حكم التّوراة فيما أنكروه عليه2 و خالفوه فيه،فى أشياء أحلّت لهم و حرّمت عليهم،فقال:«قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرٰاةِ3 فَاتْلُوهٰا إِنْ كُنْتُمْ4صٰادِقِينَ» .فهذه الآيات تدلّ على5 أنّ اللّه جلّ و تعالى6،أمر بالنّظر و أمر بالاستماع من المختلفين،و النّظر فيه و اتّباع ما هو أحسن و أولى و أحقّ و أوجب؛و على هذا أهل المعرفة و ذوو7 الألباب من أصحاب الشّرائع.
و ليست8 للملحد9 حجة عليهم بما يفعله ضعفاء الأمّة،و من لا معرفة له مستحكمة،و من هو من عوام الناس.
(2)فأمّا الخبر الّذي احتجّ به و عاب على رواته،و زعم أنّه يوجب ترك النّظر،قوله:«الجدل فى الدّين و المراء10 فيه11 كفر»،فانّه صحيح12؛و لكن ليس13 الجدل معناه النّظر،و إنّما معنى14 الجدل،الخصومة و التنازع.و أخذ الجدل من15 الجدالة،و الجدالة هى الأرض:كأنّ المجادلين، أحدهما يخاصم صاحبه و ينازعه حتّى يلقيه16 الى الأرض و يستعلى عليه.
فاذا كان الأمر على هذا،فليس ذلك بنظر؛بل هو جدل و خصومة،و هو كفر فى الدّين؛لأنّه على طريق المغالبة و المعاداة و ترك الانصاف.و المجادل على هذه الجهة،هو تارك لما أمر به من النّظر على أحسن الوجوه بالانصاف و العدل؛و هو الجدل17 الّذي نهينا عنه،و روى فيه أنّه كفر،لأنّه كما ذكرنا
مغالبة و مكابرة و استعلاء.و قد نهى اللّه عن الجدل و أمر بالنّظر على أحسن الوجوه،فقال جلّ ذكره:«وَ لاٰ تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» .ألا تراه قد نهى عن الجدل1 على وجه المغالبة و الاستعلاء و المكابرة و دفع الحق،و أطلق فيه على أحسن الوجوه،و استثنى، فقال:«إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» ؟و قال فى آية اخرى:«اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ2 وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» .فقد نهينا عن الجدل3 و الخصومة و المراء،إذا4 كان على سبيل التّنازع و المكابرة و ترك الانصاف و دفع الحقّ؛فهذا5 هو الكفر.فأمّا إذا ترك المناظر الخصومة و التّنازع6 و دفع الحقّ،فالنّظر مطلق له7؛ بل هو أمر من اللّه،على حسب ما ذكرنا8.و المراء أيضا،معناه الخصومة و التّنازع.و قال بعض أهل اللّغة:المراء هو الجحود،و احتجّ بقول الشاعر:
لئن هجرت أخا صدق و مكرمة
لقد مريت أخا ما كان يمريكا9
.
قال:يمريك10،معناه يجحدك11.فالجحود فى الدين هو كفر؛لأنه استعلاء و ظلم و ردّ12 للحقّ على معرفة و يقين؛كما قال اللّه عزّ و جلّ13:«وَ جَحَدُوا
بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا» .فهذا معنى الحديث؛و لكنّ الملحد خفى عليه معناه،لقلّة معرفته بلغة العرب؛فقدّر1 أنّ2المراد3بالمراء4 و الجدل هو النّظر و الانصاف،و احتجّ بما لا حجّة له فيه.
(3)و أمّا احتجاجه بالحديث:«لا تتفكّروا5 فى اللّه و تفكّروا فى خلقه» فهو أيضا خبر صحيح؛و لكن ليس هو ممّا ينهى6 عن النّظر؛انّما نهينا عن7 أن ننظر8 فى كيفيّة الخالق9،و أن نقدّر أنّا نبلغ10 الغاية فيه.و أمرنا11أن نعلم12،أنّ أحدا من الخلائق لا يبلغ13 نعته،و أنّ الحواسّ لا تحيط به14،و أنّ الاوهام و الصّفات تقصر عنه15.فنهينا عن16 أن ننظر فى كيفيّته، و أمرنا أن ننظر فى خلقه،و نعتبر به،و نعرف إلهيتّه و ربوبيّته و توحيده بخلقه،و نستدلّ عليه بصنعه؛فانّ فى ما خلق من سماواته و أرضه و ما بينهما من عجائب الصّنع،ما يدل على إنّيّته17 و وحدانيّته؛ و فى ذلك عبرة للمعتبرين،و دليل للمتفكّرين.و بهذا أمر جلّ ذكره فى القرآن العظيم،فقال:«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ
اَلنّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ؛و قال فى آية اخرى:«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ» ؛و قال فى آية اخرى:«وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهٰا رَوٰاسِيَ» إلى قوله:«إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ؛و قال فى آية أخرى:«وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً» الى قوله«إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.» .
(4)فهذه الآيات و ما أشبهها كثيرة فى القرآن،هى كلّها تدلّ على أنّا قد أمرنا أن1 نتفكّر فى خلق اللّه،و نعتبر بما فيه من عجائب2 الصّنع و التّدبير، و نستدلّ3بذلك عليه جل و تعالى؛إذ كنّا لا نلحق كيفيّته و لا نحيط4به.و من تفكّر فيه5 دون خلقه،تحيّر،و ذهل عقله،و لم يدرك كيفيّته و لم يحط به،لأنّه عزّ و تعالى6،جلّ عن7 أن يحيط به مخلوق؛ لأنه إذا أحاط المخلوق بالخالق،فالمخلوق أعلى من الخالق8،تعالى9 اللّه10 عن ذلك؛
بل،المخلوق يعجز عن الاحاطة بالخالق،و الخالق1 يحيط بخلقه كلّه؛لا يعزب عنه مثقال ذرّة فى الأرض و لا فى السّماء.و انّما نهينا عن التّفكّر فى اللّه، و أمرنا بالتّفكّر فى خلقه لهذه العلّة؛و من خالف ذلك هلك.و هذا هو الحقّ الواضح.و ليس للملحد فى ردّه حجّة،و لا له إلى2 ذلك سبيل.و ليس هذا الحديث ممّا يردّ النّظر و ينهى عنه؛بل،فيه:النّهى عن النّظر فى كيفيّة الخالق،و التّفكّر فى ذاته؛و الأمر بالتّفكّر فى خلقه و الاعتبار به3 و الاستدلال بذلك4 على5 إنّيّته و كيفيّته.و أىّ حجّة للملحد فى هذا حين أنكره على رواته6؟!
(5)و أمّا الخبر،قوله:«القدر سرّ اللّه فلا تخوضوا فيه»،و ما ادّعى من الأخبار التى ذكر7 أنّها تنفى القدر،و أخرى تنفى الاجبار،فانّها كلّها صحيحة.و من الّذي نظر فى القدر فبلغ الغاية فيه حتى قطع حجة خصمه؛و من الّذي أثبت القدر،أو من الّذي أثبت8 الإجبار،مع كثرة نظر النّاس فيه و مجاذباتهم؛و هل حصلوا إلاّ على الوسواس و الهذيان و نقض بعضهم على بعض؟هذا،ممّا يدل على أنّ9 الأخبار التى تنفى القدر، هى صحيحة؛و كذلك،التى تنفى الاجبار10 هى صحيحة.
(6)و أهل النّظر فى ذلك-أعنى القدر-على ثلاث طبقات:قوم أوجبوا الإجبار،و ادّعوا أنّ أفعال العباد مخلوقة و أنّها بقدر،و أنّ العباد مجبرون11 على أفعالهم.فهؤلاء أوجبوا12 أنّهم أطاعوا اللّه و عصوه
مكرهين؛فألزموا البارى الجور،و أوجبوا أنّ اللّه أجبر خلقه على المعاصى،ثمّ يعاقبهم عليها،عزّ اللّه عن ذلك.
و الطّائفة الأخرى قالوا:إنّ أفعال العباد ليست بمخلوقة،و إنّه ليس للّه1 فيها مشيّة و لا إرادة و لا تقدير.فأوجبوا أنّ العباد يقدرون على فعل ما لا يريده اللّه و لا يقدّره،و أنّهم عصوه و أطاعوه غالبين؛ فأشركوا أنفسهم مع اللّه فى سلطانه؛إذ كانوا يقدرون2 على ما لا يقدّر اللّه و لا يريده.و سقطوا عن حكم التّنزيل؛لأنّ اللّه عزّ و جلّ3،يقول:«إِنّٰا4 كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ5بِقَدَرٍ6» و أفعال العباد هى7 شيء داخل8 فى الكلّ الّذي ذكره اللّه أنّه خلقه بقدر-تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا.
و قوم عرفوا الحقّ و العدل،فنفوا القدر و الاجبار و صحّحوا9 الأخبار التى أنكرها الملحد و زعم أنّها متناقضة،و زعم أنّ منها ما ينفى القدر و منها ما ينفى الاجبار،جهلا منه بهذه المنزلة الثالثة.و أهل الحقّ و العدل اقتدوا فى ذلك بالصّادقين من آل الرسول عليه و عليهم السلام10 الذين هم ورثة علم رسول اللّه و صحّحوا هذه الأخبار كلّها التى تنفى القدر و الإجبار،و قالوا:لا إجبار11و لا تفويض؛كما قال الصّادق12 جعفر بن محمد عليه السلام13،حين سئل فقيل له:يا ابن14 رسول اللّه،الناس مجبرون؟قال15:اللّه أعدل16 من أن يجبر خلقه على المعاصى،ثم يعاقبهم عليها.قيل:فمفوّض إليهم؟قال:هو أعزّ
من أن يكون1 لاحد فى ملكه سلطان.قالوا:فكيف هو؟قال:هو أمر بين أمرين،لا إجبار و لا تفويض.
(7)فهذا هو سرّ اللّه الّذي من ترك القول بالعدل و الحقّ فيه،و سلك فيه برأيه و قياسه،هلك؛و هو سرّ اللّه الّذي أطلع عليه أنبياءه و اولياءه2؛و لا يوصل إلى معرفته إلاّ بتوقيف3 منهم.و كذلك كلّ أمر ملتبس فى الدّين لا يلحق الاّ بتوقيف4 منهم؛و من لم يرجع فى ذلك الى الاصل5 يأخذه عنهم6،و قال فى ذلك برأيه و قياسه،لم يزل الدهر فى التباس،على نحو ما روى فى الحديث الّذي عاب به الملحد،و ذكر أنّ هذا الحديث ينهى عن النّظر.و قد ذكرنا فى باب النّظر ما فيه كفاية لمن أنصف.و إنّما هذا الحديث ينهى عن الخوض فيما ليس فى7 وسع المخلوقين أن يدركوه برأيهم و قياسهم،و لا يعرفونه إلاّ بتوقيف8 من العلماء البررة كما ذكرنا،الذين هم قادة الأنام.
و من قاس برأيه فى مثل هذه الغوامض،على غير أصل من أصولهم و ابتدع9بقياسه10 ما يعقد به الرئاسة،لا يزال الدهر فى التباس؛و هذا هو القياس المنهىّ عنه.
(1)و أمّا قوله:«إيّاكم و التّعمّق فانّ من كان قبلكم هلك بالتّعمق» فليس فى هذا أيضا نهى عن النظر،إنّما هو نهى1 عن التّعمق فى الدّين2.و ليس معناه،إيّاكم و النّظر؛بل،التّعمق فى الدّين ترك القصد؛و هو الغلوّ فى الدّين،و ابتداع أشياء لم يؤمروا بها فى باب العبادة،و التشديد3 فى ذلك،و ترك القصد فى الاجتهاد و الأخذ بالتّعسير فيه.فالمتعمّق4 يغلو و يزعم أنّه مجتهد فى الدّين،يتكلّف ما لم5 يكلّفه اللّه؛كما فعل6 الخوارج فى هذه الأمّة،حتى ابتدعوا تلك الآراء و خالفوا الأئمّة و غلوا فى الدّين و تعمّقوا فى العبادة،من غير جهة السّنّة التى سنّها اللّه عزّ و جلّ7،و أمرهم بها.و قد جاءت فيهم أخبار
بصحّة1 ما قلنا؛كما روى أنّ رسول اللّه(ص)211نظر إلى رجل ساجد فى المسجد،حتى فرغ النبي(ص)من صلاته،فقال(ص):«من رجل يقتله»؟فقام3 أبو بكر و مشى إليه ليقتله،ثم انصرف و قال:«يا رسول اللّه كيف أقتل رجلا ساجدا للّه؟!»فقال:«من رجل يقتله؟»فقام عمر و مشى إليه4 ليقتله،ثم انصرف و قال:«يا رسول اللّه كيف أقتل رجلا ساجدا للّه؟!».فقال:«من رجل يقتله؟»،فقام على(ع)و مشى إليه ليقتله،فوجده قد ذهب.و فى الحديث زيادة،و لرسول اللّه(ص)فيه قول؛و إنّما أمر رسول اللّه(ص)بقتله،لأنّه ترك القصد و ابتدع ما لم يفترضه اللّه جلّ ذكره5،و لا أمر به رسوله(ص)من التّعمّق فى العبادة.
ثم قيل6 إنّه كان أحد الخوارج الذين قال فيهم النّبيّ(ص):«يقرءون7القرآن لا يجاوز تراقيهم».و قال:«يمرقون من الدّين8 كما يمرق السّهم من الرّميّة»؛و المروق،هو أن يصيب السّهم الرّميّة،ثم ينفذ إلى الجانب الاخر؛فهذا،هو خروج عن المقدار.
و كذلك التّعمّق،هو الغلوّ و الخروج عن المقدار9.و كل خارج عن المقدار و الحدّ،فهو غال10 و متعمق و مارق.
(2)و روى عن أمير المؤمنين(ع)،أنّه قال:«الغلوّ على أربع شعب:على التّعمّق،و التّنازع،و الدّفع و الشّقاق.فمن تعمّق،
لم ينب1 الى الحقّ،و لم تنحسر عنه فتنة إلاّ غشيته أخرى،و انخرق دينه فهوى فى أمر مريج».و الغلوّ و التّعمّق فى الدّين على وجوه كثيرة، أحدها ما قد ذكرناه من فعل الخوارج الذين شدّدوا فى أشياء لم يلزموها، و خفّف اللّه2 عن الامّة فيها؛فتعمقوا و تركوا القصد و غلوا و مرقوا؛و إنّما تعرف3 هذه المعانى من لغة العرب.
(3)و قد قال السيد بن محمد الحميرىّ فى تحقيق ما قلنا يخاطب الشّيعة:«أنتم قليل4 من كثير،فاقصدوا و ذروا التّعمق و احذروا ان تمرقوا.
إنّ الّذين بنهروان،إنّما مرقوا من الاسلام حين تعمّقوا،نزعوا غداتئذ بحكم5 واقع عند الحكومة،جاحدين؛فأغرقوا».فجمع معنى التّعمّق و المروق و الأغراق،و هى كلّها بمعنى الغلوّ و ترك6 القصد.ألا تراه يقول فاقصدوا و ذروا التّعمّق؟
(4)و قوله فى هذا الحديث:«فانّ من كان قبلكم هلك بالتّعمّق»، فانّه هذا المعنى بعينه؛يعنى بذلك النّصارى7 الذين ذكرهم اللّه تعالى8 حيث يقول:«وَ جَعَلْنٰا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا مٰا كَتَبْنٰاهٰا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغٰاءَ رِضْوٰانِ اللّٰهِ فَمٰا رَعَوْهٰا حَقَّ9 رِعٰايَتِهٰا» ؛يعنى ما ابتدعته النّصارى من الرّهبانيّة،و التعمق فى الدّين،و التّعسير على أنفسهم،و الغلوّ فيما لم يأمرهم اللّه10به و لا كتبه عليهم،أى:لم يفترضه عليهم؛إنّما أمروا بالعبادة بمقدار11 ما يبتغون به رضوان اللّه،و أمروا أن يقتصدوا رأفة و رحمة؛فابتدعوا و تكلّفوا ما
لم يؤمروا به،و لم يرعوا فرائض اللّه حقّ رعايتها؛فهلكوا بذلك.فهذا هو التّعمّق فى الدّين الّذي نهينا عنه،و أمرنا باجتنابه و استعمال القصد و ترك الابتداع1 فى التّعمّق،لئلاّ نهلك كما هلك من كان قبلنا.و لم نعن بالتّعمّق،النّظر؛ و لا نهينا عن النّظر.و أخطأ الملحد فى تأويل هذا الحديث،لقلّة معرفته بلغة العرب؛فجهل معنى الخبر،و عاب بما لو مدح به،لكان2 أولى؛ لانّ من أمر بالقصد و نهى عن التّعمّق،فقد احتاط،و خفّف،و يسرّ؛ و هو بالمدح أحقّ منه بالذّمّ.
(5)و لعلّ معارضا يقول:إنّا احتججنا على الملحد بالقرآن و بالحديث و بالشّعر،و لم نقل ذلك احتجاجا عليه فى أصله.و لكنّا أردنا أن نبيّن معنى ما جهله من تأويل الاخبار؛و كذلك السبيل فيما نورد بعد هذا من الاحتجاج بالقرآن و الاخبار و الشّعر إن شاء3 اللّه تعالى4.
(1)و أمّا الاخبار التى ادّعى فيها التناقض و ما ذكر فى باب التّشبيه و غير ذلك،فانّ هذه الاخبار،منها ما هى مصنوعة1،و منها ما هى صحيحة.
فأمّا المصنوعة،فمنها:ما ابتدعها2 الكذّابون من أهل الشّريعة،أرادوا أن يعقدوا بها3 الرئاسات،و يوردوا4 أخبار غريبة يستميلون5بها قلوب العامّة؛فانّ المبتدعين فى كلّ شريعة هكذا كان سبيلهم.و منها:ما وضعها6 الملحدون و دسّوها7،يريدون أن يشنّعوا8بها.فقد روى عن قوم منهم أنّهم فعلوا ذلك،مثل:ابن المقفّع9 و ابن أبى العوجاء و أشباههما.فامّا ابن المقفّع،فانّه كان مشتهرا بالزندقة،يستتر10بالاسلام،و يميل11 الى المجوسيّة و المنّانية12،و يعتقد القول بالاثنين.و روى أنّه مرّ على بيت النّار،فتمثّل بقول القائل:
شعر
يا بيت1 عاتكة التى أتعزّلحذرا لعدى و به الفؤاد2 موكّل
انّى لأمنحك الصّدود و أنّنيقسما أليك مع الصّدود لأميل
و أمّا ابن أبى العوجاء،فانّه كان معروفا بالالحاد.فهذان3 قد عرفا و اشتهر أمرهما؛و أنّهما كانا4 يصنعان هذه5 الاخبار و يدسّانها6،نحو قوله:إنّ اللّه أجرى خيلا7،فعرقت،فخلق نفسه من ذلك العرق.و نحو حديث:زغب8 الصّدر،و نور الذّراعين9،و عبادة11 الملائكة10،و قفص الذّهب على جمل أورق12،و أشباه هذه الاخبار التى هى من هذا الجنس.
(2)و أمّا الاخبار التى وضعها الكذّابون من المحدّثين الذين ابتدعوها و استمالوا بها قلوب العامّة،فانّ الثّقات13 من رواة الحديث قد نبّهوا14على15 كثير منها،و ذكروا رواتها الذين صنعوها و جرّحوهم16،و نهوا عن الرّواية عنهم،و وقفوا على كذبهم.كما روى عن شعبة أنّه قال:
لان أزنى كذا و كذا17 زنية،أحبّ إلى من أن أروى عن أبان بن عيّاش.و روى عن ابن المبارك أنّه قال:حديث أبىّ بن كعب أنّه قال:من قرأ سورة كذا فله كذا18،و من قرأ سورة كذا فله كذا،هو من
وضع الزّنادقة،فلا ترووه.و يروى عن المغيرة صاحب ابراهيم أنّه قال:حديث سالم بن1 أبى الجعد و حديث فلاّس لا ترووه؛و كان لا يعبأ بما يروى عنهما.و روى عن غير واحد أنّ2 حديث ابن عبّاس3، أنّه كان يبصق فى الدّواة و يكتب منها،وضعه عاصم الكوزىّ.و كذلك الحديث:شرب الماء على الرّيق يعقد الشّحم4،وضعه عاصم الكوزىّ.و قالوا5:حديث النّبيّ(ص)،انّه لم يحدّ6 المريض،وضعه سهل السرّاج.و حديثه(ع)الّذي7 روى عن عمرو بن حريث،أنّه قال:رايت رسول اللّه(ص)يوم العيد يسار8بين يديه بالحراب9،وضعه المنذر بن زياد.و حديثه(ع)،أنّه نهى عن عشر كنى،وضعه أبو عاصم قاضى مرو.و حديثه(ع)10،لا يزال راجل11 راكبا ما دام منتعلا، وضعه أيّوب بن خوط12.
فهكذا كان سبيل هؤلاء الكذّابين و الزّنادقة و الملحدين،الذين وضعوا هذه الاخبار.و ليس ما يبتدعه13 الكذّابون و يدلّسه14 الملحدون، بحجّة للملحدين على الأنبياء الطّاهرين و على أهل الصّدق من الامّة؛إذ كانت الشّريعة قد اشتملت على أصناف النّاس.
(3)و أمّا الاخبار الصّحيحة:فمنها ما يشكل معناها،و منها ما يقع فيها15 النّسخ.و أما ما يشكل معناها فكثيرة؛و من لا يعرف معانيها يقدّر فيها التّناقض.و منها ما تقع فيها16 الزّيادة و النّقصان،و يوهم
فيها المحدّث و يغلط؛مثل الحديث الّذي احتجّ به الملحد و عابه و طعن على النّبيّ(ص)،قوله:«رايت ربّي1 فى أحسن صورة و وضع يده بين كتفيّ حتّى وجدت برد أنامله بين ثندوتىّ2».
فانّه(ص)إنّما أراد أنّه3 رآه فى المنام،لم يرد أنّه رآه فى اليقظة.
و كيف يجوز أن يقول إنّه رأى ربّه،و اللّه عزّ و جل يقول:«لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ4» ؟فأراد (ص)أنّه5 رآه فى المنام.و مثل هذا الحديث رواه عبيد اللّه بن وهب عن عمرو بن الحرث6 عن سعد بن أبى مالك عن مروان7بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أمّ الطّفيل امرأة أبى بن كعب،قال:سمعت النّبيّ(ص) يذكر أنّه رأى ربّه فى المنام فى صورة شاب موفّر على فراش من ذهب فى رجليه نعلان من ذهب.و ليس هذا بمنكر أن يقول(ص):
رأيت ربّي فى المنام؛فانّ كثيرا8 من الناس يرون مثل هذه9 المنامات:يرون ربّهم و يرون الملائكة و يرون الأنبياء و يرون القيامة و يرون الامور العظيمة؛ و هذا واسع كثير غير مدفوع،و ليس يقع فيه نكير من أحد من العالمين.
(4)و قرأت فى كتاب إشعياء النّبيّ10:أنّ إشعياء راى11 رؤيا من بعد ارتفاع النّبوّة عنه بثلاث سنين،فى السنة التى>توفى<فيها عزّيّا12 الملك13و قال14:رايت الرّبّ جالسا على منبر عظيم،و رأيت نورا خرج من اسفل منبره ملا15 هيكله،و رايت السّرافين16 قائما امامه،له ستّة أجنحة،
يستر وجهه بجناحين و بجناحين يستر رجليه و يطير بجناحين1،و يضيف2بعضها إلى بعض و يقول:«قدّوس قدّوس،ربّ الملائكة و الروح، قدّوس الرب القوىّ الّذي الارض كلّها3 ممتلئة من تسبيحه و تزلزلت معاقم الابواب من الصّوت الّذي هتف،و امتلأ4 البيت دخانا،و رأت عيناى الملك الرّبّ القوىّ».ثم ذكر أشياء كثيرة رآها5 ثم فسّرها.و قرأت فى كتاب دانيال:رأى دانيال6 رؤيا و حلم حلما و رأسه7 على مضجعه،فكتب حينئذ رؤياه و قصّ مبتدأ8 كلامه و بدأ بالقول،فقال:رأيت فيما يرى النائم باللّيل كذا، و رأيت كذا،و ذكر أشياء كثيرة ثم9 عبّرها و فسّرها؛و تطول الخطب بذكرها.
و قال فى آخرها:و من بعد هذه الأمور،رأيت كراسيّ10 قد وضعت،و عتيق الأيّام11 قد جلس و لسانه أبيض كبياض الثّلج،و شعر رأسه كالقطن الابيض النّقيّ،و كرسيّه كلهب12 النّار،و دعائم كرسيّه و بكراته13 من نار تتّقد؛و رأيت نهرا من نار يجرى14بين يديه،و بين يديه ألف ألف خدّام يخدمونه،و كتّاب لا تحصى15؛و رأيت الدّيّان16 قد جلس،و نشرت الأسفار؛و رأيت على سحاب17السّماء كهيئة انسان،فانتهى18 الى عتيق الأيّام و قدّموه19بين يديه.فخوّله الملك و السّلطان و الكرامة؛و أن تتعبّد20 له جميع الشّعوب و الأمم و اللّغات؛و سلطانه دائم إلى21 الأبد،و ملكه الى الابد لا يتغيّر.و ضاقت نفسى أنا دانيال على
مضجعى،و غمّتنى الرّؤيا التى رأيت،فدنوت من خادم من الخدّام،و سألته عن تحقيق هذه كلّها،و قال لى يقينا،و أخبرنى1بتعبير رؤياى2.ثم فسّر دانيال تعبيرها،و قال فى آخرها:أربعة املاك تقوم فى الأرض و يرثون الملك؛و المملكة الرّابعة،هى التى3 تتفاضل على المملكات،و يملك4 الارض كلها،و يدوسها،و يدقّها،و ينال الملك و السلطان العظيم،و العظمة5 التى تحت السماء و الشّعب الظّاهر6؛ملكه دائم الى الأبد،له يتعبّد كلّ سلطان و يطيع.الى هاهنا7 انقضى8 الكلام.فأمّا أنا دانيال،فغمّتنى فكرتى9 جدّا و تغير لون بهائى10،و لكنّى11 حفظت الكلام فى قلبى.
فهكذا،هو من الحديث الّذي ذكره12 الملحد،و قال:إنّ فى التّوراة أنّ قديم الأيّام فى صورة13 شيخ ابيض الرّأس و اللحية.فعاب الملحد هذا و أشباهه ممّا رآه14 الأنبياء فى مناماتهم15.و هذه الرّؤيا16،أراد اللّه عزّ و جلّ17، أن يوحى بها الى دانيال،ليخبر بما يكون18 فى العالم19؛فأخبر بذلك و صحّ ما ذكره.و ذكر20 فى هذه الرؤيا أخبار ملوك كانوا بعده،و ما يحدث من أمورهم21 و ممالكهم؛(و)يطول شرحها.ثمّ أخبر بعد أخبارهم و قصصهم، بهذه القصّة التى أمرها أوضح من فلق الصّبح؛لانّه قال:أربعة أملاك تقوم22 فى الأرض و يرثون23 الملك.فالأملاك 24 الاربعة25 هى أملاك أهل الاديان
الاربعة،اليهوديّة و النّصرانيّة و المجوسيّة و الاسلام.و المملكة الرّابعة التى ذكر أنّها تتفاضل على المملكات،هى مملكة الاسلام1،و هى التى ورثت الملك فى هذا العالم.فأمّا الممالك كلّها فى العالم،فهى2 تحت هذه الممالك الاربع،و منها انشعبت كلّها.و مملكة الاسلام التى هى الرّابعة3،قد علت عليها؛كما قال:«إنّ الرّابعة تتفاضل على المملكات4، و تملك الارض كلّها،و تدوسها،و تدقّها؛و ينال الملك،و السلطان العظيم، و العظمة5 التى تحت السّماء،و الشّعب الظّاهر؛ملكه دائم إلى الأبد؛ و له يتعبّد كلّ سلطان و يطيع».فهذه المملكة الرابعة،هى مملكة الاسلام؛ و قد داست الأرض،و دقّتها،و قهرت كلّ شريعة.و كسرت الأصنام،و تعبّد لها كلّ سلطان؛و هى دائمة الى القيامة.
و الّذي رآه على سحاب السّماء كهيئة انسان و قدّم إلى6 عتيق7 الأيّام، و خوّله الملك و السلطان و الكرامة،و أن يتعبّد8 له جميع الشّعوب و الأمم و اللّغات،و سلطانه دائم9 الى10 الأبد،و ملكه لا يتغيّر،هو محمّد صلّى اللّه عليه و على آله11؛لانّ شريعته قد قهرت جميع الشّرائع،و سلطانه دائم الى الابد.
فهذا هو كتاب دانيال،و هو فى يدى أهل الكتاب،يقرءونه12 و يدرسونه، و لا ينكرونه؛و لكن،قد عميت قلوبهم عن هذا13 الامر الواضح؛و هذا أقوى الدّلالات على نبوّة محمّد(ص)،و على سائر14 النّبوّات،و هذا ما عاب
به الملحد.و انّما كانت رؤيا أراها اللّه دانيال فى نومه،و صحّت كما ترى؛ و لكنّ الملحد قصد1 الى موضع التشنيع،و ذكر الفاظا شنّع بها،و لم يعرف القصّة بعينها؛و إن كان قد سمعها بكمالها،فقد حبل2 تأويلها،و كتم ذلك عنادا منه و كفرا.و هذا3 حجّة عليه فى اثبات النّبوة أكيدة،لا يدفعها إلا مباهت و لا ينكرها الا معاند.و حديث النبي(ص)الّذي طعن عليه الملحد، هو رؤيا،كما قد4 ذكرنا؛و هو56 مشاكل7 لرؤيا دانيال و لرؤيا إشعياء،فى رؤية اللّه عز و جل8.و ليس ذلك9بمنكر،و لا فيه مطعن و لا حجّة للملحد.
(1)و أمّا قوله:إنّ أهل الشرائع إذا طولبوا بالدّليل على دعاويهم، شتموا و غضبوا و هدروا3 دم4 من يطالبهم؛فمن أجل5 ذلك،اندفن الحقّ أشدّ اندفان و انكتم أشدّ انكتام6.
فإنّا نقول:لا تخلو7 كلّ أمّة8 من أخلاط النّاس،و لا يكملون9 قاطبة فى العقل و الفهم و المعرفة و الحلم.و ليس يجوز أن تطالب10 الأمّة كلّها أنّ يكونوا تامّين فى هذه الخصال،مع كثرة عددهم الّذي لا يحصيه الا اللّه عزّ و جلّ11؛لانّ العالم قد امتلأ من أهل الشّرائع،و هم مجبولون على طبائع12 مختلفة و أخلاق شتّى.
ففيهم13 الكامل و النّاقص،و العالم و الجاهل،و السّفيه و الحليم،و العاقل و الاحمق؛
بل،أهل العقل و العلم و الحلم و المعرفة،هم الأقلّون عددا فى كلّ شريعة؛ و اشتملت الشّرائع على هذه الطّبقات من النّاس،على تفاوت آرائها و مذاهبها؛و ليس فى رسم الشّرائع،أن لا يقبل إلاّ الكامل العاقل الدّيّن1اللّبيب،و أن يطرد عنها من نقص عن هذه المراتب؛و لا توجب الدّيانة2ذلك،بل يقبلون على مراتبهم و يعلّمون3 ما يحتاجون إليه من أمر دينهم،و يؤمرون4 و ينهون و يراضون؛ثمّ حسابهم على اللّه عزّ و جلّ5،يجازى كلا6بعمله،و على مقدار قبوله الأمر و النّهى،و سعيه لأمر معاده؛اذ كان اللّه عزّ و جلّ7،يستعبد الأنام على مقدار عقولهم و وسعهم و طاقتهم؛ثمّ هو أعلم بما يستوجبون من الثّواب و العقاب و إنّه عليم بذات الصّدور؛كما أمر به رسوله محمّدا(ص)،و سنّه له فى القرآن،فقال تبارك اسمه8:«فَإِنَّمٰا عَلَيْكَ الْبَلاٰغُ وَ عَلَيْنَا الْحِسٰابُ» و قال:«وَ لاٰ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مٰا عَلَيْكَ9 مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ مٰا مِنْ حِسٰابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّٰالِمِينَ» .
(2)هكذا جرت السنّة فيمن تقدّم من الأنبياء،كما قال اللّه عزّ و جلّ10 فى قصّة نوح(ع)لمّا عيّره قومه باتّباعه،و قالوا له.«أ نؤمن لك و اتّبعك الارذلون»قال لهم«و ما علمى بما كانوا يعملون ان حسابهم الاّ على ربّي لو تشعرون و ما11 أنا بطارد المؤمنين»فقد دلّ12 أنّهم لم يطردوا أتباعهم،و ان قلّت معرفتهم،و ضعفت عقولهم؛بل،علّموهم و بلّغوا رسالات اللّه،
و وكلوا أمرهم1 إلى اللّه.فاشتملت الشّرائع على طبقات النّاس.و ليس2فعل السّفهاء الذين يسيئون آدابهم،بحجّة للملحد3 على العلماء و ذوى الالباب.فانّ أهل العلم و4 المعرفة لا يدفعون النّظر،و لا يكيعون عن الحجج و البراهين؛و لكنّ الملحد أراد أن يستظهر بهذه الدّعاوى،و يحتجّ بما لا حجّة له فى إبطال النّبوّة.و لو وجد الملحد على اعتقاده و أصل مقالته أتباعا5يكون لهم أدنى6 عدد7،لكانوا لا يخلون من8 هذه الأخلاق التى قد جبل عليها عوامّ النّاس؛لأنّ الجميع إذا كثر،لم يخل من هذه الطّبقات؛و لكنّ الملحد لم يجد من تابعه على مقالته و أصل اعتقاده،إلاّ من ينقص عددهم عن عدد أصابعه.و مع ذلك،فقد ماتت مقالته قبل موته؛إذ9 كان الباطل لا قوام له10، و لا ثبات؛كما قال اللّه تعالى:«وَ11 مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ12 مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ».
(1)و أمّا قوله:اغترّوا بطول لحى التّيوس،الذين يمزّقون حلوقهم بالزّور و البهتان و روايات الأخبار المتناقضة التى ذكرها،و أنّهم اغترّوا بكثرة الحمقاء المجتمعين2 حولهم من ضعفاء الرّجال و النّساء و الصّبيان، و طول المدّة حتّى صار طبعا و عادة،و أنّهم يفعلون ذلك ليبلغوا مبلغ رؤسائهم التّيوس،فليس فى هذا الكلام فائدة و لا حجّة؛بل،هو جنس من الحمق و السّفاهة.و لو شئنا لقابلناه بمثله،و طوّلنا القول بصفته و صفة أمثاله من الملحدين،الذين هم[على]مثل أخلاق القردة و الخنازير؛ و لكنّا نكره أن نجرى مجراه فى باب السّفاهة و الحمق،فنكون قد نهينا عن شيء و آتيناه؛كما قال اللّه تعالى3:«أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ4» .
(2)و لكنّا نقول:لو لا هذه القوّة التى هى فى الشّرائع و فى رسوم الأنبياء و كلامهم،التى صدّرت أصحاب هذه اللّحى فى هذه المجالس، لكان عيش الكلاب أهنى من عيش الملحدين.و لكنّ تلك1 القوّة هى2 التى أقرّت رءوسهم3 على كواهلها،و حقنت دمائهم فى أهبها.فان قال قائل:
إنّ قولنا له«الملحد»هو من باب السّفاهة،قلنا:ليس كذلك؛لأنّ الإنسان يكون ملحدا و لا يكون تيسا4.فاذا سمّى أحدهم الاخر تيسا،فقد سبّه.
و إذا سمّاه ملحدا،و كان ملحدا،فلم يسبّه؛و لكن نسبه إلى مقالته؛ كما يقال مسلم و يهودىّ و نصرانىّ و مجوسىّ و ديصانىّ5 و منّانىّ6 و غير ذلك.فكلّ إنسان يدعى بما يعتقده؛و على هذه الجهة7،قلنا«ملحد».و إن قال:إنّا ذكرنا القردة و الخنازير،قلنا:ليس هذا المقدار يستوجب من الجواب هذا المقدار...؟...حين أسبّ أعلام الشريعة و مشايخها ابتداء؟! و لا عيب علينا إذا كان الجواب هذا المقدار،إلاّ أن نعاتب8 على التّقصير و المحاباة9؛قصدا10 منّا للاقتصار11،و تركا للتّطويل و اجتنابا للسّفاهة؛و نستغفر اللّه من ذلك.
(1)و أمّا1 قوله:اندفن الحقّ أشدّ اندفان و انكتم أشدّ انكتام،فإن كان2هذا الحقّ الّذي اندفن و انكتم،هو النّظر فى أصول هؤلاء الضّلاّل الذين تشبّهوا بالفلاسفة المحقّين،حتّى قبّحوا أمرهم عند3 العامّة4بوساوسهم و أباطيلهم التى تدعو5 إلى الإلحاد،فانّ تلك6،ظاهرة مكشوفة مبذولة لكلّ حاذق و قاذف؛و هى غير مندفنة و لا مكتومة7؛و اختلافاتهم و قوانينهم8المتناقضة غير معدومة؛و لكن،ليس فيها برهان9 واضح تقبله10 العقول،و لا قوّة كامنة فتجتذب القلوب.و الرّاغبون فيها،على مقدار قوّة ذلك الكلام؛ و ليس هو كقوّة كلام الأنبياء(ع)و الكتب المنزّلة التى قد جذبت قلوب الخلائق من الخاصّ و العامّ،و العالم و الجاهل؛و كثير ممّن قبل كلام الأنبياء
و الكتب المنزّلة،لا يعرفون1 ما فيها؛و لكنّ تلك القوّة2،جمعت الأنفس على محبّتها؛حتّى جعلوها شعارهم و دثارهم،و حلّت فى قلوبهم،و جذبتها إلى قبول3 ذلك،كما تجذب4 القوّة التى فى حجر المغناطيس الحديد.فكذلك فى الكتب المنزّلة5،قوّة كامنة مستسرة فيها،تجذب القلوب6؛حتى قد صارت كتب الأنبياء(ع)مثل الطّلسمات فى العالم.و سوف نشرح هذا الباب فى موضعه و نذكر فى جواب قول الملحد7 فى باب الألف و العادة،ما يجب إن شاء اللّه تعالى8.
و أمّا قوله فى الضّعفاء1 من الرّجال و النّساء و الصّبيان،و اجتماعهم على رؤساء2 أهل الملّة،فانّ هذه الطّبقات من النّاس،إن كانت3 أنفسهم لا تتخلّص من كدورة هذا العالم،حتّى ينظروا فى الفلسفة،على ما ادّعاه الملحد،فإنّ الحكيم الرّحيم قد ظلمهم-عزّ و تعالى عن ذلك-حين لم يرزقهم عقولا تامّة قويّة تضبط الفلسفة،و تقدر على النّظر فيها؛حتى تتخلّص من كدورة هذا العالم.و لا يجوز فى حكمته و علمه أن يعين هذه الأنفس على أن تتجبّل فى4 هذا العالم،و تتّحد بهذه الأجساد الكدرة،و تقع فى هذا البلاء العظيم؛فيلزمون النّظر فى أمور يعجزون عنها،و يكلّفون طلب ما لا يطيقونه.فاذا لم يفعلوا،تركهم يكرّون فى هذا العالم و يشقون فيه5، على أصل مقالة الملحد.و هذا ظلم،و تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا؛لأنّا
نجد دهماء النّاس فى هذه الأقاليم التى نشاهدها1،و كافّة الأمم فى سائر الأقاليم و الجزائر من أهل الألسنة المختلفة،لا يدرون ما الفلسفة،و لا يعرفون2كيفيّتها و حقيقتها،فضلا عن النظر فيها؛إلا قليلا3 من النّاس من أهل اللّغة العربيّة أو اليونانيّة4،و لو عدوّا لسهل5 تعدادهم؛و سائر الخلائق6،سبيلهم ما7 قد ذكرنا،و نعتدّ فى ذلك بما نشاهده.فأين الفلسفة بلسان الفرس،و بلغاتها المختلفة فى بلدانها8؛و هكذا سبيل سائر9 الأمم.فأمّا النّساء و الصّغار من النّاس الذين لم يبلغوا الاستعباد،و الضّعفاء من البالغين فى جميع الأمصار و المدن فيما قرب و بعد،فأنت يائس منقطع الرّجاء أن يرتاضوا بالفلسفة، أو تبلغها عقولهم؛لانّا لا نجد فيلسوفات و لا ولدانا و لا ضعفاء من النّاس متفلسفين10؛و الموت يجرى عليهم.
(2)و حكم الامم التى فى أطراف الأرض من أصناف العجم مثل الدّيلم و التّرك و الزّنج و الحبشة و سائر الاقاليم،حكم من نشاهده.فان كان الحكيم الرحيم حرمهم ذلك،و منعهم تلك القوّة و بخل عليهم بتلك الآلة،حتى عجزوا عن النّظر فى الفلسفة،ثم إذا ماتوا،يعينهم على التّجبل فى هذا العالم و العود إليه على مذهب الملحد،انّهم يكرّون11 فيه أبدا حتى ينظروا فى الفلسفة،فتصفو أنفسهم،فإنّ هذا ظلم غير جائز فى حكمة الحكيم و رحمة
الرحيم،حين لم يلهمهم كافّة ما يحتاجون إليه فى أمر دينهم و دنياهم طبعا و فطنة،و قد اختار لهم أعسر الأمور و حرمهم أيسرها؛و هو خلاف ما ادّعاه الملحد،أنّ الحكيم اختار لهم أيسر الأمور،و لم يكلّفهم الأعسر،و ألهمهم هذه الأسباب طبعا،و زعم أنّه لا يجوز فى حكمة الحكيم النّاظر لخلقه،إذا وجد السّبيل إلى أيسر الأمور،أن يكلّفه1 عباده،فيدع ذلك و يكلّفهم الأعسر2؛ يريد بذلك،أنّه لم يكلّفهم طاعة الأنبياء و الرّسل،فانّها3 أعسر الأمور؛ و لكن ألهمهم ما يحتاجون إليه،ليدركوه بطباعهم.فأين ما ألهم هؤلاء الضّعفاء من الرّجال و النّساء و الولدان،و هذه الأمم التى ذكرناها؟أو ليس ما يدين به أهل الشّريعة،أولى بحكمة الحكيم و رحمة الرّحيم،و أيسر الأمور التى اختارها لبرّيته؟لانّ أهل الشّريعة قالوا:إنّ الخلائق كلّهم مستعبدون،مأمورون،منهيّون4،مجازون5بأعمالهم على قدر نيّاتهم و اجتهادهم، و إنهم لا يكلّفون ما لا يطيقون؛و إنّ الضّعفاء من الرّجال و النّساء و الولدان الذين ليس6 فى وسعهم الطّلب و البحث،لم يكلّفوا ذلك؛بل، كلّفه العقلاء الأقوياء؛فاذا قصّروا7،عوقبوا؛و اذا اجتهدوا،أثيبوا؛ و اذا عجزوا،فقد وعد اللّه أن8 يعفو9 عنهم؛و بهذا نطق القرآن،قال اللّه عزّ و جل10:
إِنَّ11 الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ12 كُنْتُمْ
قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ1 عَنْهُمْ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً2»
(3)فهذا شرطه عزّ و جل على بريّته و لبريّته على لسان رسوله محمّد(ص)الّذي جعله سببا بينه و بين خلقه.و هذا أشبه بحكمته و رحمته،و أولى به؛و هو أيسر الأمور عليهم من الّذي ادّعاه الملحد.و إذا كان الأمر هكذا،فانّ الضّعفاء من الرّجال و النّساء و الولدان،هم معذورون فى اجتماعهم على رؤساء أهل الملّة،و الأخذ عنهم مقدار ما يطيقون3 ممّا يرجون به خلاصهم4 من وبال هذا العالم،و جائز لهم التّقليد اذا لم يستطيعوا حيلة و لم يهتدوا سبيلا.و تقليدهم لهؤلاء الرّؤساء أولى من تقليدهم للمتفلسفين؛لانّ الرّؤساء5 من أهل الشرائع، يرغبون فى الثواب العظيم على العمل الصالح،و يرهبون من العذاب الأليم على الظلم و الفساد:و الرؤساء المتفلسفون6 من أهل الالحاد7،فلا رغبة عندهم و لا رهبة.فأىّ الأمرين أولى بالاحتياط:الاقتداء برؤساء أهل الشّريعة و الأخذ بالحزم و تقليدهم ايّاهم،أم الافتداء بالملحدين و تقليدهم فى إهمال الأمر؟! و أىّ الأمرين أشبه بحكمة الحكيم و رحمة الرّحيم:ما ادّعاه الملحد،أم ما ادّعاه أهل الشريعة؟!كلاّ لا وزر للملحد من هذا و لا محيص؛و ليس فى احتجاجه باجتماع الضّعفاء من الرّجال و النّساء و الولدان8 على9 رؤساء أهل الملّة،برهان على إبطال النّبوّة.
(1)و أمّا قوله:الآن ننظر فى كلام القوم و تناقضه-يعنى بذلك كلام الأنبياء(ع)-و قال:زعم عيسى أنّه ابن اللّه،و زعم موسى أنّه لا ابن1 له،و زعم محمد أنه مخلوق كسائر الناس،و مانى و زرهشت خالفا موسى و عيسى و محمدا2 فى:القديم، و كون العالم،و سبب الخير و الشرّ،و مانى خالف3 زرهشت فى الكونين و عللهما4،و محمّد زعم أنّ المسيح لم يقتل،و اليهود و النّصارى تنكر ذلك و تزعم انّه قتل و صلب؛و ذكر هذه الأبواب و خلطها بحشو كثير من دعاوى المجوس و الثّنويّة و بدعهم؛ثم قال:إنّ اليهود قالت إنّ موسى قال:إنّ اللّه قدير غير مؤلّف و لا مصنوع،و إنّه لا تنفعه المنافع و لا تضرّه المضارّ؛ و إنّ فى التّوراة:أن يوضع الشّحم على النار ليشمّ الرّيح منه الرّبّ5،
و أنّ فى التّوراة1:أنّ قديم الأيّام فى صورة شيخ أبيض الرّأس و اللّحية؛و فيها:ما لكم تقرّبون إليّ كلّ عرجاء و عوراء2 أ تراكم لو أهديتم3 ذلك الى أصدقائكم قبلوه4 منكم إلا صحيحا؟و فيها:
اتّخذوا إليّ بساطا من إبريسم5 دقيق6 الصّنعة و خوانا من خشب الشّمشار7.ثم قال الملحد:هذا،بكلام أهل الفاقة أشبه منه بكلام الغنىّ الحميد.و ذكر أشياء كثيرة ممّا8 هى فى التّوراة و عابها9.و قال:زعمت النّصارى أنّ عيسى قديم غير مربوب، و أنّه قال:جئت لاتمّم التّوراة،ثم نسخ شرائعها و بدّل قوانينها و أحكامها.و أنّ النّصارى زعمت أنّه آب و ابن و روح القدس.و ذكر ما تدّعيه المجوس عن زرهشت فى باب أهرمن10و اهر11،و ما ادّعاه مانى:أنّ الكلمة انفصلت من الأب و مزّقت الشّياطين و قتلت،و أنّ السماء من جلود الشياطين،و أنّ الرّعد جرجرة12 العفاريت13،و أنّ الزّلزلة تحرّك الشّياطين تحت الارض، و أنّ مانى رفع سابور الّذي عمل له«الشّابرقان»14فى الجوّ، و أخفاه حينا هناك،و أنّ مانى كان يختطف من بين15 أيديهم بروحه16يحاذى17به عين الشّمس،فربّما18 مكث ساعة و ربّما مكث أياما.
فأورد مثل هذه المحالات التى ابتدعها المبتدعون فى المجوسيّة19
و المنّانيّة1 و خلطها بما2 فى الكتب المنزّلة و آثار الأنبياء، و أضافها الى3 رسل اللّه الطّاهرين الذين هم4براء من كلّ ذلك.
و زعم5 أن هذا،من رسومهم،و أنّ هذا اختلاف و تناقض فى كلامهم؛و احتجّ بذلك فى دفع6 النّبوّة،و أراد أن يستظهر بهذه المخاريق و الخرافات،و يقوّى كلامه بهذه الاباطيل و السّخافات.و لعمرى قد افتقر من أراد أن يطفئ نور اللّه بالمحالات7التى تدّعيها8 المنّانيّة9 و الزّنادقة و غيرهم من الضّلاّل فى كل أمّة؛«و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون»
فنقول10 فى جوابه:
(2)أمّا الّذي ذكره عن المجوس و المنّانيّة11،فانّ الملحد قصد فى ذلك12 التّشنيع على أهل الملل؛و ليست له حجّة فى ايراد تلك المحالات13التى ابتدعها المنّانيّة14 و المجوس15 على إبطال النّبوّة؛فإنّ تلك بدع من الضّلاّل،مثلها ينسب الى الفلسفة؛و سنذكره16 فى موضعه ان شاء17 اللّه تعالى18.
(3)فأمّا الّذي ذكره19 أنّه فى التّوراة و فى الإنجيل20 و فى غيرهما من الكتب المنزّلة،و ما ادّعاه من التّناقض فى القرآن،فانّ أكثر ذلك أمثال مضروبة، منها ما21 معانيها واضحة22،و منها مستغلقة؛و ليس هناك23 اختلاف و لا تناقض؛و هو كله
حقّ و صدق؛و أنّ الأنبياء لم يختلفوا.و كلامهم1 الّذي يقدّره الجهّال2أنّه متناقض،فانّه و إن اختلفت3 ألفاظه،فانّ المعانى فيه متّفقة؛لانّ الأنبياء و الحكماء،كان أكثر كلامهم مرموزا،و كانوا يخاطبون الامم بالحكمة، و يضربون الامثال؛فيسمعها الخاصّ و العامّ،فيعقل ذلك عنهم العلماء و الخواصّ الذين كانوا يقفون على أسرار4 الأنبياء(ع)،ثم يعلّمون المستحقين من النّاس؛ليكون فى النّاس عالم و متعلّم و خاصّ و عامّ،و ليكون الامتحان قائما فيهم بذلك.و من نظر فى ظاهر ألفاظهم و لم يعرف معانيها، حكم فيه بالتناقض و الاختلاف.
(4)هكذا5 كانت6 رسوم الأنبياء(ع)؛و هو الاصل الصّحيح الّذي كان يعتقده العلماء فى كل ملّة،من مضى منهم فى الشّرائع القديمة7،و من غبر فى هذه الأمّة8.و بهذا نطقت9 الكتب المنزّلة،و دلّت عليه جميع كتب الحكماء و به أخبر العلماء.و هذه شريطة موجودة أيضا فى كتب الفلاسفة الحكماء المحقّين؛ففيها10 كلام مغلق،يحتاج المتعلم فيه الى من يحلّه له،حتى يصل الى معرفته و من جهله و قال فيه برأيه،أخطأ فيه؛حتى اختلفوا11 و تقولوا12 على القدماء و طعنوا13 عليهم فى مذاهبهم؛كما اختلفوا فى أمر أرسطاطاليس،فمنهم من قضى عليه فى كلامه أنّه موحّد،و قضى آخرون بغير ذلك؛هذا حين جهلوا رموز كلامه فسبيل الكتب المنزّلة و كلام الأنبياء(ع)و الاخبار التى رويت عنهم على ما ذكرنا14.
(5)و يجب أن ينظر1 فى شأن هذه الكتب المنزّلة و أخبار الأنبياء (ع)التى ادّعى الملحد أنّها مستحيلة،و أنّ فيها تناقضا؛فان كان من تنسب إليه هذه الاخبار صادقا عاقلا مميزا عند أهل زمانه،فالامر فيه على ما ذكرنا.و إن كان من تنسب إليه هذه2 الكتب و تسند إليه هذه الاخبار كذوبا مجنونا معتوها عند أهل زمانه لا يعقل ما يقول،جاز أن يحكم فيها بالتّناقض و الكذب،على3 حسب ما ادّعى الملحد؛لأنّه لا يجوز أن يورد العاقل المميز الكامل كلاما متناقضا و قولا مستحيلا يخالف بعضه بعضا، و لا يجوز أن يكون عاقل مميز4 يشهد لغيره بالصّدق و النّبوّة،و يزعم أنّه على منهاجه و أنّه يريد أن يشيّد بنيانه،ثم ينقض كلامه و يهدم بنيانه،مثل ما ادّعاه الملحد من تناقض كلام الأنبياء و الخلاف من بعضهم على بعض و هدم بعضهم5بنيان بعض.فان كان6 الائمّة الذين أخذت عنهم هذه الكتب و رويت عنهم هذه الاخبار،مثل:موسى و عيسى و محمّد(ع)معروفين بالجهل و الغباوة و الحمق و الجنون،فالقول فيه ما قال الملحد-و نعوذ باللّه أن يكون كذلك-بل،الائمّة الذين7 يقتدى بهم أصحاب الشّرائع، مثل موسى و عيسى و محمّد و غيرهم من الأنبياء(ع)كانوا مشهورين بالكمال و العقل و التّمييز و السّياسة و الجمع لكلّ خلق محمود؛و كيف لا يكون كذلك مع سياستهم للأنام و جمعهم إيّاهم على شرائعهم؛و كما اتفقت الامم التى شاهدت محمدا8(ص)أنّهم9 وجدوه تاما فى عقله و حلمه و أناته و تدبيره،و سياسته للخاصّ و العامّ،و كماله فى جميع الخصال التى يحتاج إليها
السّائس للبريّة.
(6)فاقرّت قريش أنّهم وجدوه أكمل أهل دهره1،و أجمعهم للخصال الحميدة؛و كانت قريش تسمّيه«الصّادق2 الامين»قبل أن قام بالنّبوّة؛ حتى:إنّهم لما اجتمعوا لبناء البيت،لانّه كان قد انتقض بناؤه3،فحضر من كلّ بطن من بطون قريش رؤساؤهم4 و تعاونوا على بنائه؛لكى لا تكون5تلك6 المنقبة لبعضهم دون بعض.فلمّا أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود موضعه،اختلفوا و تنافسوا7 فى ذلك،ثم اتّفقوا على محمّد(ص)و قالوا8:
رضينا بحكم9 الأمين.فحضر(ع)و أمر أن يبسط ثوب و يوضع عليه الحجر، و أن يأخذ رئيس كلّ قبيلة طرفا10 من الثّوب،ثمّ يرفعوه معا11،ففعلوا،ثمّ تناوله هو(ص)فوضعه فى موضعه؛فرضوا بذلك ثقة منهم به،و اعتمادا على رأيه و أمانته و عقله و صدقه؛و بذلك كانوا يعرفونه حتى ظهر بالنّبوّة.
(7)فلمّا ظهر بالنّبوّة و عاب دينهم،و ما كانوا يعبدونه12 من دون اللّه،عادوه و و نابذوه و قالوا:يا محمد إنّا عرفناك صدوقا13 أمينا،فما هذا الّذي قد أتيتنا به؟! فأنزل اللّه تعالى فى ذلك،فقال:«فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ الظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ» أى:لا يجدونك كذّابا،و يعرفونك بالصدق؛و لكن يظلمون انفسهم و يجحدون الحقّ14 و يستنكفون منه.فان قال قائل،فلم قالوا له أنّك مجنون حتى أنزل اللّه15 عزّ و جلّ:«ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قٰالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ» ،و أنزل قوله:«أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
بَلْ جٰاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كٰارِهُونَ» ؟قلنا1:انّهم لم يعنوا بهذا أنّه مجنون معتوه،و لكنّهم ادعوا أنّ2 له تابعا من الجنّ يعلّمه،و على هذا المعنى قالوا به جنّة؛لأنّهم لمّا وجدوا للأشياء3 التى يخبر بها4 حقيقة5 من الأمور الغائبة التى كان يذكرها ثم يجدونها كما يقول،قالوا:هذا له6 رئىّ من الجنّ، و تابع يلقى7 إليه هذه الأمور.
(8)و هكذا قالوا لمن تقدّم من الأنبياء،كما ذكر اللّه فى قصّة نوح:
«إِنْ هُوَ إِلاّٰ رَجُلٌ بِهِ8 جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّٰى حِينٍ9» و فى قصّة موسى(ع) حكاية عن فرعون حين قال:«إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» ،ثم قال على اثر هذه الآية التى اظهرها من العصا10 و اليد:«إِنَّ هٰذٰا لَسٰاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ» فكيف يجوز أن يعنى بقوله مجنون أنّه معتوه،ثم يقول إنّه لساحر عليم يريد أن يخرجكم من ارضكم بسحره11؟فكيف يكون المجنون ساحرا عليما؟!و كيف يخاف فرعون من مجنون أن يخرجه من أرضه و لكنّه أراد بقوله مجنون،أى له رئى من الجن؛ لانه كان يخبرهم بأشياء تصحّ،فقالوا هذا من جهة الجنّ.و لمّا رأوا الآيات،قالوا هذا سحر،فلم يكن قولهم لمحمّد:معلّم مجنون و به جنّة، طعنا عليه فى عقله و كماله و تمام فهمه و تمييزه.فكيف يجوز أن يظنّوا به الجنون مع الامور العظيمة الجليلة التى كانت ترى12 منه؟ألا تراه13 يقول عز و جل:
«أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ» يعنى،أم لم يعرفوه بالصّدق و الامانة فهم ينكرون عقله و يتهمونه بالكذب؛و قد عرفوه بالصّدق و الامانة.
و قال عزّ و جلّ أيضا14:«مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» ،قوله بنعمة ربك
كما يقول2 ما أنت بحمد اللّه بمجنون1.ثم قال على أثر ذلك:«وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ» ،قالوا فى تفسيره:الخلق العظيم،هو القرآن؛يعنى:أنّ الّذي تورده3،ليس هو من الجنّ بل،هو القرآن العظيم الّذي هو وحى من اللّه عزّ و جلّ4.
(9)فاذا كان الامام5 فى مثل حال محمّد(ص)من كماله و جمعه للخصال الحميدة كلّها التى تكون6 فى النّاس من الصّدق و الامانة و العقل و الحلم و الرّزانة و الوقار و حسن الخلق و التّواضع و السّخاء و الوفاء و الشّجاعة و رقّة القلب و التّعطف على من آمن به و تبعه،و العفو عمن كفر به و خالفه7 عند ظفره به، و غير ذلك من كلّ8 خصلة محمودة تكون فى النّاس،فلا يجوز أن يتّهم من9يكون فى مثل هذه الحال بأن10 يتكلّم،بما يعرف غيره فيه التّناقض و الاختلاف،و يجهل هو ما يتكلّم به؛فانّ محمّدا11(ص)قد كان جمع هذه الخصال كلّها؛و نحن نذكر منها12 ما هى مشهورة عنه،ليعرف صدق ما ذكرناه ان شاء اللّه تعالى13.
(1)و أمّا الصّدق و الامانة،فقد ذكرنا طرفا منه:و أنّ قريشا كانت تسمّيه بالصّادق1 الامين،لثقتهم به و معرفتهم إيّاه بالصّدق قبل ظهوره بالنّبوّة.
و قد ذكرنا تراضيهم به فى باب بناء البيت،و أنّهم اختاروه من بينهم أجمعين، و رضوا بحكمه؛و هم المعروفون بأصالة الرأى و العقول الرّصينة من بين جميع العرب.
(2)و أمّا السّخاء فانّه كان لا يذخر2 شيئا،و كان يأخذ من أغنياء أصحابه صدقات أموالهم و يفرّقها على فقرائهم،و لا يذخرها3 و لا يقتنى عقارا؛و الّذي كان يصير إليه فى سهمه من الغنائم،و غير ذلك ما يفضل من قوته،كان يشترى به عقارا و يجعله صدقة؛فقد كان4 اشترى بساتين،و تصدّق بها؛و هى معروفة إلى يومنا هذا.و كان لا يمسك يده عن بذل ما يملكه،حتى روى أنّ:سائلا سأله و لم>يكن<يملك5 ما يعطيه،فأعطاه ثوبه الّذي كان عليه.
فانزل اللّه عزّ و جلّ:«وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لاٰ تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً»
(3)و أمّا الحلم و العفو،فكان أحلم النّاس.و لما فتح مكّة و فيها أعداؤه الذين عادوه و أخرجوه من داره و أجلوه عن أهله و وطنه و لم يدعوا المكر1به و الاحتيال فى قتله و طلب الغوائل عليه،فنادى فى أصحابه و أمرهم أن لا يقتلوا أحدا بعد فتح مكة إلا أربعة نفر،أمر أن يقتلوا2 و لو وجدوا تحت أستار3 الكعبة؛لانّهم استوجبوا ذلك بعظائم4 كانت منهم،و بقتلهم قوما من المسلمين غيلة،و ارتدادهم عن الاسلام.ثم أتاه بعضهم بعد6 تائبا،فعفا5عنه و قبل7 توبته؛و أخبارهم مشهورة،تركنا إطالة القول بها.و نادى فى النّاس قبل أن تضع الحرب أوزارها،إنّ:«من دخل دار أبى سفيان فهو آمن،و من أغلق بابه على نفسه فهو آمن»و عفا8 عن أبى سفيان،و كان أكبر أعدائه و من المحرضين9 على قتله قبل هجرته و على قتاله بعد هجرته،و صاحب العير يوم بدر10،و صاحب الجمع يوم أحد،و فى غيرها من الغزوات قبل فتح مكة،و من المنافقين الخاذلين المخذلين11 عنه يوم حنين،و من المنافقين الباذلين أموالهم لمن حاربه،فعفا(ص)عنه و قبل إسلامه ابتغاء مرضات اللّه و ايثارا لطاعته فيما أمر به فى شأن المنافقين12.و عفا عن امرأته هند بنت عتبة و قد بقرت بطن حمزة13 حين استشهد يوم أحد،و أكلت كبده،و قالت فيه14:
شفيت من1 حمزة نفسى بأحد
حين بقرت بطنه عن الكبد
فأتته2 مظهرة للاسلام بعد فتح مكّة،و بعد أن كانت تحرّض النّاس على القتال يوم فتح مكة،و تشتم أبا سفيان و توبّخه حين استأمن و تقبّح فعله،فعفا3 عنها بعد أن أظفره اللّه بها،و قبل إسلامها،و حلم عنها؛و حمزة عمّه،و أعزّ النّاس عليه،و أسد اللّه و أسد رسوله.و قبل إسلام وحشى غلام4 جبير5بن مطعم؛و هو الّذي زرق6 حمزة بالحربة و قتله؛فحلم عنه و آثر رضاء اللّه على رضاء نفسه.و لما فتحت مكّة هرب صفوان بن أميّة،و هو سيد قومه،و كان شديد العداوة لرسول اللّه(ص)؛فمضى يريد جدّة.فقال عمير7بن8 وهب:يا نبىّ اللّه إنّ صفوان بن أميّة10 قد9 خرج هاربا ليغرق نفسه فى البحر،فأمّنه.قال(ص):«هو آمن»و أعطاه عمامته التى دخل بها مكّة.
فخرج عمير و لحقه،فرجع و قال:يا محمّد أ ليس قد أمّنتنى؟قال:نعم.
قال:فخيّرنى فى نفسى شهرين.قال:«قد خيرتك أربعة أشهر»؛و عفا عن كثير من أعدائه الذين ارتكبوا11 العظائم؛حتى قال أبو سفيان12:ما رأينا أحلم منك يا رسول اللّه!و جاءه13بعد ذلك قوم من الشّعراء14،قد كانت15 ضاقت عليهم الارض بما رحبت،بعد أن كانوا قد هجوه أقبح16 هجاء و حرّضوا عليه بشعرهم، مثل:عبد اللّه بن الزّبعرى17،مع كثرة أشعاره فى هجائه و شدّة عداوته و تحريضه
عليه.فأتاه معتذرا و هو يقول1:
يا رسول2 المليك إنّ لسانى
راتق3 ما فتقت إذ أنا بور
اذ أجارى4 الشّيطان فى سنن ال
غىّ و من مال ميله مثبور
آمن اللّحم و العظام بما قل
ت فنفسى الفدى5 و أنت النّذير
فقال(ص)له:«قد آمنك اللّه»و قبل إسلامه و عفا عنه.و مثل كعب بن6زهير الّذي كان يهجوه و يؤذيه بهجائه،فأتاه تائبا مسلما،و قال فى شعر له يمدحه و يسأله العفو:
نبّئت أنّ رسول اللّه أو عدنى
و العفو عند رسول اللّه مأمول
فقال(ص):«قد عفوت عنك»و قبل إسلامه،و كذلك عفا عن شعراء كثيرين كانوا يهجونه و يؤذونه بهجائهم7،بما كان الملوك و ذوو القدرة يقتلون بأصغر من ذلك.
(4)و أمّا الشّجاعة،فانه(ص)غزا8بنفسه ثلاث عشرة غزوة ما ولىّ الدّبر فى شيء منها.و لما اشتدّ القتال يوم أحد و اشتغل كلّ امره9بنفسه و استحرّ
القتل فى النّاس،صمد له فرسان قريش و تعاقدوا و تحالفوا1 على قتله و احتوشوه و حاربوه بكل سلاح حتى رموه بالحجارة.فصبر لهم2،حتى شجّ فى وجهه،و سالت الدماء على لحيته،و غاب من حلق3 المغفر فى جبهته،و أصيبت رباعيّته،و جرح فى شفته؛و أقبل أبىّ بن خلف،و هو يقول:لا نجوت إن نجا4 محمد؛و كان يقول بمكّة:إن5 لى عودا أعلّقه و أضعه،لا قتل عليه محمّدا.فبلغ ذلك النّبيّ(ص)فقال:«أنا أقتله إن شاء اللّه».فلمّا أقبل ذلك اليوم،عارضه6 عليّ(ع)مع قوم من المسلمين،يريدون منعه من رسول اللّه(ص).فقال(ص)لهم:«خلّوا7 سبيله»؛فبرز إليه و تناول حربة فطعنه بها فى فرجة بين البيضة و المغفر8 فى عنقه،فصرعه.ثم نهض>أبىّ< و انهزم عنه و أتى أصحابه،و هو يخور كما يخور الثّور.فقالوا له:لا بأس عليك،إنّما هو خدش!فقال:أ ليس قد قال إنّه يقتلنى؟و اللّه لو كانت هذه الخدشة بأهل ذى المجاز9،لماتوا كلّهم10 منها11.
و يوم حنين،لمّا انهزم أصحابه(ص)و ذهبوا فى كلّ وجه،وقف فى حومة الحرب و معه عليّ(ع)12مع نفر يسير من أصحابه،و النّبال13 و السّهام عليه(ص)مثل قطر المطر؛و هو ينادى:«هلمّوا إلى،أنا14 محمّد بن عبد اللّه، أنا محمّد رسول اللّه»،و ما ولىّ حتى أتاه النّصر من اللّه عزّ و جلّ15.و مقاماته
فى غزواته و ما ظهر من شجاعته،يطول الشّرح به.
(5)-و أمّا الوقار و الرّزانة،فانّه كان أوقر النّاس مجلسا،و أعظمهم هيبة فى صدور النّاس.و كان إذا قعد بين أصحابه،قعدوا حوله كأنّما على رءوسهم1 الطّير هيبة له؛يهابونه هيبة الملوك مع بشاشته بهم و بجميع النّاس، و حسن خلقه؛فإنّه كان أحسن النّاس خلقا و خلقا؛و كان يأمر أصحابه بمحاسن الاخلاق و يحثّهم على ذلك،و يقول:«أقربكم إلى اللّه أحسنكم خلقا»،و قال:«إنّ العبد ليبلغ بحسن الخلق درجة الصّائم القائم2»،و قال:
«ليس عمل فى الميزان أثقل من حسن الخلق3».
(6)-و ما روى عنه نحو هذا4 كثير ممّا5 كان يأمر به و يحثّ عليه.و كان لا يطرب و لا يمزح6،و لا يطيش7 و لا يبطش فى فرح و لا غضب.و ترد عليه الأمور العظيمة البشارة،فلا يستخفّ8 لها9،و كان جلّ غضبه أن تحمّر وجنتاه،فيملك نفسه، و يدرّ العرق من عرق بين عينيه،فلا10 يتزعزع،و لا يبطش بيد و لا لسان؛و ما رؤى قطّ قهقه و استغرب فى ضحك11،و كان جلّ ضحكه التّبسّم.و كانت ترد عليه الامور العظيمة التى يمتحن بها،فلا يتزعزع لها12،بل كان يظهر الوقار الشّديد و الرّكانة،و يحتسب و يحمل الصّبر؛حتى أمر اللّه عزّ و جلّ أمّته أن يتأسّوا13به فى الّذي ينوبهم من محن الدّنيا،و أن يتأدّبوا بأدبه14،
فقال جلّ ذكره:«لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا اللّٰهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ.»
(7)و أمّا الوفاء،فانّه كان أوفى النّاس بعهد و ذمّة،و أوكدهم حرمة.
قد كان بعث خالد1بن وليد إلى بنى جذيمة2،و لم يبعثه مقاتلا بل بعثه داعيا؛ فأجابوه3 إلى الاسلام.و كانت بين خالد و بين القوم4 ترة فى الجاهلية،فقال لهم:ضعوا سلاحكم.فلمّا وضعوا السلاح،كتّفهم و عرضهم على السّيف.
فلما انتهى خبرهم إلى النبي(ص)رفع يديه إلى السّماء،و قال:«اللّهمّ إنّى أبرأ5 إليك ممّا صنع خالد6».و زعم خالد،أنّه لم يقتلهم حتى امتنعوا من الاسلام.فبعث رسول اللّه(ص)عليا(ع)و بعث معه مالا،و قال:«اجعل أمر الجاهليّة تحت قدميك»فخرج إليهم و ودى الدّماء و الاموال،حتى وداهم ميلغة الكلب،و بقيت معه بقيّة من المال،فقال:هل بقى لكم دم7أو8 مال؟قالوا:لا.قال:فهذه البقيّة9 لكم احتياطا لرسول اللّه(ص)ممّا لا أعلم و ممّا لا تعلمون.فلمّا رجع،قال له النبي(ص):«أحسنت و أصبت.»
و كانت10بينه و بين العرب هدنة بعد فتح مكّة،أن لا يمنعوا عن البيت و أن لا يخافوا.فنزلت سورة«براءة»11و أمره12 اللّه،أن يردّ إليهم عهدهم؛فدفع الآيات من أول سورة براءة إلى أبى بكر،و بعثه إلى الموسم،و أمره أن يقرأها على النّاس.فنزل جبرائيل(ع)و قال له13:إنّه لا يبلّغها إلا أنت او رجل
منك.فبعث عليا(ع)1فأخذ2 الصحيفة من أبى بكر بعد أن لحقه فى طريقه، و مضى.فلمّا وافى«منى»3يوم النّحر،أذّن فى النّاس حتى اجتمعوا، فقرأها،و ردّ إليهم عهدهم:أن لا يحجّ بعد هذا العام مشرك،و لا يطوف بالبيت عريان4؛و من كان له عند رسول اللّه عهد او5 ذمّة،فهو إلى مدّة أربعة أشهر،ليرجع كل قوم إلى مأمنهم من بلادهم،ثم لا عهد بعد ذلك لمشرك، إلا من كان له عهد6 عند رسول اللّه(ص)إلى أجل معلوم،فعلى رسول اللّه الوفاء بذلك.فلو7 شاء أن يكابرهم قبل أن يرجعوا إلى ديارهم،و يوقع بهم، لفعل؛و لكنّه،أراد أن يفى بذمّتهم،و لم يغزهم فى ديارهم و لم يرعبهم8 حتى أخذوا حذرهم،وفاء بعهدهم و اجتنابا للخديعة و المكر بهم9.
(8)و أمّا10 التّواضع،فإنّه(ص)مع رفيع منزلته11 و هيبته فى صدور النّاس، كان يبدر12 من لقى بالسّلام؛و كان13 لا يتقدّم أصحابه إذا مشى؛و>كان<يقف للصّغير14 و الكبير،و الغنىّ و الفقير،و النّساء و الرّجال؛و لا ينصرف عمّن يقف له15 حتى ينصرف عنه صاحبه؛و لا يقوم فى مجلسه عن جليسه، حتى يقوم16 عنه؛و>كان<يقعد حيث ينتهى17به المجلس؛و كان الفقير و الضّعيف أقرب إليه من الغنىّ18 و القوىّ حتى انّه:رؤى واقفا على عجوز حتّى أعيا.فقيل له:يا رسول اللّه أطلت الوقوف على هذه المرأة!فقال:«إنّها عجوز19 كانت تأتينا20 أيّام خديجة،و إنّ حسن العهد من الايمان»و فى حديث
آخر:أنّه بسط لها رداءه،و قال:«إنّ هذه من صدائق1 خديجة و إنّ حسن العهد من الايمان».و فى حديث آخر2:أنّ خالته من الرّضاعة أتته فبسط لها رداءه.و كان يأكل على الارض و يقول:«إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد».
و كان لا يذمّ ذواقا و لا يمدحه.فهذه أخلاقه،ذكرنا منها على الاختصار،و لو شرحنا محاسنها لطال الوصف بها3.
(9)و أمّا خلقه فى اعتداله و حسن صورته و جماله التى يحكم4بها أصحاب الفراسة5 و يستدلّون بها على تمام عقل الانسان،فانّه كان مشتهرا بالجمال و اعتدال الصّورة،و كان معتدل القامة أطول من المربوع و أقصر من المشذّب، عظيم الهامة،رجل الشّعر،واسع الجبين6،أزجّ الحواجب سوابغ7 فى غير قرن،أقنى العرنين،له نور يعلوه،يحسبه8 من لم يتأمله أشمّ،كثّ اللّحية،سهل الخدّين،ضليع الفم،أشنب9،مفلّج الاسنان،كان يفترّ عن مثل حبّ الغمام،واسع الصّدر،بعيد ما بين المنكبين،طويل الزّندين، رحب الرّاحة،سبط القصب،سائل الاطراف،خمصان الأخمصين مسيح10القدمين،خافض الطرف،نظره إلى الارض أكثر من نظره إلى السّماء، لا يسارق النّظر و لا يلاحظ11،بل كان يلتفت جمعا،و لا ينظر شزرا نظر المسارق12و نظر التّعادى؛لأنّ الّذي ينظر شررا،يكون متجسسا أو مضمرا حقدا،فتنزّه
عن هذه1 الخليقة2 المذمومة،و صان نفسه عنها؛فكان إذا التفت،يلتفت جمعا.
و إن ذكرنا صفة خلقته المستحسنة الجامعة لكلّ جمال،طال شرحها.
و ذكرنا هذا المقدار،مختصرا من الّذي روى عن ربيبه3 هند بن أبى هالة التّميمىّ،و كان أوصف النّاس له؛لانّه نشأ4 فى حجره.فرويت5 عنه صفة حليته6؛و أخذها عنه النّاس،و لم ينكروا شيئا ممّا قاله7؛لأنّهم شاهدوه (ص)و وجدوه(ص)بهذه الصّفة.هذا،دون ما وصفته به أمّ معبد لزوجها، لمّا نزل عندها و حلب شاة حائلا حتّى درّت باللّبن؛و دون ما وصفه به غيرها من الخلق الجميلة.
(10)و ذكرنا ذلك،لانّ الفلاسفة يحكمون بالفراسة،و يستدلّون بمثل8 هذه9الصّفة10 على عقل الانسان و كماله.فمن الّذي وجد فى العالم و ذكر، أجمع منه لهذه الخصال؟لانّ،من ذكر بالأمانة و الصّدق،كان منفردا بتلك11 دون غيرها من الخصال؛و كذلك من ذكر بالسّخاء أو بالحلم أو بالشّجاعة أو بالوفاء أو بغير ذلك،كان ينفرد بتلك الخصلة دون غيرها.
فكان(ص)قد برع النّاس وفاقهم أجمعين،فى جميع هذه الخصال؛ حتى لا يقاومه أحد،و لا يذكر له فى العالم نظير قد جمع هذه الاخلاق و الخلق.
(11)ثم كان أنضر الناس عودا،و أعلاهم شرفا،و أفخرهم منصبا.شعبه
أفضل الشّعوب،و قبيلته1 أفضل القبائل،و عشيرته أفضل العشائر.قد ولده الأنبياء و الرّسل:آدم و شيث و نوح و سام و إبراهيم و إسماعيل(ع).ثم ولده كرام النّاس و كرام العرب،ثم كرام مضر،ثم كرام كنانة2،ثم كرام قريش،ثم كرام بنى هاشم.و مناقب أجداده ظاهرة،و كرائم3 أخلاقهم مذكورة فى الزّمن الأوّل:
(12)كان مضر أفضل عدنان،و كان يفك العانى،و يطعم الطّعام.و كان كنانة أفضل مضر،و كان يأنف أن يأكل وحده؛فاذا لم يجد من يأكل معه، أكل لقمة و رمى بلقمة إلى صخرة قد نصبها بين يديه،أنفة من أن يأكل وحده.
و كان قريش قد فاق4 العرب بأصالة رأيه و تدبيره5.و كان قصيّ أفضل قريش، و اسمه«زيد»و سمّى«مجمعا»لأنّه جمع قبائل قريش،و أنزلها مكّة؛و فيه يقول القائل:
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا
به جمّع اللّه القبائل من فهر
و كان هاشم أفضل قريش و اسمه«عمرو»6فسمّى هاشما،لأنّه كان يهشم الثريد و يطعم الحاجّ و النّاس،و كان يقعد على كرسيّ من ساسم و يختصر7بقضيب من خيزران،و جزور8 تنحر9،و أخرى تطبخ،و أخرى تساق لتنحر،و مناديه ينادى10:يا وفد اللّه هلمّوا إلى الغذاء،و آخر ينادى:ألا من تغذّى فليرح للعشاء11.و أمّا عبد المطلب،فكان حكمهم،و مفزعهم12 فى النّوائب،
و موئلهم فى الامور،و كان1 يرفع من2 مائدته فى رءوس الجبال للطّير،و يطعم الحجيج و يسقيهم،و سوطه للسّفيه قائم3،و كان يقال له4«شيبة الحمد»:و أجدبت قريش5 فاستسقت6به؛فوضع عبد المطلب رسول اللّه(ص)على عاتقه و هو يومئذ طفل و ارتقى أبا قبيس7،و أقبلت قريش8 تدفّ حوله،و طافوا به و هو يدعو؛فما راموا9 حتى انفجرت السّماء بمائها و سالت الأودية،و قريش تقول10:هنيئا لك11 يا أبا البطحاء بك12 عاش النّاس.و قال فيه شاعرهم:
بشيبة الحمد أسقى اللّه بلدتنا
و قد فقدنا الحيا و اجلوذ المطر
مبارك13 الوجه14 يستسقى الغمام به
ما فى الأنام له عدل و لا خطر
(13)و أمّا عبد اللّه،فكانت غرّة رسول اللّه(ص)ظاهرة بين عينيه؛و رأته امرأة،فعرفت أنّ لتلك الغرّة شأنا،فراودته عن نفسه؛فعصمه اللّه، و دخل على آمنة15بنت وهب امرأته،فواقعها؛فحملت برسول اللّه(ص)، و تحوّلت تلك الغرة إلى16 وجهها.ثم لقيته المرأة بعد ذلك،فقال كالمجرّب لها:هل لك فيما قلت لى؟فقالت:قد17 كان ذلك18 مرّة فاليوم لا.فصار ذلك مثلا.و كانت له من اللّه عصمة،و كان رسول اللّه(ص)يقول:«نقلت من طهر إلى طهر ما مسّنى سفاح الجاهليّة».
(14)فهذه صفته(ص)و أخلاقه المشهورة،و خلقته الطّاهرة،و فخره الباذخ؛ و لا يدفع ذلك الاّ مباهت؛لأنّ قريش1 و العرب و سائر الأمم الذين شاهدوه، عرفوه بذلك،و اعترفوا به؛فهو(ص)جمع هذه الخصال كلّها،وفاق النّاس أجمعين فيها؛و حقّ له أن يكون كذلك،و قد اختاره اللّه عزّ و جلّ من جميع ولد آدم من أوّل الدهر إلى آخره،و فضّله عليهم أجمعين،و أعطاه من القوّة الشّديدة و النّصرة الظّاهرة و الغلبة القاهرة و الملك العالى على جميع الممالك فى الدّنيا،ما لم يعطه أحدا من عباده؛و مضى(ص) من الدّنيا،و قوّته باقية فى العالم،تزداد على مرّ الأيّام؛و ما أعدّ اللّه فى آخرته،فأكبر درجات و أكبر تفضيلا.
(15)فان قال قائل:إنّه قد كان فى الدّنيا،من كان أشدّ قوّة فى ملكه و سلطانه،و أظهر غلبة2،مثل الاسكندر و غيره من ملوك الارض،قلنا:هؤلاء ملكوا فى عصرهم و غلبوا فى دهرهم3،فلمّا ماتوا،زال ذلك عنهم؛و رسم محمد(ص)باق4 إلى الابد،و عزّه و شرفه متّصل بالقيامة.و كذلك كان سبيل موسى و عيسى(ع)و إن لم يبلغا منزلة محمّد(ص)فإنّهما جمعا الخصال الجميلة،و كان كل واحد منهما أكمل أهل زمانه،و أجمعهم لكلّ أمر يحتاج إليه الامام فى سياسة النّاس دينا و دنيا،كما ظهر من موسى(ع)من الافعال العظيمة و الآيات العجيبة.و إن كان الملحدون ينكرونها،فانّهم لا يقدرون على5 أن يطعنوا فى عقله،و استحكام فهمه،و حسن تمييزه،و كمال تدبيره؛ لانّ أفعاله العظيمة التى كانت منه،لا تتم إلا لكامل6 عقل7 مؤيّد حازم:فانّه
خرج من مصر و انقذ بنى إسرائيل من عبوديّة فرعون،و هم ستّمائة ألف رجل بالغ سوى النّساء و الذّراري،بما أعطاه اللّه من القوّة و لطف1 له من التّدبير،و عبر بهم البحر.فاتّبعهم فرعون بجنوده2،حتّى كان من أمره ما كان.ثم ساسهم أربعين عاما فى المهامة3 و القفار تلك السّياسة4 العجيبة،مع تلوّنهم و التيائهم عليه و مع ما5 امتحن به من أمور عظيمة كانت منهم.فقدموه مع ذلك كله على أنفسهم،و ملك ذلك الجمع العظيم،و أقام فيهم الأمر و النّهى،و أقرّوا له بالنّبوّة لما رأوا منه من الآيات.و كان هارون6 أخوه أكبر سنّا منه،و كان وجيها فيهم مبجّلا عندهم عظيما فى صدورهم،فقدّموا موسى(ع)عليه7،لتقديم اللّه عزّ و جلّ إيّاه بالنّبوّة.
(16)فان أنكر الملحدون8 نبوّته،و قالوا9:إنّ ذلك بحيلته10 و دولته،قلنا:
فان أنكرتم نبوّته،هل تنكرون عقله؟و هل يجوز أنّ ذلك الجمع العظيم من بنى إسرائيل قدّموه و انقادوا له إلا لفضل كان فيه،و قوّة11 عظيمة،و كمال رأى،و وفور عقل؟و أن من يجوّز12 حيله على ذلك الخلق الكثير حتى يملك13رقابهم و يجعلهم14 تحت طاعته و يقرّوا15 له بالنّبوّة،لا يجوز16 أن يكون مطعونا17عليه فى عقله و كماله و فضله؟و لا يجوز أن يقدّموا على أنفسهم معتوها ناقصا مجنونا،من غير جدوى ينالونها18 منه من أعراض الدنيا.و لا يوجب المعقول19،
انّهم قدّموه إلاّ لما ذكرنا من الآيات التى ظهرت1 منه،و الامور العظيمة التى شاهدوها منه و عاينوها.و إن جحد الملحدون2 تلك الآيات التى دلّت على نبوته، فلكما له و حسن تدبيره و لطفه فى السّياسة.
(17)و هكذا كان أمر المسيح(ع)حين ظهر بالنبوة،و أظهر تلك الجرائح3، و جال4 فى كور فلسطين و الأردن و الشّام،و ظهرت منه تلك الاسباب العظيمة من إحياء الموتى،و إبراء ذوى العاهات و المئوفين5،و الدلائل الكثيرة.
فان أنكر الملحدون6 و قالوا:إنّ ذلك لم يكن،فلا يقدرون أن يدفعوا ما شرعه لحوارييه7 الذين عرفوا أيضا بالكمال و الفضل و القوّة التى جمعوا بها النّاس على قبول شرائعه و آثاره.فهل8 قدروا مع تفرّقهم فى بلدان شتّى و كور متباينة على إقامة دعوته و بسط شرائعه و ترسيم آثاره،إلاّ بآيات9 كاملة؟و هل تبعوا10 المسيح مع كمالهم11،إلاّ لمعرفتهم بفضله؟فان12 كانوا ينكرون أنّهم اتّبعوا13 لما رأوا منه من الآيات،فلا يقدرون أن ينكروا عقولهم و أفهامهم و حسن تمييزهم؛فانّه لا يقدر على إقامة مثل تلك الدّعوة إلاّ المجانين و من لا عقول لهم و لا أفهام.
فمن أنكر ما ذكرنا فى شأن محمّد(ص)و موسى و عيسى(ع)من الكمال فى عقولهم و أفهامهم و جمعهم الخصال14 الحميدة التى تكون فى الأئمّة و
الرّؤساء،و ما كانوا عليه من حسن التّدبير و السّياسة،و إن كان منكرا لنبوّتهم، فهو معاند1 مكابر دافع للعيان2؛فانّ هذه الاسباب لا تعزب عن أفهام النّاس من المخالفين و المؤالفين؛و هم يشاهدونها3بعقولهم و إن كانت أمورا4 قد انقضت.
(18)و إذا5 كان الامام بالصّفة التى وصف بها6 هؤلاء الرّسل(ع)من البراعة و العقول التّامة،لا يجوز،أن لا يعقل أحدهم ما يتكلّم به،و أن يخفى عليه من تناقض كلامه و استحالته7،ما يعرفه غيره مثل الملحد و أشباهه.فهلاّ تدبّر الملحد هذا الشأن،و هلاّ علم8 أنّ أمثال9 هؤلاء(ع)لم يخف عليهم ما ادّعاه الملحد من التّناقض فى كلامهم،و الاختلاف فى رسومهم،و مخالفة بعضهم لبعض فى شرائعهم و فى كتبهم و الأخبار التى رويت عنهم؛أ فتراهم كانوا لا يميّزون ما يقولون،و لا يعرفون منه مقدار ما عرفه الملحد حين قال:الآن ننظر فى كلام القوم و تناقضه؟فهلاّ تدبّر10 هذه الحال،و تأمّل ما كانوا عليه من الكمال،و جمعهم لكل محمود من الخصال؛و هلاّ حكم فى كلامهم حسب11ما ادّعوه من ضرب الامثال؟!
و إنما ذكرنا هذه الصّفات التى كانت فيهم،ليعرف العاقل المميّز المنصف،أنّ أمثالهم فى العقول التّامة و الافهام الكاملة،و مع هذه الاسباب العظيمة التى كانت منهم و الخصال الجميلة التى كانت فيهم،لا يجوز لأحد أن يحكم عليهم،أنّهم تكلّموا بكلام متناقض،و رسموا رسوما متناقضة،
(1)الآن،نذكر صدرا من كلام الأنبياء(ع)و رسومهم،و ما نطقت به كتبهم و ادّعوه1 فيها،أنّهم يضربون الأمثال التى تختلف ألفاظها،و تتّفق2 معانيها؛ و ما دلّوا عليه،و أمروا به من البحث عن معانى كلامهم المرموز،ليتّضح عدلهم3 و يظهر صدقهم4؛فيزول ما يدّعيه الملحدون عليهم من اختلافهم و تناقض كلامهم إن شاء اللّه تعالى5:
روى6 عن النّبيّ(ص)أنّه قال:ضرب اللّه مثلا صراطا مستقيما،و على جنبتى7 الصّراط سور8،و فى السّور أبواب مفتّحة،و على تلك الأبواب ستور مرخاة9،و على رأس الصّراط داع10 يقول:ادخلوا الصّراط و لا تعرجوا.
قال:فالصّراط هو الاسلام،و الابواب المفتّحة محارم اللّه،و السّتور حدود
اللّه،و الدّاعى القرآن.فهكذا سبيل المثل و المعنى1.و ما جاء فى القرآن العظيم2 أبلغ و أوجز:
(2)قال اللّه عز و جل3:«أَنْزَلَ4 مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً5 فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رٰابِياً وَ مِمّٰا يُوقِدُونَ6 عَلَيْهِ فِي النّٰارِ ابْتِغٰاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتٰاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذٰلِكَ7 يَضْرِبُ اللّٰهُ الْأَمْثٰالَ» .قال أهل التّفسير:شبّه علوم الأنبياء و ما أنزل اللّه من الوحى،بماء8 ينزل من السّماء؛و مما يوقدون عليه فى النّار يعنى:الذّهب و الفضّة و غير ذلك من الجواهر،شبهه بالايمان و أهله؛و الزّبد الّذي يذهب جفاء،شبّهه9بالكفر و أهله؛يعنى:
أنّ أعمال المؤمنين تبقى و تحصل10 يوم القيامة،و أعمال الكفّار11 تبطل و لا تنفع.
و ذكرنا من معنى هذا المثل،مقدار ما ذكروه فى تفسيره.و قال اللّه عزّ و جلّ «وَ لَقَدْ صَرَّفْنٰا لِلنّٰاسِ12 فِي هٰذَا الْقُرْآنِ13 مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبىٰ أَكْثَرُ النّٰاسِ إِلاّٰ كُفُوراً» ؛و قال فى آية اخرى:«وَ لَقَدْ صَرَّفْنٰا فِي هٰذَا الْقُرْآنِ لِلنّٰاسِ15 مِنْ كُلِّ مَثَلٍ14 وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً» ؛و قال اللّه عزّ و جلّ:«إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَسْتَحْيِي16 أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مٰا بَعُوضَةً فَمٰا فَوْقَهٰا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً
وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفٰاسِقِينَ.»
و إنّما أنزل اللّه عزّ و جلّ هذه1 الآية لمّا قال المشركون:ما هذه الامثال التى يذكرها محمّد و يضربها2بالذّباب و العنكبوت3 و غير ذلك،فعندها أنزل اللّه عزّ و جلّ هذه الآية؛و أعلمنا أنّ الذين آمنوا،يعلمون ما فى الأمثال من الحق،و الذين كفروا يجهلون ذلك،فيهتدى بها كثير من الناس الذين يعرفون حقائقها و يضلّ بها الفاسقون4.
(3)و قال عزّ و جلّ5 فى صفة النّار:«عَلَيْهٰا تِسْعَةَ عَشَرَ وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلاّٰ مَلاٰئِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ يَزْدٰادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمٰاناً وَ لاٰ يَرْتٰابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكٰافِرُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً كَذٰلِكَ6 يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ» .فعرّفنا عزّ و جلّ أنّه7 ضرب بهذا مثلا8،يضلّ به من يشاء و يهدى به من يشاء.و قال عزّ و جلّ:«وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلاَّ الْعٰالِمُونَ.»
و روينا عن بعض أئمّتنا الصادقين(ع)أنّه قال لبعض أصحابه:انظر أن9 لا تمرّ بك آية من كتاب اللّه إلا و أنت تعرف معناها أو تحبّ أن تعلمه،لتكون10عالما أو متعلّما؛فان اللّه يقول:«وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلاَّ الْعٰالِمُونَ.» و قال عزّ و جلّ:«قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفٰاءٌ وَ الَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولٰئِكَ
يُنٰادَوْنَ مِنْ مَكٰانٍ بَعِيدٍ» يعنى:أنّ الذين1 آمنوا،قد علموا أنّه أمثال،و عرفوا منه ما عرفوا،و سلّموا فيما لم يعرفوا؛و أنّ الذين لا يعرفون ذلك3 يعمون فيه،و ينادون من مكان بعيد2؛لانّهم لا يعرفون معانيه.
(4)و أخبرنا عزّ و جلّ:أنّ الأنبياء الذين مضوا،ضربوا لقومهم الامثال؛فهلك من هلك،لانهم جهلوا معانيها فكذّبوا4 الرّسل؛و كان سبيلهم فى جهلهم بتلك المعانى،سبيل الملحد حين جهل هذا الباب،و ظنّ بالانبياء الكذب و الاختلاف،فقدّر5 فى كلامهم الاختلاف و التّناقض.قال اللّه عزّ و جلّ:«وَ عٰاداً وَ ثَمُودَ6 وَ أَصْحٰابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً7وَ كُلاًّ ضَرَبْنٰا لَهُ الْأَمْثٰالَ وَ كُلاًّ تَبَّرْنٰا تَتْبِيراً8» فدلّ9 ذلك على10 أنّهم هلكوا حين ضربت لهم الامثال فجهلوا معانيها و ضلّوا.فهذا ما فى القرآن،و فيه أمثال كثيرة يطول الشّرح بها.
(5)و مثل ذلك فى سائر كتب الأنبياء(ع):فى الإنجيل،فى بشرى11 متّى:
هذا كلام تكلم به يسوع12بالامثال،و لم يكن يكلمهم بغير الامثال،ليتمّ ما قيل على لسان النبي الّذي قال:أفتح فمى13بالامثال،و أعلم السرائر التى كانت من قبل أن وضع14 أساس15 الدّنيا.و فيه أيضا مثل ضربه عيسى(ع)و قال بعد ذلك:فدنا16 منه تلاميذه و قالوا17 له:ما بالك18 تكلّمهم بالأمثال؟فقال لهم:
أنتم أعطيتم سرّ ملكوت السّماء،فأمّا أولئك،فلم يعطوا.من كان له فانه
يعطى1 و يزاد2،و من لم يكن له،فانّه3 مهما كان له،يؤخذ4 منه أيضا؛لذلك أكلّمهم بالامثال،لأنّهم يبصرون الحقّ،فيعمون أبصارهم،و يسمعون ثم لا يعقلون و لا يفقهون؛فأمّا أنتم فطوبى لاعينكم التى ترى و آذانكم التى تسمع.و مثل هذا فى القرآن،قال اللّه عزّ و جلّ:«وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا5 وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ الْغٰافِلُونَ» يعنى بهذا:أنّ من سمع القرآن و لم يعقل الامثال التى ضربت فيه6،فهو بهذه المنزلة.
(6)و فى بشرى مارقوس:أنّ المسيح ضرب للحواريّين مثلا،ثم قال لهم أنتم أعطيتم أن تعلموا سرّ ملكوت السّماء7،فأما الغرباء،فانّهم يكلّمون بالامثال،لكيما إذا رأوا لم يروا،و إذا سمعوا لم يسمعوا و لم يفهموا،لعلهم يرجعون،فتغفر لهم خطاياهم،أ ما يحسنون هذا8 المثل فكيف إذا تعلّموا جميع الامثال.و يقول فيه أيضا بعد مثل9 ضربه لهم،ثم قال:بمثل10 هذه الامثال جعل يكلّمهم يسوع12،و لم يكن يكلمهم بغير أمثال11،و كان يفسر لتلاميذه جميع الأشياء بينه و بينهم.و من13 الامثال التى14 ضربها و فسرّها لهم،قال:
إنّ الزّراع خرج ليزرع،فلمّا زرع،منه ما سقط فى جادّة الطّريق، فجاءه الطّير فلقطه؛و منه ما سقط على الصّخر حيث لم يكن طين كثير، فنبت من ساعته،لانّه لم يكن له قعر15 فى الأرض،فلما طلعت عليه الشمس،
ذوى لأنّه لم يكن له أصل فى الأرض،فيبس؛و منه ما سقط بين الشّوك1، فارتفع الشّوك فخنقه؛و منه ما سقط فى الارض الصّالحة و ربا2،فمنه ما خرج مائة ضعف،و منه ستون،و منه ثلاثون.من كان له أذنان سامعتان فليسمع.ثم فسر لهم هذا المثل فقال:الزّرع،مثل من سمع كلام الملكوت فلم يفهمه،يأتيه الشيطان فيختلف الكلمة التى زرعت فى قلبه،و هو الزّرع على جادّة الطّريق؛و الزّرع على الصّفاء3،هو الّذي يسمع الكلمة فيقبلها من ساعته فرحا،و ليس له فيها أصل،بل إنّما هى إلى حين قليل، فاذا كان ضرّ أو4 مشقّة من أجل5 تلك الكلمة،كفر و شيكا؛و الّذي زرع بين الشّوك،فهو الّذي يسمع الكلمة،فتأتى هموم الدّنيا و فتنة الغنى6، فتخنق7 الكلمة ،فتصير لا ثمرة لها؛و اما الزرع8 الّذي فى الارض الصالحة، فهو الّذي يسمع الكلمة9 فيعيها10،و يثمرها منه مائة ضعف،و منه ستّون و منه ثلاثون.
(7)و تمثّل مثلا آخر،فقال:يشبه ملكوت السّماء رجلا زرع فى قريته زرعا صالحا،فلمّا رقد النّاس جاء عدو له11،فزرع زوانا بين الحنطة و ذهب،فلما نشأ الزّرع و أثمر،طلع12 الزّوان13بين الزّرع؛ثم إنّ عبيد صاحب القرية قالوا:يا سيدنا،أ ليس إنّما زرعت14 زرعا صالحا،فمن أين صار فيه هذا الزّوان؟هو بحق قال لهم:دخل16 عدّو و فعل هذا.قالوا له:
أ يسرّك أن15 ننطلق و نلقطه؟هو بحق قال لهم:لعلكم مع لقطكم الزّوان17،
تقلعون1 معه الحنطة،و لكن دعوهما2 حتى ينبتا3 جميعا،حتى يبلغ الحصاد4.
فاذا كان الحصاد،قلت للحصدة:القطوا الزّوان و احزموه حزما ليحرق بالنار،و أمّا الحنطة فاجمعوها إلى أهراى5.قالوا له:فسر لنا هذا المثل فأجابهم:
إن الّذي زرع الزّرع الصّالح،هو ابن البشر؛و القرية هى العالم؛ و الزّرع الصّالح،بنو6 الملكوت؛و الزّوان هم بنو طاعة الشّيطان؛و العدوّ الّذي زرع الزّوان،هو الشّيطان؛و الحصاد،هو فناء7 العالم؛و الحصدة،هم الملائكة.و كما أنّ الزّوان يلقط و يحرق بالنّار،كذلك يكون فى منتهى العالم،يرسل اللّه ملائكته،فيلقطون من ملكوته جميع الفتّانين و الأئمة،فيلقونهم8 فى أتون النّار؛ثم يكون البكاء9 و صرير10الأسنان.فعلى هذه الامثال التى هى فى الإنجيل؛و هى كثيرة.
(8)و نحو هذا فى سائر كتب الأنبياء:فى كتاب هوشع،ما هو مفسّر من الأمثال:اسمعوا قول الرّب يا بنى إسرائيل،إنّ للرّبّ حكومة مع سكّان الارض لعدم البرّ و القسط،و عدم المعرفة باللّه فى الارض،و لما كثر من اللّعن و الكذب و القتل و السّرق11 و السّفاح فى الارض،و لانّهم خلطوا الدّم بالدّم؛لذلك تئنّ12 الارض و ترثى،و ينوح13 جميع سكانها و حيوان القفار و طير14 السّماء،و يهلك سمك البحر.و قال فى تفسير هذا15 المثل:
يعنى بالحيوان الملوك،و بالطّير الكهنة و بالسّمك سائر الشّعب.
و ظاهر هذا المثل،لا يوجب أن يهلك اللّه عزّ و جلّ بذنوب بنى آدم التى ذكرها،الحيوان و الطير و السّمك!و لو أن ناظرا فى هذا الكلام عمد1 إلى ظاهر ألفاظه لعابه،و قال:كيف يهلك اللّه عزّ و جلّ الحيوان و الطّير و السّمك بذنوب البشر؟أو2 كيف ذكر السّمك و الطّير مع ذكره الحيوان، و هما من الحيوان؟و لكان له3 فى ذلك مقال،لو كان ظاهرا لا معنى تحته.
فلمّا فسره و ردّه إلى المعنى،زال عنه عيب الجهال.
(9)و فى كتاب يوئيل4 النّبيّ(ع)يقول:ما أبقى الجندب أكله الجراد الطّائر و ما أبقى5 الجراد الطّائر6 أكله الدّبى7،و ما فضل عن الدّبى8 أكله الصّرصر.و قال فى تفسيره:يعنى بالجندب تغلث فلا سر9 ملك الموصل،و بالجراد شلمنأصرّ 11 ملك الموصل10 و بالدّبى12 سنحاريب ابن ملك الموصل و بالصرصر نبوخدنصرّ 13.
(10)و فى كتاب أشعياء أنّ الرّبّ يتعزّر14 على صنوبر15 لبنان16 المستعلية الشّامخة و على جميع شجر البلّوط الّذي17بأرض باشان18 و على جميع الجبال الرّواسى،و على كلّ هضبة منيعة.و على كل سور منيع19،و على جميع سفن تارشيش،و على كل منظرة رائعة.و قال فى تفسيره:يعنى بالصّنوبر و شجر البلّوط،الاكابر و الاصاغر من الملوك؛و كذلك بالجبال20 الرّواسى و الهضبات21 المنيعة22،يعنى بها ملوكا ثبت ملكهم و امتنعوا.
و فيه أيضا قال الرّب:أطلق الرّسل السّراع الى شعب مخوف1 و مستأصل الّذي أخربت2 الانهار أرضه،فيجفّ الماء من البحر و تخرب الانهار و يقطع الزلّ3بالمنجل و يجور4 القضيب فيها و ينقضى5،لانّ الشعب لم يقبل حتى عوقب و أهلك الربّ من بنى اسرائيل الرأس و الذنب فى يوم6 واحد7.
و قال فى تفسيره:يعنى بالشعب المنتجبة8،و بالبحر فرعون9،و بالانهار قواده و بالزّل أغنياء10 الحبشة،و بالقضيب ملك بابل،و بالرأس الشيخ البهى الوجه و بالذّنب،النبي الّذي يعلّم الزور.
(11)و فى كتاب حيقوق:إنما أضرب الامثال و أقول الاوابد،و الّذي يعقل يعرف هذه المقالات،و يعلم أنّ طرق الرب معتدلة،يسير الابرار فيها سيرا صالحا،و الائمة يعثرون فيها.يعنى:أنّ من علم معانى الامثال من كلام الأنبياء،هو من الابرار،فعرف مرادهم و جرى على سننهم بالعدل و الصدق و كان صالحا.و من جهل ذلك عثر،فلم يصدق الأنبياء و نسبهم الى الكذب،فكان بمنزلة من يعثر فى طريقه؛كفعل الملحدين الضالين.
(12)و فى11 كتاب صفينا،قال الرب:إنى ازيل كلا عن وجه الارض،زوالا ازيل12 البهائم و طير السّماء و سمك البحر.و قال فى تفسيره:يعنى بالبهائم و طير السّماء،الظالمين الذين كانوا يجتمعون على المساكين،و بالسمك سائر الشعب.
(13)و فى كتاب ناحوم النّبيّ:يكون أثر عقاب اللّه كالغبار،و ييبس13 البحر و تخرب الأنهار كلّها.و قال فى تفسيره:يعنى بالبحر ملك الموصل،و
بالأنهار قوّاده.و فى كتاب بولس1 المقدّم عند النّصارى الّذي يسمونه الرسول الصّالح،فى رسالته إلى تيموثاوس2 أنّ البيت العظيم ليس تكون3 فيه أوانى الخشب و الفخّار أيضا،منها للكرامة4 و منها للهوان.و قال فى تفسيره:
يعنى الدنيا و ما فيها من سعيد و شقى.
(1)قد ذكرنا صدرا من هذه الأمثال التى هى1 فى القرآن العظيم و فى سائر كتب الأنبياء(ع)الذين سلفوا،و هى كثيرة جدا،و لو تتبّعناها،لطال بها الكتاب،قد ذكرنا منها رسما2 ليستدلّ به على مذاهب3 الأنبياء و سننهم فى شرائعهم،و يعلم أنّ الأمر فيه كما قلنا:إنّ أكثر كلامهم و رسومهم،هى أمثال تختلف4 ظواهرها،و المراد بها المعانى؛و من جهل مرادهم،و لم يعرف معانى كلامهم،حكم عليه بالاختلاف و التّناقض؛كما فعله الملحد حين5 قضى فى ذلك بالكذب،و أنزل الأنبياء الطّاهرين6 منزلة الكذّابين الفجّار،جهلا منه بمعانى كلامهم،و جرأة7 على اللّه عزّ و جلّ،و كفرا و طغيانا؛و لو نظر فى دعاوى الأنبياء(ع)و حكم فى ذلك حسب ما نطقت به كتبهم،ثم أنصف نفسه،لما ضلّ عن طريق الهدى،لأنّهم ادّعوا أنّهم يضربون الأمثال،و أنّ لكلامهم معانى لطيفة،و حثّوا على طلبها و تعليمها8،
و أنذروا ترك ذلك،و احتجّوا على النّاس؛كما روى عن رسول اللّه(ص) أنّه قال:«ما نزلت عليّ آية إلاّ و لها ظهر و بطن،و لكل حرف حدّ،و لكل حدّ مطلع».و كما روى عن أمير المؤمنين على كرّم اللّه وجهه1،حين وصف القرآن فقال:«ظاهره أنيق و باطنه عميق، لا تنقضى عجائبه و لا تفنى غرائبه»
و أذكر لك فى باب المثل و المعنى مثالا2 تستدلّ به على رسوم الأنبياء (ع)فى ذلك،و تعرف مذاهبهم فيه،و تتصور3 ذلك،و تعلم كيف كان خطابهم لأممهم بالامثال،و كيف اختلفت4 ألفاظهم و اتّفقت معانيها،و تعتبر به5،و تستدل بالقليل على الكثير،و تعلم أنّ الملحد لمّا لم يعرف هذا الباب،طعن على الأنبياء الصّادقين(ع)و قضى عليهم بالكذب،و حكم فى كلامهم بالتناقض، و لم يتأمّل دعاويهم،أنّهم يضربون الأمثال،فضلّ و هلك:
اعلم6 أنّ مثل من يسمع الأمثال7 من كلام الأنبياء(ع)و لا يعرف8 المعانى، مثل من يشاهد قوما يعرفون بالصّدق و الورع و العقل و التّمييز اطّلعوا فى بيت،فسئلوا،فقيل9 لهم:ما رأيتم فى هذا البيت؟فقال أحدهم:ما رأيت فيه10 إلا نعجة.و قال الآخر،ما رأيت فيه إلا قارورة،و قال الآخر،ما رأيت فيه إلاّ بيضة.فقيل لهم:لم اختلفتم،و أنتم تعرفون بالصّدق،و لا تنكر عقولكم؟فقالوا:ضربنا أمثالا.ثم شهد كلّ واحد منهم لصاحبه أنّه قد صدق.
(2)فاذا حكم من يسمع كلامهم بظاهر اللّفظ،و لم يلتفت إلى دعواهم11
حين قالوا ضربنا أمثالا1،و لم يسأل عن معنى كلامهم،و حكم عليهم بالاختلاف و التّناقض،و قضى عليهم بالكذب2،كان جاهلا متعدّيا ظالما،ضالا عن الحق،تاركا3 للإنصاف.و من تأمّل كلامهم و دعواهم،و سأل عن معنى الامثال التى4 ادّعوها،و بحث عن ذلك،وجدهم صادقين و كان مصيبا منصفا عادلا هاديا؛لأنّهم رأوا فى البيت امرأة،فكنوا عن ذكرها:و ضرب أحدهم المثل بالنّعجة و الآخر بالقارورة؛لانّ المرأة،يكنى عن ذكرها بالنّعجة، كما قال اللّه عزّ و جلّ فى قصة داود(ع)و الملكين حين ضرب المثل،فقال أحدهما«هذا أخى5 له تسع و تسعون نعجة،ولى نعجة واحدة»؛و أشار إلى المعنى.فعرف داود(ع)معنى المثل و أنّهما نبّهاه6لخطئه فى أمر7 أوريا8.و يقال للمرأة قارورة إذا9 كنى عنها،كما روى عن النبي (ص)أنّه قال فى بعض أسفاره،و رجل من أصحابه يحدو10بهم11 المطّى،فقال له النبي(ص):«اتّق القوارير»يعنى به النّساء،و كنى عن ذكرهن و أراد12أن ينهاه أن يتكلّم فى حداه بكلام رقيق تسمعه13 النّساء،فتصبو قلوبهن، لانّهنّ ضعاف14 العقول،و إذا لم يصنّ،صبون،و فسدت قلوبهن15،مثل القوارير إذا لم تصن،انكسرت.و يقال للمرأة أيضا بيضة،على التّشبيه، كما قال الشاعر:
و بيضة خدر لا يرام خباؤها
تمتّعت من لهو بها غير معجل
فكنى عن المرأة بالبيضة.
فعلى هذا المثال1 سبيل2 كلام الأنبياء و الرّسل فى ضرب الأمثال و اختلاف ألفاظهم بها و اتّفاق معانيها،و تقدير الجاهلين3 فيها إذا حكموا بظاهر الالفاظ؛فنسبوهم4 إلى الاختلاف و الكذب؛و هم البررة الصّادقون.
(3)و مثل هذا موجود فى رسوم الفلاسفة الحكماء القدماء5.فإنّهم ضربوا الأمثال فى كثير من كلامهم،و ذهبوا فى ذلك مذهب الأنبياء(ع)و سلكوا سبيلهم؛كما هو مكتوب فى كتاب برقلس6،أنّه:كان يناطق النّاس منطقين، أحدهما روحانيّ و الآخر جسمانىّ؛يعنى بالجسمانى الامثال،و بالرّوحانىّ المعانى.و فى كتاب ديمقراط الفيلسوف،أنّه:كان يتكلّم بالطّباع و كان لطيف المذاهب،غامض المعانى،و كان يكلّم النّاس بالعويص7 من الكلام.
و كما ذكرت الفلاسفة أنّ أفلاطن8 كان أكثر كلامه رمزا.و فى كتاب«بليناس»، أنّه:كان يضرب الامثال،و قال:أنا بليناس9 صاحب الطّلسمات و العجائب، أنا10 الّذي أوتيت الحكمة من مدبّر العالم.ثم ضرب لهم الأمثال،و قال:
الآن أخبركم،أنّى كنت يتيما من أهل طوانة11،لا مال لى.ثم ذكر المثل الّذي فى صدر كتابه من حديث السّرب المظلم،و التّمثال من الحجر الّذي أقيم على عمود من خشب،و دخوله السّرب بالسّراج تحت الاناء الصافى،و نظره الى هرمس على السرير فى12 السّرب،و اخذه الكتاب من بين
يديه الّذي فيه سر الخليقة.و الامثال الكثيرة التى ضربها،و الرؤيا التى ذكرها،يطول بشرحها الكتاب.
فهلاّ تدبّر الملحد الجاهل كلام الأنبياء(ع)حين1 ادعوا أنهم يضربون الامثال، فكان يحكم فيهم حسب دعاويهم؟و هلاّ2 طلب معانيها،ثم حكم فيها3بالصدق و الكذب و الائتلاف و الاختلاف،فيكون مصيبا منصفا؟أم4،هلاّ حكم برسوم الفلاسفة حين5 جحد النبوة؟و لكنه حمله6 على ترك الانصاف،لجهله7بمراد الأنبياء و اعجابه بوساوسه التى غرق فيها،و ادّعى انّها حكمة و فلسفة،و غرّته الامانى؛فضلّ و اضلّ،و أهلك و اهلك،حبا منه للرئاسة الخسيسة التى كان يدّعيها و يتشبّه بالفلاسفة القدماء كما تشبّه به8 امثاله من الموسوسين9الكذّابين10،و كذّبوا الأنبياء الطّاهرين؛و سيعلمون غدا من الكذّاب الأشر.
(4)فشرائع الأنبياء كلّها11،أسّست12 على العلم و الحكمة،و كتبهم و رسومهم هى13 على ما ذكرنا،متّفقة المعانى،و إن اختلفت14 ظواهرها؛لانّها أمثال مضروبة رمزوا لأممهم بما رسموه15 من ذلك،و أمروهم باقامة ظاهرها، ليقوم العباد16 فى العالم،و تتّصل السّياسة،و يثبت الأمر و النّهى،و ينتظم امر العالم،و يكون فيه قوام أمرهم فى دنياهم،و تكون17 هذه الرّسوم دالّة على ما تحتها من المعانى التى18بها نجاتهم فى أخراهم19.فكلّ20 من نسخ ظاهر ألفاظ
من تقدمه و ظاهر رسومه،أتى برسوم تدلّ على المعانى التى دلّ عليها صاحبه،و إن خالفه فى ظاهر ألفاظه.و كان1 أصحاب الشّرائع من الأنبياء نفرا معدودين2؛فأمّا سائر الأنبياء(ع)فانّهم كانوا يدعون إلى شرائعهم و أحكامهم؛و كان قصد أصحاب الشّرائع أجمعين،لإقامة الدّين الحقيقىّ الّذي لا تفرّق فيه و لا اختلاف؛كما قال اللّه تعالى3:«شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ4إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» .
فهذه الآية5 تدلّ على أنّ شرائعهم كلّها،كانت تدعو إلى دين لا تفرّق فيه.
و قال فى آية أخرى:«لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً» .فهذه الآية تدلّ أنّ لكلّ واحد منهم شريعة غير شريعة صاحبه،و منهاجا غير منهاجه.فهذا6 فى ظاهر الامر7 مختلف كما ترى.فمن قدّر أنّ هذا تناقض،و أنّ محمّدا(ص)مع ما وصفناه به8 من الكمال و الجمع للاخلاق الجميلة التى ذكرناها،كان لا يعقل ما يقول،حين9 تلا على النّاس هذه الآية،و عرّفهم أنّ10 اللّه عزّ و جلّ شرع لهم من الدّين ما وصّى به11 نوحا و إبراهيم و موسى و عيسى12،و شهد لهم بالنّبوّة،ثم أمرهم باقامة سنن غير سننهم و شرائع غير شرائعهم،و أنّه كانت به من الغفلة ما لم يعرف معنى الآيتين،أنّهما مختلفتان13 فى ظاهر اللّفظ،و14>أنّ<من حضره من أصحابه، و أخذ و اعنه الدّين15،جهلوا ذلك،فمن ظنّ هذا أو قدّره،فقد جهل و عاند؛
و نعوذ باللّه أن نظنّ به ذلك؛بل،كان أعلم بما يقول و يشرّع من الملحدين الظّانّين1به ظنّ السّوء-«عليهم دائرة السّوء»-و2 إنّما عنى أنّ لكلّ واحد منهم شريعة و منهاجا3 فى الظّاهر غير شريعة صاحبه و منهاجه؛و لكنّهم كلّهم أشاروا إلى معان4 متّفقة لا تناقض فيها و لا اختلاف.ألا تراه عزّ و جلّ يقول5:«أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» ،ثمّ قال:«اَللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» أى أنّ اللّه عزّ و جلّ يهدى إلى معانيها التى تدلّ على الدّين الحقيقىّ الّذي يدعو إلى وحدانيّته و إلى معرفته و معرفة أوليائه الذين لا تفرّق فيهم و لا اختلاف بينهم،من ينيب إليه،و يرجع إلى اوليائه فى طلب معانيها؛فيكون فى رجوعه إليهم رجوعه إلى اللّه جلّ و عزّ،و يكون6 فى معرفته7 معانى كلام اللّه،هدايته و خروجه من الاختلاف و الضّلال.فالاختلاف الّذي كان بينهم،فى ظاهر شرائعهم.هكذا كان سبيله؛لأنّهم لم يقصدوا ظاهر الشّرائع دون المعانى التى تحتها،بل كان قصدهم لها8،جميعا؛ثم حثّوا9 الأنام على طلب معانيها المؤتلفة التى بها نجاتهم.
(5)فلذلك جاز10 لهم نسخ ظاهرا الشّرائع،و مخالفة بعضهم لبعض فيها؛ لأنّها كانت أمثالا11 مضروبة فى كتبهم و سننهم.فألزموا النّاس إقامتها، و جعلوها أصل العبادة،و افترضوا عليهم القيام بها،و أكرهوهم على قبول ظاهر ما أتوا به،و أجبروهم على إقامة ما شرعوه12،لتثبت13 آثارهم و رسومهم فى العالم،و تظهر الطّاعة و المعصية،و تقوم الطّاعة بالعبادة14؛و يساس بهذه الشّرائع الخاصّ و العامّ،و يستقيم امر العالم؛لانّ صلاح أمر العالم
فى هذه الدّنيا،لا يتمّ إلاّ بالإجبار و القهر و الغلبة؛لاختلاف طبائع النّاس و هممهم1 فى اديانهم و أمور2 دنياهم.فلذلك أجبروا النّاس على قبول ظاهر شرائعهم التى تدلّ على المعانى اللّطيفة،و أسّسوا الدّين على قبول الظّاهر و الباطن،ليكون فى قبولهم3 ظاهر شرائعهم،و قبولهم الحدود4 التى سنّوا فيها، قوام أمورهم فى دنياهم،و حقن دمائهم،و تحصين أموالهم،و ذراريهم،و منعهم الفتنة من التعدّى و الفساد فى الارض و البغى و الهرج،و يكون فيه صلاح أحوالهم؛إذ كان فيهم العالم و الجاهل،و الصالح و الطّالح5،و الورع و المنتهك6،و العاقل و الغبىّ على اختلاف طبائعهم و تفاوت طبقاتهم.فلذلك،أمرهم اللّه عزّ و جلّ،أن يلزموا النّاس قبول ظاهر رسومهم و حدودهم بالقهر و الاجبار؛كما قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه محمّد(ص):
«و قاتلوهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدّين7 كلّه للّه».فأمره بقتالهم حتّى قبلوا ما جاء به.فلما أقام فيهم السّنن و الاحكام الظّاهرة،أمره أن يفوّض إليهم8 أمر دينهم،فقال:«لاٰ إِكْرٰاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ،فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ9» ،و قال تعالى10:«اَللّٰهُ وَلِيُّ11 الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ12 إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ» .
فأمره فى آية أن يقاتلهم و يكرههم على قبول ما أتى به،و أمره فى آية أن13
لا يكرههم و أن يخيّرهم فى أمر دينهم و لا يجبرهم1 عليه ليختاروا لانفسهم،و أمرهم بطلب ما فيه نجاتهم من المعانى التى تحت شرائعهم الظّاهرة،و حثّهم على ذلك على أحسن الوجوه بالإعذار و الإنذار و الموعظة الحسنة،كقوله:
«أطلبوا العلم و لو بالصّين»،و قوله:«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم».
فهذا ما دلّ عليه القرآن،و كذلك هو2 فى سنّة النّبي.قال3(ص)،«أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله الاّ اللّه،فاذا قالوها عصموا منّى4 دماءهم و أموالهم الاّ بحقّها و حسابهم على اللّه.»ألا تراه يقول5:أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا6 لا إله إلاّ اللّه؛فقاتلهم حتى قالوها و قبلوا شرائعها ثم خيّرهم بعد ذلك.كما روى أنّه سئل،فقيل له:يا رسول اللّه،من قال لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة؟فقال:نعم،من عرف حدودها و أدّى حقوقها».فدلّ أن بعد هذه الشهادة و قبول شرائعها،الأمر هو مفوّض إليهم فى معرفة حدودها و أداء حقوقها7،و حسابهم على اللّه؛لانّهم مخيّرون فى ذلك لا مجبرون.و معرفة حدودها،هى8 معرفة ما تحتها من المعانى،و تحت الشّرائع المنوطة9بها؛و أداء حقوقها،هو القيام بظاهر شرائعها.
(6)فهكذا10 سبيل شرائع الأنبياء(ع)،و بهذا نطق القرآن العظيم11 و سائر الكتب،على حسب ما ذكرنا.و يجب أن يحكم فى ذلك بما ادّعوه(ع) لانفسهم و نطقت به كتبهم12،و لا يحكم فى ظاهر ألفاظهم دون معانيها.فانّ من خالف
ذلك،جرى مجرى الملحدين الذين1 قضوا على الأنبياء البررة بالكذب و الاختلاف و التناقض.فكلام الأنبياء،هو مبنىّ على الحكمة؛و الحكمة هى العمل بالعلم.فاذا اجتمع العلم و العمل،سمّى2 ذلك حكمة.و من عمل عملا بمعرفة و علم،سمّى حكيما.و الّذي يعمل عملا بلا علم،فهو جاهل؛ و الجهل يدعو إلى العدوان و البغى.و الأنبياء(ع)خصّوا3بعلم ما فى شرائعهم المستحقين الخاضعين،و لم يبخلوا به عليهم؛و صانوه عن الباغين المعتدين الذين ليسوا له بأهل،كما روى أنّهم قالوا:لا تضع الحكمة فى غير أهلها فتضيعها،فتكون4 كمن5 ينثر الدّر بين يدى الخنازير،و لا تمنعها عن أهلها فتكون قد ظلمتها.
فتدبّر رحمك اللّه ما قد شرحته لك بعين6 النّصفة،و اجتنب العناد و البغى، و انظر فى سنن الأنبياء و رسومهم و شرائعهم لتعرف مرادهم و لتعلم لما ذا قصدوا، و الى ما ذا7 دعوا،و ليزول الشّكّ و الشّبهة عن قلبك؛و تعلم أن الملحدين حين عابوهم بالاختلاف فى ظاهر شرائعهم،قد ضلّوا عن سبيل الهدى، لمّا جهلوا هذا8 الباب و لم يعلموا أنّ تحت شرائعهم الظّاهرة المختلفة ألفاظها معانى تؤلف بينها؛فعند ذلك ادّعوا عليهم التّناقض؛كما ادّعى الملحد فى كتابه أنّ محمّدا9(ص)خالف موسى و عيسى(ع)،و أنّ بعضهم خالفوا بعضا،و قال:انّ كتاب محمّد(ص)هو مملوء من التّناقض،و ذكر ما فى التّوراة من ظاهر ما رسمه موسى(ع)فى ذكر البساط و الخوان،و وضع الشّحم و الثرّب10 على النار لسرور الرب و أنّ عتيق الأيّام فى صورة شيخ أبيض
الرّأس و اللّحية،و ما ذكر عن رواة الحديث و أعلام الأمّة و نسبهم إلى الجهل و ذكرهم بالقبيح لروايتهم الأخبار التى ادعّى عليها التّناقض،و التى تدلّ على التّشبيه،مثل ما روى عن النّبيّ(ص)أنّه قال«رأيت ربّى فى أحسن صورة و وضع يده بين1 كتفى حتّى وجدت برد أنامله بين ثندوتّى»و ما2 فى القرآن من الآيات التى ظاهر ألفاظها يدلّ على التشبيه،مثل قوله عزّ و جلّ:«اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ» ، و قوله:«وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمٰانِيَةٌ» ،و قوله3:«اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ» ،و قول رسول اللّه(ص):«جانب العرش على منكب اسرافيل و انّه ليئط أطيط الرّحل الجديد».هذا الى غير ذلك، ممّا أورده الملحد فى كتابه و شنّع4به و ذكر أنّه تناقض و خرافات.
(7)و لعمرى لو كان ما رسمه الأنبياء(ع)فى شرائعهم و ما نطقت به كتبهم، من عند غير اللّه،و كان ظاهرا لا معانى له و لا تأويل،لكان الامر على ما ادّعاه الملحد؛فقد قال اللّه5 عزّ و جلّ:«أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاٰفاً كَثِيراً6» ،يعنى:أنّ من تدبّره،وجد فيه الأمثال المختلفة الألفاظ،و لو كان من عند غير اللّه و لم يكن مبنيّا7 على الحكمة كما قلنا إنّ من8تحتها معانى غامضة تؤلف بينها،لوجدوا فى ظاهره9 اختلافا كثيرا.فلما كان10من عند اللّه و كان سبيله ما قلنا،زال عنه طعن الملحدين و دعاويهم أنّه
متناقض،و بطلت ظنون الضّالين و ظهر صدق النّبيّين الطّاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين1.
و من سلك سبيل الملحدين،و قضى فى رسوم الأنبياء(ع)بالظّاهر دون المعانى و التأويل،وقع فى الشّكّ و الشّبهة،و أدّاه ذلك إلى العمى و الحيرة2،و خرج إلى التّعطيل و الإلحاد كما ظنّ الملحدون؛إلاّ الضّعفاء المقلّدين3 الذين لا يحسنون النّظر و لا يستطيعون أن يميّزوا،و ليس ذلك فى وسعهم،فأولئك قد وعدهم اللّه العفو و الرّحمة.و قد4 أمر اللّه عزّ و جلّ5بردّ6 ما اختلف لفظه و التبس معناه من آيات القرآن و الأخبار التى رويت، مما ظاهرها يدلّ على التّشبيه و>أنّ<فيها تناقضا و اختلافا7،إلى العلماء.فقال جلّ ذكره8:«وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ9 الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لاٰ10 فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطٰانَ إِلاّٰ قَلِيلاً» ،أى:لو لا تفضّله علينا و رحمته بنا حين أقام فينا من نردّ إليه ما نختلف فيه،ليستنبطه11بما أوتى من العلم لكى لا نضلّ و لا نشكّ،لشكّ أكثر النّاس،و صاروا أتباعا للشّياطين الّذين يطعنون على الأنبياء البررة، و ينسبونهم إلى ما هم منه براء.و قال فى آية أخرى:«فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ،فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً» ،قالوا فى تفسير ذلك،ردّوا12 الى اللّه أى إلى الكتاب،
و إلى الرّسول أى إلى السّنّة1.>و<فى كلّ زمان و أوان من يقوم بالكتاب و السّنّة و يستنبط تأويل ما يختلف لفظه.فسبيل ما فى الكتب المنزّلة و فى أخبار الأنبياء(ع)كما ذكرنا؛أنّ منها ما يقع فيه النّسخ فيختلف2 الحكم فيه، و منها ما يستغلق معناه،و منها ما معناه واضح.
(1)و الّذي ذكره الملحد ممّا فى التّوراة،قوله1:ما لكم تقرّبون إليّ كلّ عرجاء و عوراء؟فانّ اللّه امتحن عباده بالاعمال التى سنّها الأنبياء(ع) فى كتبهم و سننهم،مثل الصّلوات2 و الصّيام و الزّكاة و القرابين و غير ذلك.
و لما امتحنوا بالقرابين،كان فيهم من كان صادق النّيّة؛و من كان فاسد النّيّة؛و الأمم3 كلّها لا تخلو من ذلك.فمن4 صدقت نيّته، قرّب خير ما يملكه؛و من ضعفت نيّته5،قرّب أردأ6 ما يملكه؛فكان أصحاب النّيّة الفاسدة يقرّبون إلى اللّه كلّ عرجاء و عوراء7،لو اهدوها إلى أمثالهم من النّاس،لاستحقروها8 و لم يقبلوها.فوبّخهم اللّه على ذلك ليرتدعوا و يخلصوا9نيّاتهم.و مثل هذا فى القرآن فانّه لمّا افترض اللّه الزّكاة فى هذه الأمّة
فى أموالهم،من ضعفت نيّتهم1،كانوا يخرجون من زكاة تمورهم التّعضوض و المعافار و هما جنسان من ردئ التّمر،فأنزل اللّه عزّ و جلّ:«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ2 مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا3 أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لاٰ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّٰ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ» ،أى:لا تقصدوا الى أخبث التمور و أردئها4،فتخرجوه فى زكاة أموالكم،و إن احتجتم أن يأخذه بعضكم من بعض لا تأخذوه حتى تغمضوا فيه،أى ترخصوا فيه«وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» غنىّ عن أموالكم يحمدكم على حسن5 أعمالكم.ثم قال:«اَلشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ» أى:يعدكم أنّكم إذا أخرجتم زكاة6 اموالكم افتقرتم، «وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ» قالوا7:الفحشاء هى8 البخل،«وَ اللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ9وَ فَضْلاً» أى:يخلف عليكم أفضل ممّا10 تنفقون و أكثر منه،و عرفهم أنّه يمتحنهم و يمتحن نياتهم.
فهذا مثل ما فى التّوراة سواء؛حين قال:ما لكم تقرّبون إليّ كلّ عرجاء و عوراء؛أى:إنّ اللّه امتحنكم بالقرابين،ليظهر من هو صادق النّيّة ممّن هو فاسد النّيّة،و وبّخ من فسدت نيّته و أساء اختياره لنفسه فى إيثار الدّنيا على الدّين لشحّه،و قرّب أردأ11 ما يملكه مثل العوراء و العرجاء،و بكّتهم على ما ظهر من سوء نيّاتهم؛ليرجعوا عن ذلك و يصلحوا سرائرهم.فسبيل12ما13 فى التّوراة من ذكر العوراء و العرجاء،و ما فى القرآن من قوله عزّ و جلّ:
«وَ لاٰ1 تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» ،واحد.
و هكذا السّنّة فى الاسلام،فى الهدى و البدن التى تنحر بمنى للقربان و فى سائر الامصار من الضّحايا،لا يجوز فيها العوراء و العرجاء،و لا ذات عيب، و لا يصلح،إلاّ صحيحة2 غير معيوبة.و اللّه عزّ و جلّ لا يصل إليه نفع ما يهديه النّاس و يقربونه إليه-تعالى اللّه عن ذلك-بل تصل3 إليه أعمال العباد و ما يظهر من نيّاتهم؛كما قال جلّ ذكره4:«لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لاٰ دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهٰا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» .فقد بيّن عزّ و جلّ أنّه يمتحنهم بذلك ليظهر تقواهم و شكرهم للّه على ما هداهم5،و يظهر6 صدق نيّاتهم.و كذلك سبيل الشّحم و الثّرب الّذي أمروا أن يضعوه على النّار لسرور7 الرّب.أ تراه عزّ و جلّ أراد أن يصل إليه قتار ذلك الشّحم و الثّرب؟!عزّ اللّه عن ذلك و تعالى عما يظنّ به الملحدون علوا كبيرا
(2)و أمّا ما ذكر من أمر البساط الرّقيق من أبريسم8 و الخوان من الشّمشار9و غير ذلك ممّا استفظعه الملحد و عابه،فان ذلك كلّه صحيح و سبيله ما قلنا،إنّها أمثال و تحتها معان10 غامضة؛و ما لم يذكره الملحد ممّا11 هو فى التّوراة من هذا الباب،هو كثير جدا؛ممّا أمر به موسى(ع)بنى إسرائيل فى اتّخاذ قبّة الزّمان و آلاتها،يقول فى التّوراة:كلّم الرّبّ موسى و
قال له،قل لبنى إسرائيل ليجمعوا الذّهب و الفضّة و النّحاس و الرّقم و الأرجوان1 و القرمز و مسوك الكباش2 و مسوك الأدم3 و خشب السّنط و حجارة البلّور و الأحجار الجيّدة لقواعد البيت،ليصنعوا4 لى مقدسا5، لأحلّ6بينهم.ثم وصف لهم كيف يتّخذون قبّة الزّمان،و كم ذراعا7 يكون طولها9 و عرضها و سمكها و أساطينها،و كم أسطوانة تكون من فضّة و كم8أسطوانة تكون10 من نحاس،و أمرهم باتّخاذ المذبح،و اتّخاذ تابوت الشّهادة من خشب الشّمشار11،طوله ذراعان و نصف،و عرضة ذراع12 و نصف،و ارتفاعه ذراع و نصف،و يجعل له أربع حلقات ذهب فى أربع زواياه فوق أربع قوائمه و عمدا13 من خشب الشّمشار ليحمل بها التّابوت، و تغشّى14بالذّهب،و اتخاذ حشا15 من ذهب خالص طوله ذراعان و نصف و عرضه ذراع و نصف و ارتفاعه ذراع و نصف و يجعل16 له كروبين17 من ذهب يجعلهما18 من كلا19 جانبى20 الحشا،كروب من جانبه21 من22 هاهنا و كروب من جانبه من هاهنا.و يجعل على أعلى الحشا23 كروبين على جانبيه24،قد بسطا أجنحتهما من فوق يظلاّن بأجنحتهما على الحشا و وجهاهما25 متقابلان على
الحشا1.و اتّخاذ مائدة من خشب الشّمشار،و تغشّى2بالذّهب الخالص3و يجعل لها إكليل من ذهب و صحاف و مشارب و براطيل و محاس4 يغرف5بها من ذهب خالص و سلاسل و خمسون6 كلبة من نحاس،و رفوف البيت من ذهب،و ستوره7 رقم،و شقاق من قياطين8 و بساط من أبريسم9 رقيق10و بخور و دخنة و لبان و طيب و دهن البنفسج المقدّس،و قميص كتّان11لهارون وهميان مضفور12 يشدّ به ظهره؛و أن يذبح الثّور بين يدى الرّبّ و يرشّ الدّم على المذبح،و يجعل الثّرب و زيادة الكبد و الكليتين و شحمها على المذبح قدّام الرّب13؛و يذبح كبش و ينضح دمه على طرف أذن هارون و ولده،و على أباهيم أرجلهم،و يغسل الكبش و بطنه و أكارعه و أعضاؤه،و يقطّع على أعضائه و رأسه،و يصعد به على المذبح لقربان الرّب.فقد ذكر فى التّوراة نحو هذه الصّفات فى باب اتّخاذ14قبّة الزّمان و آلاتها و التّابوت و المنارة و آلاتها و غير ذلك15.
و ذكرنا هذه على الاختصار،فان لكلّ شيء ممّا ذكرنا صفات طويلة؛ و لعل هذه الصّفات فى التّوراة تكون فى طول سورة البقرة.فذكرنا هذا المقدار،لانّ الملحد ذكر16 البساط من أبريسم17 و الشّحم و الثّرب و استفظعه،و عاب فعل موسى جهلا منه،و لم يعلم أن موسى حين اتّخذ
هذه الأسباب،ضرب بها الأمثال كما قلنا؛فزعم1 أنّها خرافات و اتّخذها2هزوا و لعبا؛و استظهر بدعوى المنانيّة:أنّ موسى كان3 من رسل الشّياطين، و قال:«من عنى بذلك فيقرأ(سفر الأسفار)الّذي للمنّانيّة؛فانه يطّلع على عجائب من قولهم فى اليهوديّة،من لدن إبراهيم إلى زمن عيسى»...
و هل قالت المنّانيّة بجهلهم فى ذلك إلاّ مثل4 ما قال الملحد بقلّة معرفته، حين عاب هذه الأسباب التى فى التوراة،و زعم أنّها خرافات،جهلا منه بمراد موسى فى ذلك و بما5 ضرب6 فيها من الأمثال؛فعدّ الملحد ذلك سخفا و خرافات؛و إنّما هى أمثال تحتها معان7 غامضة،يعلمها حكماء الدّيانة الذين يعرفون معانى كلام الأنبياء(ع).و لم يكن موسى و سائر الأنبياء، مع براعتهم و كمالهم على حسب ما تقدّم>من<وصفهم،يجهلون من هذا، ما عرفه الملحد.و موسى(ع)مع كماله،و ما ظهر للأنام من8 استحكام رأيه، و وفور9 عقله،و أفعاله10 العظيمة التى كانت منه و لا يكون مثلها11 إلاّ من أكمل النّاس و ممّن12 يكون مؤيدا،كان يعلم،أنّ اللّه عزّ و جلّ لا يحتاج إلى بساط من أبريسم13 يقعد عليه،أو خوان من خشب الشّمشار14 يأكل عليه، أو قبّة يجلس فيها مثل القبّة التى أمر موسى باتّخاذها على تلك الصّفات المكتوبة فى التّوراة>و<التى سمّاها قبّة الزّمان و إلى هذه الأسباب و الآلات التى ذكرناها،و أنّ اللّه عزّ و جلّ15 هو16 مقدّس عن17 هذه الأمور.و هذه إن لم تكن أمثالا18 كما قلنا،فهى19 من فعل المجانين و من لا يعقل قوله20؛و
نعوذ باللّه من قول من يظنّ بموسى(ع)هذا الظّن؛بل،كان أطهر و أزكى و أكمل من ذلك،و لكنّه لما اصطفاه اللّه عز و جلّ،و بعثه بالرّسالة،ضرب للنّاس هذه الأمثال العجيبة،و أشار إلى معانيها الجليلة،ليعتبر بها النّاس.
(3)و مثال تلك القبّة فى التّيه الّذي كانوا فيه،مثال الكعبة التى وضعها اللّه للناس،و حجّها النّبيّون(ع)فى الأمم السّالفة ثم جدّد1 رسومها إبراهيم(ع)و حجّها،و جعلها محمّد(ص)قبلة لأمّته و أمر بحجّها؛ و سمّوها بيت اللّه،و قد علموا أنّ اللّه عزّ و جلّ لا يحتاج إلى بيت يسكن فيه2،و أنّ البيوت كلّها للّه.و مثل تعظيمهم لبيت3 المقدس،و اتّخاذهم ايّاه قبلة.و هكذا كان سبيل قبّة الزّمان التى اتّخذها موسى(ع)و كذلك سبيل البساط و الخوان،و الشّحم و الثّرب الّذي أمر أن يجعل على النّار لسرور4 الرّبّ،و سبيل سائر الفرائض و السّنن التى استعبد اللّه بها عباده على ألسنة5 الأنبياء(ع)الذين شرعوا الشّرائع،و أمروا النّاس باقامتها؛ و لو لا أنّ الامر هكذا،لكانت هذه الافعال التى عاب بها الملحد الأنبياء(ع) عبثا و جنونا،و لكانت من أمحل المحال6؛كما يقدّره الجهّال و الملحدون و الضّلاّل الذين اتّخذوها هزوا،و دعاهم الجهل إلى الخروج عن الشّرائع،و إيثار التعطيل و الالحاد.
(4)أ فترى الأنبياء الطّاهرين حين شرعوا هذه الشّرائع التى قد خلدت على الدّهر و رسموا هذه الرّسوم الباقية إلى الابد7،لم يعرفوا معنى ما يعرفه الملحدون؛و هم أكمل البشر،و كل واحد منهم كان قطبا للانام فى دهره؟!أو ترى المسيح(ع)حين قال فى الإنجيل:«لا تظنّوا أنى جئت لا بطل التّوراة و الأنبياء،لم آت لا بطلها،بل جئت لاكملها.و الحقّ أقول
لكم:إنّ زوال السّماوات و الارض ايسر من زوال حرف واحد من التّوراة.
فمن نقص1 وصيّة واحدة من هذه الوصايا الصّغار و علّمها النّاس منقوصة2يدعى فى ملكوت السماء ناقصا3 و من علم و عمل يدعى فى ملكوت السّماء عظيما4.»و قد قيل فى التّوراة:«إنّ من طلّق امرأته فليعطها تاب الطّلاق، فأمّا أنا فأقول لكم:كلّ من5 طلّق امرأته من غير زنى و تزوّج أخرى فقد زنى و ألجأها الى الزّنى6 و من تزوّج مطلّقة فى الزنى فقد زنى».فتلا عليهم هذا الحكم الّذي هم فى التّوراة ثم عطّله،و عطّل أكثر أحكام التّوراة،و غيّر ظواهر رسومها،و عطّل السّبت و أقام بدله الاحد؛و قد علم أنّ موسى(ع)أمر أمّته بإقامته و كتب ذلك لهم فى التّوراة و شدّد الامر فيه و أخبرهم أنّ ذلك عن أمر اللّه عزّ و جلّ،فقال فى التّوراة:قال اللّه7 لموسى:
«قل لبنى إسرائيل احفظوا السّبوت لأنّها آية بينى و بينكم و لتعلموا8أنّى أنا الرّبّ إلهكم فاحفظوا السّبت9 فانّه قدس لكم و من عمل فيه عملا10 فلينبذوا11 ذلك الانسان من شعبه.اعملوا الاعمال ستّة أيّام و فى اليوم السّابع سبت الرّاحة قدسا هو للرّب12 كلّ من عمل يوم السّبت فلا يقبل1314 و ليحفظ بنو إسرائيل15 فى اتّخاذ السّبت لأعقابهم عهدا إلى الدّهر ما بينى و بين إسرائيل أبدا إلى الدّهر16 لانّ فى ستّة أيّام خلق اللّه السّماء و الارض و ما فيهما و فرغ فى يوم17 السّابع»و فى موضع آخر فى التّوراة:«اعملوا الاعمال فى ستّة أيّام و اصنعوا ما أردتم18 أن
تصنعوا فيها فأمّا1 يوم السّبت فسبوت2 للّه ربّكم لا تعملوا فيه عملا أنتم و بنوكم3 و عبيدكم و إمائكم4 و نسوانكم و حرمكم5 و كل بهائمكم و السّكّان الذين فى قراكم6 ليستريح عبيدكم و إمائكم معكم.»و هو7 أشدّ ما ألزموا من الفرائض فى دينهم فنسخه8 عيسى(ع)بالأحد مع شهادته بصحّة التّوراة و نبوّة موسى،و تصديق جميع ما أتى9به.أ فتراه كان معتوها لا يعقل ما يقول و ما يفعل؟ و ما الّذي منعه أن يقول إنّي جئت لأبطل التّوراة؛فقد كان نابذ اليهود10 و نابذوه،و لا يرجو أن يتّبعوه؟فما الّذي دعاه إلى أن يشهد بصحّة التّوراة ثم ينسخها و11 ينسخ أحكامها؟و لو لم يكن هذا بحكمة12 و لم يكن الأمر كما ذكرنا:أنّ قولهم و فعلهم و ما أمروا به كله كان أمثالا يختلف ظاهرها و تتّفق معانيها،لكان الأمر أفظع ممّا ادّعاه الملحد،و لكان يجب أن يحكم على من يفعل هذه الأفعال بالجهل و عدم العقل-و نعوذ باللّه من ذلك-بل، كان أطهر و أزكى و أكمل من ذلك.
(5)و هكذا كانت13 سبيل محمّد(ص)فى شهادته لموسى و عيسى(ع) بالصّدق و النّبوّة،و فى نسخه14 السّبت و الأحد و إقامته15 الجمعة بدل ذلك، و فى نسخه شرائعهم على ما تقدّم القول به.و لكنّ الملحد لم يعرف رسوم الأنبياء و سننهم و مرادهم فيما فعلوا،و أسكرته وساوسه،فحكم عليهم بالتّناقض و الاختلاف؛و ترك أيضا رسم الفلاسفة الحكماء المحقّين؛ فإنّهم رسموا16 أيضا17 فى كلامهم مثل ما رسمه18 أهل الشّرائع من الأنبياء19؛كما
ذكرنا أنّ كثيرا من كلامهم كان1 عويصا2 غامضا،إلاّ ما3 هو من كلام المبتدعين الذين نظروا فى رسوم الفلاسفة الحكماء و ابتدعوا الوساوس المتناقضة، مثل الملحد و أشباهه.فلو تدبّر الملحد هذه الحال و استيقظ من سكره، و عرف مذاهب الأنبياء،لعلم أنّ كلامهم و شرائعهم ليس فيها تناقض و لا اختلاف؛أو4 لو تدبّر تناقض كلام أئمّته5 المبتدعين،إذ لم يعرف رسوم الأنبياء،و غفل6 أيضا عن رسوم الفلاسفة المحقّين،ثم كان يشتغل بما جاء عن أئمّته من الاختلاف الكثير و التّناقض القبيح و تكذيب بعضهم لبعض، لكان ذلك أولى به و أوجب عليه و أقرب من الانصاف؛فإنّ ذلك واضح فى كتبهم.و كلام7 هؤلاء الذين تشبّهوا بالفلاسفة الحكماء،كان مجرّدا بلا قشور،و ليس هو على رسم8 كلام الأنبياء الذين ضربوا الأمثال،و لا على رسم كلام الفلاسفة الحكماء9 الذين تكلّموا بالعويص؛على نحو ما حكينا أنّه فى كتاب برقلس10 الفيلسوف و فى كتاب ديمقراط و غيرهما.
(6)فأمّا المبتدعون الذين تشبّهوا بالفلاسفة فانّهم أوردوا فى وساوسهم و فيما ابتدعوه بآرائهم المدخولة من القول فى11 البارى و فى كون العالم و فى أوائل الأشياء،من الاختلاف و التّناقض ما فيه للملحدين12 خزى عظيم و شناعة قبيحة و شغل شاغل لهم عن الطّعن على الأنبياء الطّاهرين؛فانهم لم يدعوا شيئا تكلّموا فيه من هذه الاسباب،إلاّ اختلفوا فيه و نقض بعضهم على بعض، و نسبوا كثيرا من دعاويهم13 إلى الفلاسفة القدماء الحكماء،و قبّحوا أمرهم عند النّاس،حتّى أجروهم مجرى الضّلال؛و نفرت قلوب النّاس من
النّظر فى أصولهم.فكيف لم يعجب الملحد من اختلاف أئمّته و كلامهم المتناقض و بدعهم التى ابتدعوها؛كما ابتدع هو مقالته السّخيفة التى تدلّ على ضعف عقله،من1 القول بقدم الخمسة،و خالف من تقدّمه،و ادّعى أنّه نظير سقراط و أرسطاطاليس،و تشبّه بالفلاسفة الحكماء؛كما تشبّه بهم2 من كان على مثل مذهبه من الضّلاّل،و ابتدعوا الوساوس3؟!و كيف لم يكشف مستور4 أكاذيب هؤلاء و دفينها و لم يهتك ستور عيوبهم؟فكان يسقط رئاسته5 و تكبّره!! و لكن طعن على أهل الشّرائع و زعم أنّهم6 ينهون عن النّظر مخافة أن7ينكشف دفين أكاذيبهم،و يهتك النّظر ستورهم؛فتسقط رياستهم و تكبّرهم.
فانّه لو تأمّل حال نفسه من8 مخالفته9 لهم،و أحوالهم فى اختلافهم،لوجد فى أصولهم من تكذيب بعضهم بعضا و نقض بعضهم على بعض،ما كان يشغله عن10 عيب الأنبياء و الطّعن عليهم؛و لكن،نظر بعين العمى،و حكم بالهوى، و ضلّ عن طريق الهدى فى الأولى11 حتى12 لحق بأمّه الهاوية فى الأخرى، يعضّ13 على يديه،و يقول:«يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا».
(1)و نحن نذكر شيئا من اختلافهم و تناقض كلامهم و أقاويلهم الشّنيعة القبيحة،و أكشف عن المحالات و الخرافات التى ابتدعوها فى أصولهم دون الفروع،و أختصر القول فيه؛فان استقصينا فى ذلك،طال القول به جدا.و مع ذلك فانّ هؤلاء المبتدعين قد خلطوا2بدعهم بكلام الفلاسفة المحقّين و نسبوا كثيرا من ذلك إلى الحكماء القدماء:كما نسبت المجوس قولهم بالاثنين و كما نسبت النّصارى قولهم فى المسيح انّه ابن اللّه،إلى الأنبياء.و يصعب علينا أن نميّز المحقّ منهم من المبطل و أن نميّز كلام3المبتدعين منهم من كلام4 الحكماء القدماء المحقّين؛و لكنا،نذكر مقالة كل امرئ منهم و ننسبها5 إلى من نسبوها إليه و نذكر رسما من اختلافاتهم و تناقض كلامهم لتستدل به على ما وراءه6 من ضلالهم و عمى قلوبهم،و لتعلم
أنّ الملحد،لم يبصر السّارية فى عينه1 و رأى2 فى عين غيره3 قذاة،و ما بها من قذىّ4،حين غفل عن اختلاف5 أئمّته6 الّذين هم قدوته و قدوة أشباهه من الملحدين الذين زعموا أنّهم استدركوا بفطنهم و عقولهم معرفة كيفيّة الخالق7البارى،جلّ و تعالى8،و أنّهم عرفوا المبادى،و أحاطوا بالفلك و ما وراءه9، و أدركوا معرفة طبائع الاشياء كلّها،و نشو10 جميع الخلائق من الابتداء إلى الانتهاء،من غير توقيف من رسول مبعوث11 من اللّه عزّ و جلّ12 خالق الخلق الّذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة فى الارض و لا فى السّماء و لا أصغر من ذلك و لا أكبر.فزعموا أنّهم بلغوا بآرائهم المدخولة و عقولهم التّائهة و قلوبهم الموسوسة،اللّطائف من لدن تحت الأرض السّابعة إلى أعلى13 علّيّين، افتراء على اللّه و كفرا به؛فضلّوا ضلالا بعيدا و خسروا خسرانا مبينا،و قالوا على اللّه غير الحقّ،و ما كانوا مهتدين؛و سيعلم الّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون.
(1)قال سقراط و أفلاطن:إنّ المبادى ثلاثة،و هى اللّه1 و العنصر و الصّورة.
و اللّه هو العقل-تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا-و هو واحد بسيط،و هو غير مختلط بالعنصر و لا مشارك شيئا مما يقبل2 التّأثير3.و العنصر،هو الموضع الأوّل للكون و الفساد،و الصّورة جوهر لا جسم فى التخييلات و الافكار المنسوبة4الى اللّه5.و قالا6:اللّه عقل هذا العالم-عزّ7 اللّه عن ذلك.و قال أفلاطن:إنّ اللّه خلق هذا العالم على مثال صورته؛و لو لم يكن8 كذلك،لما تهيّأ أن9 يكون كون10 على هذه الصورة الّتي هو عليها.
(2)و قال ثالس11،و12 هو13 أحد السّبعة الّذين يدعون أساطين الحكمة:إنّ اللّه هو العقل للعالم-عزّ14 اللّه و تعالى.و قال:إنّ15 المبدع إنّما هو فقط.
و مؤيّس1 الأشياء2 لا يحتاج إلى أن تكون عنده صورة الشّيء بأيسيّته3،و إلاّ فقد لزمه إن كانت الصّورة عنده أن لا يكون مقدار الصّورة الّتي عنده،و إذا كان كذلك فليس هو مبدعا4-و خالفه كسنوفانس و فلوطرخس فى5 قدّم الصّورة-و قال فى مبادى الأشياء ما نذكره فى موضعه إن شاء اللّه تعالى6.
(3)و قال إبيقورس7:إنّ الا له فى صورة النّاس و إنّه متصوّر8بالعقل للطافة طبيعة9 جوهره.و قال بأربع طبائع أخر غير قابلة للفساد فى جنسها10، و هى:الاجزاء التى لا تتجزّأ11 و الخلاء و ما12 لا نهاية له-و يسميها13 المتشابهات- و الاسطقسات.
(4)و قال انكساغورس:إنّ العقل هو الاله-عزّ14 اللّه و جلّ عن ذلك.
و إنّ الاجسام كانت أوّلا15 فى المبدأ واقفة16،و إنّ العقل الّذي هو الاله رتّبها17و جعل لها تولّدا على مناسبات.
(5)و قال بيروس18:ليست أوائل بتّة،إنّما الاشياء تخرج من ذاتها؛ و لا فعل.فلا تزال تخرج19 إلى الفعل؛فاذا خرج ما كان بالقوّة إلى الفعل، فحينئذ تكون الاشياء من ذاتها لا20 من شيء آخر.فلا تزال تخرج حتى تتمّ21؛ فاذا تمّت،صارت كالّتى22 تراها و تحس بها23 و تدركها بالحواسّ الخمس؛ و ليس24 معقول بتّة إلاّ ما كان من الحواس و ما أدركته الحواس.و قال:إنّ العالم دائم لا يزول و لا يفتر و لا يضمحلّ،و لا يجوز أن يكون أوّل مبدع يفعل
فعلا يدثر إلاّ و هو1 يدثر مع فعله.و هذا2 العالم،هو الكلّ الممسك لهذه الاجزاء التى فيه.-و هذا3 هو القول بالدّهر الدّاهر.
(6)و قال برقلس4 أيضا بدهر هذا العالم و أنّه باق لا يدثر،و وضع فى ذلك كتابا5 و قال:إنّما اتّصلت العوالم و صارت6 عالما واحدا؛فهو باق7لا يدثر،و هو متّصل بالعالم الا على،و العالم الاعلى صاف8،و هذا مصفّى؛ فآخر هذا العالم هو بدء9 ذلك العالم،و ليس هذا العالم بداثر لأنّه متّصل بما ليس بداثر،بل تدثر10 قشوره11 لأنّ ما كان من البارى بلا12 متوسط لا يضمحل و لا يدثر؛و الدّثور يدخل على الشّيء من نحو المتوسّطات.
(7)و قال إبيقورس13 مقالة خالف فيها جميع الفلاسفة و تفرّد بها،و كان يقول:إنّ الأوائل اثنان،الخلاء و الصّورة؛يعنى بالخلاء،نفى المكان؛ و أمّا الصّورة،فكالهيولى14 الّتي منها ابدع15 الخلق و كوّن كلّ ما فى العالم.
و زعم أنّها ليست مكوّنة،بل كان منها كون؛لأنّ المكان و الخلاء المحض منها كونا1617.و هى فوق المكان18 و فوق الخلاء،فكل ما خلق منها أو كوّن او ابدع بأنواع الإبداع و التّكوين و الخلق كلّه19 ينحلّ و يفسد20 و يدثر و يفنى21 حتى يرجع إلى الخلق الاوّل الّذي منه بدى22.و ليس بعد الدّثور و الفناء قصاص و لا حساب23 و لا ثواب و لا عقاب،بل كلّ24 يضمحل و يفنى25.-فهذا26 جملة
قوله.
(8)و قال ابيقورس1:إنّ المبادى الموجودات،هى أجسام مدركة عقلا، لا خلاء فيها2 و لا كون لها؛و هى سرمديّة غير فاسدة،لا تحتمل3 أن تكسر أو تهشم،و لا يعرض لها فى الشّيء من أجزائها اختلاف و لا استحالة،و هى مدركة4 عقلا،فهى تتحرك فى الخلاء بالخلاء،و الخلاء5 لا نهاية له،و هذه الأجسام لا نهاية لها6.
(9)و قال بوثاغورس،و يقال هو أوّل من سمّى الفلسفة بهذا الاسم:
إنّ أوّل المبادئ هو7 العلّة الفاعلة،و هى اللّه8 و العقل؛و الآخر هو9 العنصر القابل للانفعال،و عنه كان العالم10 المدرك بحس البصر.ثم قال:أوّل الأعداد الواحد،و هو ذكر؛و العدد11 الثّاني أنثى و هو اثنان و هو ثانى الأوّل؛و الثّلاثة12 ذكر،و الأربعة الأنثى و هو غاية العدد.و الواحد الأوّل هو النّار و هو ذكر،و الثّاني13 الهواء و هو أنثى،و الثّالث الماء و هو ذكر،و الرّابع الأرض و هو أنثى.و قال فى هذا قولا كثيرا على هذا التخليط.
(10)و قال ايراقليطس و اناسس:إنّ مبدأ الأشياء كلّها هو النّار و ذلك14 أنّ كون الأشياء كلّها15 من النّار و انتهاءها إلى النّار؛و أوّل الغلظ منها16 إذا اجتمعت17 و تكاثفت18بعضها19 إلى بعض صارت20 أرضا و إذا تحلّلت21 الأرض و تفرقت أجزاؤها صار منها الماء طبعا؛و لأنّ كلّ الأجسام فى العالم تتخلّلها22
النّار و تثيرها1 فالنّار هى المبدأ؛لأنّ منها يكون الكلّ و إليها ينحلّ و يفسد2(11)و قال انقسمانس الملطى3:أول المبادى هو الهواء،و منه كان الكلّ و إليه ينحلّ،مثل النّفس التى فينا؛فانّ الهواء يمسكها و يحفظها فينا.و الهواء يمسك العالم و هو روحه و ماسكه.و نقض عليه هذا القول كثير4 منهم بحجج.
(12)و قال كسنوفانس5:إنّ أوّل الاشياء هو الارض،و إنّه لا نهاية لها6،و إنّها هى الاصل7،و هى تجمع الأشياء كلّها.
(13)و قال ثالس الملطى،و هو أحد السّبعة الذين يدعون أساطين الحكمة:
أوّل المبادى8 هو الماء،و هو العنصر الاوّل القابل كلّ صورة9،و منه أبدع سائر الجواهر من السّماء و ما دونها،و هو10 غاية كلّ مبدع.و قال:من جمد الماء كوّنت الارض و من انحلاله كوّن الهواء و من جمع11 الهواء تكوّنت النّار.و قال:هذا العنصر هو أوّل و آخر،إنّما هو عنصر الجسمانيّة و الجرميّة لأنّه عنصر الرّوحانيّة البسيطة12،و هذا العنصر13 له صفو14 و كدورة، فما كان من صفوه يكون جسما و ما كان من ثقله يكون جرما؛فالجرم يدثر و الجسم لا يدثر و كل جرم من هذه الاجرام الظّاهرة فانّه جسم غير ملموس15و يظهر فى النّشأة16 الثّانية و يكون كالجرم17 الظّاهر يدرك بحسّ البصر و بالحواس الخمس الباطنة.و قال أيضا:إنّ فوق السّماء عوالم مبدعة18لا يقدر المنطق أن يصفها و هى من عنصر لا يدرك العقل غوره و المنطق،
و النّفس و الطبيعة تحته،و هو المدهر المحق1 و إليه تشتاق2 العقول و الأنفس و هو الّذي يقال له الدّيمومة3 و البقاء فى النّشأة الثّانية.
و قال الذين يقال لهم الفلاسفة من أهل أقاديما6:لا تخلو4 هذه5 الاشياء و هذا الخلق،أن يكون لها أوّل،و الاوّل هو النّار؛لانّه ضياء،و لانّ النّار فى كلّ عالم من7 ذلك العالم،و فى كلّ عالم أوّل8 مشاكل لهذه،و لهذه كلّها أواخر هى أوّل لهذه تجمعها9 كلّها،و ليس10 تجمع الأواخر الأوائل11.
(14)و قال ارسطاطاليس:إنّ المبادئ هى الصّورة و العنصر و القدم و الأسطقسّات12 الأربعة،و جسم خامس و هو الاثير،و هو العنصر الاعظم، و إنّ الاله الاعلى13 مفارق للصّورة و هو كره14 للكلّ-تعالى اللّه و جلّ15- و إنّ الصّور16 متّصلة17 متّحدة،و هى مقسومة بالأكر،و كل واحد منها مركّب من18 نفس و جسم،فالجسم منها هو الاثير،و النّفس نطق19 عقلىّ غير متحرّك،و الجسم متحرّك حركة20 دورية،و هو علّة الحركة بالفعل، و هو الاثير و هو غير مستحيل.
(15)و قال آنكسماندروس21 الملطى:إنّ مبدأ22 الموجودات هو الّذي لا نهاية له، و إنّ منه الكلّ و إليه ينتهى الكلّ و لا نهاية له.و قال:إنّ العوالم بلا نهاية، و لم يفسر المبدأ23 الّذي لا نهاية له.
(16)و قال انبذقليس 1:إنّ البارى لم يزل هويّته فقط،و هو العلم المحض2 و الإرادة المحض،و هو الجود و العزّ3 و القدرة و العدل و الخير4 و الحقّ؛و هناك قوى5 مسماة لهذه الاسامى و هى الهويّة؛و هذه كلّها مبدع فقط،و قال:إنّ الصّورة6 إنّما أبدعها المبدع لا بنوع علم و إرادة،بل بنوع علّة فقط.و قال:إنّ العالم واحد،إلا إنّ الكل ليس هو العالم وحده فقط،لكن العالم جزء يسير من الكلّ،و باقى الكلّ عنصر معطّل.و قال:أول مبدع هو العنصر الّذي منه أبدع العقل بتوسّط؛و ليس العنصر أول بسيط عقلى بل أوّل بسيط7 على ما ذكرنا نحو ذات العقل.
فاما نحو ذات العنصر فهو مركّب8 من المحبّة و الغلبة.و المحبّة و الغلبة هما المبدءان،و عن المحبّة و الغلبة أبدعت الجواهر البسيطة9 الرّوحانيّة و البسيطة10 الجسمانيّة و المركبة الجرمانية.و قال:إن الانفس الدّنسة تبقى فى الظّلمة بعد دثور العالم متشبّثة به11،حتى تستغيث بالنّفس الكليّة و تتضرع12 النّفس الكليّة إلى العقل،و العقل إلى البارى13،فيمسح البارى14نوره على العقل،و العقل على النفس،و النفس على هذا15 العالم مرّة16أخرى حتى تعاين17 الانفس الجزئيّة النّفس الكليّة و تلحق بعالمها؛و ذلك بعد دهور كثيرة18.فأورد نحو هذا من قول19.و من قوله و قول بثاغورس20 و
ديمقراط تشعّبت1 الاقاويل الكثيرة و الآراء المختلفة فى المبدع و المبدع.
(17)و قال طولوس2 الفيومى و تمستيوس3:لا شيء مبدع إلاّ ما يرى بالأعين، و يسمع بالآذان من صوت يصدم4 أو جرم يحطم:و دفعا أنّ شيئا5 وراء ذلك.
و قال أفلاطن القبطى بهذا القول و قال أفلاطن أيضا:لا فعل و لا حركة و لا تغيير و لا فناء6 و لا زوال،و لكنا نرى7 فاعلا و متحركا،و لا نرى8 تغييرا و لا متغيرا9 و لا فناء و لا فانيا و لا زوالا و لا زائلا.
(18)و قال هرقل فيلسوف أهل إفسوس10:إنّ الأوائل نور عقلىّ و هو اللّه حقّا-عزّ اللّه و تعالى عن ذلك علوا كبيرا-و هو اسم اللّه باليونانيّة، و يدلّ على أنّه مبدع الكلّ و هو اسم شريف جدا.فأول شيء أبدع،و أوّل11هذه12 العوالم،المحبّة و الغلبة و المنازعة.و من المحبّة كانت العوالم العلويّة13 إلى14أن ينتهى إلى السّماء،و من السّماء إلى هذه الأرض.
(19)و وافق15 أنبدقليس16 فى أمر المحبّة و الغلبة و خالفه فى غير17 ذلك.و قال:إنّ السّماء تصير فى النّشأة الثّانية بغير18 كواكب؛لأنّ الكواكب تهبط سفلا حتى تهبط19 إلى الأرض،و تلتهب21 فتصير متّصلة بعضها ببعض22 حتى تكون كالدّائرة23 حول الأرض20.و كل الأنفس الدّنسة24 تبقى فى الأرض و تلك النّار
محيطة1بها،و الأنفس الزّكيّة ترتفع إلى عالمها و تكون سماؤهم سماء نورانيّة أشرف من هذه؛ففيها2 آثار البارى بلا متوسّطات3،و هناك الحسن4المحض،لأنّه مبدعه5بلا توسّط و لا تعب،و إنّ البارى يمسح الأنفس فى كلّ دهر مسحة و يتجلّى حتى6 تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحقّ،فيشتد7 عشقها و شوقها؛و لا يزال كذلك8 أبد الآباد دائما.و قال9:إنّ أوّل الأوائل من المبدعات هو الهيولى،و منها كان جميع ما فى هذا العالم، و منها كان الهواء و النّار و الماء و الأرض؛و إنّ كلّ ما كوّن،من الهواء10المحض؛و إنّه لطيف روحانى لا يدثر و لا يدخل عليه الفساد و لا يقبل الدّنس؛ و كل ما بقى فى هذا11 العالم الدّنس الكثير الأوساخ،يتشبّث به هذا العالم؛ لأنّ هذا العالم دنس،و يمنعه أن يرتفع علوا.و كلّ ما لم يقبل12 هذا الدّنس و هذه الأوساخ،و ألقاها عن نفسه و اتّصل بكليّته الطّاهرة13 النّقيّة،تخلّص و لحق بكليّته.و هذا14 العالم يدثر و يدخله الفساد،من أجل أنّه ثقل تلك العوالم الرّوحانيّة الشّريفة،و هو قشر؛و لو لا ما فيه من نوريّة تلك الأوائل،لما ثبت15 طرفة عين،و إنّما ثباته بقدر ما يصفّى العقل جزءه و النّفس جزءها؛فاذا صفت هذه الأجزاء16 النّيرة الشّريفة،دثر و فسد و بقى مظلما؛و هو الدّثور الّذي ذكروه أجمعون.و الأنفس الدّنسة17،تبقى فى هذه الظّلمة،لا تعاين النّورانيّة.
(20)و قال ديمقراط و برقونس18 و برقلس19:إنّ العقل أوّل مبدع و قالوا
برأى أنبدقليس فى النّشأة الثّانية،و خالفوه فى المبدع الأوّل1؛لأنّ أنبدقليس 2 قال:إنّ العنصر أوّل مبدع.و خالفوه فى المحبّة و الغلبة و قالوا:
إنّ المبدع الأوّل،ليس هو العنصر فقط،بل الأخلاط3 الأربعة،و هى الأسطقسّات؛منها أبدعت الأشياء البسيطة كلّها دفعة واحدة؛فأمّا المركّبة، فانّها كوّنت دائمة داثرة،إلاّ أنّ ديمومتها بنوع،و دثورها4بنوع؛لأنّ منها ما5أبدع باقيا دائما لا يجوز عليه الدّثور،و منها6 داثر غير باق لا يجوز عليه البقاء.
(21)و قال فلوطرخس7:إنّ البارى8 لم يزل بالأزليّة،و هو مبدع فقط،و كل مبدع ظهرت صورته فى حدّ9 الابداع؛و كانت صورته فى علمه10 الأوّل.
و الصّورة عنده بلا نهاية،و لو لم تكن الصّورة معه فى أزليّته،لم يكن ليبقى.
و أورد كلاما خلط فيه تخليطا كثيرا،و خالف ثالس فى قدم الصّورة؛و قد11 ذكرنا قول ثالس فى نفى الصّورة مع ذكر مقالته.
(22)و قال كسنوفانس:إنّ المبدع الأوّل،هو إنّيّة لأزليّته الّتي هى بنوع الدّيمومة12 و القدمة،لا يدرك بنوع صفة منطقيّة و لا عقليّة.و نفى13 أزليّة الصّورة و الهيولى،و قارب قول أهل التّوحيد؛و لكنّه أورد بعد ذلك كلاما خلط فيه.
(23)و قال زينون الّذي14 يقال له الأكبر:إنّ المبادئ هى اللّه15 و العنصر.
و اللّه هو العلّة الفاعلة-تعالى اللّه عن ذلك-و إنّه المبدع الأوّل،كان فى علمه صورة16 إبداع كلّ جوهر،و إنّ علمه غير متناه،و الصّورة الّتي فيه
من حدّ الابتداع غير متناهية؛و كذلك صورة الدّثور غير متناهية.و قال:
إنّ هذا العالم يبقى بقاء دائما،و لا1 يفنى فناء دائرا2.و قال:إنّ صورة هذه3العوالم و ما فيها من العلم الأزليّ باقية4 دائرة5،و هى6باقية7بنوع تجديد و داثرة8بنوع دثور الصّورة الأولى عند تجديد الأخرى؛و الدّثور يلزم الصّورة و الهيولى معا.و قال أيضا مثل قول خرسبوس9:إنّ البارى10 محض هو«انّ» فقط،أبدع العقل و النّفس دفعة واحدة،ثم أبدع جميع ما تحتهما11بتوسّطهما.و قال:إنّ للنّفس12 جرمان،جرم من النّار و الهواء13،و جرم من الماء و الأرض؛و النّفس متّحدة بالجرم الّذي من النار و الهواء،و الجرم الّذي هو من النّار و الهواء،هو متّحد14بالجرم الّذي من الماء و الأرض.و النّفس مستطيعة ما خلاها البارى15،فاذا ربطها فليست بمستطيعة؛ كالحيوان الّذي إذا خلاّه مدبّره16 الّذي هو الانسان المالك له،كان مستطيعا؛ و إذا ربطه،كان غير مستطيع.
(24)و قال انكساغورس و كسناغورس بقول فلوطرخس فى المبدع و خالفاه فى المبدع الأوّل و فى أشياء غير ذلك.و قال فيلوخوس:إنّ المبدع الأوّل كان مبدع الصّورة فقط،فأمّا الهيولى فلم تزل معه.
(25)و قال انكسمانس الّذي يعدّ أيضا من السّبعة الذين كانوا يدعون أساطين الحكمة:إن البارى أزليّ لا أوّل له و لا آخر،و هو بدء الاشياء كلّها، و هو«انّه»فقط و لا هويّة تشبهه،و كلّ هويّة مبدعة،و هو أحد لا يتكثّر،
أبدع صورة العنصر و صورة العقل.و صورة العنصر واحدة أيضا إلاّ أنّها تتكثّر1،و منها انبعثت صورة العقل؛فترتبت ألوان الصّور على قدر ما فيها2من طبقات الانوار،فصارت تلك الطّبقات،العوالم؛حتّى قل نور3 الصورة فى الهيولى،و قلّت الهيولى حتى لم يبق إلاّ ثقلها،فصارت منها هذه4 الصّورة5الرّديئة6 و ترتّبت7 هذه8 القوى بقدر9 سكون النّفس فى هذه الاجرام، فمدبّر هذا كلّه ساكن،لا تجوز10 عليه الحركة،لانّ الحركة محدثة؛ إلاّ أن نقول إنّ تلك الحركة فوق هذه الحركة كما أنّ ذلك السّكون فوق هذا السّكون.فأورد كلاما يقرب من قول أهل التّوحيد،ثم خلط بعد ذلك.
(26)و قال أنبدقليس أيضا:هو يتحرك11بنوع السّكون.و بهذا القول قال انكساغورس12 و كثير منهم.و اختلفوا13 و خلطوا و نقض بعضهم على بعض.و قال أرسطاطاليس فى هذا الباب:الا له لا يتحرّك لأنّ الحركة لا تخلو من أن تكون14، إمّا مكانيّة و إمّا15 زمانيّة و إمّا فكريّة16:ثم قال:إنّ الاله حركته17بنوع سكون،و سكونه بنوع حركة،إلا أنّ تلك الحركة و ذلك السكون ليساهما وهميّين و لا عقليّين.
(27)و قال انكسمانس18 فى الحق و الحكمة:إنّ الحقّ حقّان،حق نورىّ و حق مظلم،و الحكمة19 واحدة.و قال فى ذلك سقراطيس:الحق متعلق بالحكمة
من1 نحو العقل.و قال فلسنيون2:إنّ الحقّ متعلّق بالحكمة3 لا من نحو العقل.
و اختلفوا فى هذا الباب أيضا اختلافا كثيرا؛فمنهم من قال:إنّ الحكمة قبل الحقّ و إنّ الحقّ لا يقوم4 إلاّ بالحكمة،و منهم من قال إنّ الحقّ قبل الحكمة5،و إنّما صارت الحكمة حكمة بالحق الّذي أقامها.
(28)و قال بثاغورس الانطاكى:البارى جلّ ذكره6 واحد7 لا يدرك من جهة العقل و النّفس؛و إنّ هذا العالم ألّف و صنع من اللّحون البسيطة الروحانيّة و اعداد الرّوحانيّة8،و هى غير منقطعة،و هى متحدة تتجزّأ من نحو العقل و لا تتجزّأ من9 الحواسّ؛و إنّ هذا العالم هو سرور فقط فى أصل10 الإبداع مثل العوالم الأوّل،إلاّ أنّ تلك أبسط من هذا؛و منطق العوالم هو باللّحون الرّوحانيّة11 البسيطة،فمن أجل ذلك صار سرورا دائما غير منقطع.و قال،إنّ أوّل ما أبدعت12 السّماء،أظهرت النّفس13 النّجوم14 السّبعة التى هى دلالات اللّهو و السّرور و الحسن و العدل و العزّ و العشق و ما أشبه ذلك.و لو عرف أصحاب القضاء15 كيف حركاتها و انتقالها و مزاجها و مقابلاتها16،لقدروا على معرفة تأليف العالم و لكن لمّا17 لم يقدروا عليها،لم ينالوا علم تاليف هذا العالم.
و قال موزنوش2 و كان تلميذا لبثاغورس:إنّ ثبات1 العالم و قوامه3 من اثنين مبدعين،من ذكر و أنثى،من ضوء و ظلمة،و الضوء ذكر و الظلمة4 أنثى و منهما5تكوّنت الاشياء كلّها.و أخذت عنه المجوس هذا القول،لأنّه6 كان دخل مملكة الفرس،فأخذ ذلك عنه وارطوس الّذي قام فى المجوس بعد زرهشت7 و خلطه8بالرّسم الّذي كان عليه المجوس من رسوم الأنبياء(ع)،و أفسد عليهم دينهم9، و أزالهم عن التّوحيد،و دعاهم إلى القول بالاثنين،و خلط الباطل بالحقّ؛فضّل و أضلّ،و بنى مقالته10 على أنّ الضّوء و الظّلمة مبدعين،و أن الضّوء سماوى و الظلمة أرضية فلا يتمّ للسماوىّ امر11 الا بالأرضىّ الا انّ الأرض فى سلطان الظّلمة،و لمّا اتّفق النّور12 و الظّلمة،ولد النّور النّار و ولدت الظّلمة الارض، و هى أرضيّة،ثم تولّدت13 من النّار الحرارة و اليبوسة14،و من الماء البرودة و الرّطوبة؛ثمّ ازدوجت،فتولّد منها هذا العالم كلّه.فأصل مقالة المجوس فى اعتقادهم القول بالاثنين من هذه الجهة.
(30)و قال15 ملّيسس16 و أصحابه:إنّ المبدع واحد،و لا يجوز أن يخلق اثنين، لأنّ الاثنين يدلان17 على التّنازع و التّضاد.فلمّا رأينا18 هذا العالم لا ضدّ له و لا موافق،استدللنا أنّه واحد لا يدخله الفساد و الفناء19 من غيره أو من20 خاصّته فى الجزء21 و الكلّ؛و إنّما الحقّ واحد،لا تغيير فيه و لا تبديل و لا زوال،و إنّما هو منتقل كالمكان و الزّمان،و كالرّجل يكون فى الظّل حسن اللون و فى
الشمس قبيح اللّون و الرّجل واحد لم يتغيّر و لم يتبدّل1 و لم يفن و لم يزل؛ و كذلك2 سائر3 ما يرى و ما لا يرى من الألوان و الطّعوم4 و الاصوات و الحسّ5 و الشمّ،لا6 تغيير و لا تبديل و لا انفعال و لا حركة؛فهذا أصل قولهم.
(30)و قال فلانوس و كان أيضا من تلاميذ بثاغورس و صار إلى الهند و ادعى أنّ بثاغورس ارتقى إلى الهواء7 و عاين عالم الطّبيعة و عالم النّفس و عالم العقل،و قال:إنّ كلّ ما فى8 العالم من الحسّ هو معلول الطّبيعة،و ما عند النّفس أكرم ممّا عند الطّبيعة9 و أخسّ10 ممّا عند العقل،إلى أن ينتهى إلى العلة الّتي لا علّة فوقها.و أخذ عنه هذا الرأى برخمس الهندى؛فدعا إليه النّاس،و خلط بدعه برسوم الأنبياء11 الّتي كانت فى أيديهم كما فعل وارطوس بأصحاب زرهشت،و أبدع بدعا كثيرة،منها12 تفرّقت أديان الهند.و عنه أخذ برهما13 فسنّ لهم الاحراق و أمر بالتّعرّى و السّياحة فى البرارى و الجبال حيارى و رغّب الناس فى تلطيف الأبدان و تهذيب الانفس و الاسراع فى الخروج عن هذا14 العالم و الاتّصال بذلك العالم،لتكون15>الأنفس<مسرورة16 متلذّة17،لا تملّ18 و لا تكلّ19بزعمه.فأخذ عنه أهل20 الهند،و تفرّقوا بعده فرقا كثيرة21؛إلا أنّ22 أصل البدع فى مقالاتهم من23 فلانوس الّذي كان من تلاميذ بثاغورس.و قال قوم منهم إنّ
التناسل فى هذا العالم خطأ،و أفضل الأعمال عندهم أن يلقوا أنفسهم فى النّار،يزعمون أنّهم يطهّرون أبدانهم؛و لهم أديان كثيرة مختلفة عجيبة جدا ابتدعوها و يطول التّفسير بذكرها.
(1)فتأمّل2 رحمك اللّه ما قد ذكرته من أصول هؤلاء3 الضّلاّل و شدّة اختلافهم و ضلالهم،و كيف خالف بعضهم بعضا فى القول فى البارى جل و تعالى و فى4مبادي الاشياء و فى انتهائها،و كيف ضلّوا حتى قال بعضهم:إنّ اللّه هو5 العقل و هو عقل6 هذا العالم7،و العنصر و الصّورة قديمان معه-تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.و قال بعضهم:اللّه هو عقل العالم-عزّ اللّه عن ذلك-و هو أبدع الصّورة و العنصر.و قال غيره8:العقل هو الاله-سبحانه عن ذلك-و انّ الأجسام كانت واقفة فزينها و جعل لها مناسبات و تولّدا،و قال آخر:اللّه9علّة هذا العالم-عزّ اللّه و جلّ.و قال10 آخر:البارى11 هو العلم و الإرادة و الجود و العزّ و العدل12 و الخير و قوى غيرها.و قال غيره:اللّه هو نور عقلىّ
و عقولنا أبدعت من ذلك النور-عزّ اللّه و تعالى.و قال آخر:البارى هو متحرّك.و قال غيره:هو ساكن و قال غيره:هو متحرّك بنوع الحركة؛ساكن بنوع السكون1.و قال آخر اللّه2 خلق هذا العالم على مثال صورته.و قال3 آخر:اللّه هو فى صورة إنسان-تعالى اللّه عن ذلك4.و قال آخر.هو اللّه و العنصر قديم معه،و اللّه هو العلّة الفاعلة5-عزّ اللّه و جلّ6
و قال آخر:إن الصّورة7 كانت قديمة عند اللّه8؛و نفى غيره ذلك.و قال آخر:إنّ اللّه أبدع الصّورة،و الهيولى لم تزل معه.و قال آخر:إنّ اللّه أبدع العقل و النّفس،و بتوسّطهما9 أبدع العالم.و قال آخر:إن اللّه أبدع العالم من المحبّة و الغلبة.و قال آخر:أبدعه من اللّحون البسيطة10،و قال آخر:
العالم دائم لا يزول و لا يفتر11 و لا يضمحلّ.و قال كثير منهم بدهر العالم.و قال آخر:
الاشياء تخرج من ذاتها بلا حدث.و قال آخر:المبادئ هى أجسام لا خلاء فيها و لا كون،و هى سرمديّة غير فاسدة.و قال آخر:مبدأ12 الاشياء كلّها النّار.
و قال آخر:هو الهواء.و قال آخر:هو الماء.و قال آخر:هو الأرض.
و قال آخر:لا13 شيء مبدع الاّ ما يرى و يسمع،و أنكر ما غاب.و قال آخر:
لا فعل و لا حركة و لا تغيير و لا فناء14.و قال آخر:الا وائل اثنان،الخلاء و الصّورة.
و قال آخر:إنّ جميع ما يرى و يحس15 لا حقيقة له،إنّما هو على طريق الخيلولة و الحسبان،و إنما نرى16 هذه الاشياء و نشاهدها كما نراها فى المنام و لا حقيقة لها،و لا حقيقة لأنفسنا،و لا لشيء مما يرى و يحس،و لا لشيء من هذا العالم كمذهب
السوفسطائيّة1.
و قال غيره:إنّ العالم يدثر و يفنى،و لا ثواب و لا عقاب.و قال آخر:
العالم غير دائر و لا مستحيل.و قال آخر2:إنّ الأنفس تلحق3بالعالم العلوى و تبقى هناك و تلتذّ.و قال آخر:بل تدثر و ترجع إلى هيولاها الأولى.و قال آخر:البارى-جلّ و عزّ-يمسحها حتى ترى نوره.و قال آخر:بل يمسح العقل،و العقل يمسح النفس،و النفس تمسح العالم؛فتستضيء،و تعاين الانفس الجزئيّة النّفس الكليّة.و قال آخر:بل البارى يمسحها فى كل دهر،و يتجلّى حتّى ينظر إلى نوره.و قال آخر:إن بثاغورس ارتقى إلى الهواء و عاين عالم الطّبيعة و عالم النّفس و عالم العقل.
(1)أعدت القول بذكر جمل هذه النّكت،ليكون أقرب إلى الفهم بعد ذكر أصولهم و أقاويلهم الّتي حكيتها على الاختصار دون الشّرح و دون ذكر اختلافاتهم فى الفروع و تناقض كلامهم1 فيها و تكذيب بعضهم لبعض؛ فانّهم لم يتركوا شيئا نظروا فيه إلا اختلفوا فيه،ورد بعضهم على بعض؛ و من تتبّع ذلك وقع فى شغل شاغل2 و عناء طويل،لا3 يحصل منه الاعلى العمى و الضلال و الخروج إلى الحيرة4 و الغرق فى الوساوس5 المهلكة الّتي زعموا أنّهم أدركوا بها و بعقولهم و فطونهم و آرائهم معرفة كيفيّة البارى جلّ و تعالى6،و كيفيّة بدء7 كون العالم و انتهائه8 و ما كان قبل حدث العالم و بعد فنائه.و سمّوا9بعضهم الشّعراء،يزعمون أنّهم شعروا10بهذه11الامور الغائبة12بنظرهم،و سمّوا كلامهم شعرا و استرقوا هذا الاسم من
العرب1 حين سمّوا به شعراءهم،يعنون أنّهم شعراء2بالاشياء التى ذكروها فى شعرهم من التشبيهات فى التّشبيب و ذكر الدّيار و فى المدح و الهجاء3و الافتخار و غير ذلك من صفات4؛فصار لهم هذا رسما5،و حسن به ذكرهم، و خلّدهم6 على الدّهر-فتشبّه7 هؤلاء الجهال بهم،و سمّوا أئمّتهم بهذا الاسم،و زعموا أنّهم شعراء بهذه8 الامور العظيمة العسر تناولها،البعيد مأخذها،و أنّ عقولهم أحاطت9بالعالم كلّه،و>أنّهم< ارتقوا10 إلى الاحاطة بمحدث العالم11؛فأوردوا هذا الكفر12 العظيم و اختلفوا فيه هذا الاختلاف الشّديد.
و حق لهم أن يتيهوا و يكفروا.فانّ من لا يحيط علمه13بما فوق سطح بيته، و بما غاب عن عينه فى بيته،حتى يعاينه،ثم يزعم أنّه يرقى الى السّماء، و يدرك ما وراء الفلك؛و من لا يقدر أن يعرف كيفيّة نفسه اللّطيفة الّتي تدبّر أمر14 جسده،حتّى يقع فى هذه15 الاختلافات و الوساوس؛ثم يزعم أنّه يحيط علمه بخالق الخلائق أجمعين و مدبّرهم16،و يزعم أنّه يدرك17علم ما كان قبل أن كان18 و ما يريد أن19 يكون قبل أن يكون20،من غير توقيف21من نبىّ مؤيّد بوحى22 من اللّه23؛حقّ له أن يتيه و يوسوس،و أن يدعى مجنونا معتوها،و أن يكفر باللّه عزّ و جلّ24،و يطعن على أنبيائه(ع)،و
ينسبهم إلى الخلاف؛و لا يرى خلاف هؤلاء التّائهين،و لا يذكر تناقض كلامهم؛و أن يدّعى أنّ اللّه1 أغناهم عن إمام مرشد مؤيّد من اللّه2الّذي خلقهم بحكمته و تعطّف عليهم برحمته،و يزعم أنّه و كلهم إلى آرائهم حتّى يستغنوا عن3 اختلافات الأنبياء4 المؤسّسة على الحكمة باختلافات5 هؤلاء الموسوسين6 المحيّرة المهلكة،ثم يقول:قد و اللّه تعجّبنا من قولكم:إنّ القرآن هو معجز و هو مملوء من التّناقض و هو أساطير الأوّلين و هو خرافات!
(3)فكم بين هذه الاختلافات الّتي بين هؤلاء الذين ابتدعوها بآرائهم، و التى إنّ نظر فيها ناظر غير مستبصر بهذه7 الأمور مستحكم فى أمر الدّيانة، قادته8 إلى العمى،و أوقعته9 فى الحيرة؛و بين الاختلافات الّتي ذكرها الملحد و عاب بها الأنبياء(ع)الّذين10 وضعوها على الحكمة،و هى11 أمثال مضروبة إذا كشف عن معانيها اعتدل منها النّظام،و قامت بها الحدود و الأحكام،و ظهر صدق الأنبياء عليهم السّلام؟و أىّ الفريقين أكذب، الّذين يمزّقون حلوقهم بما زعم الملحد أنّه الزّور و البهتان،بحدّثنا12فلان عن فلان13 عن محمد(ص)عن جبرئيل(ع)عن اللّه عزّ و جلّ14،أنّه قال:«إنّنى انا اللّه لا إله الاّ انا فاعبدنى و اقم الصّلاة لذكرى انّ السّاعة آتية اكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى»فأخبر
بأنّ اللّه عزّ و جلّ1 واحد لا إله2 غيره و أمر بعبادته،و حثّ على طاعته،و حذّر مجيء3و ما يكون من القيامة المجازاة بالأعمال،و وعد و أوعد بالثّواب و العقاب؛أم الّذي4يقول:حدّثني طبعى عن نفسى عن عقلى،أنّه عاين5 ما كان قبل حدث العالم،فرأى النّفس و الهيولى و المكان و الزّمان قديمة مع البارى-جلّ اللّه و عزّ6- و أنّ النّفس7 اشتهت أن تتجبّل فى هذا العالم،فأعانها البارى حتّى خلقت العالم و أنّه لو لا ذلك لما كان هذا العالم،و أنّه لا بعث و لا ثواب و لا عقاب،و أنّ النّاس مهملون8 كبهائم الأنعام،و أنّه لا فضل للبشر على سائر الحيوان،و لا أمر و لا نهى؛و أنّ عقلى حدّثني:أنّه يبلغ علم ما كان قبل حدث العالم و ما يكون بعد فنائه،و يبلغ علم9 سرائر الخليقة كلّه من أوّل الدّهر إلى آخره؛و أنّه لا حاجة به إلى معلّم يعلّمه فانّه10 قد استوى مع اللّه11 فى العلم بجميع الخلائق و كيف خلقت12 و كيف طبعت،و ما فيها من الصّلاح و الفساد و الضّر13 و النّفع؛و أنّ عقله يدرك14 علم ذلك إذا15 شاء و نظر فيه و بحث عنه؟فأىّ الفريقين أولى بأن يسمّى16 كذّابا،و أنّه يدّعى الزّور و البهتان؟
(4)من أنصف و لم يغرّ17 نفسه،و نظر فى اختلافات هؤلاء الّذين نظروا فى هذه18 الأمور العظيمة،و أوردوا هذه الآراء المتناقضة من ذات أنفسهم و بعقولهم؛و فى اختلافات الأنبياء(ع)و ما رسموه19 فى شرائعهم بالحكمة،
و ضربوا الأمثال بوحى من اللّه عزّ و جلّ1 و ميّز بينهما؛عرف الصواب من الخطأ،و الحقّ من الباطل و الصّدق من الكذب فانّ الأنبياء(ع)و إن اختلفت ألفاظهم بضرب الأمثال،فانّ معانيها متّفقة،و لم يختلفوا فى أصل الدّين و فى توحيد اللّه عزّ و جلّ2،و اتّفقوا أنّ اللّه جلّ ذكره3 إله واحد لا إله غيره،و أنّه قديم لا قديم4 معه،و أنّه لم يزل و لا يزال،و هو خالق جميع الخلائق لا من شيء،و لا خالق غيره؛و وصفوه جلّ ذكره بأحسن الصّفات كما هو أهله؛و اتّفقوا أنّه بعث النّبيّين مبشّرين و منذرين،و اختارهم من خلقه و اصطفاهم لتبليغ رسالاته،و أنّه خلق دارين،دارا للسّعى و العمل و دارا5 للثّواب6 و العقاب،و أنّ العباد مأمورون منهيّون مبعوثون بعد الموت محاسبون7 مدانون8بأعمالهم،و أنّ اللّه9«لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا بِمٰا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» ،و أنّ الجنّة و النّار هما العقبى.و سلكوا فى هذا سبيلا10 واحدة،لم يختلفوا فى شيء منه،و دعوا كلهم إلى عبارة اللّه بالأعمال الّتي اتّفقوا على أصولها مثل الصّلاة و الزّكاة و الصّيام و المناسك و القرابين و سائر الفرائض و السّنن التى فى أصول الدّين11،لم يختلفوا فى شيء منها12،و دعوا كلّهم إلى ذلك و شهد بعضهم لبعض بالصّدق و النّبوة و دعوا إلى منهاج واحد فى باب13الاستعباد؛و إنّما اختلفوا فى وضع الشّرائع،مثل أوقات الصّلاة14 و
عدد ركعاتها،و حدود الزّكوات1،و مواقيت الصّيام2 و غير ذلك من الفروع امتحانا من اللّه عزّ و جلّ3 لخلقه و اختبارا لهم،كما أمر موسى(ع) بالصّلاة التى هى أصل الدّين فى جميع الشّرائع،و لكنّه أمره4 أن يتّخذ بيت المقدس قبلة5.و كذلك أمر عيسى(ع)بالصّلاة،و أمره أن يتّخذ6 المشرق قبلة؛و شهد>عيسى<لموسى7بالصّدق و النّبوّة.
و إنّما فعلوا ذلك،ليظهر8 المطيع من العاصى و الضّال من المهتدى10و الخاضع المنقاد9 من المتكبّر الباغي،و ليكون الثّواب و العقاب على حسب الطّاعة و المعصية،كما قال اللّه عزّ و جلّ11:«وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ12 عَلَيْهٰا إِلاّٰ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ» فقد13 دلّ15 ذلك>على<أنّه امتحنهم،ليعرف من يتّبع16الرّسول ممّن ينقلب على عقبيه14.ثم قال:«وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّٰ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ» أى انّ مخالفته(ص)لمن تقدّمه فى تغيير القبلة هى كبيرة منكرة عند من لا يعرف مراده،«إِلاّٰ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ» فعرفوا مغزاه فى ذلك،و علموا أنّه بحكمه.و قال جلّ ذكره17:«وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ18 فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ إِلَى اللّٰهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» ألا تراه يقول19:«لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ» أى يمتحنكم؛ و حثّهم على عمل الخيرات،فقال:«فَاسْتَبِقُوا20 الْخَيْرٰاتِ» فانّ مرجعكم إلى
الّذي يجازيكم باختلافكم و ائتلافكم؟و قال1:«وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّٰاسَ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لاٰ يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّٰ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ» يعنى خلقهم و امتحنهم بالاختلاف و الائتلاف ليظهر المطيع من العاصى2 كما ذكرنا3،و ليكون مرجعهم إلى الأنبياء،و ليرضوا بحكمهم،و يقيموا طاعتهم،كما قال عزّ و جلّ4:«كٰانَ5 النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» ثمّ عرّفنا أنّ الباغين فى كلّ أمّة امتحنهم اللّه بطاعة الأنبياء،فخالفوهم بعد أن رأوا البيّنات،فقال:«وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ6 الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» .
(5)فهكذا كان سبيل الأنبياء،و سبب اختلافهم فى وضع الشّرائع.
فأمّا فى الأصول فلم يختلفوا:و لو اتّفقوا كلهم فى وجوه الاستعباد،لما ظهرت7منزلة الأنبياء،و لا كانت درجة لمن جاء بعد من تقدّمه؛فكان لا يقدر على تغيير البدع الّتي أبدعها الضّالون فى كل8 شريعة،و لسقط9 الامتحان10 من اللّه عزّ و جلّ11 لخلقه،و لبطل الأمر و النّهى،فلم تكن طاعة و لا معصية و لا ثواب و لا عقاب.فهذه علّة اختلافهم فى وضع الرّسوم:و أسّسوا شرائعهم على العلم و الحكمة بوحى من اللّه عزّ و جلّ12،و لم يختلفوا فى أصول الدّين و التّوحيد،كما اختلف هؤلاء الضّلال الذين وضعوا هذه13الوساوس بآرائهم و اختلفوا فى البارى عزّ و جلّ14،و فى15 جميع الأصول
و الفروع،و أبطلوا كلّهم العبادة و الثّواب و العقاب،و جعلوا النّاس مهملين كالبهائم،و أوجبوا أن لا يكون لهم سائس و مؤدّب فى الدنيا و مرشد فى الدّين.
و أمّا ما ذكره2 الملحد عن المجوس و غيرهم من القول بالاثنين،و عن النّصارى و قولهم فى المسيح(ع)،فانّ ذلك ليس من الأنبياء؛بل هو من المبتدعين فى كلّ أمّة على حسب ما ذكرنا.فأمّا المجوس فقلنا إنّ سبب3 قولهم بالاثنين و تركهم رسوم الأنبياء،أصل بدعهم هو من موزنوش تلميذ بثاغورس الّذي دخل مملكة الفرس،و أخذ عنه وارطوس هذا القول و دعا إليه المجوس،فأجابوه.ثم تكثّرت4 فيهم البدع بعد ذلك.
و أمّا النّصارى و قولهم فى المسيح5 انّه ابن اللّه6،فانّهم ضلّوا بالتّأويل؛لأنّ المسيح(ع)قال فى الإنجيل إنّه ابن اللّه؛و لم يعن به7 أنّه ابنه من جهة الولادة-عزّ اللّه أن يتّخذ صاحبة و ولدا- و لكنّه أراد أنّ اللّه عزّ و جلّ8 رفعه و أعلى منزلته و قرّبه و اختاره و اصطفاه و احبّه،و ضرب فى هذا مثلا،كما يحب الانسان ولده و يصطفيه و
يقرّبه و يودّه و يشفق عليه و يختصّه من بين جميع النّاس؛فأعلمهم أنّ قربه من اللّه عزّ و جلّ و اختصاصه به،كاختصاص الولد بوالده،و أنّ اللّه يحبّه و يودّه و يشفق عليه1،كمحبّة الوالد لولده و إشفاقه عليه و ودّه2 له؛ و أنّه ولىّ اللّه كما قال فى مواضع كثيرة3 من الإنجيل ما يدلّ على ما قلنا.
و قال لحواريّيه4 أنتم أبناء اللّه5،على هذا المعنى،أى أنّ اللّه اختصّهم و اختارهم و أنّه يودّهم6 و يشفق عليهم.
(3)و قال لليهود7 انّهم8 أبناء الشّيطان9،كما هو مكتوب فى الإنجيل،أنّ اليهود قالت له:أنت تشهد لنفسك و ما شهادتك عندنا بصادقة.فأجابهم و قال:كالّذي10 علّمنى أبى،كذلك أنطق و أقول،و إنما أسعى بمرضاته فى كلّ11 حين؛فأما أنتم فانّما تعملون أعمال أبيكم.قالوا له12:لسنا لغير اللّه و إنّما أبونا اللّه الواحد القهّار.قال13 لهم:لو كان اللّه أباكم،لأجبتمونى و أطعتموني لأنّى جئت من عند اللّه؛و إنّما أنتم من أب باغ14 أشر15،و إنّما تريدون العمل بشهوة أبيكم الّذي لم يزل من بدء16 أمره للنّاس قاتلا، و لا يقوى17 على الحق لأنّه ليس فيه شيء من الحقّ لأنّه كذوب و أبو الكذب و منشئه و مبتدعه18؛و من كان من اللّه فانّه يسمع كلام اللّه و يطيع أمره؛و أنتم19 لا تسمعون و لا تصدّقون لأنّكم لستم من أولياء اللّه.
فانظر1 فى هذا الكلام و استدلّ2به على ما قلنا:إنّه إنّما أراد3 أنّه ابن اللّه على ما وصفنا.ألا تراه يقول لليهود:كالذى علّمنى أبى4 كذلك أنطق، و أنتم فانّما تعملون أعمال أبيكم؛و هم يقولون له:لسنا لغير اللّه،و إنّما أبونا اللّه الواحد القهّار؛و لم5 يعنوا أنّه أبوهم من جهة الولادة،و لكن أرادوا أنّهم أولياءه كما وصفنا؟ألا تراه يقول:و أنتم6 من أب باغ7 أشر،و إنّما تريدون العمل بشهوة أبيكم،يعنى به أنّهم أبناء الشّيطان،لا أنّهم8 ولدوا منه،و لكنهم9 أولياؤه؟ألا تراه يقول:لستم من أولياء اللّه،و يقول لأنّه كذوب و أبو الكذب10؛فجعل الشّيطان أبا الكذب؛و قال11:لو كان اللّه أباكم لأجبتمونى؛و قال12:لستم من أولياء اللّه13.فهذا كلّه يدلّ>على<أنّه لمّا قال لهم أبناء اللّه،عنى به أولياء اللّه14.و كذلك15 حين قال إنّه ابن اللّه،أى أنّه ولىّ اللّه.
قال لحواريّيه16 فى الإنجيل:آمنوا بالنّور لتكونوا للّه أبناء.و أيضا فى الإنجيل أنّه ظهر لمريم المجدلانيّة بعد أن خرج من القبر،و قال لها:
لا تقربينى17 فانّى18 لم أصعد إلى عند أبى19،و لكن انطلقى و قولى لاخوتى إنّى صاعد20إلى أبى و أبيكم و إلهى و إلهكم.و يقول أيضا:استعلن21 ابن اللّه لأن يبطل أعمال الشّيطان كلّ من ولد من اللّه لا يكون خاطئا لانّ زرعه فيه ثابت و بهذا يستبين
أبناء اللّه1 من أبناء الشّيطان.و فى موضع آخر:اعلموا أنّ كلّ من يعمل البرّ فانّه مولود من اللّه و انظروا فما أكثر الودّ2 الّذي أعطاناه الأب3 أن ندعى4 أبناء اللّه بأعمالنا،أيّها الأحبّاء نحن الآن أبناء اللّه.و فى موضع آخر:
إذا تصدّقت فلا تعرّفنّ شمالك ما صنعت يمينك لتكون5 صدقتك6 سرّا و أبوك الّذي يعلم سرّك يجزيك علانية،و إذا صلّيت فادخل مخدعك و اغلق بابك و صلّ لأبيك الخفيّ و أبوك المطّلع على سريرتك يجزيك علانية.و فى موضع آخر:أيّها البنون7 لا يكون ودّنا بالكلام و لا باللّسان بل بأعمال البرّ،و الحقّ8 أقول إنما نحن أبناء اللّه إذا نحن وددنا اللّه و عملنا9بوصاياه،و هذا هو الحقّ من ودّ10 اللّه كنتم قبل لستم بشعب اللّه فامّا الآن فشعب11 اللّه.و فى موضع آخر:ستأتى ساعة لا أكلّمكم12بالامثال فأشرح13 لكم مجد الأب14 جهارا.و فى15 موضع آخر:طوبى لعاملى السّلم بأنّهم يدعون أبناء16 اللّه.و فى موضع آخر:قدّموا الخير إلى من يبغضكم و صلّوا على الّذين يطردونكم غضبا لتكونوا أبناء أبيكم الّذي فى السّماء.
و فيه أيضا:إن أنتم غفرتم للنّاس خطاياهم،فانّ أباكم الّذي فى السّماء يغفر لكم و إن أنتم لم تغفروا للنّاس فانّ أباكم لا يغفر جهلكم.و فيه أيضا:يشرق الصّديقون كالشّمس فى ملكوت أبيهم،من17 كانت له أذنان سامعتان فليسمع.و فيه18 أيضا:لا تقطعوا رجاء من سألكم و لا تخيّبوه ليكثر
ثوابكم و أجركم و تكونوا للعلىّ أبناء.و فيه أيضا:لا تدعوا آبائكم1 فى الارض لأنّ أباكم واحد فى السّماء.و فيه أيضا:إن كنتم أيّها الاشرار تعلمون أن تعطوا أبناءكم مواهب صالحة فبكم أحرى2 أبوكم الّذي فى السّماء يعطى القدس الّذي تسألونه.
هذا كله مكتوب3 فى الإنجيل.و من تدبّره و ميّز قوله عرف مراده حين4 يقول5 مرّة:جئت من عند أبى و أنطلق إلى عند أبى.و مرّة يقول لحوارييه:و صلّوا على الّذين يطردونكم غضبا لتكونوا أبناء أبيكم فى السّماء6.و مرّة يقول:لا تدعوا أبا لكم7 فى الارض لانّ أباكم واحد فى السّماء.و يقول:تكونوا للعلىّ أبناء.و يقول:فيكم أحرى8 أبوكم الّذي فى السّماء يعطى القدس الّذي تسألونه9؛فسمّاه أيضا أبا للاشرار10 إذا صلحوا و سألوه القدس.و يقول للحواريّين:أنتم شعب اللّه.و يقول:يستبين أبناء اللّه من أبناء الشّيطان.و>أنه<11إنّما يعنى بهذا كلّه أولياء اللّه و أهل خالصته12 و المطيعين له؛كما سمى المطيعين للشّيطان أبناء13 الشّيطان.و على هذا المعنى،قال:جئت من عند أبى و أبيكم14 و أنطلق إلى عند أبى و أبيكم الّذي فى السّماء.و يدعوهم أيضا لنفسه حيث يقول:يا بنى أنا معكم زمين15 يسير،و ستطلبوننى16 من بعد.إنّما يعنى بقوله يا بنى،يا أوليائى و خلصائى17،و يعنى أنّه18 يودّهم19 و يشفق عليهم كما يشفق الوالد على ولده و يودّه.
فمن تدبّر هذا الكلام،علم أنّ هذه المعانى1 كما ذكرنا.و هذا فى الإنجيل كثير،أنّه سمى نفسه ابن اللّه،و سمّى الحواريّين أبناء اللّه،و كان مراده من ذلك ما ذكرناه،و جعل هذا اللّفظ مثلا2؛ألا3 تراه يقول:ستأتى ساعة لا أكلّمكم4بالأمثال و أشرح لكم مجد الأب جهارا؟
(4)و قد قال فى مواضع كثيرة5 فى الإنجيل انّه ابن البشر و ابن الانسان.قال فى موضع:بحقّ أقول لكم ما جاء ابن6 البشر إلاّ ليحيى ما كان هالكا7.و فى موضع آخر:إنّا نصعد إلى وادى8 شلم و ابن البشر يسلّم إلى عظماء الكهنة فيسحبونه9 للموت.و فى موضع آخر:إنّكم10 لا تكلمون بنى اسرائيل حتى يأتيكم ابن الانسان.و فى موضع آخر:الآن12 ظهر مجد ابن الانسان11 و مدحه و حمد اللّه به13 و على يديه.فهذه14 الالفاظ كلّها تدلّ على ما قلنا حين سمى15 نفسه ابن اللّه و الحواريّين أبناء اللّه و أراد17بهذا كلّه أنّهم أولياء اللّه16 و خلصاؤه؛ و لو18 لم يكن الأمر19 كما قلنا،لوجب على النّصارى أن يدعوا20 الحواريّين كلّهم أبناء اللّه،كما قالت فى المسيح انّه ابن اللّه.و قد بيّن المسيح(ع) فى الإنجيل أنّ الأمر كما ذكرنا؛لأنّه قال فى مواضع21 كثيرة إنّه ابن22 البشر و ابن الانسان،و عرّفهم أنّه لا يريد بقوله ابن اللّه،أنّه من جهة الولادة ابن اللّه-تعالى اللّه عن ذلك23؛و لكنّ النصارى غلطت فى التّأويل و غلطت24 فى القول،
(5)و قد قالت غلاة3 هذه الأمّة فى النّبيّ(ص)و عن4 عليّ كرّم اللّه وجهه5و الأئمّة من بعد هما أعظم من هذا.فانّهم قالوا إنّهم آلهة6-لا إله إلاّ اللّه سبحانه-بل كثير منهم ادّعوا لسلمان7 و غيره مثل ذلك.و هذا باب يطول القول به،و مقالات الغلاة مشهورة فى هذه الأمّة و فى جميع الأمم فى قولهم بالهيّة البشر.-و ليس للملحد حجّة فى طعنه على الأنبياء(ع)و فى عيبه المسلمين بضلالة النّصارى،و ما ابتدعه من جهل معانى كلام الأنبياء فى كلامه-فضلّوا فى القول و افتروا على اللّه و لو أنّ الأمم كلّها اهتدت قاطبة و لم يقم فى كلّ شريعة هؤلاء8 المبتدعون الّذين اختلفوا فى الأهواء و اعتقدوا الرّئاسات و ضلّوا عن طريق الهدى و سواء9 السّبيل و تأوّلوا كلام10 الأنبياء بآرائهم و لم يرجعوا إلى العلماء استنكافا و استكبارا و أضلّوا أتباعهم،لسقط الاختلاف و صفا الأمر و ارتفعت11 المحنة؛و لكنّ اللّه12 امتحن الخلق بالاختلافات،ليطلبوا الائتلاف،و يدعوا التنازع و التفرّق،و يعرفوا معانى كلام13 الرّسل14؛فيقتدوا15بأوليائه الهادين،و يجتنبوا سبيل16 أعدائه الضالين17؛ لأنّ18 الدّنيا19 دار المحنة و محلّ فتنة،ميّز اللّه فيها بين العباد و ابتلاهم بما أراد، «ليجزى الّذين اساؤا بما عملوا و يجزى الّذين احسنوا بالحسنى».
(6)فسبيل النّصارى فى القول بأنّ المسيح ابن اللّه،و سبيل المجوس فى
القول1بالاثنين،و سبيل سائر2 الضّلاّل فى كلّ أمّة3،هو على ما شرحناه؛ و ليس ضلالهم و بدعهم بحجّة للملحد4.فانّ الأنبياء لم يختلفوا فى أصل الدّين، و اتّفقوا كلّهم على أنّ اللّه عزّ و جلّ5 واحد6 لا إله غيره،و لا ضدّ له7 و لا ندّ، و لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا،و لم يشرك فى ملكه و سلطانه و حكمه8 من بريّته أحدا9؛ و دعوا10 إلى عبادته على حسب ما قدمنا القول به.و قد نزّههم اللّه11 أن يقولوا فى اللّه سبحانه12 ما لا يليق بعظمته13 و كبريائه-تعالى اللّه عما يقول الظّالمون علوا كبيرا- و نزّه أنبياءه(ع)و الهادين من أممهم عن الافتراء على اللّه؛فلم14 يختلفوا فى أصول العبادة.كما شرحنا أنّهم أمروا بها و دعوا إليها و وعدوا15 و أوعدوا و حثّوا الأنام على الاجتهاد و على طلب ما عليه المعول و له القصد و عنه يجب16 البحث و النّظر رجاء للثّواب و خشية من العقاب فى يوم المداينة و الجزاء.
(7)و إن لم يكن الامر على ما دعوا إليه،و لم يكن نشور17 و لا بعث و لا جنّة و لا نار على ما ادعاه الملحدون و المعطلون،فانّ النظر فى هذه الأمور و البحث عنها،لا معنى18 و لا محصول له،و الجاهل و العالم و البرّ و الفاجر و الظّالم و العادل فيها سواء؛و اذا،ليس لا تعاب النفس و المشقّة فى البحث عن ذلك و طلبه،معنى؛إذ19 لم يكن فى ذلك نفع و لا جدوى.و نعوذ باللّه أن يكون كذلك؛بل،الأمر كما قال الصّادق جعفر بن محمد(ع)لبعض
الملحدين:إن كان الأمر كما تقولون-و ليس كما تقولون-فقد نجونا و نجوتم؛و إن كان الأمر كما نقول1-و هو كما نقول-فقد نجونا و هلكتم.
و نقول2 إنّ اللّه عزّ و جلّ لم ينشئ3 هذا الخلق لعبا،و لا خلق السّماوات و الأرض و ما بينهما باطلا،و لا بعث النّبيّين عبثا و لا ترك النّاس سدى؛«ذلك ظنّ الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النّار»
(8)و أمّا قول الملحد انّ القرآن يخالف ما عليه اليهود و النّصارى من قتل المسيح(ع)،لانّ اليهود و النّصارى4 يقولون انّ المسيح قتل و صلب،و القرآن ينطق بأنّه لم يقتل و لم يصلب، و أنّ اللّه رفعه إليه،فانّا نقول:إنّ الّذي فى القرآن هو حقّ و صدق، و هو مثل ضربه اللّه،يعرف تأويله أهل العلم من الأمّة.و مع ذلك فقد قال بعض العلماء قولا،ذكروا:«أنّ معنى5 قوله6 عزّ و جلّ:«وَ مٰا قَتَلُوهُ يَقِيناً:بَلْ رَفَعَهُ اللّٰهُ إِلَيْهِ» إنّما عنى أنّهم و إن كانوا ادّعوا أنّهم قتلوه7، فانّه حىّ8،رفعه اللّه إليه،و هو عند اللّه محبور مكرّم مسرور،لأنّه شهيد9؛ و الشّهداء هم10 أحياء عند اللّه،كما وصفهم اللّه به،فقال جلّ ذكره:
«وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ11 أَمْوٰاتٌ بَلْ أَحْيٰاءٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَشْعُرُونَ» و قال فى آية اخرى:«وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ» ،قال:
«فكذلك سبيل1 المسيح(ع)لم يقتلوه2 يقينا أى لم يقتلوه على الحقيقة،لأنّه شهيد رفعه اللّه إليه،و هو حىّ3 عنده،محبور مسرور.»
(9)و مثل4 ذلك فى الإنجيل5 فى بشرى يوحنّا:أنّ المسيح مات بالجسد و هو حىّ بالروح6،فتفكّروا بأنّ الّذي مات بالجسد استراح من الخطايا.
و فى بشرى لوقا:أقول لكم يا أوليائى لا تخافوا الّذين يقتلون الجسد و لا يقدرون على غير ذلك.أخبركم ممّن7 تخافون8 من الّذي يقتل الجسد و هو مسلّط أن يقذفه فى نار جهنّم،أقول لكم يقينا انّى أصير إلى ملكوت السّماء،و هذا جسدى يبذل للموت9 فى سبيلكم،فلذلك فاصنعوا كل ما اجتمعتم لذكرى.و فى بشرى منى:ما سمعتم بآذانكم فنادوا به فوق الطّوايا و لا تخشوا الّذين يقتلون الجسد و لا يقدرون على قتل النّفس و اخشوا من يقدر أن يهلك10 النّفس و يطرح الجسد فى النّار.
(10)فهذا ما فى الإنجيل؛و هو موافق لما فى القرآن فى هذا المعنى.و قد قال المسيح(ع)إنّه يبذل جسده للموت و يصير إلى ملكوت اللّه.و قال:يقتلون الجسد و لا يقدرون11 على قتل النّفس.و قد وافق12 هذا القول ما قال اللّه عزّ و جلّ13 فى القرآن:«وَ مٰا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللّٰهُ إِلَيْهِ.» و قال جلّ ذكره14 فى آية أخرى مخاطبة للمسيح(ع):«إِنِّي مُتَوَفِّيكَ15 وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ» .و قال فى آية أخرى حكاية16 عن المسيح(ع):«وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّٰا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» .فقال:و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم.ثم قال:فلمّا توفّيتنى كنت أنت الرّقيب عليهم و أنت على
(1)قال الملحد:رأينا اعتماد المقلّدين فى اعتقادهم صحّة مذاهبهم على تصديق1 أسلافهم و تعظيم أئمّتهم و كثرة مساعدتهم؛يعنى بذلك أهل الاسلام.ثمّ قال2:إن كان ذلك حقا لهذه العلّة،فكذلك سبيل اليهود و النّصارى3 و المجوس و غيرهم من أهل الملل؛لأنّ4 سبيلهم فى ذلك،سبيل أهل الاسلام.و إن كان من جهة الفهر و الغلبة،فكذلك لهذه5 الملل مثل ذلك؛ كغلبة النّصارى6بروميّة،و اليهود بخزر7،و المجوس فى بعض الجبال و المنانيّة8بالصّين و التّرك و البراهمة9بالهند،كغلبة المسلمين بالعراق و الحجاز و الشّام و خراسان10 و سائر البلدان،فاذا النّصرانيّة حقّ بروميّة و باطل فى سائر البلدان،و كذلك اليهوديّة حقّ بالخزر و باطل فى سائر
البلدان1،و المجوسيّة حقّ أيّام2 الأكاسرة و باطل فى دولة الاسلام.و إن وجب ذلك،وجب أن يكون الشيء حقّا باطلا و هذا خلف؛هذا قول الملحد.
نقول فى جوابه:
(2)لا يجوز أن يكون الشّيء حقّا باطلا3.و لكنّا نقول:إنّ أصل هذه4الملل كلّها حقّ لا مرية فيه لأنّها من رسوم الأنبياء(ع)،رسموها لأممهم و أمروهم بالاقتداء بما فيها و كلّ نبىّ دلّ على النّبي الّذي يجيء بعده، و شهد بصدق من تقدّمه،و أمروا أممهم بالأيمان بمن مضى و التّصديق لمن يجيء بعدهم؛فاختلفت أهواؤهم5،و ابتدعوا البدع،و بغى بعضهم على بعض،و خلطوا بدعهم6بسنن7 الأنبياء(ع)؛و بعث اللّه عزّ و جلّ8النّبيّين فى دهور شتّى و أزمنة مختلفة ليعظوهم9 و يعرفوهم وجه الحقّ من الباطل و سبيل الهدى من الضّلال و يخلّصوا السّنن من البدع؛و امتحن عزّ و جلّ10 عباده بطاعتهم.فكلّ نبىّ جاء،وافق من تقدّمه فى أصل التّوحيد،و دعوا كلّهم إلى عبادة الواحد البارى سبحانه11،و وضعوا للنّاس كتبا بوحى من اللّه عزّ و جلّ12 و من كلامه؛فبقيت قوّة ذلك الوحى و صار طلسما للأمم13 الدّين تمسّكوا بتلك الشّرائع و رسخ ذلك فى قلوبهم لأنّه زرع الأنبياء،و لكن قد14 خلطت فيه البدع كما يختلط العشب بالزّرع؛ مثل ما قال المسيح فى المثل الّذي ضربه فقال:يشبه15 ملكوت16 السّماء رجلا17
زرع فى قريته زرعا صالحا فلما رقد الناس جاء عدوّ له فزرع زوانا بين الحنطة.و قد ذكرنا1 هذا المثل و تفسيره.فهكذا كانوا يخلطون2 البدع بالسّنن3 و كان ذلك بمنزلة الزّوان الّذي زرعه الشّيطان بين الحنطة4.
(3)فكذلك كان سبيل المبتدعين فى كلّ شريعة حبّا منهم5 للرّئاسة6،و تنافسا على أعراض الدّنيا.فدعاهم ذلك الى تكذيب من جاءهم من الأنبياء بعد الأنبياء الّذين7 تقدّموهم و تعلّقوا بالرّسوم الّتي كانت فى أيديهم،و استغووا ضعفاءهم الّذين لم يعرفوا حقائق ما فى الكتب،لأنّ أكثر كلام الأنبياء كان مرموزا كما8 ذكرنا،و عرف حقائقها العلماء الأتقياء من بعد9 الأنبياء فى كلّ أمّة10.فخالفهم الرّؤساء المبتدعون،و بغوا11 عليهم،و تعلّقوا بتلك الرّسوم التى خلطوها ببدعهم و زادوا فيها و نقصوا؛كما ذكر اللّه عزّ و جلّ12ذلك فى القرآن،فقال:«وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً13 يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتٰابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتٰابِ14 وَ مٰا هُوَ مِنَ الْكِتٰابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ15 وَ مٰا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ.» و ظواهر رسوم الأنبياء الّتي هى فى أيدى16 الأمم، هى حقّ،و البدع التى خلطها بها المبتدعون هى باطل17.و المتمسّكون بتلك الرّسوم،معهم حقّ قد خلط بباطل.فعلى هذا،النّصرانيّة بروميّة و اليهوديّة بالخزر و المجوسيّة فى بعض الجبال-و سبيلها كما قلنا فى
كل بلد1 و فى كل دهر و زمان-معهم حقّ قد خلط بباطل.و مثال ذلك،مثال إنسان معه صرّة مسك قد خلط به أضعافه مما يشاكل جرمه جرم المسك مثل الزّعفران2 و لبّ الفستق المحرّق و غير ذلك ممّا يغشّ به المسك،و ينفق كلّه بريح المسك؛و مثل الذّهب و الفضّة و ما يختلط بهما من الأجسام3المذابة،فينفق مع الذهب و الفضّة النّقيّة.
(4)و البدع التى خلطت4بتلك الرّسوم،مثال ما ذكرنا من الغشوش.و قد ذكر5 حزقيال6 النّبي فى كتابه مثل7 ذلك و قال:أوحى8 الرّبّ إلى و قال:
يا أيّها9 الانسان قد صار بنو إسرائيل كلّهم عندى مرذلين كالنّحاس و الرّصاص و مثال الحديد و الأسرب المختلطة بالفضّة فى الكوز،ها أنا ذا جامعكم إلى اورشليم كما تجمع الفضّة و الحديد10 و النحّاس و الرّصاص و الأسرب فى الكوز،كذلك تذوبون و تعلمون أنّى أنا الرّبّ الّذي أنزلت بكم غضبى.
(5)فهكذا سبيل الشّرائع كلّها،هى حقّ قد خلط11بباطل12.و بقى أهل تلك الشّرائع المستولية على تلك الرّسوم:و ضلّوا عن سبيل الهدى13، و لا يحسنون أن يميّزوا الحقّ من الباطل.و لو لا ما فى تلك الرّسوم من قوّة الوحى الّذي هو كلام اللّه14 كالتّوراة و الإنجيل و سائر الكتب المنزّلة، لنفقت15 البدع و لما بقى رسم الشّرائع فى16 العالم؛و لكنّ تلك القوّة قد
امسكت عليهم الرّسوم،و جذبت قلوب البشر إلى تلك الشّرائع؛و بتلك القوّة،صارت لهم الغلبة و القهر فى هذه الممالك؛و لكنّه حقّ ممتزج بباطل.و بهذا1 شهدت الأمم المتأخّرة للامم المتقدّمة،كشهادة النّصارى2:أنّ التّوراة حقّ،و ما أبدعه3 اليهود باطل؛و كشهادة أهل الاسلام:أنّ التّوراة و الإنجيل حقّ،و ما أبدعه اليهود و النّصارى4باطل؛ و المتمسّكون بذلك جاهلون ضالّون؛لتركهم أمر الأنبياء الّذين جاءوا بعد من تقدّمهم،و دعوا5 الأمم إلى6 أن يميّزوا لهم الحقّ من الباطل،و يعرفوهم7 سبيل8 الهدى؛كما هو مكتوب فى الإنجيل:أنّ يوحنّا الصابغ9، قال:أنا أصبغكم بالماء،فأمّا الّذي يجيء بعدى يصيغكم10بروح القدس و بالنّار،الّذي11بيده المدرى12،ينقّى13بيادره و يحرز الحنطة فى أهرائه14.
(6)و لو لا أنّ أصل15 هذه الكتب حقّ،و هى منزّلة من اللّه عزّ و جلّ16 إلى أنبيائه(ع)لما أقرّ محمد(ص)أحدا من أهل الذّمة17 عليها،بل كان يستنّ فيهم بسنّة العرب الّذين كانوا عبدة الأصنام.فانّه حملهم على خطبين؛إمّا قبول ما اتى به،و إمّا18 القتل19؛و لم يقبل منهم الجزية كما قبلها من أهل الذّمة20؛لأنّه21 وجدهم عاكفين على الأصنام الّتي ابتدعوها و ادّعوا أنّهم22على ملّة إبراهيم(ع)و بعث23 اللّه محمدا24باحياء ملّة إبراهيم،فقطع25 رسوم
المبتدعين فى تلك الملة،إذ كان اللّه عزّ و جلّ1 أرسله بتجديدها،فقال:
«مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هٰذٰا» .
و نقى الملّة من البدع،و جدّد ما كان من رسوم إبراهيم(ع)مثل حجّ البيت و الختان2 و سائر ذلك ممّا كانت عليه العرب من بقايا سنن إبراهيم، و اقرّ اليهود و النّصارى على مللهم3،لتبقى رسوم الأنبياء،و تكون عبرة للحكماء و العلماء فى هذه الملّة،و حجّة للّه4 على النّاس أجمعين و ألزمهم الجزية و الذّلة لمّا امتنعوا من قبول ما جاء به،و من إجابتهم فى إقامة طاعته فيما دعاهم إليه من أن يخلّص لهم الحقّ الّذي معهم من الباطل الّذي خلطوه به.و لو لا أنّه(ص)أراد أن يعرّف النّاس أنّ الّذي معهم من الكتب المنزلة هو حق لما أقرّهم على ذلك؛فانّ شوكتهم كانت أهون من شوكة العرب،و لو شاء لأبادهم و قطع رسومهم كما فعل بالعرب؛ فكان لا يبقى فى دار الاسلام شيء من رسوم أهل الذّمّة،إذ كان الاسلام قد غلب جميع الأمم.
(7)و لما فتحت بلاد العجم،أراد عمر بن الخطاب أن يقتل المجوس و أن لا يقبل منهم الجزية.فقال عليّ(ع)انّه كان لهم نبىّ و كتاب،فيجب أن تستنّ5 فيهم بسنّة6 أهل الكتاب؛فأقرّهم حينئذ على ملّتهم.و لو لا أنّ معهم رسم من رسوم الأنبياء(ع)و إن7 كانوا قد خلطوه بالبدع،لما كان يوجد8فى مملكة الاسلام مجوسى.
(8)فالملل9 كلّها سبيلها على ما ذكرنا،هى حقّ،و هى رسوم الأنبياء، لكن قد10 خلط بها الباطل؛و مثالها ما11 قد ذكرناه فى باب المسك و الذّهب
و الفضّة؛فهى فى جميع المواضع و فى كل دهر و زمان،حقّ قد خلط به1 الباطل؛و ليس الأمر كما ذكر الملحد:أنّه كان الأمر بالغلبة و القهر، فاليهوديّة2 حقّ بالخزر،و النّصرانيّة حقّ بروميّة،و هما باطل فى غيرهما من المواضع،و كذلك المجوسية حقّ أيّام الأكاسرة و باطل فى دولة الاسلام،و أنّه إن وجب ذلك،وجب أن يكون الشّيء حقا باطلا،و هذا خلف.هكذا قال الملحد.و ليست له فى هذا حجّة،لانّ سبيل الملل كما ذكرنا أنّها حقّ3 قد خلط به4 الباطل فى كلّ بلد و فى كلّ وقت و زمان، و ليست بحقّ فى بلد و فى وقت و باطل فى بلد و فى وقت،فيكون الحقّ باطلا و يكون خلفا.و نذكر ما يجب فى باب الغلبة و القهر بعد هذا فى موضعه،و لنشبع القول فيه إن شاء اللّه تعالى.
(1)قال الملحد:أخبرونا1،من وجد إلى أمر2 طريقين،فسلك الأطول منهما و الأوعر؛و هل يكون مريدا للأفضل و الأصلح من يجد إلى تعريف شيء من وجهين سبيلا،فيعرفه3 من أعسر هما و أبعدهما و أكثر هما ريبا و شكوكا و جلبا لسوء4 العواقب5،و يدع ما خالف6 هذه الوجوه؟فان قلتم:لا،قلنا:فهلاّ7 ألهم اللّه عباده8 معرفة منافعهم و مضارّهم فى عاجلهم و آجلهم و ترك الاحتجاج ببعضهم على بعض،فانّا نرى ذلك قد أهلك كثيرا9 من النّاس و أدخل عليهم أعظم البلاء فى عاجلهم بالعيان10 و فى آجلهم؛أمّا فى عاجلهم فلتصديق كلّ أمّة إمامها،و ضرب بعضهم وجوه بعض بالسّيف و اجتهادهم فى ذلك.و قال:لو لا ما انعقد بين النّاس
بأسباب الدّيانات،لسقطت1 المجاذبات و المحاربات2 و البلايا3؛ لأنّ4 المنازعات تقع إمّا لعاجل و إمّا لآجل،و أورد كلاما طويلا فى هذا الباب،و لكن5 هذه جملته.
(2)و قال أيضا:إن قلتم إنّ المجاذبات و المحاربات، من أجل6 إيثارهم أعراض الدّنيا،قلنا لكم:هل رأيتم أحدا7آثر القليل على الكثير8 إلاّ لشكّ منه9 فى نيل10 الكثير؟فان قلتم:
نعم،كابرتم11؛و إن قلتم:لا،فكذلك المؤثر لاعراض الدّنيا و شهواتها على الأمور الجليلة و الثّواب العظيم الّذي عجز الواصفون عنه،ليس ذلك إلاّ لشكّ منه12 فى نيل ذلك الكثير العظيم الدّائم13 الّذي يعجز الواصفون14 عنه؛كما نرى15الرّجل يؤثر المائة دينار16 على الألف إذا خاف18 فوت المائة و الألف؛ فاذا كان مستيقنا أنّه يصل إلى الألف17،مع ترك المائة،فانّه لا يرى أخذ المائة.قال:و كذلك لو أنّ النّاس أخلصوا اليقين بقول أئمّتهم19 فيما و عدوهم من الثّواب الجزيل،لما آثروا القليل من عاجلهم على الكثير من آجلهم.قال:و فيما20 جعل بعض الخلق أئمّة لبعض؟هو إشلاء21بعضهم على بعض و كثرة22 الهرج
و الفساد و التّهالك؛و ليس يجوز هذا فى حكمة الحكيم،بل الأفضل و الأعمّ للنّفع أن يلهم النّاس معرفة منافعهم و مضارّهم، و يركّب1 ذلك فى طباعهم2 كما ركّبه3 فى طباع البهائم؛فانّا نرى البهائم بطباعهم4 و بضروب من الرّوائح تعرف كثيرا من الأشياء التى لا توافقها.فهلاّ جعل النّاس كذلك،إذ كان ذلك فى طباعهم ممكنا؟فانّ ذلك أعم نفعا و أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمّة لبعض.
هذا قول الملحد،و حذفت الكثير5 منه تركا للتّطويل،و ذكرت النّكت منه.و إنّما أراد بقوله:جعل بعضهم أئمّة لبعض،أنّه اختار منهم أنبياء و رسلا،فجعلهم أئمّة لهم.و قد تقدّم القول منّا فيما ذكرنا أنّه جرى بيننا و بينه؛و فيما أجبناه مقنع لمن أنصف إن شاء اللّه6 و لكنّا نعيده،و نشبع القول به، اذ كان رسمه فى كتابه
فنقول7 فى جوابه:
(3)إنّ الأفضل و الأصلح و الأشبه بحكمة الحكيم،أن يقصد لأيسر8 الأمرين و يأتى من أقرب الطّريقين و يترك الأوعر9 و الأبعد.و قد وجدنا ما اختاره اللّه عزّ و جلّ لخلقه بأن10بعث فيهم أنبياء و رسلا و جعل بعضهم أئمّة لبعض، هو أشبه بحكمته و رحمته و أحوط لعباده و أعمّ نفعا،و هو أيسر الأمرين و
أقرب الطّريقين من أن يكلفهم النّظر فى أمور1 دنياهم،و أن يهملهم2 فى أمور أخراهم،فيكونوا كالسّوائم3 المهملة التى قد طبعت على4 منافعها و مضارها، فعرفت ذلك بضروب من الرّوائح و بطباعها،و ميّزت ذلك،و أهملت فى أمر معادها،فلا ثواب عليها و لا عقاب،على حسب ما5 اختاره6 الملحد لنفسه و أشباهه؛و أنه7 لو جعل مثل8 البهيمة على هذه الشّريطة،لكان خير أله.و لعمرى، إنّهم9 لو كانوا كالبهائم فى صورها و طباعها،لسقط عنهم الثواب و العقاب، و لكان ذلك خيرا لهم من أن كانوا فى دنياهم فى صور البشر و فى معرفة البهائم؛فألحدوا10 فى دين اللّه،و هم يردون فى أخراهم إلى العذاب الأليم.
(4)فأمّا أهل الدّيانة،فما اختاره11 اللّه لهم من طاعة الأنبياء و الرّسل التى قامت بها سياستهم فى أولاهم،ثم جازاهم على ذلك بالثّواب الجزيل فى أخراهم،هو خير لهم و أعمّ نفعا من أن يكون سبيلهم سبيل البهائم.و بعد،فلو اختار اللّه لهم ما ذكره الملحد لقلنا:إنّ الّذي اختاره اللّه لهم،هو خير لهم.و لكنّا نجدهم محتاجين إلى الأئمّة و المعلمين فى جميع أسباب الدّين و الدّنيا،و لا نجدهم قد ألهموا ذلك طبعا،و لا يستغنون عن معلّمين فى كلّ صناعة.و لو أنّ أحدهم تكلّف شيئا من الصّناعات من غير تعليم من معلّم قد راضه و علّمه حتى مهر به،ثم خاض12 فيه بتكلّفه،لأفسد عمله،و لا يلتام له شيء ممّا يحاوله.هذا13 فى الأمور الدّنياويّة،فكيف من ينظر فى أمور الدّين و ما يحتاج إليه من دقيق العلم و جليله؟و كذلك فى سائر العلوم الدّنياويّة الدّقيقة مثل النّجوم و الهندسة و معرفة الطّبائع و غير
ذلك،لا يستغنى النّاظر فيها عن معلّم يوقفه1 على تلك الأصول.
(5)فترى الصّانع الحكيم الرّحيم بخلقه23،قد اختار لهم أن يبعث4 فيهم أنبياء،فعلّموهم هذه الأسباب بوحى من اللّه عزّ و جلّ؛ثمّ أخذها الآخر عن الأوّل بتعليم.و لم يكلّفوا أن ينظروا فى5 ذلك بطباعهم؛و هذا ما نشاهده و نعاينه6.و لو كلّفوا ذلك كذلك،لكلّفوا عسيرا7،لتفاوت طبقات النّاس فى العقول و الأفهام و التّمييز و المعرفة؛لأنّ النّاس لم يخلقوا متساوين فى الطّبائع،كما خلقت البهائم الّتي لا تتفاضل فى معرفة ما تحتاج8 إليه،و لأنّ كلّ طبقة من الحيوان،قد استوت فى طباعها،من معرفة ما كلّفت من طلب الغذاء و التّناسل،فلا تفاوت فيها؛كما ذكرنا من تفاوت طبقات النّاس فى العقول و الأفهام.و هكذا نرى>التّفاوت<فى جبلّة البشر و فى جبلّة الحيوان.و لو9 خلقهم الحكيم جلّ ذكره10 متساوين على خلقة البهائم،لقلنا، ما اختاره اللّه لهم،و هو11 خير لهم.و لكنّه عزّ و جلّ12 أعدل و أحكم و أرحم من13 أن يسوى14بين البشر و البهائم و هو سبحانه أحسن الخالقين.
(1)و أمّا قوله2:لو لا3 ما انعقد بين النّاس باسباب الدّيانات،لسقطت4المجاذبات و المحاربات،من أجل إيثارهم أعراض الدّنيا؛و أنّهم إنّما آثروا القليل من عرض الدّنيا على الثّواب الجزيل فى الأخرى،لأنّهم شكّوا فى نيل الكثير و الجزاء العظيم؛و ضرب المثل بالألف دينار و المائة كما5 حكينا.
نقول6 فى جوابه:
(2)إنّا قد نجد أكثر المجاذبات و المحاربات فى أمور الدّنيا،لا فى أمور الدّين؛لأنّا نرى7 الحروب بين أهل الملل8بعضهم فى إثر بعض،أكثر من محاربتهم لمخالفيهم9،تنازعا فى الدّنيا و تنافسا عليها؛كما نشاهده فى دار الاسلام من المنازعات على الممالك و الأمصار.و هكذا سبيل سائر أهل الملل10 فى بلادهم11؛و ليس ذلك من جهة12 أنّ أهل الاسلام شكّوا فى الاسلام،
و أنكروا ما جاء به محمّد(ص)بل،اتّفقوا على الاقرار به و التّمسك بشرائعه و إقامتها.و كذلك سائر أهل الملل المتنازعين بينهم لم يشكّوا فى مللهم و لم يتنازعوا فيها،و لكنهم آثروا الدّنيا على الدّين،و هم موقنون بالثواب و العقاب اللّذين1 وعدوا و أوعدوا بهما2؛فاختار و اعرض الدّنيا على الآخرة، إلاّ القليل من النّاس.و نرى كثيرا منهم يقتلون الأنفس و يأخذون الأموال و يرتكبون المحارم و يأتون الحدود،و قد عرفوا ما يحرم3 عليهم من ذلك،و آمنوا بالعقاب على4 ما يرتكبونه فى أخراهم،و لا يرتابون فيما5 أوعدوا من العذاب الأليم،و لا يشكّون فيما وعدوا6 من الثواب العظيم على اجتناب هذه الحدود و القصد لأعمال7 الخير،و قد أيقنوا بذلك و يعتقدونه فى دينهم؛و لكن الشّهوة الغريزيّة تحملهم8 على ذلك و تغلب9 عقولهم،حتى يختاروا الأخسّ10 على الأفضل،و ذلك على يقين و بصيرة.و هذا أشهر من أن يحتاج فيه إلى شاهد و دليل.و من دفع هذا فقد ردّ العيان و كابر.
(3)فان شغب مشغب و عاند11 و دفع12 العيان،قلنا:فهل تشكّ13 فيما يلحق أهل العبث14 و الفساد فى هذه الدّنيا من القتل و الصّلب و قطع الأيدى و الأرجل و الحبس و الضّرب و غير ذلك15 ممّا يلحقهم على ما يرتكبونه،و هم يشاهدون16ذلك و يعاينونه17 و لا يرتدعون؟فهل يقدر18 على دفع هذا أحد،و هل يردّه إلاّ مجنون؟!و لو19 لا ما سنّه الأنبياء(ع)فى كلّ أمّة،بأن20 أقاموا فيهم أئمّة
يأخذون على أيدى سفهائهم،يعلّمون جاهلهم و يحامون1 على ضعفائهم و يقمعون أهل العبث2 و الفساد و يقيمون فيهم الحدود من القصاص و القود و غير ذلك،كما سنّه محمّد(ص)،لتهارج النّاس،و فسد أمر3 العالم و لما كان يسالم4بعضهم بعضا كما يجرى عليه أمر أصناف الحيوان من المسالمة؛فانّها لا يعدو بعضها على بعض فى أجناسها؛إلا ما يعدو بعض الأجناس على بعض و يصيدها5 للغذاء6 و طلب الرّزق.و لكنّ النّاس قد طبعوا على الحرص و التّنافس على أعراض الدّنيا و الجمع و الادّخار و ما ركّب فيهم من حبّ الشّهوات من النّساء7 و البنين و القناطير المقنطرة من الذّهب و الفضّة و الخيل المسوّمة و الأنعام و الحرث و سائر ذلك من متاع الدّنيا؛و ليس سبيل أصناف الحيوان هكذا.كما نرى أنّ إنسانا لو جمع ما يعلم أنّه يكفيه ألف سنة و زيادة،لما انتهى عن الجمع و الزّيادة فيه و الحرص عليه؛و كل أصناف الحيوان تطلب8 غداءها9 مقدار ما يشبعها10،و ليس سبيلها سبيل البشر.
(4)فلذلك اختار اللّه عزّ و جلّ11 للنّاس أئمّة يسوسونهم و يقوّمونهم، ليستقيم12 أمر العالم،و يكون فيه صلاح النّاس دينا و دنيا فيحيى الأنام و لا يهلكوا13،كما قال اللّه تعالى:«وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ14...» بما شرعه الأنبياء للنّاس و سنّوه و حملوهم عليه و أقاموا فيهم الحدود و الأحكام.
و النّاس و إن كانوا يتنافسون فى أمور الدّنيا فانّ كلّ متغلّب لا يقدر
على التّغلّب حتّى يكون مرجعه إلى الدّين و يقهر النّاس على ذلك الأصل و بتلك الرّيح؛كما نرى،لو أنّ يهوديا أو نصرانيّا أو من كان من أىّ1 ملّة غير ملّة الاسلام،إن أراد أن يتغلّب فى دار الاسلام،لما أطاق ذلك و لا قدر عليه.و هم مع إيثارهم أعراض الدّنيا على الآخرة،غير شاكّين فى أمر الملّة حسب ما قد شرحناه.و كذلك2 السّبيل فى سائر الملل،لا يقدر3 أحد أن يرأسهم4 حتّى يكون من أهل ملّتهم فى البلدان التى5 تغلّبوا عليها.
(5)و ما قال الملحد:إنّهم آثروا الدّنيا على الدّين،لانهم شكّوا فى أمر الدّين،فهو من أمحل المحال،و هو ردّ للعيان6؛لأنّ المتجاذبين فى أمر الدّنيا و المتنافسين فيها،مرجعهم إلى الدّنيا؛و يجتمعون على كل متغلّب بريح الدّيانة فى كلّ ملّة على ما ذكرنا7؛كما نرى من اقتداء هذه الأمّة بمن هو أولى بالخلافة،و تفويضهم أمر الخلافة إليه.و كذلك من يرى الخلافة فى قريش،يجعلونها فيمن هو مقدّم عندهم فى الدّين.و هكذا سبيل اليهود فى اقتدائهم بآل داود؛و كذلك سبيل كلّ أمّة،و إن كان الأمر مختلطا عليهم من غلبة الأهواء9،فأصلهم على ما قلنا.و كذلك الملوك فى كلّ أمّة8، ملكوا10 النّاس بريح الدّيانة،ثم قويت أسبابهم بالتّغلّب،و مع ذلك فانّهم حملوا النّاس على أحكام الدّين فى كلّ أمّة حتى انتظم أمرهم11،و استتبّ12أمر العالم بريح الدّين إلى الوقت المعلوم.
(6)و كذلك قول الملحد:إنّه لو لا ما انعقد بين النّاس بأسباب الدّيانات،
لسقطت المجاذبات و المحاربات،هو أمحل من الأوّل؛لأنّ المجاذبات و المحاربات كما قلنا،هى فى أمور الدّنيا أكثر و أعمّ،و لو لا الدّين و شرائع الأنبياء الّتي قام بها أمر العالم و انتظم،لتفانى1 النّاس،و لما قامت فى الأرض سياسة.فبأحكام الأنبياء(ع)قد استقام أمر العالم؛و هذا واضح2لا خفاء به،و الحمد للّه3.
(1)قال2 الملحد فى باب المعجزات قولا كثيرا،و جعله سؤالا و جوابا، و ضعّف فيه حجج من ادّعى المعجزات للانبياء3(ع)و احتجّ بكلام واه4؛ نتركه5،و نختصر6 النّكت التى ادّعاها،و نذكر بعض دلائل محمّد(ص)و معجزاته التى ليس فى وسع البشر أن يأتوا بمثلها إلاّ بتأييد من اللّه عزّ و جلّ؛ و هى على وجوه كثيرة،فنذكر من كلّ وجه شيئا بالاختصار7 دون ذكر الجميع؛لأنّنا8 إن9 ذكرناها10بأسرها،ذهب الكتاب بقنّها11،و طال القول بها؛ لأنّها كثيرة جدا.و قد اتّفقت عليها الأمّة،و شاهدها المؤمن و الكافر،و أخذها الخلف عن السّلف.و ليس قول الملحد بحجّة حين زعم أن أعلام محمّد(ص) نقلها واحد و اثنان و ثلاثة،و يجوز عليهم التّواطؤ12؛لأنّ أكثرها ما قد شاهدها عدد كثير من المسلمين و الكافرين و لا يجوز عليهم13 التّواطؤ؛و
اكثرها برهانها واضح،و شاهدها عدل قائم،لا مدفع له.و لكنا لا نحتج عليه بما يقدر1 الملحدون على دفعه و إنكاره،و إنما نذكرها ليكون لها فى الكتاب رسم،فانّ النّاظر فى كتابنا هذا،لا يخلو من أن يكون موافقا أو مخالفا؛فأمّا الموافق،فانّ اللّه عزّ و جلّ يزيده2بذلك إيمانا و تصديقا؛و لعلّ بعض المخالفين يوفّقه اللّه3 للرّشد و الهداية.ثم نكشف بعد ذكرها عمّا4 فى القرآن العظيم من المعجزة5 الكبيرة الّتي هى حجّة أكيدة على الملحدين و برهان واضح منير6 لا يقدر على دفعه إلاّ مباهت مكابر؛لأنّه علم قائم فى العالم،و ليست سبيله،سبيل الدّلائل و المعجزات الّتي قد سلفت،و يقدر7الملحدون أن ينكروها؛و يدّعون أنه يجوز عليها التّواطؤ،و أنهم لم يشاهدوها و لا يقبلون دعاوينا فيها إلاّ ببراهين حاضرة؛كما قال الملحد فى كتابه،و كما ادّعى أنّ مثل هذه الأسباب قد كانت ممّن لم يدّع8 النّبوّة؛ ثم ذكر عمل9 أصحاب الخفّة و الشّعبدة10 كالرّقص على الأرسان،و الدّوران على الأسنّة12 فوق الرّماح و كلام القافية و الكهان11 و سحر السّحرة و غير ذلك ممّا ادّعاه و عارض به من يدّعى المعجزات للانبياء(ع).
(2)ثم13 قال:إنّكم تدّعون أنّ المعجزة14 قائمة15 موجودة و هى القرآن،و تقولون16 من أنكر ذلك فليأت بمثله.و قال:نحن نأتيكم بألف مثله.و سوف نشرح ما فى القرآن من المعجز العظيم حتّى يعلم الملحدون أنّه لا يقدر
أهل الأرض أن يأتوا بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا،و باللّه الحول و القوّة.
نقول:
(3)إن دلائل محمّد(ص)و معجزاته كثيرة،و هى على وجوه:فمنها ما يقال لها دلائل و منها ما يقال لها معجزات.فأمّا المعجزات فانّها تسمّى معجزات، و تسمّى1 دلائل؛لأنّها أسباب يأتى بها الأنبياء(ع)و يعجز غيرهم أن يأتوا بمثلها؛فلذلك يقال2 إنّها معجزات.و تكون دالّة على صدق.دعواهم فى نبوّاتهم؛فلذلك يقال لها دلائل.و منها أسباب يقال لها دلالات3،و لا يقال لها معجزات؛لأنّها أسباب لا يأتى بها النّبيّ بنفسه،بل تكون4 من غيره،و تدل على نبوّته؛كقول نبىّ يشهد لمن يجيء بعده و يدل عليه،مثل الّذي هو فى التّوراة و الإنجيل و سائر الكتب من5 الدّلائل على نبوّة محمّد(ص)، و مثل أشياء حدثت6 فى العالم كما حدث أيّام كسرى من ارتجاس7 الايوان و غير ذلك؛فسأل عنه الكهنة8،فتكلّموا فيه بما يكون من بعد،و دلّوا على ظهور محمّد(ص)بالنّبوّة.و كذلك ما جاء عن سائر الكهان من سجعهم بنبوّته9،مثل كلام البهائم و السّباع و غير ذلك و نطقهم بنبوّته10،و آيات كانت فى العالم11 نحو ذلك.فهذه يقال لها دلائل و لا يقال لها معجزات،لأنّها كانت من غيره فيه،لم يأت هو بها بنفسه.فكلّ هذه يقال لها أعلام و يقال لها آيات؛لأنّها علامات و شواهد تدلّ عليه؛و هذه الوجوه كلّها من الآيات
(1)فى1 التّوراة أنّ اللّه عزّ و جلّ2 قال لبنى إسرائيل:إنّى أقيم نبيّا من إخوتكم3أجعل كلامى على فمه.فاخوة بنى إسرائيل،هم4بنو إسماعيل.و النّبيّ الّذي قام فى بنى إسماعيل5،هو محمّد(ص).و فى التّوراة أيضا:جاء اللّه من سيناء و أشرق6 من ساعير7 و أضاء من جبال فاران8.فمجيء اللّه من سيناء هو مجيء موسى(ع)،لأن اللّه أعطاه الألواح بطور سيناء؛و إشراقه من ساعير، هو9 خروج المسيح(ع)،لأنّه كان من ساعير،من أرض الجليل من قرية يقال لها ناصرة؛و إضاءته10 من جبال فاران،هى ظهور محمّد(ص)من مكّة، لأنّ11 فاران هو مكّة؛و فى التّوراة:أنّ إسماعيل كان يتعلّم الرّمى12 فى برّية فاران،و هذا ما لا مرية13 فيه أن إسماعيل نشأ بمكّة و فيها تعلّم الرّمى.
(2)و فى الإنجيل،قال المسيح:إنّى ذاهب و سيأتيكم« البارقليط»1روح الحق الّذي لا يتكلّم من قبل نفسه،و يعلّمكم2 كلّ شيء و هو يشهد لي كما شهدت له و هو يرسل باسمى.قوله يرسل باسمى3 أى يكون صاحب شريعة مثله.و لم يخرج بعده5 صاحب شريعة4 مثله إلى محمّد،و هو شهد له6 كما شهد محمّد له.و فى الزّبور فى صفة محمّد(ص):أنّه ينقذ الضّعيف الّذي لا ناصر له،و يرأف بالمساكين و يصلّى عليه فى كلّ وقت7 و يبارك عليه فى كلّ يوم و يدوم ذكره إلى الأبد و يحوز8 ملكه من البحر إلى البحر.فهذا ما لا مرية فيه أنّه صفة محمّد(ص)،لأن شريعته9 متّصلة10بالقيامة لا تنسخ11، و لا نبىّ بعده،فهو الّذي ذكره12 يدوم13 إلى الأبد و هو الّذي يصلّى عليه و يبارك فى كلّ يوم14 و فى كلّ وقت.و فى كتاب أشعياء:قال لى الرّب أقم نظارا ليخبر بما يرى،فكان الّذي رأى صاحب المنظرة،قال:قد أقبل راكبان أحدهما على حمار و الآخر على جمل،فبينا أنا كذلك إذا قبل أحد الرّاكبين15و هو يقول:هوت هوت بابل و نكست16 جميع آلهتها17 النّخرة على الأرض.
فهذا الّذي سمعت من الرّبّ إله إسرائيل18 العزيز،قد نبأتكم به.يعنى براكب الحمار المسيح(ع)لأنّه دخل اورشليم و هو راكب حمارا؛و يعنى براكب19الجمل محمّدا(ص)،لأنّه دخل20 المدينة و هو راكب الجمل،و على يديه فتحت
بابل و كسّرت أصنامها.و فى كتاب إشعياء أيضا:عبدى الّذي سرّت به نفسى أحمد المحمود بحمد اللّه حمدا حديثا تفرح1به البريّة و سكّانها؛ فهذا إفصاح باسمه،و البريّة يعنى البادية،لأنّها مسكن العرب و بها أرض الحجاز و منها2 خرج محمّد(ص).و فى كتاب إشعياء أيضا:لتفرح الأرض البادية،و لتبتهج البرارى و الفلوات و ليخرج نور3 كنور الشّنبليد4 و تستنير و تزهو مثل الوعاء5،لأنها ستعطى بأحمد محاسن الشأن6.و فى كتاب إشعياء أيضا:ولد لنا مولود و وهب لنا ابن على كتفيه علامة النّبوّة.و لم7 يكن أحد من الأنبياء على كتفيه علامة النّبوّة8 غير محمّد(ص).و فى كتاب حيقوق:
لقد انكشفت السّماء من بهاء محمّد و امتلأت الأرض من حمده9.هذا، مع كلام كثير مثله يذكره فى كتابه10.
(3)و فى كتاب دانيال رؤياه الّتي رآها و عبّرها11،و ذكر تفسيرها،و قال فيها:رأيت عتيق الأيّام12 قد جلس و بين يديه ألف ألف خدّام يخدمونه و كتّاب لا تحصى و ذكر أشياء كثيرة قد جرى ذكرها فى صدر كتابنا هذا و قال فيها13:رأيت على سحاب السّماء كهيئة إنسان فانتهى إلى عتيق الأيّام و قدّموه بين يديه فخوّلوه الملك و السّلطان و الكرامة و أن تتعبّد له جميع الشّعوب و الأمم و اللّغات،سلطانه14 دائم إلى15 الأبد و ملكه لا يتغيّر إلى الأبد16.و قد ذكرنا رؤياه هذه و تفسيرها،و يغنى ذلك17 عن إعادة ذكره.و فى كتابه أيضا
فى تعبير الرّؤيا التى رآها الملك،فى آخر كلامه:فيفتح إلى السّماء فى تلك الأيّام ملكا دائما لا يتغيّر و لا يزول،و لا يذر1 لغيره من الأمم مملكة و لا سلطانا،بل يدقّ و يبيد الممالك كلّها،و يقوم هو2 إلى دهر الدّاهرين.
هذا فى تعبير الحجر الّذي دق3 ذلك الصّنم من الحديد و النّحاس و الخزف الّذي4 رآه الملك فى رؤياه؛و هو مشهور فى كتاب دانيال و فى حديثه الّذي فى أيدى العامّة.و فى كتاب إرميا:جعلتك5 نبيّا للامم لتنسف6 و تهدم و تبير7و تسحق و تبنى و تغرس.و فى كتاب هوشع:أنا الرّبّ الاله الّذي ارعاك فى البدو فى أرض8 خراب قفر.فليس نبيّ خرج فى أرض قفر الاّ محمّد(ص)؛ لأنّه خرج فى البادية.
فهذه دلائله صلّى اللّه عليه و آله،فى كتب الأنبياء(ع)و أهل الكتاب يقرءونها9،و لا ينكرون ما10 قد ذكرنا11 منها؛لأنّها مكتوبة فى هذه الكتب؛و لكن قد غلب عليهم12 الهوى13 و رموا14بالخذلان و العمى،ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا.
و فيها من هذا النّحو دلائل كثيرة،تركنا الأكثر منها15 لشرط الاختصار16 الّذي قدّمنا،أنا نذكر من كلّ فنّ شيئا دون الجميع.و هذا ما لا يجوز عليه التّواطؤ،و ليس هو ممّا نقلة رجل17 أو رجلان أو ثلاثة،كما ادّعاه الملحد؛ لأنّها نبوّات من الأنبياء،و كانوا فى دهور متباينة قبل محمّد(ص)بزمن طويل.
(1)و وجه آخر من دلالاته و أعلامه،أمور حدثت فى العالم،دلّت على نبوّته،مثل:حديث كسرى و إيوانه و سطيح الكاهن.فانّه لمّا كان فى اللّيلة التى ولد فيها رسول اللّه(ص)ارتجس إيوان كسرى و سقطت منه أربع عشرة شرفة،فاهتمّ لذلك كسرى،و جمع وزراءه و موابذته،و سألهم عن الحال فيه.فقال له الموبذان الأكبر:أنا رأيت فى هذه اللّيلة فى منامى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا،قد قطعت دجلة،دخلت من بلاد العرب،فرعت فى بلاد العجم.و ما لبث إلا قليلا حتّى أتاه كتاب من عامله بفارس:أن نار فارس طفئت فى تلك اللّيلة و لم تطفأ قبل ذلك بألف عام.فهّمه ذلك، و استقصى فى البحث عنه.فقالوا:حادثة تكون فى بلاد العرب!فكتب إلى النّعمان بن المنذر ليبعث إليه رجلا عالما يسأله عن أشياء.فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة العبادى.فلما قدم عليه سأله عن ذلك،فقال:
علم هذا عند خال لى بالشّام،اسمه سطيح.فجهّزه و أخرجه إليه ليسأله.
فخرج حتّى قدم عليه و هو بآخر رمق،فوقف عليه،و قال:«أصمّ أم يسمع غطريف اليمن»،فى سجع له.فلما سمعها سطيح،رفع رأسه و قال:عبد المسيح جاء إلى سطيح و قد أوفى على الضّريح.بعثك ملك ساسان لارتجاس الايوان و رؤيا الموبذان و خمود النّيران.قال:نعم،فما تقول فى ذلك؟ قال:إذا كثرت التّلاوة و فاض وادى السّماوة و غارت بحيرة ساوة،بعث
صاحب الهراوة؛فليست الشّام لسطيح شاما.قال:متى يكون هذا؟قال:
يملك منهم ملوك1 و ملكات على عدد الشّرفات2،و كل ما هو آت3 آت.فانصرف عبد المسيح إلى كسرى،و أخبره بقول سطيح.فقال:إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا،قد كانت أمور.فملك منهم أربعة عشر ملكا فى مدة يسيرة؛و هذا حديث طويل اختصرناه.
و مثل هذا حديث كاهن كان بعسفان.فسافر إليه هاشم بن عبد مناف و أميّة بن عبد شمس؛و قيل له احكم بينهما أيّهما أشرف.فقال:و القمر الباهر و الكوكب4 الزّاهر و الغمام الماطر و ما بالجوّ5 من طائر و ما اهتدى بعلم مسافر،لقد سبق هاشم إلى مآثر،أوّلا منه و آخر6،و سيكون له ولد فاخر على كل7باد و حاضر نبىّ مؤيّد طاهر و اللّه لدينه ناصر و هو على الأديان كلّها ظاهر إلى انقضاء الدّهور8 الغوابر.
و مثل هذا حديث عبد المطلّب،حين ولد رسول اللّه(ص)أخذه عبد المطّلب فأدخله على هبل كما كانت قريش تفعل بمن يولد لهم9.فولّى رسول اللّه(ص)وجهه10 عن هبل11.فارتاع عبد المطّلب لذلك،و سمع صوتا من جوف الصّنم-و يقال من جدار الكعبة-يقول12:ما لهذا و للصّنم،إنّ ذا سيّد الأمم،من فصيح و من عجم،و رسول لذى13 النّعم،يبطل الشّرك و الصّنم،ثمّ يجلو دجى الظّلم.فارتعدت فرائض عبد المطّلب و فزع فزعا شديدا؛و هو حديث طويل اختصرناه14.
و مثله أيضا،حديث العبّاس بن مرداس1 السّلميّ:أنّه كان عند صنم لبنى سليم يقال2 له3«ضمار»4.فسمع5 صوتا من جوف الصّنم فى بعض اللّيالى يقول:
قل للقبائل من سليم كلّها
هلك الضّمار و عاش أهل المسجد
أودى ضمار و كان يعبد مرّة
قبل الكتاب إلى النّبيّ محمّد
فى ابيات كثيرة؛فخرج فزعا و تلقاه رجل على نعامة و هو يقول:بشرّ الجنّ و أبلاسها،ألا6 قد كفيت7 السّماء أحراسها8 و وضعت الحرب أحلاسها و تجرّعت أنفاسها للنور الّذي نزل يوم الاثنين و ليلة الثلثاء على صاحب الناقة العضباء9 فى وادى10 العنقاء.فرجع العباس بن مرداس الى ضمار فاحرقه11،ثم توجه الى النبي(ص)و آمن به و قال فى ذلك شعرا:
لعمرك انّى يوم أجعل،جاهلا12
ضمار الربّ العالمين مشاركا13
فآمنت باللّه الّذي انا عبده
و خالفت من أمسى14 يريد المهالكا
و هذه قصيدة طويلة.فهذه من جهة الكهّان و سدنة الأصنام؛و مثلها اخبار15كثيرة تركنا ذكرها و هذا وجه من الدّلالات.
(2)و وجه آخر من أعلامه،كلام أصناف الحيوان من البهائم و السّباع و غير ذلك و نطقهم بنبوّته(ص).من ذلك:حديث أهبان بن أوس الاسلمى16مكلّم الذئب،كان فى غنم له فرأى ذئبا قد شدّ على طلى ظبى17 فصاده18،فحمل19
عليه أهبان فانتزعه1 منه فأقعى الذّئب بعيدا منه على ذنبه،ثم قال:ما لى و لك تسلب منّى رزقا رزقنيه اللّه ليس من مالك؟فتحيّر أهبان لذلك و قال2:يا عجبى ذئب يتكلّم!فقال الذئب3:أعجب من كلامى رسول اللّه4بين هذه النّخلات يحدّث النّاس بأخبار ما سبق و أنباء ما يكون،يدعو إلى5 عبادة الرّحمن و تأبون إلاّ عبادة الأوثان.فأتى أهبان رسول اللّه(ص)و آمن به؛ و له حديث.و ولده يسمّون6 الى يومنا هذا بنو مكلّم الذئب.و له فى ذلك شعر7 يقول فيه:
رعيت الضأن أحميها بكلبى
من اللّص الخفىّ و كلّ ذيب
فلمّا أن سمعت الذّئب نادى8
يبشّرنى بأحمد من قريب
سعيت إليه قد شمّرت ثوبى
عن السّاقين فى الوفد9 الرّكيب
فالفيت10 النبىّ يقول قولا
صدوقا ليس بالهزل الكذوب
و هى قصيدة.و منه أنّ بعيرا للوليد بن مغيرة المخزومىّ11 تكلّم فى اليوم الّذي12 ولد فيه رسول اللّه(ص)و قال:هذا أحمد قد13 ولد،أفلح منكم من تبعه و خسر من ولىّ عنه.فأقبل الوليد و هو يقول:يا آل قريش أدركوا،فانّ بعيرى14 قد سحر15.فاجتمعت16 قريش و البعير يقول ذلك،و الوليد يقول:سحر بعيرى و ربّ الكعبة.فقال فى ذلك بعض قريش:
ألا يا لقوم17 هل رأيتم بهيمة
تكلّم فى النادى18بأنباء ما مضى
و تخبر عن علم بما هو كائن
فهذا بعير للوليد قد انبرى1
ينادى بأعلى الصّوت و النّاس حوله
ألا ضلّت2 الأصنام و اللاّت و العزى
و هذا أوان الهاشميّ محمّد
يدين بدين اللّه و الحقّ قد بدى3
و منها حديث هشام بن سعيد:كان خرج إلى الشام،فاقتنص4 فى طريقه5ظبية فى اليوم الّذي ولد6 فيه رسول اللّه(ص)فلما صارت فى يديه7 و قبض عليها8،تكلّمت و قالت:ولد أحمد بن عبد الله سيد المرسلين ففزع هشام و ارتعشت يداه9 و ذهبت الظّبية.فلما قدم الشام دخل على قيصر و أخبره10بذلك11؛ فبعث إلى الرّهبان و جمعهم و أخبرهم بذلك،فقالوا:رأينا الصّوامع فى هذه اللّيلة12 قد أضاءت نورا13 و مالت حتى ظننّا أنّها سقطت،و رأينا قناديل الكنائس كلّها منكوسة14.فحفظوا ذلك اليوم،فاذا هو اليوم الّذي ولد فيه رسول اللّه(ص).
و مثل هذا من كلام15 البهائم و الطير و غير ذلك أخبار كثيرة تركنا التّطويل بها مثل البعير الّذي جاء إلى رسول اللّه(ص)فاستناخ16 و رغا،فدعا رسول اللّه(ص)أصحابه17 و عرّفهم ما شكاه18 منهم.
و مثله حديث العجل الّذي لبنى غفار،أرادوا أن يذبحوه فنطق و قال:
يا بنى غفار أ من نجيح ينجح1،صائح بمكة يصيح أن لا إله الا اللّه.فوفد بنو غفار2 على رسول اللّه(ص)و آمنوا به.
و مثله حديث الجمل الّذي نحر بمكّة فتكلّم بعد ما نحر؛فأقبل الجزار الى نادى قريش فقال:هلموا3 فاسمعوا العجب!نحرت جزورا لى و هو يتكلّم!فأقبلوا إليه فاذا هو يقول:ولد احمد،نحرت قريش كما نحرت.
فانصرفوا فاذا عبد المطّلب يحمل محمدا الى هبل و قد ذكرنا حديثه.
و مثله حديث أتان حليمة ظئر4 رسول اللّه(ص)كانت تسبق الرّكب و كانت قبل ذلك لا تنبعث هزلا و ضرا.و قالوا5 لها إن لأتانك شأنا.فنطقت و قالت:أعظم شأن6،حملت سيد الاولين و الآخرين.
و مثله حديث الطّير الّذي أخذت فراخه فجاء يرفرف على رسول اللّه (ص)فقال:إن هذا الطّير يزعم أنّ فراخه أخذت فاطلبوها!فوجدت عند رجل فسيّبوها.و مثلها أخبار كثيرة،و لكل7 خبر من هذه و غيرها حديث طويل، تركنا تطويل الخطاب8بها؛و هذا وجه من اعلامه.
(3)و وجه آخر من اعلامه و هى امور كانت منه(ص):من ذلك أنّه لمّا خرج مهاجرا9 إلى المدينة مستخفيا من قريش و مضى إلى الغار جعلت قريش لمن يدلّ عليه مائة ناقة فخرج سراقة بن جعشم10 المدلجى على فرس
له فى طلبه،رغبة فيما بذلته1 قريش.فلحق رسول اللّه(ص)فى طريقه فلما رآه (ص)قال:اللهم امنعه عنّا2،فعثر به3 فرسه و ساخت قوائمه فى الارض فناداه سراقة و قال4:يا محمّد دعنى و خلّ عنّى5 فو اللّه لا يأتيك عنّى6 ما تكرهه! فقال7(ص)«اللّهم إن كان صادقا فأنجه»فخرجت قوائم فرسه و انصرف إلى مكّة و أخبرهم بشأنه فخاف أبو جهل أن يكون قد أسلم سراقة،فقال
بنى مدلج إنّى إخال8 سفيهكمسراقة مستغو لامر محمد
و هى قصيدة مشهورة لابى جهل،فاجابه سراقة9:
أبا حكم و اللاّت لو كنت شاهدا
لامر جوادى إذ تسوخ10 قوائمه
شهدت و لم تشكك بأنّ محمدا
نبى ببرهان فمن ذا يكاتمه11
و هى قصيدة له.و قيل فى ذلك شعر12 كثير من ذلك قول ابى بكر:
إن تخسف الارض بالأحوى و فارسه
فانظر الى أربع فى الارض غوار
فهيل لمّا رأى ارساغ13 معرفة14
قد سخن فى الارض لم تحفر بمحفار
و من ذلك حديث الشجرة التى دعاها15 فاقبلت إليه تخدّ الارض؛و
حديثها:أنّ ركانة1بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب2بن عبد مناف، و كان من أشدّ الناس بطشا و أقواهم قوة،قد اعترفت له بذلك قريش كلّها، تلقّاه رسول اللّه(ص)فى بعض شعاب مكّة،فقال له:«أ لست تزعم أنّك أشدّ العرب بطشا و أقواهم قوّة،قد اعترف34 لك بذلك؟»
قال:نعم!
قال:«أ رأيتك إن صارعتك فصرعتك5،تؤمن6بى،و أنّ ما أتيت به حقّ؟»
قال:نعم!
فصارعه فصرعه رسول اللّه(ص)7و أضجعه حتى لا يملك من نفسه شيئا، فعاد أيضا فصرعه و فعل8به مثل ذلك،حتى فعل به ذلك ثلاث مرّات،فقال:
إنّ هذا و اللّه لعجب يا محمّد أن تصرعنى و أنا أشدّ قريش بطشا!
فقال له رسول اللّه(ص):«إن شئت أريتك9 ما هو أعجب من هذا إن اتّبعت أمرى!»
قال:و ما هو؟
قال:«أدعو هذه الشّجرة فتأتينى»
قال:فافعل!فدعاها،فأقبلت تخدّ10 الأرض حتى وقعت بين يديه،ثم قال لها:«ارجعى إلى مكانك!»فرجعت إلى مكانها11.فجاء ركانة12 إلى نادى قريش و قال:يا آل13 قريش!ساحروا14بصاحبكم أهل الأرض!فما فى الأرض15
أسحر منه!ثم أخبرهم بالذى رأى منه و انتشر ذلك1 فى قريش و لم يزالوا يتحدّثون به،و أخذه الخلف عن كفّار قريش.
فهذا وجه من أعلامه،و من هذا النوع أحباره كثيرة،مثل خروجه على قريش لمّا اجتمعوا فى دار النّدوة و تشاوروا2 فى أمره فاتّفقوا على أن يجتمع عليه من كل3 قبيلة قوم فيقتلوه و يطل4 دمه،فلا يقدر بنو هاشم على قريش كلّها5 فى الطّلب بدمه؛فاجتمعوا على باب داره ليدخلوا عليه،فخرج عليهم و وضع التّراب6 على رءوسهم و مضى و هم7 لا يرونه.
و من ذلك حين رماهم يوم بدر بكفّ من حصى8 و قال:شاهت الوجوه،فهزمهم اللّه،فأنزل اللّه عزّ و جلّ فى ذلك:«وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ» ،و ممّا يشاكل هذه،أعلام كثيرة
(4)و وجه آخر منها:أمور غائبة عنه كان يخبر بها9 فيظهر10 صدقه فيها،من ذلك حديث النّجاشى حين مات بأرض الحبشة،و قد كان أجاب الى الاسلام،فقال(ص)لأصحابه11:«إنّ أخاكم النّجاشىّ قد مات بأرض الحبشة فاخرجوا نصلّى عليه».فخرج بأصحابه إلى البقيع،فصفّهم خلفه و صلّى عليه.فحفظوا ذلك اليوم،ثم ورد الخبر أنّه مات فى ذلك اليوم.
و مثله خبر كسرى لمّا كتب إلى12باذان و هو عامله على اليمن أن ابعث13إلى هذا الرّجل الّذي خرج بالحجاز رجلين من عندك14 يأتيانى به،فبعث باذان قهرمانة و رجلا آخر معه فى ذلك؛فلمّا قدما عليه(ص)قال لهما:«إنّ
اللّه قد أوحى إلى أنّ شيرويه1 وثب2 على أبيه كسرى فقتله فى شهر كذا3 من ليلة كذا».فانصرفا إلى باذان فأخبراه بذلك.فقال باذان ننتظر به،فان صح ما قال فهو نبىّ،و إن يك4 غير ذلك رأينا رأينا فيه.فلم يلبث باذان أن ورد عليه كتاب شيرويه بقتله أباه5.فأسلم باذان و أسلم من كان معه من أصحابه.
و مثله حديث خالد بن الوليد لمّا وجهه النّبيّ(ص)إلى أكيدر دومة الجندل،و كان ملكا عليها و كان نصرانيّا؛فقال لخالد:«انك تجده يصيد6 البقر،و يظفرك اللّه به.»فمضى خالد،فلما قرب من قصره و هو مع حرمه فى قصره،و جاءت بقر و حكّت بقرونها باب قصره،فخرج مع نفر من أصحابه يتبع البقر ليصيدها؛فاوقع به خالد و أخذه و قتل أخاه7 حسّان.فقال فى ذلك بجير8بن بجرة9 الطّائى:
تبارك سائق البقرات إنى
رأيت اللّه يهدى كل هاد
و هى قصيدة.
و مثله حديث صرد بن عبد اللّه الأزدى بعثه رسول الله(ص)و أمره أن يجاهد بمن معه من قبائل اليمن.فمضى و نزل بجرش10 و هى11 يومئذ مدينة12مغلقة.فخرجوا إليه13 و التقوا بجبل يقال له14 كشر15.و كان قد أحضر عند رسول اللّه(ص)رجلان من جرش16 و فدا17 لهم فبينا هما عنده18 عشيّة بعد العصر،قال19(ص):أىّ20بلادكم شكر؟»فقالا يا رسول اللّه!ببلادنا21 جبل يقال له كشر.
فقال:«ليس بكشر1 و لكنه شكر،و إن البدن تنحر فيه الآن2».فقال أبو بكر للرجلين3:ويحكما !إنّ رسول اللّه(ص)ينعى4 إليكما قومكما،فاسألاه أن يدعو اللّه ليرفع5 عن قومكما.فسألاه،فقال:«اللّهم ارفع6 عنهم».فرجعا إلى قومهما7 و قد أصيبوا فى ذلك اليوم و فى تلك السّاعة.
(5)و وجه آخر و هو قريب من هذا الباب،حديث العباس بن عبد المطلب حين أسر،فقال النبي(ص)له8:افد نفسك و ابنى أخيك9 عقيلا و نوفل بن الحارث10بن عبد المطّلب و حليفك11 عتبة بن عمرو بن جحدم12 فانك ذو مال13».
فقال:يا رسول اللّه14،ليس لى مال.قال:«فأين المال الّذي دفعته15 الى أمّ الفضل و قلت لها إن أصبت16 فى سفرى هذا فللفضل كذا و لعبد17 اللّه كذا و لقثم18كذا و لعبيد اللّه19 كذا؟»و ذكر له20 مقدار ما سماه لكلّ واحد منهم.فقال له العباس:و ربّ الكعبة ما علم هذا أحد غيرى و غيرها،و إنّى21 لأعلم أنك رسول اللّه.ففدى نفسه و ابنى أخويه و حليفه.
و مثل ذلك حديث ناقته التى ضلّت فخرج قوم فى طلبها22،و كان زيد بن اللّصيت23 منافقا24،و كان فى رحل25 عمارة بن حزم و كان عمارة عقبيّا26بدريّا،و كان عمارة جالسا عند رسول اللّه(ص)،فقال(ص):إنّ رجلا
من المنافقين قد قال1 إنّ محمّدا يزعم أنّه نبيّ و أنّه يخبر بأخبار السّماء، و هو لا يدرى ناقته أنّى...>فقال(ص)<:«و اللّه ما اعلم إلاّ2 ما علمنى اللّه،و قد دلّنى عليها،هى فى وادى كذا من شعب كذا،قد حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا فوجدوها هناك.فرجع3 عمارة إلى أهله فحدّثهم بذلك،فقال4أهله:زيد بن اللصيت هو و اللّه قال5 هذا القول.فأقبل عمارة يجا فى عنقه و قال:و اللّه إنّ فى رحلى6 منافقا7 داهية،و اللّه لا يصحبنى أبدا.فأخرجه من رحله.
(6)و من هذا الوجه أخبار كثيرة،منها أمور كان8 يخبر أن تكون بعده فكانت كما قال.من ذلك:قوله(ص)فى كسرى و قيصر لما بعث حذّافة بن قيس السّهمى بكتابه الى كسرى فلمّا وصل إليه و قرأ كتابه،شقّه و قال:
يكتب9 إلى بمثل هذا و هو لى عبد؟و أمر أن يعطى حذّافة بن قيس10 كفّا من تراب.فقال رسول اللّه(ص):«مزّق11 ملكه و ملّكنى من أرضه!»فكان كما قال.و كتب إلى قيصر مع دحية12بن خليفة الكلبى،فأخذ كتابه و وضعه بين فخذه و خاصرته،فقال رسول اللّه(ص)،«ثبّت ملكه!»فكان كما قال.
و منها قوله لعلىّ-كرّم اللّه وجهه-:«إنّك تقاتل13 النّاكثين و المارقين و القاسطين»فقاتل بعده هذه الفرق14 الثّلاثة.و قوله فى غزوة العشيرة، حين نظر إليه و هو نائم مع عمّار،و قد أصابه من دقعاء15 التراب،فوقف
عليهما و ايقظهما برجله و جعل2 ينفض التّراب1 عن رأس عليّ كرّم اللّه وجهه؛و يقول له:«يا أبا تراب!ألا أخبرك3بأشقى النّاس؟».
قال:بلى يا رسول اللّه!
قال:«رجلان،أحيمر ثمود4 عاقر النّاقة،و الآخر الّذي يضربك على هذه-و وضع يده على هامته-حتى5 تبتلّ منها هذه،و اخذ بلحيته.» فكان على كرّم اللّه وجهه6 يقول فى أوقات ملاله7 أشياء كان يراها من أصحابه، فيضيق8 صدره،منها:ما يمنع أشقاها أن يخضب9 هذه من هذه.و مرض مرضا شديدا،فقال له أهله:إنّا نخاف عليك.فقال:أنا و اللّه ما أخاف على نفسى من مرضى هذا؛فقد أعلمنى رسول اللّه(ص)أنّه يقتلنى أشقى هذه الأمّة.
و مثل هذا حديث عمّار عند حفر الخندق و نظره إليه و قد أثقلوه بحمل10 التّراب.فقال:يا رسول اللّه11 يقتلوننى12 يحملون13 عليّ ما لا أطيق.فنفض التّراب عن رأسه و وفرته بيده و قال1415:«ويح ابن سميّة!ليسوا بالذين16يقتلونك،إنّما تقتلك الفئة الباغية»فاستشهد بصفين و هو مع على كرّم اللّه وجهه17.و قالوا لعمرو أ لست18 حدّثتنا أن رسول اللّه(ص)قال لعمار19:تقتلك الفئة الباغية20؟فلام معاوية عمروا على ذلك.فقال عمرو:حدّثت21 النّاس بهذا
قبل أن يكون صفين،و أنا لا أعلم بأنّ صفين يكون.
و من ذلك حديث أبى ذر فانّه لمّا خرج إلى تبوك تخلّف عنه قوم.
فقيل له تخلّف فلان و فلان.فقال:دعوهم فان يكن فيهم خير يلحقهم1 الله بكم.و أبطأ2بأبى ذر3بعيره،فتخلّف؛ثم أخذ متاعه على ظهره و لحقه.فقيل:
يا رسول اللّه4 قد أقبل رجل.فقال:«اللّهم اجعله أبا ذر»فلما دنا،قال:«يرحم اللّه أبا ذر يمشى وحده و يموت وحده و يدفن وحده».فتوفّى بالرّبذة و لم يكن معه غير امرأته و غلامه،فوضعوه5 على الطّريق؛فأقبل رهط من العراق مارا6 و فيهم ابن مسعود.فقال الغلام:هذا أبو ذر أعينونا7 على دفنه.فجعل ابن8مسعود يبكى و يقول:صدق رسول اللّه(ص)حيث قال:تمشى9 وحدك و تموت وحدك و تدفن وحدك.و من قوله(ص)لفاطمة(ع):«انت أول أهلى لحوقا بى10» فكان كما قال.
(7)فهذا وجه آخر من أعلامه.و مثلها أخبار كثيرة تشاكلها منها:
أخبار جاءت فى وقت الطّعام و الشّراب الّذي كثّره اللّه و بارك فيه،حتى أكل منه و شرب قوم كثير،فشبعوا و رووا.من ذلك:حديث عليّ كرّم اللّه وجهه،قال:لما أنزلت«و أنذر11 عشيرتك الأقربين»قال لى رسول اللّه(ص):
«اصنع لى صاعا12 من طعام و اجعل عليه رجل شاة و املأ لنا عسّا13 من لبن.» ففعلت.فاجتمع بنو عبد المطلب و هم يومئذ أربعون يزيدون14 رجلا أو ينقصون15.ثم دعا بالطّعام فتناول جذبة16 من اللّحم فشقّها ثم ألقاها فى
نواحى الصّحفة،قال:«خذوا بسم اللّه!»فأكلوا حتى ما1 لهم بشيء من حاجة، ثم قال:«اسق القوم»فجئتهم بالعسّ2 فشربوا حتى رووا منه.و أيم اللّه إنّ الرّجل منهم ليأكل ما قدمت و يشرب مثل ذلك العسّ.فلمّا أراد(ص) أن يتكلّم بدره3 أبو لهب فقال4:سحرنا محمد!فتفرّق القوم و لم يكلّمهم.
ثم قال:«من الغد يا عليّ،إنّ هذا سبقنى إلى القول5 فتفرّق القوم،فاتّخذ لنا من الطّعام مثل ما صنعته.»ففعلت ثم اجتمعوا،ففعل مثل ما فعل بالأمس؛ فأكلوا6 و شربوا حتى شبعوا و رووا ثم تكلّم(ص)،فقال:«انّ اللّه أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين»الحديث المشهور.
و مثل ذلك7 حديث جابر بن عبد الله الجعفى أيّام الخندق،قال:ذبحت شاة غير جدّ8 سمينة9 و أمرت10بها فطبخت و صنع خبز من شعير،و قلت لرسول الله(ص):أحبّ أن تنصرف معى إلى منزلى.قال:نعم،و أمر صارخا فنادى فى الخندق:انصرفوا مع رسول اللّه(ص)إلى منزل جابر.فقلت:إنّا للّه و إنّا إليه راجعون،فأقبل(ص)و أقبل النّاس،و قعد(ص)يأكل و يوردها النّاس كلما11 فرغ قوم جاء قوم،حتى صدر عنها أهل الخندق و قد12 شبعوا و هم ثلاثة الف13 رجل.
و مثل ذلك حديث ابنة14 أخت عبد اللّه بن رواحة،كانت قد حملت تمرا الى خالها و هو15 يعمل فى الخندق،فقال لها رسول اللّه(ص):«هاتيه يا بنيّة»فاخذه و هو ملء16 كفيه،فدعا بثوب و بسطه17 ثم دحى بالتّمر عليه،فسدد
فوق الثوب،ثم أمر أن يصرخ فى أهل الخندق و هم ثلاثة ألف،يجيء1 نفر و ينصرف آخرون،حتى صدروا عنه و بقيت على الثوب بقية.فهذا فى باب الطعام،و مثله أخبار غيرها.
و شبه هذا فعل2 المسيح(ع)كما هو مكتوب فى الإنجيل،ان المسيح لما سمع بقتل يوحنا الصابغ3،انتقل الى القفر4 و معه جمع من المدائن، فرحمهم و أبرأ مرضاهم.فلمّا كان العشاء قال له5 تلاميذه:المكان قفر و قد حان أن يسرح النّاس فيذهبوا و يشتروا طعامهم.فقال:أطعموهم أنتم ما تاكلون.
قالوا:ليس معنا الا خمسة ارغفة و سمكتين!قال:ائتونى بها و أمر الناس ان يتّكئوا6 رفاقا و أخذ الخبز و السمكتين7،فبارك8 عليه و كسره و فرقه،فاكل جميعهم و شبعوا و اخذوا فضلة الكسر9 اثنتى عشرة10 قفّة11 و كان الذين اكلوا خمسة ألف12 رجل سوى النّساء13 و الصّبيان.فهذا شبيه بما فعل النّبي(ص)فى هذا الباب.
و أما14 فى باب الماء،فانّه لما خرج فى غزوة الحديبية نزل15 ثنيّة المرار16، فقيل يا رسول اللّه:ما بالوادى ماء.فنزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه البراء بن عازب،فنزل فى قليب من تلك القلب،فغرزه فى جوف القليب،فجاش القليب بالرّواء17 حتى ضرب النّاس عليه العطن و نزل فى القليب ناجية بن جندب يميح18 على الناس و هو يقول:
قد علمت جارية يمانية1
أنّى أنا المائح2 و اسمى ناجية
ببلغة ذات رشاش واهية
و مثل ذلك لمّا كان بتبوك،أصاب المسلمين العطش حتى كادوا أن يهلكوا،فأمر(ص)أن يطلبوا الماء فى الرّحال فاتى بإداوة3 و أمر فصبّبت فى إناء و وضع يده فيها.قال أنس بن مالك4:فرأينا الماء تخلّل من بين أصابعه كأنّها عيون؛ففاضت،فروى،حتى روى5 منها العسكر مع إبلهم و خيلهم.
و لمّا انصرف من تبوك و بلغ وادى المشقّق6 قال(ص)«من سبقنا الى الماء فلا يستقينّ7»فلما أتاه وقف عليه فلم ير شيئا فقال:«من سبق إلى الماء؟»فقالوا فلان و فلان.فقال:«أولم أنههم أن يستقوا8؟»فلعنهم و دعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل،ثم مسحه بيده،فانخرق الماء حتى سمعوا له حسّا شديدا،فشرب النّاس و استقوا حاجتهم،فقال(ص)«لتسمعن بهذا9الوادى و هو أخصب ما بين يديه و ما خلفه.»فخصب ذلك الوادى بعد ذلك10كما قال.
و مثل هذا فعل موسى(ع)كما هو مكتوب فى التّوراة أنّ بنى إسرائيل لمّا نزلوا بريّة سيناء و لم يقدروا11 على ماء يشربون و ضج الشعب إلى موسى و هارون؛فكلّم الربّ موسى،فقال له،خذ قضيبا و اجمع الجماعة أنت و هارون و تكلّم على الصخرة باسمى يجرى12 ماؤها؛فأخرج لهم الماء من
الصّخرة فشرب منه الجماعة كلها و مواشيها1.فهذا فى التوراة و تصديقه فى القرآن؛قال الله عزّ و جلّ:«وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ إِذِ اسْتَسْقٰاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ» .فهذا شبيه بما فعله محمد(ص)فى هذا الباب.
(8)و وجه آخر من أعلامه و هو دعاؤه على قوم2 فاستجاب اللّه له فيهم.من ذلك دعاؤه عليه السّلام على مضرحين آذوه و كذّبوه،فقال:اللّهم اشدد وطأتك على مضر،ابعث عليهم سنين كسنين يوسف؛فاحتبس عنهم القطر و قحطوا حتى جفّ الشّجر و النّبات و هلك الخفّ3 و الظلف4 و أكلوا العهن5و اشتووا القدّ.
و من ذلك دعاؤه على عامر بن الطّفيل6 و أربد بن قيس،كانا و فدا إليه عن بنى عامر فطلبا منه شرائط و لم7 يجبهما الى ذلك.فقال عامر بن الطفيل:
و اللّه لأملأنّها عليك خيلا و رجلا،فدعا عليهما حين وليّا عنه و قال:«اللّهم اكفنى عامرا و أهد8بنى عامر9.»فلمّا كان ببعض الطّريق أرسل اللّه على عامر بن الطّفيل الطّاعون فمات فى بيت امرأة من بنى سلول10 و هو يقول:أ غدّة كغدّة البعير و موت فى بيت سلولية؟!و أرسل اللّه على أربد11بن قيس صاعقة فأحرقته و فيه يقول لبيد بن ربيعة و كان أخاه لأمّه.
أخشى على أربد الحتوف و لا
أرهب12 نوء13 السّماك و الأسد
فجّعنى14 الرّعد و الصّواعق بال
فارس يوم الكريهة النّجد
فهلكا فى طريقهما و جاءت بنو عامر فأسلمت.
و من ذلك أنّه بعث نفرا من أصحابه إلى إضم و فيهم محلّم بن جثّامة، فمرّ عليهم فى طريقهم عامر بن الأضبط4 الأشجعى فسلم1 عليهم،فأمسكوا عن أذاه2،فقام إليه محلّم بن جثّامة3،فقتله لأمر كان بينهما و أخذ بعيره و متاعه فلما انصرفوا أخبروا به رسول اللّه(ص)فرفع يديه و قال:«اللّهم لا تغفر لمحلّم بن جثّامة!» فما لبث إلاّ قليلا حتى مات فدفنوه،فلفظته الأرض،ثم أعادوه،فلفظته الأرض، حتى فعلوا ذلك ثلاث مرّات ثم واروه5بالحجارة.فقال(ص):«إنّ الأرض لتنطوى على من6 هو شرّ7 منه و لكن اللّه عزّ و جلّ أراد أن يعظكم به.»
و من ذلك دعاؤه على المستهزئين،و هم نفر من قريش كانوا يؤذونه و يستهزءون به و بالقرآن،و هم لهب بن أبى لهب و الأسود بن عبد يغوث و الوليد بن المغيرة و الأسود بن المطلب و العاص بن وائل8 السّهمى و الحارث9بن الطّلاطلة،كانوا يجتمعون10 فيستهزءون11.فأوحى اللّه إليه أن سلنى12 فيهم؛فوقف حتى مرّ عليه لهب بن أبى لهب،فقال:«اللّهم سلّط عليه كلبا من كلابك»؛ فأكله الأسد.و مرّ عليه الوليد بن المغيرة13،و فى رجله جرح،فأومى(ص) إلى رجله،فانتقض جرحه حتى قتله.و مرّ عليه الأسود بن عبد يغوث فأومى إلى بطنه و دعا عليه،فسقى و مات.و مرّ عليه الأسود بن المطّلب فرماه بورقة فى وجهه و قال:«اللّهم اعم بصره و أثكله ولده»ففعل اللّه ذلك به.و مر عليه العاص بن وائل السّهمى فأشار إلى رجله14 و دعا عليه،فدخلت الشّوكة
فى أخمصها فقتلته.و مرّ عليه الحارث1بن الطّلاطلة،فأومى إليه و دعا عليه، فجعل يتقيّأ قيحا حتّى هلك؛فأنزل اللّه عزّ و جلّ:«إِنّٰا كَفَيْنٰاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» .
(9)و وجه آخر2 من أعلامه أمور3 نطق بها القرآن قبل أن حدثت،ثم حدثت4و صحّت و ظهر صدق ما أنزل اللّه على لسانه(ص).فمنها ما صحّت فى حياته و منها ما صحّت بعد وفاته،من ذلك فتح مكّة،و صلح حديبيّة؛و قد كان اللّه عزّ و جلّ بشّر بأن يفتح عليه مكّة حتى5 يدخل هو و أصحابه و المسلمون مكّة آمنين محلّقين رءوسهم و مقصّرين حاجين6 و معتمرين لا يخافون،فقال جلّ ذكره:«لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ فَعَلِمَ مٰا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً» .فسهّل اللّه له7 صلح الحديبية،و فتح له بعد ذلك مكة و أنجز وعده فلمّا فتحها دخل الكعبة و أخذ بعضادتى الباب و أمر بالصّور الّتي كانت فى الكعبة فطلست و بالأصنام فكسرت.و قال:«الحمد للّه وحده8،أنجز9وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده».
فان قال قائل10:فلم استثنى فى هذه الآية حين قال:«لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ» فان الاستثناء فى أشياء يقع فيها الشّك؛فقد احتجّ الملحدون بذلك،قلنا:لم يشك11 فى أنّ اللّه ينجز له ما وعده و لم يكن استثناؤه لذلك و لكنّه عزّ و جلّ كان أدّبه أن لا يقول لشيء إنّه يفعله12 حتّى يستثنى فيه.
و ذلك إن المشركين كانوا سألوه عن قصّة أصحاب الكهف فقال:أخبركم به غدا،و لم يستثن،فانقطع1 عنه الوحى أربعين يوما حتى قال المشركون:
قد قلاه صاحبه و ودّعه2،يعنون به3 جبرئيل عليه السلام.فأنزل اللّه عزّ و جلّ بعد ذلك:«مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ4 وَ مٰا قَلىٰ» ،و أنزل عليه سورة الكهف و قصّ عليه نبأ الفتية،ثم قال له بعد تمام القصة:«وَ لاٰ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ» فأدّبه بذلك فكان لا يقول بعد ذلك لشيء أن يكون الاّ و يستثنى فيه.و نزلت سورة الكهف قبل الهجرة بمكة و نزلت سورة الفتح بعد الهجرة بالمدينة؛فلذلك5 استثنى.و كان نزل أيضا فى فتح مكة:«إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ» فوعده عزّ و جلّ أن يردّه إلى مكّة عودا بعد بدء6 و يفتحها عليه؛و نزل به القرآن،فأنجز الله وعده.فهذا ما كان فى حياته.
و من ذلك أنّ فارس غلبت الرّوم على مملكة الجزيرة فسرّت قريش بذلك مخالفة7 لرسول الله(ص)و حزن عليه السلام و أصحابه لميلهم الى الرّوم،لأنّ هرقل قبل8 كتاب رسول اللّه و كسرى مزّقه،فأنزل اللّه عزّ و جلّ:«الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ» الى قوله:«وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّٰهِ9» فجاءت الروم و غلبت فارس بعد سبع سنين،و حقق اللّه قوله،و سر المؤمنون10بذلك.فهذا ما نزل فى القرآن قبل أن كان ثم صح بعد ذلك و هذا فى حياته(ص).
و من ذلك قوله11 عزّ و جلّ:«وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا
الصّالحات ليستخلفنّهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكّننّ لهم دينهم الّذي ارتضى لهم و ليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا»فحقّق اللّه قوله فاستخلفهم فى حياته و أهلك أعداءهم و مكّن لهم فى دارهم فى حياته(ص)حتى عبدوا اللّه1 و أقاموا شرائع الاسلام و أباد أهل الشّرك؛هذا قبل أن مكّن أهل الاسلام فى الأرض و فتح عليهم هذه2 الفتوح.
و من ذلك ما وعده اللّه أن ينصره على قريش ببدر،و أنزل عليه فى قوله عزّ و جلّ:«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» و ذلك أنّ أبا جهل قال:نحن أكثر منه جمعا و عدّة و عتادا و أقوى قوّة؛لأنّهم كانوا يزيدون على ألف فى خيل و سلاح و شوكة شديدة،و كان أصحاب رسول اللّه(ص) ثلاثمائة و ثلاثة3 عشر رجلا4 ليس معهم إلاّ فرس المقداد5بن الأسود و فرس الزّبير بن العوّام،كانوا يركبون المطايا،و كانوا خرجوا يطلبون عير6قريش7 و فيها الأموال؛فاجتمعت قريش تنصر بعضها بعضا و كان أصحاب رسول اللّه(ص)يودّون أن يظفروا بالعير و يأخذوا8 الأموال فلمّا فاتتهم العير و جاءت قريش بشوكتها هالهم ذلك فنزل جبرئيل(ع)بهذه الآية و أنزل أيضا:«كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ مَعَ الصّٰابِرِينَ» فقال رسول اللّه(ص)لأصحابه إنّ اللّه قد بشّرنى أن ينصرنى عليهم و وعدنى9 إحدى الطّائفتين،إمّا العير و إمّا الظّفر بقريش،و قد فاتت العير،و جاءكم جبرئيل(ع)بالنّصر و قد عرّفنى مصارع القوم.و وقف
(ص)على مصارعهم و قال لأصحابه:هذا مصرع فلان و هذا مصرع فلان فعرفهم1 مصارعهم رجلا رجلا.فأظفره اللّه عزّ و جلّ بهم و لم يخالف2 أحد مصرعه،و حقّق قوله و صدق وعده؛ثم نزلت:«وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّٰهُ إِحْدَى الطّٰائِفَتَيْنِ أَنَّهٰا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذٰاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ وَ يَقْطَعَ دٰابِرَ الْكٰافِرِينَ» فحقّق اللّه قوله و قطع دابرهم و قتل فرسانهم و صناديد هم و أسر رؤساءهم و عظماءهم3،و انتقم اللّه منهم4ببطشة و أنزل أيضا:«يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرىٰ إِنّٰا مُنْتَقِمُونَ» و نزلت:«وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّٰى إِذٰا فَشِلْتُمْ» الى قوله:«مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيٰا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» و ذلك أنّ كثيرا منهم كانوا يودّون أن يأخذوا الأموال التى فى العير بغير حرب،و كثير منهم رضوا بما اختار اللّه لهم،فنزلت5 أيضا:
«إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللّٰهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّٰهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» .فهذا نزل به القرآن قبل أن كان قوله «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» و الآية تدلّ على6 أنّها نزلت قبل هذه القصّة؛لأنّ قوله:«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ7» هذه السّين تكون للمستقبل لا للماضى،و كذلك السّين التى فى الآية فى قصّة الرّوم:«سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ» تدلّ على المستقبل8،و نزلت هذه الآيات بهذه الأنباء9قبل أن كانت،ثمّ كانت من بعد ذلك و صحّت.و هذا القرآن ينطق به، و هذه القصص لا شكّ فيها أنّها كانت،و هى شبه العيان و المشاهدة لا يدفعها الاّ
جاهل عديم العقل.و مثل من ينكر هذه القصص مثل شيخ كان يقول بالأرجاء و النّصب و كان جاهلا،قال لى يوما:ما رأيت أكذب1 من الرّافضة، يزعمون أنّ طلحة و الزّبير أخرجا عائشة إلى البصرة،و أنّها ركبت الجمل و حاربت عليّ بن أبى طالب.قلت له:فما تقول فى هذا2؟قال:هذا حديث وضعه الرافضة و هو كذب ليس له أصل.و كذلك من ينكر هذه القصص و يدفعها و يزعم أنّها لم تكن فقد ردّ العيان،و إن4 أنكر الآيات التى هى فى القرآن فهو أيضا5 ردّ3 للعيان.و مثال6 الملحد فى ردّ هذه الأعلام مثال هذا الشّيخ الّذي قد ذكرناه فى رد ما هو مثل العيان و لا مرية فيه؛لأنّها أعلام نطق بها القرآن قبل أن كانت،ثم كانت بعد ذلك.
(9)و وجه آخر من أعلامه ممّا جاءت فى القرآن،منها حديث الإسراء و البراق و المعراج و ما أراه اللّه عزّ و جلّ من ملكوت السّماوات و الأرض فى ليلة الاسرى.فلمّا أصبح حدّث به الناس.فأنزل اللّه عزّ و جلّ:«سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فقالت العرب ما سمعنا مثل هذا و كانوا يسألونه7 عن صفة بيت المقدس فجعل يصفه لهم،ثم قال لهم:«إنّى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا و أنا متوجه إلى المسجد الأقصى،فانفرها حسّ8 الدّابة،فندلّهم 9بعير، فدلّلتهم عليه».فلمّا10 أقبلت مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما و لهم إناء فيه ماء قد غطّوه فكشفت غطاءه و شربت ما فيه و غطّيت عليه كما كان، و آية ذلك أن عيرهم الآن11 يصوب12 من البيضاء13 ثنيّة14 التنعيم15،يقدمها جمل
أورق1 عليه غرارتان إحداهما سوداء و الأخرى برقاء.فابتدر القوم الثنيّة2فأول ما لقيهم الجمل كما وصفه و سألوهم عن الاناء فأخبروهم أنّهم3 وضعوه مملوء و غطّوا عليه و أنّهم لما هبّوا وجدوه فارغا مغطا.و سألوا القوم الآخرين و هم بمكّة عن خبر البعير الّذي ندلّهم4 فقالوا:ندلّنا بعير،فسمعنا صوت5 رجل يدعونا إليه فأخذناه.فهذه من دلالاته6 التى نطق بها القرآن.
و لما نزل7 ذلك سمعه المشركون،و سمعوا هذه القصّة منه،و طالبوه بذلك؛ فكان حديثها ما ذكرناه8 و القرآن ينطق بأنّ ذلك كان بمحضر منهم.
و من9 ذلك حديث انشقاق القمر و ذلك أنّ أبا جهل قال لرسول اللّه(ص) أن كنت نبيّا فأت بآية كما آتت بها الرّسل لنؤمن لك،فأت بآية من السّماء لا من الأرض!فدعا(ص)ربّه فانشقّ القمر و النقى طرفاه على جبل10 أبى قبيس.فقال أبو جهل:يا معشر قريش إنّ محمّدا قد سحر القمر فانظروا من11يقدم عليكم من النّواحى هل رأوا ما رأيتم؟فكان من يقدم عليهم يحدثهم بانشقاق القمر.فقال أبو جهل.هذا سحر12 ذاهب فى الدّنيا.فأنزل اللّه عزّ و جلّ:«اِقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» فهذا ما نطق به القرآن؛و لو لم يكن ذلك لطالبوه و لقالوا أين هذا الّذي تدّعى من انشقاق القمر و لكنهم شاهدوه و رأوه،و يصحّح13 ذلك قوله:«وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» ،فهذا يدل أنه قد كان و أنّهم قالوا إنّه سحر مستمر14 لما رأوه
منشقّا؛و قالوا عند ذلك هو من السّحر،هذا سحر من سحره و حيلة من حيله.و هذه القصّة كانت بمكّة قبل الهجرة و أعداؤه متوافرون يتطلّبون1 عليه العثرات.
و هذه السّورة مكيّة و القرآن لا يقع فيه تغيير و تبديل و زيادة و نقصان و ليست سبيله سبيل الخبر الّذي ادّعا الملحد أنّه نقله واحد و اثنان و ثلاثة،و أنّه يجوز عليه التّواطؤ؛لأنّ الّذي نزل به القرآن سمعه الكافرون كما سمعه المسلمون،و نطق بهذه القصص بمشهد من كفّار قريش و غيرهم من العرب و من أهل الكتاب،ثم ظهرت حقيقتها بعد نزول القرآن،و ظهر صدق محمّد (ص)فيها؛ثم القرآن نقلته الأمّة بأسرها،و لم يقع فيه زيادة و نقصان.
فهذا أوكد من أن يقدر أحد على إنكاره إلاّ أن يجحده على معرفة و يقين أو مكابرة أو يقول إنّه سحر و كهانة،كما قاله2 من شاهد هذه الآيات،أو3 يكون جاهلا أحمق مثل الشّيخ الّذي ذكرنا قوله فى شأن عائشة و حديث الجمل؛ و إلاّ فمن4 يقدر أن ينكر حديث غلبة فارس على الجزيرة،ثم غلبة الرّوم بعد ذلك5،فيقول:إنّ هذا لم يكن أو ينكر حديث غزوة بدر أو يقدر أن يقول إنّ هذا الّذي نطق به القرآن فى هذه القصص هو شيء قد زيد فيه.و من ردّ هذا فقد ردّ العيان و نعوذ باللّه من الكفر و الطغيان.
قد ذكرنا بعض دلائل محمّد(ص)كما اشترطنا دون ذكر الجميع لأنها كثيرة جدّا،و لم نشرح قصة كلّ دلائله و لا ذكرنا حديثها بكماله،بل اختصرنا و اقتصرنا على تلك1 النّكت.و لسنا نحتج بها على الملحدين إذ كانت أمورا2 قد مضت،و ان كان منها ما هو3 شبه العيان على حسب ما قلنا من حديث4 غلبة الرّوم و انشقاق القمر و غير ذلك،و منها ما تنطق به كتب الأنبياء و هى فى يدى أهل الذّمة،و لكنّا نقول فى جواب قول الملحد فى شأن القرآن و ما طالب به محمد(ص)العرب أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه.
(1)فقال الملحد:إنكم تدّعون أن المعجزة قائمة موجودة و هى القرآن و تقولون من أنكر ذلك فليأت بمثله.ثم قال:إن أردتم بمثله فى الوجوه5 التى يتفاضل بها الكلام،فعلينا أن نأتيكم
بألف مثله من كلام البلغاء و الفصحاء و السّجعاء و الشّعراء و ما1هو أطلق منه ألفاظا و أشدّ اختصارا فى المعانى و أبلغ أداء و عبارة و أشكل سجعا.فان لم ترضوا2بذلك،فانّا3 نطالبكم بالمثل الّذي تطالبون به.ثم قال على أثر هذا الكلام:قد و اللّه تعجّبنا من قولهم فى كلام هو4 فى حكاية أساطير الاولين،مملوّ5مع ذلك تناقضا من غير أن تكون فيه فائدة أو بيّنة على شيء، ثم يقولون:فأتوا بمثل هذا؛هذا قول الملحد،
و نحن نقول:
انّ الملحد لم يخط6 سنّة من تقدّمه من أهل الكفر و الضّلالة7 حين قالوا:قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا،ان هذا الاّ اساطير الاوّلين.فهكذا قال الملحد مثل قولهم حذو النّعل بالنّعل و القذّة بالقذّة؛و لكنّه قال و لم يفعل و لا يقدر أمثاله من الملحدين أن يفعلوا.و ما مثله فى هذا القول الا كمن يقول:إنّى8 أخلق مثل السّماوات و الارض ثم لا يقدر أن يخلق؛و قوله جنون9 يضحك منه،لأنّ السّماوات و الارض اللّه خلقها،و لا يقدر على مثل خلقها10 غيره.و كذلك القرآن اللّه أنزله،و لا يقدر أن يأتى بمثله غيره11.
و فيه من المعجز نحو ما فى خلق السّماوات و الارض و سوف نكشف12 عن ذلك ان شاء اللّه تعالى.
(2)ثم قال:و أيم اللّه لو وجب أن يكون كتاب حجّة، لكانت كتب أصول الهندسة و المجسطي الّذي1 يؤدّى الى معرفة حركات الفلك و الكواكب و نحو كتب المنطق و كتب2الطّب التى فيها علوم مصلحة الأبدان،أولى بالحجّة ممّا لا يفيد نفعا و لا ضرّا و لا يكشف مستورا-يعنى به القرآن العظيم- و قال أيضا:من3 ذا يعجز عن تأليف الخرافات بلا بيان و لا برهان الا دعاوى أنّ ذلك حجة،و هذا باب إذا دعا إليه الخصم سلّمناه و تركناه و ما قد حل به من سكرة4 الغفلة5 و الهوى،مع ما أنّا نأتيه بأفضل منه من الشّعر الجيّد و الخطب البليغة و الرّسائل البديعة،مما هو أفصح و أطلق و أسجع منه؛و هذه6 معانى تفاضل الكلام فى ذاته.فأما تفاضل الكلام على الكتاب فلامور كثيرة فيها7 منافع كثيرة،و ليس فى القرآن شيء من ذلك8 الفضل،إنّما هو فى باب الكلام و القرآن خلو من هذه التى ذكرناها.
هذا قول9 الملحد لعنه اللّه و احتجاجه و طعنه على القرآن الّذي هو كتاب محمّد(ص)و معجزته و كلام اللّه عزّ و جلّ،و جهله بما فيه من10الأمور العظيمة التى11:«لئن اجتمعت الانس و الجنّ على أن يأتوا بمثله لعجزوا عنه و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا،كما قال اللّه عزّ و جلّ.و نحن
نكشف عن حقيقة ما فى القرآن من الأمور الجليلة1 و المعجز العظيم ببرهان واضح،ليعلم من هو على مذهب الملحد،أنّه ليس فى العالم معجز أكثر منه و لا دلالة أكبر منه،و ليعرف الملحدون أنّ القرآن هو عظيم الشأن رفيع البنيان واضح البرهان،و أنّه نور ساطع لمن استضاء به،و دليل هاد لمن عرفه،و حجّة قاهرة لمن خاصم به،و علم زاهر2 لمن وعاه3،و حكمة بالغة لمن نطق به،و حبل وثيق لمن تعلق به،و فوز و نجاة لمن آمن4به،و أنّ نفعه للانام أعظم،و مقداره أجلّ من أن يقاس بالمجسطى و كتب الهندسة و الطب و المنطق و النّجوم التى5 ذكرها الملحد و جعلها نظائر للقرآن، بل فضّلها عليه لضعف عقله و عمى قلبه و قلة معرفته و لضلالته6 و لغلبة هواه؛ و ندع7 الاحتجاج على الملحد بالآيات8 و المعجزات التى جاءت عن الأنبياء(ع)و عن محمّد(ص)على حسب ما اشترطناه9،الا بالقرآن العظيم،و لما فيه من الدّلائل الواضحة القائمة فى العالم،و إن جحدها الملحدون.فليس هم بألوم فى جحودهم الآيات التى مضت أيّامها من الذين شاهدوا تلك العجائب فردّوها.إنّما يلامون على ما بلوا به10 من العمى و الضّلال و الانكار للمعجز العظيم الّذي هو فى القرآن.لأنّه شاهد قائم فى العالم،و قبوله لمن عبر11 ألزم منه لمن مضى،و الحجة عليهم أوكد لأنّ برهانه يزداد على مرّ الأيّام إيضاحا.
(3)فأمّا المعجزات التى قد مضت،فانّهم لا يلامون على دفعها،لأنّ الذين شاهدوها و رأوها بأبصارهم و سمعوها12بآذانهم و باشروها بأنفسهم،
دفعوها و كفروا بها و نسبوا الأنبياء(ع)إلى السّحر فيما ظهر لهم من بعد أن طالبوا بها الرّسل(ع)،فلمّا أتوا بها جحدوها و قالوا هذا سحر مبين، و هذا ساحر كذّاب.فمنهم من عاجلته نقمة ربّه،و منهم من أملى لهم ليزدادوا إثما و قد باءوا كلّهم خاسرين لدنياهم و أخراهم1؛كما سأل أصحاب صالح(ع)أن يخرج لهم من الصّخرة ناقة تمخض؛ فخرجت،و نتجت سقيا2،كما حكى اللّه عزّ و جلّ عنهم فى قولهم لصالح:
«إِنَّمٰا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مٰا أَنْتَ إِلاّٰ بَشَرٌ مِثْلُنٰا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ قٰالَ هٰذِهِ نٰاقَةٌ لَهٰا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.» ثم عقروها«وَ قٰالُوا يٰا صٰالِحُ ائْتِنٰا بِمٰا تَعِدُنٰا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» و حديثها مشهور3 عند أهل الملل و عند غيرهم،لأنّ العرب من أهل الجاهلية كانوا يعرفون شأن النّاقة و العذاب4 الّذي نزل على القوم الذين5 عقروها حتى رغا6 السّغب7 و حديث الوفد الذين خرجوا الى مكّة يدعون اللّه أن يصرف عنهم العذاب؛و ذلك مشهور فى أشعار الجاهليّين8 الذين لم يكن لهم كتاب و لا إيمان كما قال زهير و هو جاهلى:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم9
كأحمر10 عاد،ثمّ ترضع فتفطم
يعنى بأحمر عاد عاقر النّاقة؛لأنّهم ضربوا المثل به فى الشّوم11 و قال ابن احمر و هو محضرميّ يذكر القيل12 الّذي (و)وفد الى مكة مع قوم
عاد ليدعوا اللّه أن يصرف عنهم العذاب فشربوا1 و لهوا حتى نزل العذاب على قومهم
كشراب قيل2 عن مطيّتهو لكلّ أمر واقع قدر
و مثل حديث موسى(ع)لما سأله فرعون أن يكشف عنه و عن قومه ما نزل بهم من أنواع العذاب،فلما كشف اللّه عنهم العذاب نكثوا و كفروا، كما حكى اللّه عز و جل عنهم فقال:«قٰالُوا يٰا مُوسَى ادْعُ لَنٰا رَبَّكَ بِمٰا عَهِدَ عِنْدَكَ3 لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ4 لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ فَلَمّٰا كَشَفْنٰا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلىٰ أَجَلٍ5 هُمْ6بٰالِغُوهُ إِذٰا هُمْ يَنْكُثُونَ»
فكان هذا دأبه و دأب موسى،فلما نزلت آية من الجراد و القمل و غير ذلك،سأل أن يكشف7 عنهم،ثم نكثوا و كفروا،ثم فزع إلى السّحرة و جمعهم،و كان ذلك زمان السّحر.فلما حضروا و رأوا فعل موسى(ع)علم السّحرة أنّه ليس من جنس السّحر الّذي يستعمله السّحرة،لأنّهم8 كانوا من9 العلماء بالسّحر و عرفوا صدق قوله و أثّر فى أنفسهم فعل موسى و قوة الوحى فآمنوا و اعترفوا بنبوّته:فهدّدهم فرعون10 و أوعدهم بالقتل و الصّلب و قطع الأيدى و الأرجل فلم يرجعوا من ذلك11 يقينا منهم بأنّ فعل موسى ليس بسحر،و«قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات و الّذي فطرنا فاقض ما أنت قاض»و لم يؤمن بما أظهر12 موسى من أمر العصا13 و غيره من المعجزات الاّ السّحرة14؛لما قد ذكرنا أنّهم كانوا معدن السّحر و عرفوا
أن فعله ليس بسحر.فاما1 فرعون و قومه الذين جهلوا ذلك،فلم2 يزدادوا3 إلاّ طغيانا و كفرا و عتوّا و استكبارا و دفعوا تلك4 الآيات التى عاينوها و قالوا5 هو سحر،و قالوا إنّ موسى كبيرهم الّذي علمهم السّحر.و هكذا فعل سائر الأمم بأنبيائهم،كما فعلوا بعيسى حتى أحيا لهم الموتى و عمل6 تلك الجرائح العظيمة و عاينوها،فقالوا:هذا سحر.
و هكذا فعلوا بمحمد(ص)كانوا يطالبونه7 الآيات؛و كلّما رأوا آية، قالوا هذا سحر،كما8 قالوا لما انشقّ القمر:«هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» .ثم عاندوه و طالبوه بأمور9 عظيمة فقالوا:«لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ10 حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهٰارَ خِلاٰلَهٰا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ الْمَلاٰئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقىٰ فِي السَّمٰاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ» فكانوا يسألونه هذه الآيات11 العظام.فقال اللّه عزّ و جلّ:«قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً» أى أنّ هذه القوّة هى للّه12 عزّ و جلّ،و لا يقدر أن يأتى بشيء منها إلاّ ما يؤيّده اللّه به،و أنّه يفعل ما يؤمر به.فان أعطاه اللّه آية أظهرها،و إلاّ لم13 يسألها؛لأنّ اللّه عزّ و جلّ قد كان أعلمه أنّهم لا يؤمنون بالآيات و ينسبونه إلى السّحر،فقال عزّ و جلّ:
«وَ لَوْ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ كِتٰاباً فِي قِرْطٰاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ مُبِينٌ» و قال:«وَ لَوْ أَنَّنٰا نَزَّلْنٰا إِلَيْهِمُ الْمَلاٰئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتىٰ وَ حَشَرْنٰا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ» و أعلمه عزّ و جلّ أنّ سبيله سبيل من تقدّمه من الأنبياء(ع)،فقال:«قالوا
لو لا اوتى مثل ما اوتى موسى؟او لم يكفروا بما اوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا و قالوا انّا بكل كافرون».و مثل هذا فى القرآن كثير ممّا يدلّ أن الذين شاهدوا الآيات و المعجزات من الأنبياء(ع)لم يؤمنوا بها و نسبوها إلى1 السّحر و سمّوا الأنبياء سحرة،فكيف يؤمن الملحدون بآيات محمّد (ص)التى مضت2،و لم يعاينوها،و لا يقرون بأنّ لها حقيقة،و يزعمون أنّها لا تصحّ شهادة لأهل الشّريعة.
(4)و لكنا نحتج عليهم بما هو قائم فى3 العالم من معجز4 محمد(ص) مشهور واضح و برهانه معه،يشهد أنّه ليس من فعل السحرة،و أنّه ليس فى وسع المخلوقين أن يأتوا بمثله و لا يقدر على دفعه الاّ معاند؛لأنّ فعل السّحرة يبطل و لا يثبت فى العالم،و معجز محمّد(ص)الّذي هو القرآن، قد خلد على الدّهر،و يزداد قوّة على مرور الأيام.و سوف نكشف عن البرهان،فيه ليعلم5 الملحدون أنّ الأمر6 كما دعا إليه(ص)العرب حين قالوا:
«لو نشاء لقلنا مثل هذا»فقال اللّه عزّ و جلّ ردّا عليهم:«أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ قُلْ7 فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيٰاتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ» ثم خفف المطالبة فقال:«وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ» ثم عرّفهم عجزهم،فقال:«فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ» :فقوله«فان لم تفعلوا»يعنى أنّهم لم يفعلوا ما ادّعوا ان يأتوا بمثله،و قوله«و لن تفعلوا»أى لا تفعلون فيما8بعد
أبدا.ثم عرّفهم أنّ ذلك ليس1 فى وسع الخلائق،فقال:«لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» .و قد2 قدّمنا القول إن الملحد لم يخطى سنّة من تقدّمه حين زعم أنّه يأتى3بألف مثله،فانّه4 لم يحصل من هذه الدّعوى5 على أكثر6من أن صارفى جملة من ذكره اللّه حيث يقول:«وَ مَنْ قٰالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ7 الظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلاٰئِكَةُ بٰاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ الْهُونِ بِمٰا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آيٰاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» .
على أنّا نقول فى جوابه حين زعم أنّ الشّعر و الخطب و السّجع و غير ذلك هو مثل القرآن،أنّه قد أحال فى هذه الدّعوى لأنّ الّذي يجمعه القرآن،لا يجمعه شيء مما ذكره فى ظاهر اللّفظ دون القوة العظيمة التى هى فيه.فانّ كلّ صنف مما ذكره هو8 نوع واحد.فالشّعر هو كلام فصيح موزون بالأعاريض،و هذه فضيلة لا غير؛و الخطب البليغة9 هى10 فصاحة و إيجاز لفظ لا غير؛و السّجع هو كلام فصيح مسجّع لا غير،الاّ ما كان من سجع الكهّان،فانّه يجمع ذلك11 إلى تلك الأسباب التى كانوا يخبرون بها لا غير؛و القرآن يجمع هذه المعانى كلّها التى12 هى فى الشعر و الخطب البليغة و السجع فى ظاهر الأمر،دون سائر الأسباب التى يجمعها.و نحن نذكرها و نشرح الحال بها إن شاء اللّه،فنقول:
انّ العرب اشتبه عليهم الأمر فيه،لأنّه جمع هذه المعانى كلّها.فقالوا
مرّة هو شعر.فشبّهوا السّور بالقصائد،و الآيات بأبيات1 الشّعراء؛كما قالت أمّ جميل بنت حرب بن2 أميّة امرأة أبى لهب حمّالة الحطب لما3نزلت سورة«تبّت»4أخذت5 فهرا6 تريد أن تضرب به رسول اللّه(ص)و كان جالسا عند الكعبة و معه أصحابه،فقالت لهم:قد بلغنى أنّ محمدا7 هجانى، و و اللّه لو وجدته لضربت بهذا الفهر رأسه و انّى و اللّه لشاعرة8،ثم قالت9
مذمّما10 عصينا11و دينه أبينا12
فقال النبىّ(ص)لو رأتنى لما قالت ما قالت13 و لكن قد أخذ اللّه ببصرها.
فهكذا مرّة شبّهوه بالشعر،و مرّة شبّهوه بالخطب البليغة14 لما فيه من ايجاز القول و سهولة الألفاظ و أحكام المعانى؛و مرّة شبهوه بسجع الكهّان لما فيه من مشاكلة للسّجع،و لأنّ الّذي كان يخبر به محمّد(ص)من الأمور الغائبة كان يصحّ،كما كان الكاهن يسجع بأشياء ثم يقع ذلك الأمر الّذي يخبر به،كما سجع سطيح الشّامى الكاهن فى أمر الحادثة التى كانت ببلاد العجم ليلة ولد15 رسول اللّه(ص)من ارتجاس الايوان و رؤيا الموبدان و غير ذلك.فسجع حين سئل عن ذلك،و أخبر بما يكون من أمر محمّد(ص)فخرج الأمر كما قال،و حديثه مشهور.
فمن أجل ذلك شبّهوا القرآن بسجع الكهّان و قالوا لرسول اللّه(ص)هو كاهن كما ذكرنا أنّه كان16 يخبر بأمور غائبة ثم تصحّ17.فاشتبه على العرب أمر القرآن فمرّة قالوا هو شعر،و مرّة
قالوا هو سجع الكهّان2 و مرّة1 قالوا هو بلاغة و فصاحة و لو شئنا لقلنا مثل هذا3.و لما اعيتهم الحيل و لم يدروا من أىّ صنف هو،اجتمعوا و تشاوروا4فى ذلك و تدبّروا فيه؛فانتدب الوليد بن مغيرة المخزومى و كان مبجلا5فيهم،فقال6:قد تدبّرت كلام محمد و ما هو الاّ سحر يؤثر،ألا ترونه كيف يأخذ بقلوب الناس؟!فقالت قريش:صدقت و القول ما قلت؛و اتّفقوا بعد ذلك على أنّه سحر.و كان هذا التّشبيه عندهم أوكد و أبلغ من سائر ما قالوا فيه7 إنّه شعر و خطب و سجع.فأنزل اللّه عز و جل فى ذلك و فى الوليد بن المغيرة:«ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مٰالاً مَمْدُوداً» إلى قوله:
«إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ فَقٰالَ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ الْبَشَرِ» فاستنكفوا و استكبروا و أدبروا عنه و قالوا كيف اختار اللّه محمّدا من بيننا، فهلاّ اختار عروة بن مسعود الثّقفى،فانّه اكثر أهل مكّة و الطائف مالا و أوفرهم عقلا و أعظمهم جاها؟!ما هذا إلاّ سحر!!فانزل اللّه عزّ و جلّ:
«وَ لَمّٰا جٰاءَهُمُ الْحَقُّ قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ وَ إِنّٰا بِهِ كٰافِرُونَ وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» ،يعنون به8 عروة بن مسعود،ثم قال:«أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ» أى إنّ اللّه عزّ و جلّ يقسم فى خلقه نعمه دينا و دنيا،فمن شاء رزقه من9 أعراض الدّنيا،و من شاء اختاره للنبوّة و اختصّه برحمته و جعله سببا لرحمته بعباده،و هو يعلم بحيث يجعل رسالته10؛ لأنّه جلّ ذكره أعرف11بنيّات الخلائق،و ليست القسمة إليهم فيختاروا من
يشاءون1؛بل الله يخلق ما يشاء و يختار ما كان لم الخيرة؛سبحان اللّه و تعالى عما يشركون.فالقرآن فيه هذه المعانى التى ذكرناها و يجمعها.و سائر كلام العرب كلّ نوع هو2 فى فن واحد.
(5)ثم فى القرآن من الأمور الجليلة التى لا يقوم الدّين و الدّنيا و سياسة العالم الاّ بها مثل:الدّعاء إلى توحيد اللّه عزّ و جلّ و الحثّ على عبادته و تحميده و تسبيحه و تهليله و تمجيده و الثّناء عليه بما هو أهله3،و الرّغبة إليه بالدّعاء و التّضرّع و المسألة فى4 العفو و المغفرة و الرّهبة منه و التّصديق برسله و إثبات طاعتهم و الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر و التّرغيب5فى الجنّة و التّرهيب6 من النّار و الوعد و الوعيد و الترغيب فى الآخرة، و الزّهد فى الدّنيا،و البسط من رجاء7 أهل التّوحيد8 و أهل الايمان به فيما وعدهم اللّه عزّ و جلّ من الرّأفة9بهم،و اجتناب القنوط من غفران اللّه،و تخويف أهل الكفر بشدّة10 العقاب و أليم العذاب،و الأمر بمكارم الأخلاق و معاليها مثل11:صلة الرّحم و بذل المعروف و رعاية الحقوق و الوفاء بالذّمّة12و العهد و برّ الوالدين و الأمر بالإحسان و النّهى عن الفحشاء و المنكر و البغى، و اجتناب الشرّ و الأعمال النّجسة و الفواحش القذرة،و الأمر بالاقتصاد و ترك البخل و التّقتير13 و الاسراف،و إقامة الحدود فى القتل و فى أخذ أموال النّاس بغير حقّها و الفساد فى الارض و الزّنى و السّرق و غير ذلك،مما حدّدت فيه الحدود و بيّنت فيه الأحكام،و قام بها الدّين14 و سياسة الدّنيا،و أقرّ بنفعها
و فضلها العدوّ و اعترف به كما اعترف به الولىّ؛كما ذكر1 عن بطريق البطارقة بأرمينية أنّه قال:ما خفى عليّ وجه السّياسة بعد أن سمعت الآية من القرآن «خذ العفو و امر بالعرف2 و اعرض عن الجاهلين»و لعمرى قد وقف مع كفره بالقرآن حين عرف لطائف المعانى التى فى هذه الآية فى باب السّياسة و مكارم الأخلاق.و لها3 فى القرآن نظائر كثيرة فمنها ما خرج على الاختصار و الايجاز،و منها ما خرج على الشّرح و التّفسير.
و فيه أخبار القرون4 الخالية و أنباء القرون الآتية و ضرب5 الأمثال.
فجمع النبي(ص)فى هذا الكتاب من هذه الشرائع و الآداب التى قد ذكرناها إلى غير ذلك ممّا يطول به6 الشّرح،بتأييد من اللّه عزّ و جلّ و وحى منه إليه؛و هو أمّىّ،كان لا يقرأ كتابا قبل ذلك و لا يكتبه،و لم يكن يخالط الملوك و الرّؤساء،و لا كان يختلف إلى العلماء،و الادباء7 كما وصفه اللّه عزّ و جلّ فقال:«وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتٰابَ الْمُبْطِلُونَ.»
و هذا من معجزاته أن8 يأتى>صلوات الله عليه<بمثل هذه الأسباب الجليلة الخطيرة،و يجمعها9 فى كتابه،و هو أمّىّ لم يقرأ و لم يكتب قبل أن أوحى إليه،فجرى على تلك السّنّة،و لو أراد أن يكتب لفعل10؛فانّ الّذي أورده فى كتابه من11 ذكر حروف المعجم التى لا يعرفها الأميّون يدل على ذلك.فأين الملحد المعتوه حين زعم أنّه ليس فى القرآن
فائدة و لا نفع و لا ضر1،ثم قرنه بالمجسطى و كتب الهندسة و الطبّ و المنطق و غير ذلك و جعل هذه الكتب نظائر للقرآن،بل فضّلها عليه،و أبطل فضائل القرآن.فمن2 لم يؤمن بشرائعه و بما فى إقامتها من النّفع الّذي وعد3 اللّه القائمين بها من الثّواب العظيم،و الضّرّ الّذي أوعد التّاركين لها من العذاب الأليم،كيف عمى عن الّذي فيه من مكارم الأخلاق و الأمور الجليلة التى ساس بها الأنام4؟!و كيف لم يتدبّر أمر الكتب التى ذكرها، التى ليس فيها من التّدبير ما يسوس به الانسان أمر بيته5 و أهله و ولده،كما قد قامت سياسة العالم بأحكام القرآن و حدوده؟!فانه ليس فى هذه الكتب إلا آداب6 إن تعلّمها7 الانسان سمّى متأدّبا بنوع من الأدب8،و إن لم يتعلّمها9لم يضرّه ذلك شيئا.و لو أنّ إنسانا عاش ألف سنة10 لا يعرف المجسطي و اقليدس و كتب الهندسة11 و الطبّ و المنطق،و لم يكن منجّما و لا مهندسا12و لا طبيبا،لكان مثاله مثال من لا يكون بنّاء و لا خيّاطا و لا حائكا و لا صائغا13، و لكان يكفى ذلك و لا يضرّه ترك تعلّمه ذلك و النّظر فيه فى دينه و لا مروءته14.
و جميع النّاس لا يستغنون عن أحكام القرآن و الشّرائع،و لا بدّ لكلّ واحد أن ينظر فى شيء منها مقدار ما يكون داخلا فى جملتها،كما أنّ كلّ مسلم لا بدّ له أن يحفظ سورتين من القرآن،و كذلك كلّ ملحد15 متستّر16بالاسلام، لا بدّ له من ذلك،و إن ترك ذلك طرفة عين هلك فى أولاه و أخراه17.
فان قال قائل،إنّ العالم كان يساس قبل نزول القرآن،قلنا:قامت سياسة العالم قبل نزوله فى جميع الممالك برسوم الأنبياء(ع)التى أسّسوها على الدّيانة،و بآثارهم فى جميع الممالك.فاهل كلّ مملكة كان يسوسهم1 من يملكهم بتلك الرّسوم.فلما جاء القرآن طبّق الأرض و كبس2العالم تحت أحكامه و ظهر3 على جميع الأديان و على جميع الأمم و قهر الأنام كافة.فاين يقع النّفع و الضّرّ الّذي فى تلك4 الكتب من النّفع و الضّرّ الّذي فى القرآن؟فانّ أحكام القرآن قد نفعت المؤمن و الكافر فى أمور دنياهم،لا يستغنون عنها5 يوما واحدا،و خصّت المؤمنين دون الكافرين بالنّفع6 فى أخراهم.فهلاّ التجأ الملحد إلى المجسطي و كتب الهندسة و الطبّ و المنطق،فحقن بها دمه و حصّن ماله و ذريّته حتى يكون خارجا من7 أحكام القرآن الّذي زعم انه لا نفع فيه و لا ضرّ8 كما فى تلك الكتب، و جهل ما قد نفع الملحدين حين دخلوا تحت أحكام القرآن و حقنوا دماءهم و حصّنوا9 أموالهم و ذراريهم و هل ينكر هذا الشّأن العظيم من نفع القرآن و ضرّه إلاّ معتوه و نعوذ باللّه من الكفر لنعم اللّه و العمى فى دينه.
(6)و قد ذكرنا طرفا من الأمور الجليلة التى يجمعها القرآن دون القوّة الالهية التى هى فيه كامنة مستسرة10،التى هى المؤثّرة فى العالم بهذه الأسباب الظّاهرة،التى جمعت الخاصّ و العامّ و المؤمن و الكافر.و تلك القوة هى للخاصّة دون العامّة،و للمؤمن دون الكافر؛و ذلك أنّ اللّه عزّ و جلّ
اصطفى محمّدا(ص)لنبوّته و بعثه1 إلى خلقه ليدعوهم إلى عبادته و اختاره من2 الأنام؛فكان أطهر النّاس نفسا و أطيبهم روحا،و كانت روحه النّاطقة و نفسه الحسّية أبلغ تهيّؤا لقبول آثار الوحى،و أشدّ مشاكلة للرّوح المقدسة التى أيّد اللّه بها أنبياءه و رسله،من جميع أرواح البشر و أنفسهم، فأثّر ذلك الوحى فى نفسه لصفائها من كدورة العوارض النّفسانيّة التى تكدّر الأنفس،مثل الهوى و الحسد و الكبر و الحرص و البخل و الطّغيان و الاستنكاف و غير ذلك ممّا3 يشاكلها،الضّارّة بأنفس البشر،المفسدة لها.
فكان هو(ص)أصفى الخلائق أجمعين نفسا من4 الأوساخ المدنّسة للانفس؛و أثّرت تلك الرّوح المقدّسة فى نفسه الحسيّة و امتزجت بروحه النّاطقة الطيّبة النقيّة من هذه الآفات و النّجاسات،و قبل هذه الموهبة من ربّه عزّ و جلّ،و عرف بها عظمة اللّه سبحانه5 و ربوبيّته و إلهيّته و وحدانيّته و جلال سلطانه،و قام بخالص6 العبوديّة،و قويت نفسه بذلك التّأييد،و أيقن7بكلّ ما وعد اللّه،و قام بأمره عزّ و جلّ،باذلا نفسه له،موقنا بكل ما أوحى إليه8،مؤمنا بكل ما أعلمه أنه9 يبلغه إذا قام بأمر ربّه من الشّرف الرّفيع فى أولاه و الدّرجات العلى فى أخراه،لم يشكّ فى ربّه و لا ارتاب بوعده.
فلمّا أثر ذلك الوحى فى نفسه و قبله بقلبه و صوّره فى فكره،أظهره بنطقه.
فذلك11 الوحى10 أوكد أسبابه فى نبوّته و أعلى حجج اللّه على بريّته و أوضح ما أتى به من براهينه و بيّناته12 و معجزاته،و كان ما13 أظهره بمنزلة ضياء يطلع
فى العالم؛فكذلك أضاء فى قلوب البشر،فقبله من كان1 أقرب النّاس إليه فى الصّفوة و الطّهارة،لا فى قرب البشريّة،بل فى القرب2 الروحانىّ من طهارة الأنفس و سلامتها من الآفات و قرب بعضها من بعض،و المشاكلة و الائتلاف؛فأثّر كلامه فى أنفس الذين3 قبلوه و اختلط بها كاختلاط الرّوح المقدسة بنفس محمد(ص)،فكان فضله على من قبل منه كلامه كفضل ما قبله عن ربه بواسطة4 من الملائكة الروحانيين فى حد5 اللطافة على من6قبله من الناس بواسطة من الملائكة>و<منه(ص)على سبيل النطق.
فمن كان منهم أصفى نفسا،كان أحسن تهيّؤا لقبول ذلك الكلام و لتأثير تلك القوة فى نفسه و قبله7 الواحد8بعد الواحد يوما يوما،و هو يلقيه إليهم على حسب ما يوحى إليه و يؤثر ذلك فى الأنفس على حسب تصفيتها،و تنبو عنه الأنفس الكدرة الظّلمانيّة التى قد أفسدتها العوارض النّفسانيّة التى قد ذكرناها، و منعتها عن الطّهارات.فعلى قدر سلامة الأنفس من تلك العوارض و صفائها، و على مقدار امتزاجه بها،كان قبولهم9 ما أتى به محمّد(ص).و وقعت10 عليهم الأسماء على طبقاتهم،فطائفة سمّاهم مسلمين،و طائفة سمّاهم11 مؤمنين،و طائفة سماهم كافرين،على حسب الاستحقاق،و كذلك سائر الأسماء و النّعوت التى سمّا بها أمّته و نعتهم بها.و أكثر هذه الأسماء لم تعرفها الأمّة التى بعث فيها،بل هو رسمها بتأييد اللّه إيّاه على حسب قبولهم ما أتى به.
فشرق ذلك النور على العالم و فشا فى قلوب البشر و أثّر فيها و صار
بمنزلة بذر يبذره1 الزّراع فى أرضه،فمنه ما يقع على صخرة و منه2 ما يقع على سبخة،و منه ما يقع على صعيد طيب؛فعلى حسب ذلك يزكو و ينبت،كما قد ذكرنا أنّه مكتوب فى الإنجيل.و بهذا وصف عزّ و جلّ محمّدا3(ص) و أصحابه و من تبعه و أخذ عنه و قبل كلامه،فقال عزّ و جلّ:«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ» .الى قوله:«كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوىٰ عَلىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّٰاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّٰارَ» فشبه تبارك اسمه4 محمّدا و نبوته بالزّرع و شبّه أتباعه و أصحابه بشطإ5 الزّرع و الشّطأ هو فراخ الزّرع و صغاره التى تنبت6 حوله بمنزلة الحبّة التى تنبت ساقا واحدة7،ثم ينبت حول تلك السّاق فراخ كثيرة8،فمن أجاب محمّدا(ص)إلى يومنا هذا،هم زرعه،و غذاؤهم القرآن و به قوامهم.و لو لا القرآن الّذي ورّثه محمد(ص)أمّته و ما فيه من القوّة الشّديدة التى قد جمعت9 قلوب البشر على قبوله و قبول أحكامه،لما استقام أمر الأنام و لا اعتدل10 أمر العالم.و لو لا11 ما أثّرت تلك القوى الرّوحانيّة فى أنفس البشر لما قبلوه و لما بقى أثره فى العالم إلى هذا اليوم.و لكنّه يزداد و يقوى على مرور الأيّام لأنّها قوة إلهيّة مقدّسة من كلام12 اللّه عزّ و جلّ.
و لو لا ذلك لكان سبيل القرآن سبيل مسيلمة و طلحة و الأسود العنسيّ و غيرهم من المتنبّين13 الكذّابين و لكان رسمه لا يبقى فى العالم،كما أنّ كلام أولئك و رسومهم لم تبق فى العالم14.و من أجل15 هذه القوّة التى فى القرآن سمّوه
سحرا،لأنّ محمّدا(ص)كان يتلوه على النّاس،فيقع فى أسماعهم و تؤدّيه الأسماع إلى القلوب،فيجذب القلوب1 إلى طاعته بتلك القوة الرّوحانيّة الإلهيّة التى هى مستترة كامنة فيه،التى من أجلها قالت قريش و العرب إنّه سحر و إنّ محمّدا هو ساحر على حسب ما يدعيه النّاس أنّ السّحر يؤثّر فى أنفس البشر و أنّ كلام السّحرة و ما يكون منهم من الرّقى و النّفث فى العقل و أصناف السّحر2 تؤثّر فى القلوب و تقلبها من الألف إلى التّعادى و من التّعادى إلى الألف،و من المحبّة إلى العداوة و من العداوة الى المحبّة3إلى غير ذلك من التأثيرات التى تقع من فعل السّحرة فى أنفس البشر.و هذا شيء قد اتّفقت عليه أمم من النّاس و إن أنكره قوم و دفعوه؛فانّ أكثر الأمم التى قد خلت فيما مضى من الدهور و الأعصار،إلى يومنا هذا،قد قالت به و صحّحته و زعمت أنّ عينه قائم،كما يذكر عن الهند خاصة من الأمور العظيمة فى الرّقى التى4 تذكر عنهم،أنّهم يحلّون بها و يعقدون،و يذكر أنّهم يرقون المسلوع و من سقى السّم فيخرجون السمّ،و ما يذكر أنّهم يظهرونه من التّخائيل التى يتحيّر فيها الأريب اللّبيب5،و ما يذكر عنهم من أمر النّكر،و ما يفعلونه فى باب المطر و البرد و حبسه و غير ذلك من أصناف السّحر.
هذا6،و إن لم يصحّ كلّه فانّا نقول إنّ أصل السحر صحيح،و قد خلط به كثير من المخاريق؛لأنّ القرآن و سائر كتب اللّه عزّ و جلّ قد نطقت به و جماهير النّاس يقرّون به و لا يدفعون أنّ أصل السّحر صحيح.و من أجل ذلك قالت الأمم لأنبيائهم سحرة،كما قالت العرب إنّ محمّدا(ص) هو ساحر و قوله سحر.و كانوا يقعدون بكل7 سبيل و يصدّون عنه النّاس،
مخافة أن يسمعوا كلامه فيؤمنوا به.و كانوا يسمّون1 من سمع كلامه و آمن به صابيا و قالوا:«صبا فلان و فلان».و معنى التّصابى فى كلام العرب هو العشق و المحبّة.فلمّا رأوا من يسمع كلامه يحبّه2 و يؤثّر فى قلبه و يختلط بنفسه،قالوا له«قد صبأ»و كانوا يصدّون كلّ من ورد مكة من أهل الوبر و المدر عنه و ينهونه عن الاستماع منه.و ذلك أن العرب كانت تأتى مكة حجّاجا و فى التّجارات و كانت مواسمهم3بمكة قائمة،و كان رسول اللّه(ص) يعرض عليهم الاسلام و يتلو عليهم القرآن فيؤمنون و تخبت له قلوبهم و ينقادون له و يرجعون إلى قبائلهم فيدعونهم4 الى الاسلام5؛كما روى أنّ الطفيل6بن عمر و الدّوسى7 ورد بمكّة8 و كان لبيبا شاعرا و رئيسا فى قومه، فاجتمعت إليه9 قريش و نهوه أن يقرب رسول اللّه(ص)و قالوا له:كلامه سحر يفرّق بين المرء و زوجته و أحبّته و عشيرته و إنّا10 نخشاه عليك و على قومك؛ فلا تكلّمه و لا تسمع من قوله،فانّه يسحرك بكلامه.فعمد إلى كرسف و حشا به أذنيه فرقا من أن يسمع11 قوله،و غدا الى المسجد و طاف بالبيت،و اذا رسول اللّه(ص)يصلى عند الكعبة و هو يتلو هذه الآية:«إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» فوقر ذلك فى أذنيه12.فلمّا سمعها، أخرج الكرسف من أذنيه و رمى به و قال:و اثكل أمّى،إنّى لبيب شاعر أعرف الحسن من القبيح،ما لى أتّهم عقلى و لا أتّهم عقول قريش؟!ثم أقبل إلى النّبي(ص)فقال:أعد عليّ كلامك يا محمّد!فأعاده عليه و زاده.
فقال:و اللّه إنّ هذا لو لم يكن أيضا1 دينا لكان حسنا،و إنّى لأشهد2 انّك صادق3.فأسلم4 و حسن5 إسلامه و رجع إلى قومه و دعاهم الى الاسلام.و قد كان سأل النبىّ(ص)أن يعطيه آية،فقال:«اللّهم اعطه آية»و مسح سوطا كان فى يده.فلمّا طلع على قومه من الثّنيّة،رأى قومه نورا يسطع6من رأس سوطه؛فسألوه عن شأنه،فأخبرهم،فأسلموا و قدموا على رسول اللّه(ص)و شهدوا معه فتح مكة.و له فى ذلك شعر يقول فيه:
رأيت علامة و اللّيل داج
على ظهر الطّريق كضوء7برق
علامة احمد اذ سال ربّى
فكانت آية مصداق صدقى
و هى قصيدة.فكان أصل إسلامه ما وقع فى قلبه من قوة كلام رسول اللّه(ص).
و هكذا سبيل هذه القوّة المستسرّة فى القرآن التى وقعت فى أنفس النّاس و ألّفت بين قلوبهم بتأييد من اللّه عزّ و جلّ.و هكذا قال الله تعالى ذكره89:«هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ10 وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» .و لو لا أنّ11القرآن و ما فيه من القوّة التى ألّفت بين قلوب النّاس و جمعتهم على قبوله12و قبول أحكامه ثم اجتمع أهل الأرض على أن يفعلوا ذلك،لما قدروا عليه13.
و الّذي ذكره الملحد أنّ الّذي جمع هذه الأمّة على قبول أحكام14الاسلام و الإقامة عليها،سببه15 الألف و العادة و مرّ الأيّام،فليست له فى ذلك
حجّة؛لأنّه لم يتقدّم إلف و لا عادة لأصحاب رسول اللّه(ص)الذين آمنوا به بمكّة1 عند ظهوره قبل أن قوى الاسلام،و لم يعتادوا ذلك،و لا مرّت به الأيّام بالالف.و إنّما سمعوا كلامه،فقبلوه و آمنوا به،كما ذكرنا من شأن2 الطفيل بن عمرو3،و أثّر القرآن فى قلوبهم و جمع بينها و ألّفها على طاعته،و صبروا معه على الأذى الشديد؛فانهم كانوا يفتنون و يعذبون بأنواع البلاء4 ليرجعوا عنه،فصبروا و لم يرجعوا عنه كما روى من5حديث بلال:أنّ ورقة بن نوفل مر على بلال و قد6 أخذه أميّة بن خلف7الحجمى و ألقاه على ظهره فى الرّمضاء و وضع الحجر على بطنه و هو يقول:
هذا دأبى و دأبك أو8 أن تكفر بمحمد.و بلال يقول:أحد أحد.و ورقة بن نوفل يقول:نعم يا بلال!أحد أحد.فصبر على ذلك و لم يرجع عن الاسلام.
و مثل9 حديث بلال،فيما كانوا يلقون من قريش عدد كثير تطول الخطب بذكرهم فعلى هذا كانوا يؤذون و يصبرون و يزدادون ايمانا و يقينا، حتى صار الأمر بهم إلى الجلاء10،فخرج كثير منهم مهاجرا إلى أرض الحبشة،ثم اشتدّ الأمر بهم فهاجروا الى المدينة11 و هجروا الآباء و الأمّهات و الأبناء و البنات و الإخوة و الأخوات و العشائر و القرابات و قطعوا الأزواج و الأحبّة و لحقوا برسول اللّه(ص)فى دار الهجرة المدينة؛و خرجوا إليه إرسالا كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضا،ينقطع الرجال عن حلائلهم و النّساء عن أزواجهن طيّبة بذلك أنفسهم12،مستميتين13
فى حب رسول الله(ص)تابعين1 له على2 دينه،قابلين لسنته و أحكامه باذلين3له4 أنفسهم5 و مهجهم6 و أموالهم.و على هذا تابعه من آمن به فى دار هجرته لمّا سمعوا القرآن و أثّرت7 قوته فى قلوبهم،فآووه و نصروه،و أحبوا من هاجر إليهم،و اتّخذ بعضهم بعضا إخوانا،و واسوهم بأموالهم و آووهم8 فى ديارهم،و نابذوا آباءهم و أبناءهم و عشائرهم،فقطعوا كل عهد و ذمّة كانت بينهم و بين من يحاددهم،و ردوا كلّ جوار و حرمة كانت بينهم بعضهم فى بعض،و آثروا محمدا(ص)و من هاجر معه إليهم،على جميع من ذكرنا من القريب و البعيد،و نزلوا على حكمه،و لم يقبل إيمانهم حتى حكّموه فى أنفسهم و أموالهم و ذراريهم،و رضوا بذلك و سلّموا9 له، و هم مختارون10 غير مجبرين و طائعون غير مكرهين؛و تلا عليهم11 قول اللّه عزّ و جلّ:«فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» ،و قوله:«مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً» ،فقبلوا ذلك منه و ألزمهم هذه الشّرائط،و هو رجل وحيد فريد12 لا سلطان له عليهم و لا مال له و لا عشيرة تعينه و لا قبيلة.فقبلوا منه هذه الشرائط طيّبة بذلك أنفسهم مع ما قد جبل اللّه عليه البشر من حبّ من أحسن إليها،و النّفور ممّن أساء إليها؛و لم ينالوا13 منه من أمر الدّنيا شيئا14،من أعراضها15 التى16 يعدّها من يؤثر الدّنيا إحسانا،بل نالوا منه هذه الأسباب التى يعدونها إساءة اذا آثروا الدّنيا على الآخرة؛كما قالت له قريش:قطعت أرحامنا و سفّهت أحلامنا و عبت أدياننا
و فرّقت بيننا.و من1 آثر الدّين على الدّنيا قبل ذلك من محمّد(ص)وعّده إحسانا.
و أثّرت قوّة كلام اللّه فى قلوبهم و لو لا ذلك لما أجابوه إلى ما دعاهم إليه من ترك الشّهوات الدّنياويّة و من قطيعة من ذكرنا من الأحبّة،و لا تابعوه على بذل الأموال و المهج له فى حياته،و التّمسك2بما شرعه لهم بعد وفاته و التّشديد فيه،و ما ظهر منهم من استماتتهم فى ذلك و اعتكافهم3 عليه و محبّتهم له و التزامهم4 إيّاه طائعين غير مكرهين.فأىّ5 إلف و عادة تقدّمت لهم،و أىّ أيّام مرّت عليهم فى بدء أمرهم،و سبيلهم ما قد وصفناه؟!و أىّ حجّة تثبت للملحدين بما يدّعونه فى باب الألف و العادة؟!!
فان قال6 قائل،إنّه7 حارب8 من خالفوه و أجبرهم على قبول ما أتى به،قلنا:قبلوه فى بدء9 أمره و هم مختارون،حتى قوى أمره؛ثم عانده النّاس من كل وجه و أظهروا منازعته؛فلم يحب10 اللّه عزّ و جلّ له قبول الصّغار على نفسه بعد أن أظهره اللّه.فحينئذ أكره المستكبرين و العتاة11 الذين كانوا يفتنون أصحابه،على قبوله،و ألزمهم الذّلّ،و أعلى المؤمنين به عليهم.و بذلك أمره اللّه عزّ و جلّ،فقال:«وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ» و إلاّ،فانّ أوّل أمره لا يخفى،أنّه قام فيهم و هو رجل واحد،ثار بين ظهرانى12 قومه،ما أظهر و أوحى إليه ربّه؛فجفوه،و استخفّوا به،و بلغوا من أذاه كلّ غاية،و خرج فى بعض أيّامه حين رهقه
الأمر إلى الطّائف،و عرض1 نفسه على أهلها؛فنظر إليه عبديا ليل بن عمرو، و هو قاعد فى ظل حائط له،يتّقى حمارة القيظ عن نفسه و كان عبد ياليل2بن عمرو سيّدا فيهم متكبّرا طاغية.فقال له:قم يا محمّد عن ظلّ حائطى،فرفع رأسه إلى السّماء و قال:«يا رب،إليك أشكو3 ضعفى و قلة حيلتى و هوانى على الناس.ان لم يكن بك سخط،فلا أبالى،و لكن عافيتك أوسع لى».
و اجتمعت4 قريش و تعاقدوا فيما بينهم و تحالفوا و كتبوا بينهم كتابا،و علقوه فى الكعبة.و اتفقوا أن يقطعوه5 و يقطعوا من تابعه، فلا يخالطوهم و لا يبيعوا منهم طعاما و أن يمنعوا من مخالطتهم كلّ حاضر و باد6.و أخرجوهم إلى شعب مكّة.و بقوا فيه على هذه الحال.و كتبوا بذلك كتابا و علقوه7 فى الكعبة حتى استقبح ذلك قوم من قريش و اجتمع نفر منهم و مزّقوا8 ذلك الكتاب و قالوا:مزّقوا هذه الصّحيفة القاطعة.
فلم يزل صلى الله عليه و آله و من آمن به يلقون هذا الأذى الشّديد من عشيرته و قومه إلى أن هاجر إلى المدينة على السبيل التى فى شهرتها غنية عن تطويل الخطب بها9،و هاجر على أثره أصحابه على نحو ما قد ذكرناه10.فأىّ إلف جمع المسلمين مع هذه الشّدائد؟و أىّ عادة تقدّمت منهم؟!و أىّ أيّام مرّت عليهم؟!و أىّ دهر أتى عليهم فى ابتداء أمرهم؟!فهذا كان أصل بنيانه و تأسيس أمر دينه،و ما بعد ذلك فهو فرع لذلك الأصل،فان11 كان ذلك الأصل مبنيّا على الإلف و العادة،فكذلك يجب أن يحكم فى الفرع،فانّ الفروع12 تقاس
على الأصول،و إلاّ فحجّة الملحد داحضة فى باب الألف و العادة.
و كانت سبيل1 الأنبياء(ع)كلّهم مثل سبيل محمّد(ص)و عزّاه >سبحانه<عمّا كان يتلقّى من قومه و أمره بأن يتأسّى بمن تقدّمه من الأنبياء(ع)فقال تبارك اسمه2:«وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلىٰ مٰا كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّٰى أَتٰاهُمْ نَصْرُنٰا وَ لاٰ مُبَدِّلَ لِكَلِمٰاتِ اللّٰهِ وَ لَقَدْ جٰاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ» و عزّى من آمن به3 فأمرهم أن يتأسّوا بمن تقدّمهم من أتباع الأنبياء(ع)،فقال جلّ ذكره:«وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمٰا وَهَنُوا لِمٰا أَصٰابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ مٰا ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكٰانُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الصّٰابِرِينَ» و انّما امتحن اللّه عزّ و جلّ4 الأنبياء(ع)فى ابتداء أمرهم بهذه المحن،لكى لا تثبت حجج المبطلين فى دعواهم5،أنّ الذين قبلوا الشرائع، قبلوها بالإلف و العادة،ثم نصرهم الله6بعد ذلك و قوّاهم7بعد الضعف و أعلى8أمرهم و شدّ بنيانهم بتأييد منه و بقوة الكلام الّذي أنزله عليهم و عمل ذلك فى قلوب البشر هذا العمل العظيم كما قد ذكرناه.و انّما أطلنا الكلام بذلك لأنّ الملحدين يحتجّون بهذه الحجّة الواهية و يزعمون أنّ الّذي جمع أهل الشّرائع على إقامتها،سببه الألف و العادة و مرور الأيّام و الدّهور.و هذه عندهم أوكد الحجج جهلا منهم و قلّة إنصاف9 و سوء تمييز؛إذ10 لا يميّزون حال الأنبياء فى ابتداء أمرهم كيف،كان؟و كيف امتحن اللّه الخلائق؟ لكى لا يقولوا11 إنّه إلف و عادة،و لئلاّ يكون للنّاس على اللّه حجّة،و ليعرفوا عظم12 شأن كتب اللّه13 المنزلة و كلام الأنبياء(ع)و ما فى ذلك من القوّة
الجامعة لهم المؤلفة بين قلوبهم على إقامة الشّرائع؛كما نرى كيف اختلطت تلك القوّة بأنفسهم و دبّت فى عروقهم و أثّرت فى قلوبهم كما تدبّ العقاقير فى أبدان البشر و تجرى فى عروقهم و تؤثّر فى طبائعهم.
(7)و إن1 قال قائل:فما بال هذه القوّة أثّرت فى بعض الانفس دون بعض؟ و لم أثّرت فى أنفس من تبع محمّدا(ص)و لم تؤثّر2 فى أنفس من خالفه و عاداه و أخرجه عن أهله و داره؟
قلنا:قد تقدّم القول منّا أن هذه الانفس تلحقها عوارض نفسانيّة لطيفة تفسدها و تنجّسها حتّى لا تقبل تلك التّأثيرات،كما ذكرنا فى باب الهوى و الحسد و الكبر و الجفاء و البغى و الطّغيان و الطّعن و العداوة3و الخيلاء و النّخوة و الافتخار و الحرص و الأمل و الشّك و الشّبهة و العتو و الشقاق4 و العزة و غير ذلك ممّا يشاكل هذه الاسباب المفسدة للانفس.فهذا كان5 سبب امتناع تلك القوّة من التّأثير6 فى قلوب من خالفه و عاداه.و مثل ذلك موجود بيّن7 فى العقاقير التى تؤثّر فى طبائع النّاس؛فان الطّباع إذا عارضتها8 علّة قويّة امتنعت من9 قبول أثر العقاقير فيها،و مثل حجر المغناطيس اذا حكّ عليه الثّوم لم يجذب10 الحديد،و لم يظهر أثر قوّته للعارض الّذي منعه؛فهكذا كان11 سبيل تلك القلوب التى لم تقبل12 أثر القرآن.
و كانت قريش قد بليت بهذه13 العوارض ما لم يبل به سائر العرب لانّهم كانوا من14 معدن الشّرف و العزّ و مصاص الفخر و كانوا سكان حرم اللّه و يقولون:
نحن آل اللّه و نحن أهل اللّه.و كانت العرب قاطبة تعرف ذلك لهم،فكانوا لا يغزونهم و لا يؤذونهم،كما كان يغزو1بعضهم بعضا،إكراما لهم و اعترافا بشرفهم.فكانت تلك النّخوة و ذلك الكبر و الافتخار قد ران على قلوبهم، و أفسدتها تلك العوارض المذمومة و كدّرتها2 و نجّستها،فامتنعت من3 قبول تلك القوّة4 الطّاهرة5 الطّيبة.و قبلتها القلوب التى سلمت من تلك العوارض وصفت منها.فمن أجل ذلك آمنوا بمحمّد(ص)و صبروا معه على الأذى الشّديد و المحن العظيمة،و لم يهنوا لذلك،و لا ملّوا و لا ضعفت نياتهم، بل كانوا يزدادون إيمانا إذا اشتدّ بهم6 الأمر و خوّفهم النّاس،و يقوى يقينهم كما وصفهم اللّه به،فقال7:«اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ النّٰاسُ إِنَّ النّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزٰادَهُمْ إِيمٰاناً وَ قٰالُوا حَسْبُنَا اللّٰهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّٰهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا8 رِضْوٰانَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ ذُو فَضْلٍ9 عَظِيمٍ» فأولئك أسلافنا10 الذين هم أسّ11 دعوة الاسلام و قواعد الشريعة.هكذا جرى أمرهم فى قبول الملّة اختيارا من غير إجبار و لا قهر،و ابتداء12 من غير إلف و لا عادة و لا مرور أيّام13 عليهم و لا دهور؛بل عملت تلك القوّة الالهية فى قلوبهم و ألّفت بينها و جمعتها على قبوله.و نحن فروع لتلك14 الاصول و خلف لذلك السّلف،و سبيلنا فى حبّ الاسلام و اجتماع القلوب15 عليه16سبيلهم.
فهذا فعل القرآن العظيم بقلوب البشر،أعدنا القول به مرة بعد مرة لتعرف-رحمك اللّه-عظم1 شأنه و ما فيه من المعجز الكبير الدّالّ على نبوّة محمد(ص)و هو ظاهر قائم فى العالم،يزداد قوة على مرور الأيّام تشتد2و تنمو فى مشارق الأرض و مغاربها،و تثمر هذه3 القوة هذه الثّمرة الزّكيّة كما ترى فى هذه الأمصار الكثيرة4 التى لا تحصى5 عددا فى كل مصر،فى قصبته و سواده،من المساجد ما يعجز الناس عن إحصائها،و كل مسجد يقوم فيه مناد ينادى فى كلّ يوم فى خمسة أوقات،يشهد بتوحيد اللّه عزّ و جلّ و بتصديق محمّد(ص)و بنبوّته6،و يدعو إلى إقامة شريعته بأعلى صوته مجّدا مجتهدا.فأى قوّة فى العالم عملت فى أنفس البشر ما عملت قوّة كلام اللّه الّذي جاء به محمّد(ص)؟و أىّ دلالة أوكد من هذه؛و أى معجزة أبلغ من القرآن؟و أى كتاب فى العالم أعظم نفعا للبشر منه فى الدّين و الدّنيا، به حقنت الدّماء و حصّنت الأموال و منعت7 أيدى الخلائق-بعضهم عن بعض-من الفساد فى الأرض؟و لو لا ذلك لهلك الحرث و النّسل و فسدت الأرض و ما فيها.
و هذا8 هو المثل الّذي طالب به محمّد(ص)النّاس أن يأتوا به حيث بلّغ عن اللّه عزّ و جلّ،فقال:«لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» و هذا هو المثل الّذي9 طالبنا به الملحد فى كتابه،فقال:إنّا نطالبكم بالمثل الّذي
تزعمون1 أنّا لا نقدر أن نأتى به،لا ما قاله الملحد،أنّ شعر الشعراء و خطب البلغاء و سجع الكهان هى أفضل منه،و أنّ القرآن خلو من هذه على زعم الملحد المعتوه و زعم أنّه يأتى بألف مثله.و أى مثل يوجد للقرآن فى العالم مع ما قد وصفناه2به3 من هذه القوة الشّديدة و هذا الفضل العظيم؟ هيهات هيهات!!لا يوجد ذلك أبدا.
(8)هذا،سوى ما فيه من المنفعة الدّينيّة التى بها نجاة المؤمنين به المقيمين لما فيه من الفرائض و السّنن،و ما وعدهم اللّه عليه من الثّواب العظيم و أعدّ لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون.و تلك هى النّعمة الكبرى4 و المنفعة العظمى و الشّرف الأعلى و الجزاء الأوفى.و إنّ الملحد قد سخر بنفسه5 و غرب فهمه6 و تاه عقله حين زعم أنّ المجسطي و كتب الهندسة و الطبّ و المنطق و النّجوم،أكبر نفعا من القرآن،و أنّه ليس فى القرآن فائدة و لا نفع و لا ضرّ،و أورد كلام المجانين الذين لا يعقلون ما يقولون.و قد كشفنا عمّا فى القرآن من النّفع العظيم فى الدّين و الدّنيا؛فليكشف لنا الملحدون عن الّذي فى المجسطي و كتب الهندسة و المنطق و النّجوم من النّفع،سوى ما فيها من الآداب التى لا يحوز نفعها من يتعلّمها و ذلك شيء نزر قليل،يشاكل سائر الآداب التى7 يتأدّب بها النّاس،و يستغنى عنها من لا يشتغل8بها فى دينه و دنياه.و أنت لا تجد فى دهماء النّاس فى كلّ مصر من يشتغلون9بها إلاّ رجلا أو10 رجلين،بل11أمصار كثيرة ليس فيها أحد يعرفها.و قد اتّفق المسلم و الملحد على12 أنّ
المجسطى و كتب الهندسة و الطبّ و المنطق و النّجوم ليس فيها نفع من جهة الدّيانة.و أمّا فى أمور الدّنيا،فكل الصّناعات أكبر نفعا منها، و أهلها أوفر حظّا و أغنى بما فى أيديهم ممّن يكسب بتلك الكتب.و من ازداد فيها نظرا1،إذا2 لم يكن متمسّكا بحبل الشّريعة و التّوحيد و النبوّة، مستبصرا فيه،مستحكم المعرفة بأمر الدّين،أدّاه ذلك الى التّعطيل و الخروج إلى3 الالحاد،و يدعوه ذلك إلى الاشتغال بكتب هؤلاء الذين تشبّهوا بالفلاسفة و القدماء الحكماء،و تسمّوا4بأسمائهم،و وضعوا كتبا مزخرفة ليس فيها إلاّ الوساوس المتناقضة على حسب ما فسّرنا و شرحنا اختلالها و تناقضها،التى تذهل عقل من يشتغل بها و تسلبه لبّه5 و توقعه فى حيرة مهلكة و لا تزيده6 إلاّ عمى و ضلالا7.و8 لسنا نطعن على المجسطي و اقليدس و بطلميوس و غير ذلك من الكتب المنطق و الطبّ و ما كان من هذا9 الجنس؛ فانّ هذه من الحكماء،و أظهروا ما فيها من الحكمة بتأييد من اللّه عزّ و جلّ.
و لكنّها ليست نظائر10 القرآن.كما أنّ أولئك الحكماء لم يكونوا نظائر لمحمّد(ص)لأنّ حكمة محمّد(ص)عمّت أهل الأرض،المؤمن و الكافر، على ما قد وصفنا.و الحكماء الذين11 وضعوا هذه12 الكتب أظهروا للنّاس حكمتهم ليعرّفوا النّاس مراتبهم،و كان نفع ذلك راجعا إليهم فى انفسهم و إلى من عرف13 فضلهم فى اعصارهم،فاخذوا عنهم أمر دينهم.و كل واحد منهم كان حكيم دهره،و كان نفع كلامه و ضرّه فى أمر الدّيانة يصل فى عصره الى الذين شاهدوه،فمن عرف منزلته و فضله،نفعه ذلك فى دينه
و دنياه،و من جهل فضله و منزلته،لم ينتفع بحكمته إلاّ مقدار هذا النّفع الّذي يصل إلى أهل هذا الدهر.فلما خرجوا عن العالم،لم يبق نفع هذا الكلام و هذه الكتب إلاّ ما فيها1 يومنا هذا.و ليست قوة تلك الكتب،مثل قوّة2 كتب أصحاب الشّرائع الذين كانوا أئمّة أهل الأرض دهرا طويلا، مثل موسى و عيسى و غيرهما،و مثل محمّد(ص)الّذي هو إمام العالم إلى يوم القيامة،و فى كلامه من النّفع و الضّرّ ما قد فسّرناه.و قد عم ذلك أهل الأرض و اشترك فى نفعه المؤمنون به المخلصون فيه،و أصناف الملحدين و المعطّلين و المنافقين الذين يستترون بالاسلام.و لو لا أحكام الشّريعة و ما فى القرآن من الرّسوم و السّنن و الفرائض فى المناكحات و المواريث و قسمة الأموال و غير ذلك،لكان سبيل3 الملحدين فى الأزواج و الأولاد،سبيل البهائم،و كان لا يعرف لهم4 رحم و لا نسب،و لكانت أموالهم نهبا.فقبحا للملحدين الذين رضوا لأنفسهم أن يخرجوا عن أحكام القرآن،فتكون أمّهاتهم و بناتهم و5 أخواتهم بغايا،ينكحن بلا مهور و لا تزويج،و ينزو عليهنّ6 كل مسلم و كافر7،و أن يكون أولادهم لغير رشدة، فلا يعرف لهم أب،و تكون اموالهم منتهبة فى حياتهم،و مستباحة بعد مماتهم،و يكون سبيلهم سبيل بهائم الأنعام.فلولا الاسلام و أحكام القرآن، لماج النّاس بعضهم فى بعض و تهارجوا؛فلم يكن نكاح بتزويج و لا قسمة بالسّوية و لا مبايعة على العدل و الصلاح.و من خلع ربقة8 الاسلام من9عنقه،فاتته نفسه قبل أن يرتد إليه طرفه.و لكن10 قد أحاطت سلاسل الدّين
برقابهم و جعلت ربقة الاسلام فى اعناقهم و ربطوا بها أوثق رباط كما قال بعض الشّعراء المخضرمين1،حين أسلم و قبل أحكام الاسلام و ترك أمر الجاهليّة من الزّنى2 و شرب الخمور و الميسر و غير ذلك من الفحشاء و المنكر،فقال فى شعره:
و ليس كعهد الدّار يا أمّ مالك
و لكن أحاطت بالرّقاب السّلاسل
و عاد الفتى كالكهل ليس بقائل
سوى العدل شيئا فاستراح العواذل
فهذا نفع القرآن و ضرّه فى الدّنيا و الآخرة.
فان قال قائل:إنّ أمر الآخرة غائب و لا يدرى3 ما يكون من نفعه و ضرّه هناك،قلنا:فان كان ذلك أمرا غائبا4 يقدر الملحد على إنكاره،فكيف يجوز دفع ما يعاينه و يشاهده فى الدّنيا؟أو ليس من قد دخل تحت أحكام القرآن،قد آوى إلى ركن وثيق و حصن منيع،لا حصن فى العالم أمنع منه؟ و من خرج عن أحكامه فلا مأوى له و لا وزر،و لا ملجأ و لا عنصر؟فأيّ كتاب يعدل5 القرآن و أىّ شاهد أعدل6 من هذه القوة التى قد ظهرت منه؟ و أىّ دليل أوكد من هذا:أنّه كلام اللّه و معجز7 محمّد(ص)و لا يقدر على مثل هذه القوة الاّ اللّه؟و من يقدر على دفع هذا8 إلاّ مباهت مكابر أو مجنون مختبل؟
فان قال قائل:إنّ أهل الملل لم يدخلوا تحت أحكام القرآن و قد
نجوا من هذه الأسباب التى قد ذكرناها،قلنا:
إنّ من هم1 منهم فى دار الاسلام قد دخلوا تحت أحكامه لقبولهم الجزية و التزامهم2 الذّلّة و الصّغار.و بذلك حقنوا دماءهم و حصنوا اموالهم و ذراريهم.و من هم3 فى الممالك التى هى خارجة عن دار الاسلام فإنّهم متعلقون برسوم الأنبياء(ع)؛و بتلك الآثار ساسوا ممالكهم،و بتلك الشّرائع انتظمت أمورهم،لا بالمجسطى و بطليموس و كتب المنطق و اقليدس و كتب الطّب،بل بقوّة كتب الأنبياء(ع)التى قد بقيت آثارها فى أيديهم؛و ان كانت قوة كتاب محمد(ص)هى أعظم و أجّل منها،كما أن مقدار مرتبته و رفيع درجته و علو منزلته عند اللّه فوق درجات النّبيّين، و هذه معجزته القائمة فى العالم.
و مما يزيد فى تاكيدها و إيضاحها أنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أنزل عليه هذا4الكتاب،وعده5 فيه أن يؤثّر فى هذا العالم هذا الأثر العظيم،و بشّره بذلك فى أوّل أمره6 و مبتدأ شأنه قبل أن كان؛فأنجز له ما وعده.و قد كان بشّر محمّد (ص)بذلك أمّته و صدق اللّه عزّ و جلّ7بشراه و أنّه وعده أن تعلو ملّته على جميع الملل و الأديان علوّا ظاهرا على8 حسب ما قد انكشف و ظهر للعالمين9.
فقال10:«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» فأنزل هذه الآية عليه و وعده فيها أن يظهر دينه على جميع الأديان فى مشارق الأرض و مغاربها،فقد ظهر عليها و قهرها و هو يزيد
قوة و علوّا على مرور الأيّام.و أعلم(ص)أمّته أنّ الله عزّ و جلّ1 قد كشف له عن الّذي يكون بعده و أنّه قد3 عاين ذلك و أنّ اللّه2 سينجز له ما بشره به4،فقال:«زويت لى مشارق الارض و مغاربها و سيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها.»فكيف ترى صنع اللّه له فى تصديق قوله بعد خروجه عن العالم؟و كيف ترى صحّة هذه5 الآيات التى فى القرآن و الخبر الّذي روى عنه(ص)؟و لو كان كذّابا، كما يدعيه الملحدون أعداء الله6-لعنهم اللّه-لبطلت7 دعاويه،و لما أنجز اللّه له عداته،و لسقط بنيانه بعد وفاته،و لكان سبيله سبيل من كان بنيانه8 على غير أصل صحيح و كان أساس أمره من عند غير الله.فانّا نرى كلّ من يدّعى رئاسة فى الدّين و الدّنيا و يكون له أتباع،يبطل9 أمره عند موته من الملوك و الرّؤساء و من جميع الأصناف؛فاذا خرجوا عن العالم يتفرّق جمعهم و تنقطع رسومهم و آثارهم و ينهدم بنيانهم،الاّ ما كان من رسوم الأنبياء البررة الطّاهرين(ع).
فان ادّعى مشغب أنّ كثيرا من المبتدعين قد بقيت رسومهم فى العالم و بقى جمعهم و أتباعهم،و احتجّ بالمنّانيّة10 و الدّيصانية11 و أشباههم من المبتدعين فى الشرائع و بأهل الأديان فى البلدان التى هى فى أطراف الأرض، مثل التّرك و الهند و غير ذلك،قلنا:
قد12 تقدم القول منّا أنّ هؤلاء بنوا بدعهم على رسوم الأنبياء(ع)و خلطوا بدعهم بآثارهم و نسبوا ما رسموه إلى الأنبياء13(ع)و إن كانوا مبتدعين.
فانهم متعلقون بحبلهم،يحتذون حذوهم و يتشبهون1بهم و يدعون إلى زخارف قد مثلوها برسوم الأنبياء(ع)و أقاموها بتلك الرّيح.و هكذا سنّ لهم2 أوائلهم الذين وضعوا لهم هذه البدع؛و لو لا ذلك لما قام لهم رسم و لا أثر.و لكن مقدار ما يثبت من رسومهم هو ريح الرّسوم التى كانت من الأنبياء(ع)و من خمير كلامهم3.و مع ذلك فانّ بنيانهم قد ضعف و يضعف على مرور الأيّام؛ لا كبنيان محمّد(ص)الّذي لا يزداد فى4 كلّ يوم الا علوّا و ظهورا؛لأنّه خرج (ص)عن العالم و الأمصار التى دخلها الاسلام قليلة العدد،مضى(ص)و الاسلام بأرض الحجاز و تهامة فى الحرمين،مكة و المدينة5 و ما والاهما من المخاليف مثل قرى6 خيبر و فدك و وادى القرى و الطائف و اليمن و البحرين و ما والاهما،مثل نجران و عمان.فكانت عمّاله(ص)فى هذه الأمصار و فى البوادى على صدقات القبائل.فأمّا سائر الممالك و الأمصار>فقد<فتحت بعده بسيفه و قوة كتابه و شريعته و أقيمت فيها أحكامه و سننه و ثبت فيها زرعه.و كان(ص)يبشّر أمّته و يخبرهم أن هذه الممالك تفتح7 عليهم بعده كما ذكرنا من8 آيات القرآن و الأخبار التى جاءت عنه.
و روى عنه(ص)أنه قال:«إذا فتح اللّه عليكم مصر9 فاستوصوا بالقبط خيرا،فانّ لهم رحما»،يعنى بذلك10 إبراهيم(ع)ولده و كان11 من مارية القبطيّة.
و ما روى عنه فى يوم الخندق،أنّ سلمان13 قال:كنت أضرب فى ناحية من الخندق12 صخرة فغلظت على،فرآنى14(ص)و رأى شدّه المكان،فنزل و
أخذ المعول من يدى،فضرب به ضربة1،فلمعت برقة تحت المعول،ثم ضرب أخرى2،فلمعت برقة3،ثمّ ضرب4 الثالثة،فلمعت برقة.فقلت:يا رسول الله ما هذا الّذي رأيت يلمع تحت المعول؟قال(ص):رأيت ذلك يا سلمان؟قلت:
نعم.قال:أمّا الأولى فانّى رأيت فيها فتح اليمن،و الثانية فتح الشام،و الثّالثة فتح المشرق.و قد رويت عنه5 فى هذا أخبار كثيرة قد6 صحت بعده.
(9)فان قال قائل من الملحدين:إنّ الحديد إذا ضرب به الحجر فعل هذا الفعل،قلنا:لا ننكر7 ذلك و لكنّا أردنا أن نذكر ما قاله(ص)من أمر الفتوح التى كانت بعده8،فبشّر بذلك كما أراه اللّه عزّ و جلّ،ثم ظهر صدقه بعد ذلك9.و مثل هذا كثير تركنا ذكره،من الأخبار التى ظهر صدقه فيها بعد وفاته10(ص)و صحّت،و لم يبطل شيء منها كما بطلت دعاوى الكذّابين المتنبّئين الذين ظهروا فى العرب مثل مسيلمة الكذّاب بن حبيب المتنبّي باليمامة،و طليحة بن خويلد المتنبّى11 فى أرض بنى أسد،و الأسود العنسى12،المتنبّى بصنعاء و سجاح بنت الحارث اليربوعيّة التى تنبّت فى بنى تميم فتبعتها عامتهم و أطاعوها،حتى قال فيها بعض شعرائهم:
أمست13 نبيتنا أنثى نطيف بها
و أصبحت أنبياء النّاس ذكرانا
ثم صارت إلى اليمامة و تزوّجها مسيلمة الكذّاب،و هؤلاء كلهم كان لهم أتباع و نهض معهم قوم آمنوا بهم و أطاعوهم14 و نصروهم و كانوا يسجعون و يعدون النّاس.و ربما سجعوا و تكهّنوا و أصابوا بكهانتهم فيفتتن15بهم الناس
كما فعل طلحة حين نهضت معه بنو فزارة1 و بنو أسد:و أمرهم أن يصلّوا قياما لا يركعون و لا يسجدون و قال:اذكروا2 الله قياما فانّى اشهد أن الصريخ يحب الدعوة،ما يفعل اللّه بتعفير خدودكم و فتح أدباركم؟فأطاعوه و قبلوا منه و أصابه هو و أصحابه3 عطش فسجع و تكهن فقال:اركبوا غلالا و اضربوا اميالا4 تجدوا بلالا.و غلال5 فرسه،فركبوه و فعلوا6 ما قال فوجدوا ماء،ففتن به النّاس.و كانت قاتلت عنه أسد و فزارة و هو متلفّف بكساء له فى فناء بيته يتنبّى عليهم و النّاس يقتتلون7 حتى قتل منهم خلق عظيم و هو يقول:يأتينى ذو النون الّذي لا يكذب و لا يخون،و لا يكون الا ما يكون.و كان عيينة بن حصن سيد بنى فزارة يقاتل بين يديه و يرجع إليه و يقول:جاءك ذو النّون؟ فيقول لا حتى رجع إليه مرارا و الحرب قد طحنتهم و عيينة يقول:حنقا8حتى متى،ثم جاءه9 فقال له،هل أتاك ذو النون؟قال10 نعم.قال:فما11 قال لك12؟قال:
قال لى لك رحاء13 كرحاه14 و حديثا لا تنساه.فقال عيينة:اظن و اللّه يكون لك حديث لا تنساه15 يا بنى فزارة!انصرفوا،فانه كذاب.فانصرفوا عنه و خذلوه.
و كذلك كان حديث16 مسيلمة،نهضت17 معه بنو حنيفة و غيرهم و قالوا:
منّا نبى و منكم نبى؛و كان يسجع لهم و يقاتلون معه،حتى قتل منهم ستة الف رجل ثم قتل.و سأل ابو بكر قوما من بنى حنيفة،فقال:ما كان يقول صاحبكم18؟ قالوا:كان يقول،يا ضفدع نقى نقى،لا الماء19 تكدرين و لا الشراب تمنعين.
فقال: ويحكم إنّ هذا كلام لم يخرج من آل،فأين يتاه بكم؟!
و كذلك كان الأسود العنسى الّذي كان يقال له«ذو الخمار»،تنبّى على أهل صنعاء و تبعه عالم من الناس كثير و نهضت معه كندة1 و بقايا ملوكها،منهم الاشعث بن قيس و حارثة بن سراقة بن معديكرب و غيرهما،و جمع كثير من2الأبناء الذين كانوا باليمن فحاربوا معه و نصروه3 حتى قتل،و قتل معه خلق كثير.و كانت قبيلة من كندة يقال لها4بنو قتيرة،قد انضموا الى المهاجرين و خالفوه و حاربوه،فسجع لهم و قال:
صباح سوء لبنى قتيرة
و للامير من بنى مغيرة
فلما قتل الكذّاب قال رجل من بنى قتيرة فى ذلك:
صباح صدق لبنى قتيرة
و للامير من بنى مغيرة5
اذ6 آثروا اللّه على العشيرة فهؤلاء الكذّابون الذين تنبّوا و تبعهم عالم من النّاس و كانوا يسجعون و يتكهّنون و يعدون أتباعهم،فلمّا قتلوا بطل أمرهم و تهدّم بنيانهم.و إنما ذكرنا شأنهم ليعلم الملحدون أنّ أمر محمّد(ص)لم يكن مثل أمر هؤلاء الكذّابين الذين تشبّهوا بالأنبياء فلما هلكوا بطلت دعواهم7 و درس كلامهم و سقط بنيانهم لانه كان على شفا جرف هار فانهار به8 فى نار جهنّم؛لا كبنيان محمّد(ص)الّذي أسّسه9 على تقوى من اللّه و رضوان؛فهو يعلو و يزداد قوّة على مرور الأيام و الشهور و انقضاء السّنين و الدّهور و لو كره المشركون و معجزته قائمة فى العالم و هى التى يجب أن تدعى معجزة على الحقيقة،لا ما
ادّعاه الملحد من فعل أصحاب الخفّة و الشّعبدة كالرّقص على الأرسان و الدّوران على رءوس الأسنّة فوق الرّماح و غير ذلك مما يجوز أن يأتى بمثله كثير من النّاس،و سمّاها1 معجزات و شبّهها بمعجزات محمّد(ص).
و أنّما سمّيت المعجزة معجزة لأنّ الناس يعجزون أن يأتوا بمثلها.فأمّا الاسباب التى يشترك فيها2 الصّادق و الكاذب،و يشتبه الأمر فيها على النّاس حتى ينساغ لهم3 القول و يشبّهوها4بفعل السّحرة،و تبطل5 كما يبطل فعل السّحرة فلا6 يقال لها معجزات؛بل المعجزة على الحقيقة ما قد ذكرنا من شأن7 القرآن و شريعة محمّد(ص)و ما قد ظهر من قوّته التى8 قد كبس بها9 الأرض تحت أحكامه10 و سننه و هو11 يزداد حتى لا يبقى فى الأرض إقليم و لا جزيرة و لا مصر و لا بلد إلاّ و يدخله الاسلام فى مشارق الأرض و مغاربها،فيتمّ آخره كما تمّ أوّله و ينجز اللّه12 وعده؛إنّ اللّه لا يخلف الميعاد.فهذه هى المعجزة التى13لا يقدر أحد أن يأتى بمثلها.
(10)فان قال قائل:فلعلّ ما تدّعون14 لا يصحّ و لا يكون،قلنا:هذه الدّعوى هى لمحمد(ص)و هى فرع لدعواه التى ذكر أنّ اللّه عزّ و جلّ يظهر دينه على كلّ دين و لو كره المشركون.و قد صحّ ذلك الأصل،و الفرع تابع الأصل؛لأنّ اللّه عزّ و جلّ قد أظهر دينه على جميع الأديان.و أمارات هذه الدعوى التى هى الفرع،قد ظهرت؛لأنّ الاسلام يرداد و ظهوره يقوى على مرور الزّمان كما قلنا.
فان شغب معاند و احتجّ بمثل ما قاله الملحد بأنّ النّصرانيّة قد غلبت بروميّة و اليهوديّة بالخزر،و المجوسيّة فى بعض الجبال قلنا:إنّ الظهور هو الغلبة و الاستعلاء.و قد غلب الاسلام هذه1الملل،و استعلى عليها؛لأنّ الأمصار التى قد ملكها أهل الاسلام كانت كلّها ممالك لأهل هذه الملل،مثل بلاد العجم من أرض بابل العراق و كور الأهواز و فارس و كرمان و سجستان و أصبهان و سائر الجبال الى خراسان و طخارستان2 و بغرغر و الى حد السند و الهند و الى حدود الصّين و فيافى التّرك و نواحى الخزر3 و غيرها من الممالك العظيمة التى كان يملكها الأكاسرة و ملوك الهياطلة و كانوا على المجوسية،و كذلك4 أرض الحجاز و تهامة الى البحرين و نجران،إلى أقصى الحجر باليمن؛و كانت ممالك لأهل5أديان مختلفة من اليهود و النّصارى و المجوس،سوى ما كان فى مملكة عبدة الأصنام من العرب.ثم بلاد الشّام و الأردن إلى طنجة و فرنجة و تاهرت الأقصى التى ملكها إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن على (ع)و الى جزيرة وراء البحرين ببلاد الاندلس و تاهرت الادنى التى ملكها الدّيسمى الأباضي فلان6بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب7بن رستم الفارسى الّذي كان يسلّم8 عليه بالخلافة.ثم وراء9بحر الاندلس فى بلاد ولد عبد الرحمن بن معاوية الأموى من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان و الى حدود10 وادى الرّمل الّذي قد نصب على طرفه تمثال من نحاس،قد كتب عليه:ليس ورائى
مذهب1 و لا يطأ تلك الأرض أحد إلاّ ابتلعه2 النّمل3.ثم إلى4باب النّوبة ثم الى الجزائر،ثم الى صقليّة و مدائنها،ثم الثغور الحرريّة5 و الشّامية من شمشاط و ملطية و طرطوس و غيرها الى قليقلا6 و ما وراء ذلك من بلاد أرمينية و أذربيجان إلى باب و الحرن و الداب7 و تفليس و الباب الى رومية.هذه كلها كانت ممالك الرّوم و قد غلب أهل الاسلام أهل الأديان على هذه الممالك و قهروا ملوكها و استعلوا عليها.و أما8 المجوس،فقد صار أمرهم9 إلى ما ترى.و أما النّصارى فقد التجئوا إلى رومية و تحصّنوا فيها،بمنزلة من يأوى إلى قلعة أو حصن يمتنع فيه من عدوه و كذلك سبيل اليهود بخزر و المجوس الذين فى رءوس الجبال-كما ذكر الملحد-و سائر الأديان فى أطراف الأرض كلّهم مقهورون مغلوبون.فمن كان منهم فى دار الاسلام قد التزم الجزية و الصغار.و من كان ملتجئ إلى ممالكهم فالسّيف على رقابهم و أهل الاسلام لم يؤدّوا10 إلى أحد جزية و لا دخلوا تحت أحكام متسلّط فى الدّين و الدّنيا،بل الاسلام على عليتهم11 قاهر لهم.و قد بنيت المساجد بروميّة على صغر12 منهم و قمأة13،لا يجسرون أن يمنعوا من بنيانها إذعانا لأهل الاسلام و انقيادا لهم.
فان قال قائل14:فانّ البيع و الكنائس و بيوت النّيران فى دار الاسلام، قلنا:ليس سبيل الكنائس و البيع و بيوت النّيران15 فى دار الاسلام تلك السّبيل، لأنّ محمّدا(ص)ترك هذه الأبنية اختيارا لا اضطرارا؛و لو شاء،لأمر16بقلعها.
بل لو شاء لما ترك فى دار الاسلام ذميّا واحدا.و لكن أراد أن1 تبقى رسوم الأنبياء فى العالم،و شهد لهم بالتّصديق و سالم اهل الملل بأخذ الجزية منهم، لتبقى رسوم الأنبياء(ع)؛فيكون حجّة للّه عزّ و جلّ على خلقه.و لو لا2 ذلك لاستنّ فيهم بسنّة3 العرب؛فانّه لم يرض منهم إلاّ بالاسلام أو القتل،و لم يقبل منهم الجزية.و لو فعل ذلك بأهل الملل لكان قادرا على ذلك.فلهذه العلة أقرّ هذه الأبنية.و ليس سبيل المساجد بروميّة هكذا،لأن النّصارى لا تشهد لمحمّد(ص)بالتصديق كما شهد محمد لعيسى(ع).و لو قدرت الروم على إخرابها لما تركتها و لكنهم أقرّوها اضطرارا.ثم نقول4:إنّ هذه الممالك التى هى تحت أحكام القرآن،هى أعدل الجزائر طبائع و أفضل أقاليم الأرض،و هى أرض الأنبياء و الرّسل،و فيها مبعثهم،و هى منشأ الحكماء و أهل الفضل،و قد صارت ممالك لأهل الاسلام،و الاسلام قد طبّق العالم تطبيقا.
و لم يغلب أحد من أهل سائر الملل أهل الاسلام فى شيء من ممالكهم.فهذا هو القهر5 و الغلبة و الظّهور الّذي وعد الله محمدا(ص)أن يظهر دينه على الدّين كلّه و لو كره المشركون.و قد أنجز له وعده،و ظهرت حجّته،و صحّت هذه الدّلالة الواضحة و المعجزة البيّنة،و بان صدقه؛و هو عز و جل يتمّم ذلك كله6 له حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا«و اللّه بالغ أمره و لو كره الكافرون».
و تأوّل قوم فى هذه الآية:«لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» فقالوا:إنّ اللّه قد وعد محمّدا أن يظهره على الدين كلّه.فخرج عن الدّنيا7، و لم يظهره8 على الدّين كلّه،و احتجّوا بذلك.و ليست لهم حجّة فى هذه
الآية.قال جل ذكره:«أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ1 لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» يعنى يظهر الدّين الّذي أتى به محمد(ص)،و هو دين الحقّ،على الدّين كلّه،فالهاء فى قوله«ليظهره»راجعة على دين الحقّ؛و قد ظهر دين الحقّ على الدّين كلّه.و هذا صحيح من جهة اللّغة2 العربيّة:و ليس لمعاند فيه مقال.و لو كانت الهاء راجعة على رسوله،لكان المعنى صحيحا؛لأنّ ظهور دينه على الدّين كلّه هو ظهوره و لكن إذا اردت الهاء على دين الحق سقطت حجّة المعاند و لم يكن له مقال.
الآن بعد فراغنا من القول فى معجز2 محمد(ص)الّذي هو القرآن العظيم،و كشفنا عن الدّلالة الكبيرة له3 القائمة فى العالم،و تكرير القول بذلك لايضاح المعانى التى فيه،و تنوير الحجة،نقول4 فى جواب ما ادّعاه الملحد:
(1)أن الفلاسفة استدركوا هذه العلوم بآرائهم و استنبطوها بدقّة نظرهم و ألهموا ذلك بلطافة طبعهم،يعنى ما فى كتب الطبّ من معرفة طبائع العقاقير و الخصوصيّات التى فيها،و ما فى المجسطي و بطلميوس من معرفة حركات الفلك و الكواكب و حساب النّجوم و ما فيه5 من اللطائف و الأحكام و ما فى أقليدس من6 علم الهندسة و المساحات و معرفة مقدار عرض الأرض و طولها و مسافة ما بين السّماوات و غير ذلك
ممّا فى هذه الكتب.فزعم الملحد أنّ ذلك1 كلّه باستنباط و إلهام،و أنّهم استغنوا عن أئمّتنا فى ذلك يعنى الأنبياء(ع).
ثم افتخر و قال:إنّ نفعها و ضرّها أكبر2 من نفع كتب أهل الشّرائع و ضرّها،و تبجّح بذلك ثم قال:أخبرونا أين ما دلّت عليه أئمّتكم من التّفرقة بين السموم و الأغذية و أفعال العقاقير؟أرونا منه ورقة واحدة كما نقل عن بقراط و جالينوس الألف لا الآحاد3؛و قد نفعت4 الناس.و أرونا شيئا من علوم حركات الفلك5 و علله،نقل عن رجل من أئمّتكم،أو شيئا من الطّبائع اللّطيفة الطّريفة نحو الهندسة و غير ذلك من أمر اللّغات،لم تكن معروفة اخترعها أئمّتكم.ثم قال:إن قلتم إنّ هذا كلّه أخذ أصله من أئمّتنا،قلنا هذه دعوى غير صحيحة و لا مسلّمة لكم،و إنّا لنعرف ما تدّعون6 أنّه من7أئمّتكم؛و هو الضّعف الوقح8 الّذي شاع ذكره فى عوام النّاس و خواصهم.ثم قال:فان قلتم فمن اين عرف النّاس أفعال العقاقير فى الأبدان و حركة الفلك و بأىّ لغة تدعى الناس إلى اختراع اللّغات؟فانّ لنا فى9 ذلك أقاويل تستغنى10 عن أئمّتكم.فمنها ما تكون مستخرجة على رسومها المعروفة المشهورة عند أهلها كالأرصاد للنجوم و معرفة أفعال العقاقير فى الأبدان و معرفة قوامها بالطّعوم و الأراييح،و منها ما أخذت
أولا1 عن أوّل إلى نهاية الزّمان،و منها أن تكون معرفتها بالطّبع كما يحسن الإوزّ السّباحة من غير تعليم2 من أئمّتكم؛ و يدحض الاحتجاج الّذي احتججتم به.هذا قول الملحد حكيته على وجهه،و نقول فى جوابه3:
(2)أمّا4 القول فى باب نفع الكتب التى ذكرها و ضرّها>و<فى تفضيله إيّاها على القرآن العظيم و على سائر الكتب المنزّلة فقد شرحنا ما فيه كفاية لمن أنصف و لم يعاند و لم يغشّ نفسه.«فامّا من طغى و آثر الحياة الدّنيا فان الجحيم هى الماوى و اما من خاف مقام ربّه و نهى النّفس عن الهوى فان الجنّة هى الماوى»
و أمّا هذه الكتب التى ذكرها و ذكر أنّها عن أئمّتهم فانّا نقول:
إنّها من رسوم الحكماء الصّادقين المؤيّدين من اللّه عزّ و جلّ5،و ليس اسم أئمّتهم فيها إلا عارية و هذه الاسماء التى تنسب6 هذه الكتب7 إليها،مثل جالينوس و بقراط و أقليدس و بطلميوس و غير ذلك ممّا يشاكلها فهى أسماء كنى بها عن8 أسماء الحكماء الذين وضعوا هذه الكتب.و هذه الكتب هى مبنيّة9 على الحكمة الصّحيحة و الاصول المنتظمة.و قد كنت ناظرت الملحد على أشياء10 فى كتاب بليناس و قد كان11 ذكر لنا12 أن صاحب هذا الكتاب«حدوثى»13و أنّه كان فى هذه الشريعة،و تسمى14بهذا الاسم،و وضع هذا الكتاب؛و قد
ذكرنا شيئا من كلامه و الأمثال التى ضربها1 فى كتابه.فذاكرت الملحد بذلك، فقال:هذا هو صحيح،و قد عرفناه،و اسم هذا الرجل فلان،و كان أيّام المأمون،و كان حكيما متفلسفا.و هكذا كنا سمعناه من غيره.فهذا الرّجل سلك2 سبيل أولئك الحكماء القدماء،و تسمّى بهذا الاسم الّذي يشاكل تلك الأسماء،و كلامه من ذلك النوع؛و لكنه قد جرّد القول فى التوحيد،ورد على أصحاب الاثنين و سائر الملحدين،و أثبت حدث العالم،و أورد فى ذلك حججا كثيرة قويّة،ثم تكلّم فى كون العالم،و على علل3 الأشياء، و ضرب أمثالا كثيرة،منها سهلة تلحق معانيها،و منها مستغلقة.و هكذا كان سبيل سائر الحكماء الذين تسموا بهذه4 الاسماء.
و قرأت فى كتاب دانيال أن بخت نصر لما فتح بيت المقدس و سبى أهله،انتخب غلمانا من ذلك السّبى لخدمته،و كان فيهم دانيال فكانوا يخدمونه5 حتى رأى تلك الرّؤيا فسأل السّحرة و أصحاب الرّقى و المجوس و الكلدانيين و المنجّمين و الكهنة عنها و عن تعبيرها،فلم يخبروه بها و لم يقدروا على ذلك فأخبره6بها دانيال و عبّرها7 له8،فقال له بخت نصر:ليس فى جميع مملكتى9 من يقدر أن يخبرنى بها و تعبيرها،و أنت يا دانيال تقدر على ذلك لأنّ فيك روح اللّه الطّاهرة،و أنت اسمك بلطشاسر10.ثم رأى بعد ذلك رؤيا أخرى،فقال:ادخلوا الى دانيال عظيم الحكماء الّذي سميته باسم إلهى بلطشاسر.فادخلوه12 إليه فعبّرها له بعد أن أخبره بها و قال بلطشاسر11
معناه صورة بال و هو الوثن الّذي كانوا يعبدونه.
و إنّما1 ذكرنا هذا لما قلنا أنّ هذه الأسماء التى نسبت إليها هذه الكتب،هى كنايات عن الحكماء الذين2 وضعوها و لها معان3،يعرفها من4يعرف تلك اللغّة،و تسمّى بها أولئك الحكماء و كنوا بها عن أسمائهم.
لم تشبّه بهم هؤلاء الكذّابون الضّلاّل الذين نظروا فى تلك الرّسوم و عوّلوا عليها دون التّمسك برسوم أصحاب الشّرائع،و تأسّوا5بآرائهم و تعمقوا،و ابتدعوا تلك الوساوس الكبيرة التى زعموا أنّها حكمة و فلسفة و أنّهم سلكوا مسالك الحكماء،و تكلّموا فى البارى جلّ و عزّ6 و فى مبادى الأشياء و تحيّروا فيها7 و تاهوا،و زعموا أنّهم يستخرجون بفطنهم و طبعهم ما أغفله من تقدمهم من الحكماء.فأوردوا هذه الوساوس التى ذكرناها،و ذكرنا اختلافهم فيها و تنازعهم و تحيّرهم و تناقضهم و انهما كهم فى تلك الضّلالات،كما زعم الملحد انّه استدرك بفطنته ما لم يفطن له من تقدّمه،و ابتدع8 مقالته السخيفة و زعم أنّه نظير بقراط فى الطبّ و سقراط فى استخراج اللّطائف.و هكذا كان سبيل أولئك الكذابين الذين تقدّموه ممّن9 تشبّه بالفلاسفة و تسمّوا باسمائهم و اتّخذوا الالحاد شريعة و رسما و دانوا بالتعطيل.و قد رأيت من كانت سبيله هكذا و كان قد10 تسمى بنسطولس11 و آخر بنسطوس.فهكذا كان سبيل هؤلاء الكذّابين.فأمّا الحكماء الأوائل المحقّين الذين وضعوا هذه الرّسوم الصّحيحة فى النجوم
و الطبّ و الهندسة و غير ذلك من علم الطّبيعة،فانّهم1 كانوا حكماء أهل2دهرهم و أئمّة فى أعصارهم و حجج اللّه3 على خلقه فى أزمنتهم أيّدهم اللّه بوحى منه و علمهم هذه الحكمة4.فكلّ واحد منهم أعطى نوعا من الحكمة.
فمنهم من أعطى علم الطّبّ و غير ذلك من علوم الهندسة و الطبائع.فأخرجوها إلى النّاس،و أخذها عنهم النّاس لمّا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يعرّف خلقه ما فى هذه الاصول من الحكمة،و ليظهر مراتب هؤلاء الأنبياء فى أزمنتهم، و تظهر حجج اللّه على خلقه5 على ألسنتهم.كما قد روى أن أصل النّجوم من إدريس النبىّ.(ع).و تأوّل6 قوم فى قول اللّه عزّ و جلّ7 فى قصة قوله:
«وَ رَفَعْنٰاهُ مَكٰاناً عَلِيًّا» أن اللّه عزّ و جلّ رفعه8 الى الجبل الّذي هو فى سرّة الأرض،و بعث إليه ملكا حتى علّمه أسباب الفلك و ما فيه من الحدود و البروج و الكواكب و مقدار9 سيرها و سائر ذلك من علوم النجوم.و قالوا إنّ هرمس المذكور فى الفلاسفة هو إدريس،فاسمه فى الفلاسفة هرمس،و فى القرآن إدريس.و هذان الاسمان مشاكلان لتلك الاسماء مثل جالينوس و ارسطاطاليس و غير ذلك مما فى آخرها«سين»،و اسمه فى سائر الكتب المنزلة10 أخنوخ11؛ فهذا12 دليل بأنّهم13 كانوا يكنون بهذه الاسماء و على هذه التقطيع من أسماء الأنبياء ممن14 ذكر منهم فى القرآن إلياس و إدريس و من هو مذكور عند أهل الكتاب15 من الأنبياء و الحكماء،شمعون16 تلميذ المسيح(ع)،كان يقال له فطروس17،و اخوه أيضا احد الاثنى عشر اسمه اندريوس18،و من الحواريين
الاثنى عشر فيلوس1 و مارقوس أحد الاربعة و ملغوس2 الرّسول المطاع فيهم و من الأنبياء المذكورين عندهم سراقسيس3 و آغا يونس و لوقس و بولس4 و فيلدفيوس5.فهذه أسماء الأنبياء و الحكماء و مثلها أسماء كثيرة،و هى6 تشاكل اسماء الفلاسفة القدماء الذين وضعوا كتب الطّب و النجوم و الهندسة، و كنوا عن أنفسهم بهذه الاسماء كما ذكرنا من7 شأن إدريس أنّه أوّل من علم الناس علم النّجوم و أنه هرمس المعروف عند الفلاسفة بهذا الاسم.
(2)فان قال قائل:فلم نهى محمّد(ص)عن النّظر فى النّجوم و هى من علوم الأنبياء؟قلنا:لانه أمر منسوخ و سبيله سبيل سائر رسوم الأنبياء المنسوخة المنهى عنها.فأمرهم أن لا يشتغلوا به عن النظر فى شرائع الاسلام و لم يحرمه تحريما جزما8.إنّما نهى عنه ترغيبا عنه،و لانّ الانسان اذا تعمّق فيه و لم يكن مستبصرا بالشّرائع و بامر التوحيد و لطائف العلوم الحقيقية9، تحيّر و أداه ذلك10 إلى الالحاد و يكون سبيله سبيل هؤلاء الضّالين الذين تسمّوا بالفلسفة11؛فنهى عن التّعمق فيه.و لانّ الناظر فيه يتكلف ما لا يحسنه و يكذب و يتشبّه12بالكهّان و يغلو فى القول و يكثر الدّعاوى الباطلة فى الاحكام، كما روى عنه انه قال:«إيّاكم و النّظر فى النّجوم فانه يدعو الى الكهانة» فرغّب13(ص)بالمسلمين عن الكذب و الدّعاوى الباطلة و ما يخاف عليهم من ذهول العقل14 إذا لم يكونوا مستبصرين فى الدّين.فهذه هى15 العلّة فى النّهى عن النّجوم و النّظر فيه و لم يحرمه تحريما.و لو حرمه لما جاز لمسلم
أن ينظر فيه أصلا و لكان سبيله سبيل سائر الاشياء المحرّمة مثل الخمر و الميتة و الدّم و لحم الخنزير.فعلم النّجوم أصله1 من إدريس(ع)،و هرمس هو إدريس و هو نبى و هو من أئمّتنا لا من أئمّة الملحدين و كان بينه2 و بين آدم(ع)خمسة آباء.
(3)و اما معرفة طبائع الأشياء،فانّ اللّه عزّ و جلّ لمّا خلق آدم(ع)و كان جسده مركّبا من طبائع الأرض و غذاؤه3 مما أخرجت الأرض،و كانت الطّبائع متضادة متشاكلة ضارّة و نافعة،علّم عزّ و جلّ آدم الأسماء كلّها اذ كان بدنه4 و أبدان ولده لا تصحّ5 إلاّ بالغذاء،و الغذاء منه ما يضرّ و منه ما ينفع،و إذا كانت الأدواء تلحق أبدانهم و لا بد لكلّ داء من دواء،فعرّفه عزّ و جلّ من أى شيء يتولّد الدّاء،و ما دواء كلّ داء اذ6 لم يستغن عن ذلك.
و اذ7 كان اللّه عزّ و جلّ أرحم به و بولده أن يدووا8،و لا يعرفوا9 لأدوائهم أدوية، فعلّمه هذه الطّبائع كلّها و علّم هو ولده،فوعى ذلك منهم من وعى و نسى من نسى.ثم أخذه الخلف عن السّلف كما قال اللّه عزّ و جلّ10 فى القرآن العظيم:
«وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا» فعلمه كل شيء يحتاج إليه من أمر دينه و دنياه.
و لم يجز فى حكمة11 اللّه الاّ هكذا،لانهم لم يستغنوا عن عبادة اللّه عزّ و جلّ و معرفته طرفة عين،و لا جازت لهم الحياة فى هذا العالم يوما واحدا إلاّ و12يعرفوا ما يصلح أبدانهم و ما يفسدها و ما يضرّها و ما ينفعها.فهذه هى النهاية فى معرفة طبائع الأشياء التى ذكرها الملحد و قال:أخذه الأول عن الأول إلى نهاية الزّمان
و قد صدق فى هذا القول،و لكن النّهاية ليست ما ذهب هو إليها أنّ نهايتها الى بقراط و جالينوس.و ذكر أنّه1 روى عنهم الألف و الآحاد من الطّب و معرفة العقاقير.فما خبر2 الامم الذين كانوا قبل بقراط و جالينوس؟هل استغنوا عن معرفة3 العقاقير أم لا؟فانّ الذين مضوا قبلهما4 كانوا فى مثل طبائع من كان بعدهما إلى يومنا هذا!و ان كان قبل بقراط و جالينوس من عرف طبائع العقاقير،فانهما أخذا عمّن تقدّمهما إلى أن ينتهى الأمر فيه إلى بدء الخلق الّذي هو آدم(ع)و هو النّهاية.و إن كان بقراط و جالينوس زادا5 شيئا فانّ سبيلهما ما6 قد ذكرنا أنهما قدرا على ذلك بتأييد من اللّه جلّ ذكره و وحى منه.
و من كانت سبيله هكذا فهو نبىّ مؤيّد من اللّه7،و الأنبياء هم أئمّتنا،لا أئمّة الملحدين.و لا ينكر أنّ اللّه عزّ و جلّ8 يوحى إلى الأنبياء فيما ينساه9 النّاس مما10 يحتاجون إليه و يجدّد التّعليم لهم بذلك.كما قالوا إنّ المسيح(ع) كان لا يمرّ بحجر و لا شجر الاّ و كلّمه.فليس معنى الكلام11 هاهنا معنى المجاوبة12، إنّما معناه الاعتبار و الاستدلال.و من اعتبر بالشّيء و علم ما فيه من النّفع و الضرّ فقد كلّمه ذلك الشيء.و هذا باب مشهور عند أهل المعرفة و التمييز.
فهكذا كان أمر المسيح(ع)،كان لا يمر بشيء إلاّ و يعرف طبع ذلك الشيء بوحى من اللّه عزّ و جلّ.و هكذا كان سبيل الحكماء الذين وضعوا هذه الرسوم و لم يقدروا على ذلك إلاّ بوحى من اللّه و بتأييد13 منه و كانوا أنبياء؛و لا يقدر أحد أن يعرف طبيعة شيء بعقله و فطنته و لا يصح ذلك14 من جهة العقول.
و قد أحال الملحد حين زعم أنّ ذلك باستخراج و إلهام و نظر و تجارب بالذّوق و الأراييح و غير ذلك ممّا ذكره و زعم أنّهم ألهموا هذه فى طبعهم من غير تعليم،و أنّ اللّه1 أغناهم عن ائمّتنا كما ألهم الاوزّ السّباحة بالطّبع و أغناها2 عن ائمتنا.و أقول،سبحان اللّه تعجّبا من الملحد!كيف اهتدى لهذه الحجّة التى تشبه3 عمى قلبه و قلة عقله حين ادّعى أنّ الحكماء ألهموا استخراج هذه الطّائف من غير تأييد من اللّه عزّ و جلّ4 و من غير تعليم من الأئمّة،بل بطبعهم كما يسبح الاوزّ بطبعه و أنّهم لم يحوجوا إلى ائمّتنا كما لم يحوج الاوز إلى ائمّتنا.أو لم5 يعلم الجاهل أنّ الأمر لو كان أيضا كما ادّعاه،أنّهم استخرجوا هذه الأشياء بالطّبع،لما وجب أن يشبّه هذا الالهام و الطّبع بالهام الاوزّ و طبعه؛لانّ الإوزّ مطبوع على السّباحة لا يحتاج فى ذلك إلى فكر6 و لا استنباط،كما قد7 طبع جميع الحيوان على شيء ما.فطبع الطّير على الطّيران فى الهواء،و دواب الماء على السباحة فى الماء،و كلّ جنس لا8 يقدر أن يخالف ما قد طبع عليه:لأنّه مجبر على ذلك لا مختار.فمنه ما يطير و يسبح كالاوزّ،و منه ما يسبح و لا يطير،كالسّمك و منه ما يطير و لا يسبح،كالحمام.
و الاوزّ مطبوع على السّباحة و الطّيران9،صغارها و كبارها مطبوعة على ذلك، كما ترى فراخها إذا انفلق عنها البيض سبحت؛و ليس فى كلّ الاوزّ واحدة تخالف هذا الطبع.و كذلك سائر الحيوان ليس جنس إلاّ و كله لا يخالف ما طبع عليه لأنّها مطبوعة على ذلك.و ليس حكم البشر فى استخراج العلوم و استنباطها هكذا؛لأنّه ليس فى ألف إنسان و ما فوق ذلك من العدد
إلاّ واحد يقدر على استخراج هذه اللّطائف،اذا صحّت أيضا دعوى الملحد من جهة الطّبع و الالهام.و أصحاب المعرفة بالحساب و الهندسة و النّجوم و الطب عددهم قليل جدا ما بين هذا الخلق الكثير.و لو كان مثالهم فى استخراج هذه اللطائف بالطبع،كما يسبح الاوزّ بالطّبع،لوجب أن يكون النّاس كلّهم حسّابا مهندسين و منجّمين و أطباء؛و وجب أن لا يكون أصحاب الهندسة و الأطباء1 و المنجّمون مخصوصين بذلك دون سائر النّاس،لأنّ الاوز كلّه يسبح صغاره و كباره؛و لوجب أن يرتفع عنهم باب التّعليم،كما قد ارتفع عن الاوزّ باب التّعليم فى السبّاحة،فكانوا لا يحتاجون إلى ائمّتنا،كما لا يحوج الاوزّ2 إلى ائمّتنا.
(5)فان زعم زاعم أنّ كلّ النّاس لو صرفوا هممهم الى ذلك،لكانوا مهندسين حسّابا3 و منجمين و أطباء،كما احتجّ به الملحد حين زعم أنّ الناس لو صرفوا هممهم إلى تعلّم الفلسفة و النظر فيها،لبلغوا ما بلغ الفلاسفة، قلنا له4:فهل رأيت فيلسوفا5 نظر فى الفلسفة بطبعه قبل أن عرف أصول الفلسفة و نظر فى قوانين الفلاسفة و قبل6 أن ابتدأ بالتّعلّم7 من8 تلك الأصول،ثم نظر و قاس9بعد التعلم؟فان قال:نعم،فقد باهت و كابر.و إن قال:لا،فهذا اوّله التعلّم،ثم بعد ذلك نظر و قياس.و إنّ الاوزّ لا يحتاج إلى تعلّم فى ابتداء أمره،لا إلى10 مسبح11 و لا الى معلم على وجه السّباحة،بل كلّها تسبح طبعا صغارها و كبارها،كما ذكرنا.و الانسان لا بدّ له من التعلم فى أول أمره،و إن
ترك التعلم فى أول أمره،لم يدرك بطبعه شيئا؛و ليس ذلك فى وسعه،و لا هو مطبوع عليه؛و لا مجبر فيه،و لا بدّ له من الرّجوع إلى إمام يعلّمه،و إلاّ لم ينفعه طبعه و لم يغنه1 شيئا كما استغنى الاوزّ2 عن التعلّم من أئمّتنا و الرجوع إليهم.و إنّما يفعل الانسان بطبعه الأشياء التى لا يقدر على مخالفة طبعه فيها، مثل فعله بالحواس كالنّظر و السّمع و الشم و الذوق و اللّمس،فانّه مجبر على ذلك،إذا نظر إلى الشيء رأى،و اذا وقع الصّوت فى أذنه سمع، و اذا وقعت فى خياشيمه ريح،شمّها؛هذا إذا سلمت حواسّه.ثم هو مطبوع على المشى برجليه و التّناول بيديه.فالنّاس كلّهم قد طبعوا على هذا كما طبع الاوزّ على السّباحة،و استووا فيه كما أنّ3 الاوزّ قد استوى4فى السّباحة.فهذا الطّبع من النّاس هو الّذي يشاكل طبع الاوز فى السباحة.و كلّ جنس الحيوان هو مطبوع على فعله،لا يخالف ما طبع عليه؛و الانسان هو مطبوع و مخيّر،قد شارك الحيوان فيما طبع عليه،و خصّ بما هو مخيّر فيه،مثل تعلّم العلوم التى النّاس فيها خاصّ و عامّ،و منهم من ليس فى وسعه أن يتعلم حرفا واحدا.و لا بدّ أن يكون فيهم إمام و مأموم و عالم و جاهل.و هذا باب لا يخفى على عوامّ النّاس،فكيف على أهل المعرفة و التّمييز؟!فهل رأيت أعمى قلبا و أقلّ عقلا ممن يشبّه5 سباحة6الاوز بطبعه باستخراج علم الفلسفة و معرفة حركات الفلك و طبائع العقاقير و سائر العلوم اللّطيفة من الهندسة و غير ذلك؟و هل رأيت أجهل ممّن7 زعم أنّ النّاس استخرجوا هذه اللّطائف و استغنوا من أئمّتنا،كما استغنى
الاوزّ حين سبح بطبعه عن أئمّتنا،ثم يدّعى أنّه فيلسوف العالم1 فى زمانه و حكيم أهل دهره؟!و لعمرى لا تنكر2 له هذه الدّعوى مع هذا القياس و هذا التّشبيه،ثم يعيّر3 المسلمين و يقول:مسلّم4 لهم بما قد حل بهم من آفة5 سكر العقل و غلبة الهوى.فأىّ سكر عقل6 و غلبة هوى7 أشدّ8 من سكر عقل صاحب هذا9 القياس و غلبة هواه؟!و نقول مسلّم له بقياسه و فلسفته هذه التى أعمى اللّه قلبه فيها و أسكر عقله.
(6)و أمّا قوله:أخبرونا بأىّ لغة وقف أوّل إمام من أئمتكم على اللغّات؟و هل فى ذلك بدّ من الالهام؟على أنّ إماما لو عرف لغة ثم أراد أن10 يعرّفها11 النّاس لما قدر على ذلك،إذا12 لم تكن عندهم سابقة،فليس بدّ من الرّجوع إلى الالهام بتّة بتّة.هذا قول الملحد.
نقول فى جوابه:إنّ للملحد13 أن يقول بقدم العالم أو بحدثه.فان ادّعى قدم العالم فقد ارتفع القول معه فى باب اللّغات،لانّها قديمة مع العالم، على دعوى من ادّعى قدم العالم؛و انقطع القول فى باب الالهام و التعلم.
و إن أقرّ14بحدث العالم،قلنا إنّ محدث العالم،لمّا خلق هذا البشر علّمه اللّغات،كما قلنا إنّه عزّ و جلّ علّم آدم الأسماء كلّها.و جائز15 أن يكون علّمه جميع اللغات،فعلّم هو ولده و جائز أن يكون16 علّمه17بعضها دون بعض،ثم علّم عز و جل ولده الذين كانوا فى مثل منزلته من النبّوّة، سائر اللّغات18،كما قيل إنّ آدم(ع)كانت له اللّغة19 السّريانيّة20.
فلمّا كان انتشاء21 النّسل من آدم،تعلّم ولده لغته كما نرى أنّ الأولاد يتبعون
آباءهم فى لغاتهم فى جميع الأقاليم و الجزائر.و كذلك كلّ نبىّ لمّا علّمه اللّه لغة1،اقتدت2به أمّته3 و تعلمت4 لغته5،كما نرى و نشاهد أنّ العجم لم تعرف لغة العرب إلاّ النّبذ منهم اليسير.فلما قبلوا شريعة الاسلام أقبلوا على تعلم6العربية حتى قد مهر بها أكثرهم تعلّما لا إلهاما.فهل رأيت عجميا ألهم لغة العرب من غير تعلّم كما قال الملحد:إنّه لو أراد أن يعلّم النّاس لغة لما قدر عليه، إذا لم تكن سابقة،و إنّه لا بدّ من الرّجوع إلى الالهام بتّة بتّة؟!فهذه العجم قد تعلّمت العربيّة،و لم يكن لهم سابقة،و لم يتكلّموا بها إلهاما بل تعلّما.و كذلك سبيل من يتعلّم لغة لم يعتدها7،أن يأخذها8بالتعلّم9، لا بالهام.و لا بدّ أن يكون لكلّ لغة إمام قد علّمها اللّه إيّاه،ثم يعلّمها النّاس،كما قد ذكر أنّ أوّل من تكلّم بالعربيّة،إسماعيل بن إبراهيم(ع) فتق اللّه بها لسانه و علّمه إيّاها،لأنّه كان نبيّا؛ثم علّمها هو ولده، فأخذوها عنه تعلّما لا إلهاما؛على سبيل ما يعاين:أنّ العجم أخذتها عن10العرب تعلّما لا إلهاما؛و هذا واضح لا مرية فيه.و إذا وضحت الحجّة بالمشاهدة فى هذه اللّغة،فهو دليل على أنّ سائر اللّغات هكذا كان سبيلها، و أنّ البدء فيها كان من رجل واحد.و ذلك الرّجل علّمه اللّه لغة ما،فعلّمها11هو من اقتدى به.و إذا وضح أنّ الفرع12 هو تعلّم13 و ليس هو إلهام،صح أنّ الأصل هو تعلّم لا إلهام.و اذا صحّ أنّ ذلك الأصل الّذي هو من رجل واحد تعلّم،و لم نجد له أوّلا،صحّ14 أنّ15 ذلك الأوّل كان تعلّمه من خالق اللّغات،
كما أنّ الاوّل1 خلقه2 خالق اللّغات و خالق الخلق كلّه،و أنّ اللّه علّمه على سبيل الوحى.فان كان إلهاما،فهو من الله عزّ و جلّ و هو جنس من الوحى.
و ليس له3بد من الرجوع إلى قول أصحاب الشّرائع:إنّ بدء تعلّم الأشياء كلّها من اللّه جلّ ذكره4،بوحى منه إلى أنبيائه(ع)ثم علموها النّاس.
كما قد ذكر أنّ بابل سمّيت بابل لأنّ الألسن تبلبلت فيها بعد خروج نوح من السّفينة،لأنّ ولد نوح و من كان معه فى السّفينة تفرقوا فى البلدان،و تكلم كل واحد منهم5بلغة ما،فأخذ6 أولادهم عنهم اللّغات،و أنّ ذلك الواحد فى كلّ بلد7 علّمه اللّه إيّاها.فان كان الهاما،فهو وحى من اللّه عزّ و جلّ و هو تعلّم منه.و إن كان تعلّم من ملك،فهو أيضا وحى من اللّه عزّ و جلّ، و هو تعلّم منه؛لانّ الأنبياء(ع)تفاوتت8 مراتبهم و فضّل اللّه بعضهم على بعض درجات:فمنهم من أتاه9 الملك بالوحى و تراءى له حتى عاينه،و منهم من رأى الملك بروحه،كما أنّ محمّدا(ص)كان يأتيه جبرئيل(ع)فى أوقات فى صورة إنسان و فى أوقات كان يغفو إذا أتاه الوحى ثم يفيق فيتلو ما أوحى اللّه10،و منهم من يقذف فى قلبه فيكون ذلك الهاما و تأييدا من اللّه عزّ و جلّ و وحيا منه11؛و منهم12 من يوحى إليه فى منامه،و منهم من ينظر فى الشيء13 فيعتبر به و يلقى اللّه فى روعه14 و يعلمه ما فى ذلك الشيء من النفع و الضر كما ذكرنا فى قصة المسيح(ع)انه كان لا يمر بحجر و لا شجر15 الاّ و كان يكلمه.و الوحى من اللّه عزّ و جلّ إلى أنبيائه(ع)على هذه الجهات كلها؛
يوحى إليهم كيف يشاء على حسب درجاتهم.
(7)فان قال قائل:إنّ النّاس1 يلهمون أشياء و إنّهم يرون2 فى منامهم أشياء،قلنا:الالهام يكون على ثلاثة أوجه:فما كان يوحى من اللّه عزّ و جلّ صحّ ما يتكلّم به من يلهمه اللّه و يظهر صدق قوله و حكمته فيما ينطق به من ذلك الالهام،و اذا صحّ علمنا أنّه من اللّه،كما ذكر اللّه عز و جل:«وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ» إلى قوله:«فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ» ،ثم قال:«إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ3» ؛فهذا كان إلهاما من اللّه عزّ و جلّ،و صحّ4 لأنّ اللّه ردّ موسى إليها و جعله من المرسلين.و منه ما يكون توفيقا من اللّه عزّ و جلّ للصّالحين من عباده،فيما يأتون و يذرون من أمور دينهم و دنياهم.و منه إلهام يكون من وساوس النّفس،مثل كلام هؤلاء الموسوسين الذين ليس لكلامهم نظام5 و لا حقيقة،و هو من جهة الطّبيعة و خفّة الدّماغ6 و تغوية الشّيطان على ذلك.فهذا سبيل الالهام.
و كذلك الرؤيا تكون على وجوه:فالذى يراه الأنبياء(ع)فى منامهم،لا يبطل بتّة بتّة،و لا يحتاج إلى عبارة7،و اذا رأوا شيئا كان ذلك الشّيء بعينه؛فهذا ما خصّوا به.ثمّ يشتركون مع النّاس،فرّبما رأوا فى منامهم شيئا يحتاج إلى التّأويل؛و سبيله سبيل سائر المنامات التى يراها الناس ممّا إذا عبّر كانت له حقيقة؛و هذا جنس من الرّؤيا يشترك الأنبياء (ع)مع سائر الناس فى ذلك،و يخصّون بالنّوع الآخر الّذي قد ذكرناه.
و من الرّؤيا ما يكون من جهة الطبيعة،و منها8 ما يكون من بقايا الفكر؛فهذان النّوعان لا حقيقة لهما،و الأنبياء(ع)منزّهون9 عن هذه الرؤيا؛و هى10 التى
يقال لها«أضغاث أحلام»،و لا تاويل لها،و لا تصح عبارتها،كما تصح عبارة الرّؤيا الصحيحة التى تكون من أسرار العالم العلوىّ فيراها الانسان الصالح،التى هى من1 جنس الرّؤيا التى يراها الأنبياء،فتصحّ بالتّأويل،و ان لم تكن على ذلك الصّفاء،كما قال النّبي(ص):«الرّؤيا الصّالحة من الرجل الصّالح جزء من أربعين جزء من النبوّة.»فهكذا كان2 سبيل الرّؤيا التى هى وحى3 الأنبياء و هى على ما ذكرنا لا يحتاج فيها إلى عبارة و لا تأويل و هم مخصوصون بها دون سائر الناس.فهكذا مراتب الأنبياء(ع) و درجاتهم.و كان لمحمّد4 فى هذه المراتب كلّها5 حظّ وافر،و فضّله6 اللّه على من لم يكن فى درجته بذلك.و الالهام الّذي هو وحى من اللّه،سبيله على ما ذكرنا.و من ألهم اللّغات،كان ذلك الالهام وحيا7 من اللّه عز و جل و توقيفا8 و تعليما9؛و هى نبوة.و ليس سبيله سبيل الالهام الّذي هو وساوس الملحدين الذين زعموا أنّه عام فى النّاس على حسب ما يوردونه من كلامهم؛بل،هو للأنبياء خاصّة دون سائر الناس.
و من اللغات10 ما هى أفضل،كما أنّ فى الأنبياء من هو أعلى درجة.
و أفضل اللّغات أربعة:العربيّة و السريانيّة11 و العبرانيّة و الفارسيّة؛لأنّ12اللّه عزّ و جلّ أنزل كتبه على أنبيائه بهذه اللّغات،ثم ترجمت الكتب14بسائر13 اللّغات للامم إلاّ القرآن العظيم،فانّه باللّغة العربيّة،و هى أفضل الأربعة،و هى متمنّعة15 عن التّرجمة لأسباب تركنا ذكرها للاطالة و قد فسرنا
ذلك فى غير هذا الكتاب.
فاصل اللغات كلها1 على ما ذكرنا،هى بتوقيف2 من3 اللّه عزّ و جلّ لأنبيائه،و هم علّموها النّاس.و ليس سبيلها على ما ذكره الملحد أنّها4باستخراج من النّاس بلا وحى من اللّه،و أنه جائز أن يلهم النّاس كلّهم ذلك.و لو كان5 الأمر على هذا،لما انتظمت لغة؛بل،كانت تتفاوت6 حتى لا يكون لها نظام؛لأنّ الشّيء إذا كان من قوم شتى و اختلفت7 فيه الآراء، اختلف و لم ينتظم،كالاختلاف8 الّذي قد ذكرناه9 من كلام هؤلاء المتّسمين بالفلسفة الّذي ينقض بعضه10بعضا.فلمّا وجدنا كلّ لغة منتظمة قد اتفقت11عليها أمّة من النّاس،علمنا أنّ اصل كلّ لغة من رجل واحد مؤيّد بوحى من اللّه عزّ و جلّ،و صحّ أنّ اللّغات كلّها من الأنبياء(ع).و أيضا لو كان الأمر على ما ادعاه الملحد،لوجب أن يلهم أهل كلّ دهر12 لغة ما،كانوا يبتدءونها و يستكملون بها.فكيف قد انقطع هذا الالهام و غارت هذه القريحة و لم يطل14 هذا الطّبع،حتى لا يقدر أحد أن يذكر قوما أبدعوا لغة أخذتها النّاس عنهم منذ دهر13 طويل بلا توقف على غاية15؛إلاّ ما يذكر من أمر هذه اللّغات.فان كان هذا عاما وجب أن يذكروا لنا لغة محدثة.و لن يأتوا بذلك أبدا لأنّ اللّغات أصلها من الأنبياء كما ذكرنا.
(8)فلمّا ختمت النبوّة،ختمت اللّغات،كما ختم سائر هذه الأسباب التى هى من أصول الأنبياء و الحكماء بوحى من اللّه عزّ و جلّ،و لم يبق فى العالم
إلا رسومهم.فلا نجد فى العالم غير رسومهم أو1 ما استخرج من2 رسومهم و بنى على أصولهم.و وجدنا من الرّسوم المحدثة التى تشاكل حكمة الحكيم، ما أحدث فى هذه الأمّة،و استخرج من اللّغة العربيّة،و هو النحو و العروض؛و هما معياران لكلام العرب.و أخذ اصلهما3 عن حكماء الأمّة و أئمّة الهدى؛لأنّ النّحو رسمه أمير المؤمنين عليّ(ع)لأبى الأسود الدّؤلي4،و كان5 أمير المؤمنين(ع)حكيم دهره،بل رأس الحكماء بعد رسول اللّه(ص)فى هذه الأمّة.فألهمه اللّه عزّ و جلّ استخراج ذلك.
و لم يكن نبيا،بل كان مرّوعا محدّثا و سبيل المروّعين المحدّثين فى هذه الأمّة سبيل الأنبياء فى6 الامم؛و حكمتهم مستفادة من محمّد(ص)و كان على(ع)مختصا بذلك من بين الأمّة،أودعه النبىّ أسرارا7 فضّله بها على غيره،فعلّمها هو8 المستحقّين من الأمّة.فمنها ما9 اختصّ بها قوما من الخاصّة و سترها10 عن العامّة،و منها ما بذلها للخاصّة و العامّة.و النّحو يشاكل11 حكمة الحكماء،و إن لم يكن من أسباب الدّيانة.و هو(ع)استخرجه من لغة العرب و رسمه12 لأبى الأسود الدّؤلي13،فأخذه14 عنه و قاس عليه،ثم أخذ عنه النّاس،فاتسعوا فى القياس فيه.
(9)و كذلك15 العروض،أخذ أصله الخليل بن أحمد من رجل من أصحاب على بن الحسين بن على بن أبى طالب(ع)،و كان أيضا حكيم دهره و إمام زمانه.ثم قاس عليه الخليل بن أحمد و أخرجه إلى النّاس.فهذان الأصلان
أحدثا فى هذه الأمّة،و هما من حكماء الدّيانة و أئمة الهدى.
و هكذا كلّ حكمة فى العالم صغرت أو كبرت،أصلها من الأنبياء (ع)،و هم ورّثوها الحكماء و العلماء من بعدهم،ثم صار ذلك تعليما فى النّاس؛و كذلك سبيل اللّغات.و لو كان1 الأمر على ما ادّعاه الملحد أنّ النّاس شرع واحد فى الحكمة،و أنّ كلّ2 الناس يلهمونها و يدركونها بالطّبع لا بوحى من اللّه عزّ و جلّ و لا بتعليم،و أنّ سبيل اللّغات كذلك، لما انتظم أصل و لا اعتدل الأمر فيه،كما نرى من انتظام أمر اللّغات و اعتدالها.
و كذلك السبيل فى كل كتاب الّف على حكمة مثل المجسطى و أقليدس و غير ذلك ممّا يشبههما3،هى على نظام و اعتدال يدل على أنّ كلّ أصل هو من رجل واحد4،لم يشركه فى تأليفه غيره.و إذا ثبت هذا،صحّ أنّه بتوقيف5 من اللّه عزّ و جلّ و وحى منه،و أنّ ذلك ليس هو استخراجا بطبع،لأنّه لا يجوز أن يخصّ رجل واحد من بين6 جميع الأنام الذين نشئوا7 فى أعصار كثيرة،و ذلك الرجل الواحد يكون مختصا بذلك،و هو فى مثل طبعهم،دون أن تكون فيه قوّة إلهية موهوية من البارى خالق الخلق جل و تعالى،و تلك القوّة هى الوحى الّذي يوجب لصاحبه اسم النبوّة على ما شرحناه من مراتب الأنبياء(ع).و من تدبّر ما قلنا و نظر بعين النّصفة لم تخف عليه هذه الحال؛و لا يبعد اللّه إلاّ من عاند و ظلم نفسه.
(1)و أمّا قول الملحد:أين2 ما دلت إليه أئمّتكم من التّفرقة بين السّموم و الأغذية و أفعال العقاقير3؟أرونا منه4 ورقة واحدة كما نقل عن بقراط و جالينوس الألف لا الآحاد و قد نفع الناس، و أرونا شيئا من علوم حركات الفلك و علله نقل عن5 رجل من أئمّتكم أو شيء من الطّبائع الطّريفة نحو الهندسة و غير ذلك.
ثم قال6:فان قلتم من أين عرف النّاس أفعال العقاقير فى7 الأبدان، و ما ذكره فى هذا الباب.
و قد حكينا دعواه فى ذلك و قلنا فى باب إلهام الاوزّ8 السّباحة،و فى باب اللّغات ما فيه مقنع إن شاء الله.و قد9 قدّمنا القول فى باب الحكماء
الذين كنوا1 عن أسمائهم و وضعوا هذه الأصول،و انّهم كانوا أنبياء،و هم أئمّتنا.و ليس أولئك الحكماء معدودين فى جملة أئمّة الملحدين الذين درسوا تلك الكتب و الأصول بعدهم،ثم تسمّوا2بأسمائهم و رفضوا الشّرائع و تكلموا فى البارى جل و تعالى و فى مبادى الاشياء و ابتدعوا ذلك الغثاء3المتناقض الّذي يدلّ على حيرتهم و يشهد بضلالتهم4.و ليس للملحد أن يتبجّح5بأولئك الحكماء المحقّين6 الذين لهم تلك الاصول،فانّهم أئمّتنا لا ائمّة الملحدين.و ما7 مثل الملحد فى التّبجّح بهم و الافتخار بتلك8الأصول إلا مثل شيخ كان واقفا فى رأس حلبة و قد أرسلت خيل فى السّباق فجاء فرس سابقا،فلما رأى الشيخ ذلك الفرس استشاط فرحا و جعل يصفق بيديه و يضطرب و يطرب.فقال له9 قائل:أيّها الشيخ!أ هذا10 الفرس لك؟ قال:لا،و لكن اللّجام الّذي عليه،هو11لى؛و كذلك12 سبيل الملحد بافتخاره بأولئك الحكماء و باصولهم.و ما قرابته منهم إلا كقرابة جار النّجار الّذي ضرب به المثل المشهور.لان الملحد منكر للنبوة،و هؤلاء كانوا أنبياء كما ذكرنا من13 شأن إدريس و غيرهم.و إنّما نظر الملحد فى أصولهم و تعلّم منها و جهل فضلهم و مراتبهم و حطّهم14 عن تلك المراتب التى فضّلهم اللّه بها الى المنزلة الخسيسة التى اختارها لنفسه،جهلا منه و ضلالا.و لو تأمّل حالهم و أنصف،لعلم أنّه ليس فى وسع البشر أن يدركوا مسافة ما بين مصرين
متدانيين لا تبلغ1 مساحتهما مائة ميل،إلاّ بعد أن يمسحها بالحبال2 و القصب المذروعة المقوّمة المقاسة،و إلاّ بعد أن يشاهد تلك المساحة و يباشرها بنفسه و إن مسحها رجلان أو ثلاثة لم يسلموا من الاختلاف.فكيف يجوز أن يقال إنّ أحدا3 يقدر على مساحة ما بين الأفلاك الغائبة عن تناول أوهام البشر؟ كيف...عن مشاهدتها؟و كيف يجوز أن يحكموا فى مقاديرها،ثم يدوّنوا ذلك فى كتبهم،مكما قدر سموا فيها و قالوا إنّ عرض الفلك مائة ألف فرسخ و إنّ ما بين الفلك الأدنى إلى قبالة الأرض مائة ألف فرسخ و تسعمائة فرسخ4.هذا إلى5 سائر ما ذكروا من مسافة ما بين كلّ فلكين.نحو هذا الحساب،تركنا ذكره للاختصار.
(2)ثم قالوا6 إنّ جميع ذلك من الفلك الأعلى إلى الوجه الّذي بين السّماء و الأرض ألف ألف فرسخ و تسعمائة8 و ثمانون فرسخا7.و قالوا إنّ9 استدارة10الأرض أربعمائة و عشرون ألف11 ميل و قطرها سبعة ألف و ثلاثون ميلا،و أن عرض الأرض من القطب الجنوبى الّذي يدور حوله سهيل إلى القطب الشّمالى الّذي يدور حوله بنات نعش فى موضع خط الاستواء12،ثلاثمائة13و ستون درجة،و الدّرجة خمسة و عشرون14 فرسخا،و الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع،و الذّراع أربع و عشرون إصبعا و الاصبع ست15 حبّات،و إنّ بين خط الاستواء و كل واحد من القطبين تسعين درجة.و استدارتها عرضا مثل ذلك>و<فى الأرض بعد خط الاستواء أربع16 و عشرون درجة،ثم باقى
ذلك قد غمره1 البحر الكبير.و كل ربع من الشمالىّ و الجنوبىّ سبعة أقاليم.
و إنّ مدن الأرض أربع2 ألف و مائتا مدينة و ان طول البحر من القلزم الى مشارق الصين،بلاد الواق واق،أربعة الف و خمسمائة فرسخ.
ثم قالوا3 فى مقادير الكواكب السيّارة إنّ مقدار الشّمس،مثل الأرض و الماء أربعمائة و ستون مرّة4 و ربع و ثمن.هذا5،مع سائر ما تكلّموا فيه من مقادير سائر الكواكب.فهذه أسباب6 تتحيّر العقول من استماعها و تكلّ الألسن عن وصفها فكيف عن الحكم فيها.و من الّذي يقدر أن يدرك هذا بطبعه،و يستخرجه بفطنته،و يبلغ هذه الغايات7باستنباطه،و يقدر على وضع المجسطى الّذي عمل على الأرصاد و تركيبات الأفلاك و عللها و آلات الرّصد8 و ذات الصّفائح و ذات الحلق9 و غير ذلك من الآلات و المقادير التى هى فى أيدى النّاس و نقلت عن الحكماء و تعلّمها الخاص و العام؟و من قدر على وضع أقليدس و أشكاله و معرفة الأكر و الأوتار10 و الأضلاع و المراكز بالمقادير الضّروريّة و الهندسيّة11؟و هل يجوز لعاقل أن يحكم فى هذه الأسباب بأنّها12 استدركت بالفطنة،و استنبطها هؤلاء الحكماء بطبائعهم،و لحقتها13 عقولهم،و ارتقوا إلى السّماء و اطّلعوا فى الأفلاك فعلموا عددها و عدد الكواكب السيّارة و فرّقوا بينها و بين الكواكب الثّابتة التى تعرف بها الطّوالع و الغوارب،و عرفوا منازل القمر،و قسّموا الفلك إلى اثنى عشر برجا14،و البروج الى الدّرجات و الدّرجات الى الدّقائق و الدّقائق
إلى الثّوانى و الثّوانى الى1 الثوالث حتى يدقّ الحساب.ثم عرفوا محل كلّ كوكب فى فلكه،ثم مقدار سير2 الكواكب الخمسة فى استقامتها و رجوعها و مقدار سير النّيّرين مع اختلاف سيرها.فانّ منها ما يقطع الفلك فى زيادة على ثلاثين سنة،و منها ما يقطعه فى أقلّ من شهر.
ثم مواضع3 سعودها و نحوسها و هبوطها و صعودها على حسب ما قد رسمه الحكماء فى كتبهم،مع استقامة4 هذا الحساب و اعتداله الّذي لا اختلاف فيه إلاّ الشيء اليسير الّذي بين الزّيجات؛و هو حساب منتظم متّسق يركّب على انقضاء السّنين،و تقوم به الكواكب،و يعرف به محلّ كلّ كوكب فى برجه و درجته و دقيقته فى كل سنة و كل يوم و كل ساعة.ثم ما تكلّموا فيه،من الأحكام بعلوم السّماء،و ما يحدث من الأشخاص العالية فى الهواء و ما يكون و يحدث فى التّركيبات المحيطات بالأقاليم،و ما تحت الثّرى5إلى أعلى علّيّين من أسرار رب العالمين،و فى الدّعة و السّعة و الرّخص و الغلاء6 و الصحّة و الوباء،و متى7 تكون الأمطار و الأنداء،و متى تهيج الرياح و تكون الظلمة و الضياء.و ارتاض عليه و أفنى عمره فى تعلّمه من العلماء، بهذا الشأن و توقيف منهم8 و مدارسة كتبهم و مداومة النّظر فى قوانينهم.
و كيف من9 يدّعى أنّ هذا عرف كلّه باستنباط و فطنة من غير تعليم10 و لا تقديم أصل فيه و لا نظر فى أصول الحكماء الذين وضعوا هذه الكتب.و هل يجوز11أن يحكم أنّ أحدا12 من البريّة فى وسعه أن يبلغ معرفة هذه الأسباب بفطنته و طبعه بلا معلّم و لا تعلّم أو يقدر على وضع هذه الكتب ابتداء منه و
اختراعا؟و هل يجوز أن يكون نهاية العلم و التّعلّم فى ذلك إلاّ إلى1 معلم سماوىّ من عند اللّه عزّ و جلّ خالق هذه الأشياء التى قد أحاط بها علمه و لا يخفى عليه منها2 خافية،و أنّه هو الّذي علّم أهل الأرض بوحى منه إلى أنبيائه(ع)و هو الّذي وقّفهم3 على هذا الحساب؟و أن4 هذه الأصول التى قد انتظم أمرها و اتّسق،لو لم يكن من واحد لاختلفت و تناقضت؟فانّ كلّ أمر يجتمع عليه نفر،من الأمور التى هى أرضيّة و يشاهدونها و يباشرونها، يختلفون5 فيها؛فكيف بأسباب سماويّة على ما قد فسّرنا و على انتظام الأمر فيها؟هيهات هيهات!!إنّ من أنكر أنّ هذا6 أصله من الأنبياء بوحى من اللّه إله السّماء،و ادّعى أنّه استخراج7بالفطن و الطّبائع،قد اشتدّ عماه و عظم جهله و عزب عقله:و الّذي قاله8 الملحد و ادّعاه بعمى قلبه:إن ذلك9 استخراج بالأرصاد و من الأصول الموسومة مثل المجسطي و أقليدس و بطلميوس و الكتب المعروفة عند أهلها،و إنّ منه ما يكون معرفته10بالطّبع،فقد تقدّم11فى هذا الباب صدر من هذا الكلام.
(3)و نقول أيضا12 لو اجتمعت أمم من النّاس من أهل العقول الكاملة و الفهم و التّمييز و العدالة،و من لا يرتاب بأصالة رأيه و لطافة طبعه و صحّة قريحته ممن لم يتقدّم له معرفة بشأن النّجوم و لم ينظر فى هذه الرّسوم التى وضعت على هذا الحساب،ثم نظروا بآرائهم و دبّروا بعقولهم13 و قاسوا بأفهامهم و أفنوا أعمارهم و اجتهدوا أن يلحقوا من حساب النّجوم حرفا
واحدا و يميّزوا بين الكواكب السيّارة و الكواكب الثّابتة،لما قدروا أن يفرّقوا بين الزّهرة و المشترى1 فضلا عن غيره.فكيف بأن يقسّموا حساب الأفلاك هذه القسمة،و يرتبوا2 الكواكب3 السّيّارة هذا التّرتيب؟ بل لو اجتمعوا على آلة من هذه الآلات المتّخذة مثل صفائح الأسطرلاب أو ذات الحلق و غير ذلك ثم سئلوا4 عن كيفيّتها و كيف العمل بها و هم يقلبونها بأيديهم ظهرا لبطن5 و يرون العمل الّذي قد نقش عليها من الحدود و البروج و الدّرج و السّاعات و الأوتاد و محلّ6 الكواكب الثابتة و غير ذلك،ثم طولبوا7بأن يقوّموا قوس النّهار فى اليوم الّذي هم فيه8،و يقدّروا السّاعة التى هم فيها،و مقدار ما مضى من نهارهم أو ينظروا إلى الطّالع و ارتفاع الشّمس أو ينظروا فى أىّ برج الشّمس أو سائر الكواكب،من غير معلّم يعلّمهم9و يعرّفهم،ثم أفنوا أعمارهم بالنّظر فى ذلك،و اجتهدوا أن يستخرجوه10بعقولهم و طباعهم،لما ازدادوا على مرور الأيّام الأعمى فيه و قلة هداية إليه.هذا فى آلة من هذه الآلات و هم يقلّبونها بأيديهم و يباشرونها بحواسّهم و ينظرون إلى كيفيّتها بأعينهم و يحيط بها نظرهم،فكيف يستخرجون بالطّبع حركات الفلك الّذي لا يقدرون أن يعرفوا كيفيّته؟و كيف يقدرون11أن يلحقوا حساب الكواكب و مقدار سيرها12 فى استقامتها و رجوعها و غير ذلك من الأمور الدّقيقة التى قد تقدّم القول فيها؟و كيف تلحق13 أوهامهم تلك الأسباب التى لا يشاهدونها و لا يقدرون أن يتوهّموها؟و هذا عيان
لا يقدر أحد على دفعه الا بالبهت و المعاندة.
(4)و هكذا1 السّبيل فى باب الرّصد.لو ندبت2 للرّصد أمم من النّاس على ما3 وصفنا من العقل و الرأى و التّدبير و العدالة،ثم جمعوا فى مفازة4سبخاء5 و كلّفوا أن يرصدوا النّيرين اللذين لا يخفى طلوعهما و غروبهما على الصّبيان و الضّعفاء من النّاس،دون الكواكب الخمسة التى لا يعرفونها بأعيانها،ثم كلّفوا أن يرصدوا حركات الفلك و يعرفوا الطّوالع و الغوارب من غير أن سبقت لهم معرفة بذلك،و من غير أن6 تكون معهم آلات الرّصد من الزّيجات و الأسطرلابات،ثم بقوا فى ذلك دهرهم،لما خلصوا إلاّ على النّظر إلى الكواكب و رؤية طلوع النّيّرين و غروبهما،و لما كانت معرفتهم تزيد فى ذلك على معرفة البهائم فى النّظر إليها؛إلاّ أن يكون لهم قدمة فى العلم بذلك و معرفة مستحكمة7؛و حتى يحضروا آلات الرّصد من8 الزّيجات و الأسطرلابات و غير ذلك؛و يكون ذلك بعلم بارع قد تقدّم و رياضة من العلماء.و إذا كان9 هكذا،فقد دحضت حجّة الملحد حين زعم أنهم يدركون بالأرصاد شيئا من هذه العلوم.و إذا كان الاستدراك بالرّصد لا يمكن إلاّ بهذه الآلات التى قد تقدّمت،فما الّذي اخترعوا بفطنهم من غير تعلّم10 و لا رياضة و غير أصل قد تقدّم؟
فان احتجّ محتج أنّ المأمون ندب للرّصد قوما فاستدركوا تفاوتا بين11الزّيجات التى قد تقدّمت،و أحدث باستدراكهم الممتحن،و انه مخترع
مستدرك بالرّصد،قلنا.فان1 هؤلاء الذين استدركوا هذا لم يقدروا على هذا إلاّ بعد إحضار هذه الآلات و نظروا فى الزّيجات المقدّمة2 و كانت معرفتهم قد تقدّمت بهذا الشّأن بالتّعليم و الرياضة و علم بارع،و لم يكن ذلك اختراعا3و لا استخراجا4بطبع،بل برجوع إلى أصول،و معوّل على تقدير علم و معرفة؛و باب الرّصد هو داخل فى هذه الجملة على هذا القياس.و لا حجّة للملحد فى باب الرّصد و الطّبع،و لم يبق إلاّ الرّجوع إلى أنّ ذلك كلّه مستخرج من الرّسوم المعروفة المشهورة عند أهلها دون الأرصاد و الطّبع و ليس يصحّ5بها اختراع شيء من هذه الأسباب إلاّ من جهة التّعلّم و الرّجوع إلى قوانين الحكماء التى رسموها بتأييد من اللّه عزّ و جلّ و وحى منه.و ليس فى وسع الناس اختراع شيء دون ذلك.و إذا صحّ هذا،صحّ أنّ6 اولئك الحكماء لم يقدروا على اختراع شيء بالفطنة و الطّبع،و أنّ ذلك أصله بالوحى كما قلنا،و أنهم لم يقدروا أن يرقوا الى السّماء و يقفوا على هذه الغيوب7،بل اللّه أطلعهم عليه بوحى منه،لأنّه عزّ و جلّ8 عالم الغيب و لا يطلع على غيبه9 أحدا إلا من ارتضى من رسول.سبحانه عن أن يشركه أحد فى علم هذه الغيوب من غير أن يمنّ هو بها عليه،و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
(1)قد قلنا فى باب النّجوم ما فيه كفاية إن شاء اللّه1.و قد ذكرنا طرفا فى باب الطّب و نعيد ذكره و نشبع القول فيه.زعم الملحد أنّ النّاس عرفوا أفعال العقاقير فى الابدان و معرفة2قوامها بالطّعوم و الأراييح و استدركوا ذلك بالطّبع،و أدخل هذه الدّعوى3 أيضا فى جملة ما ذكر فى باب سباحة الإوزّ بالطّبع.
نقول فى جوابه:إنّ سبيل معرفة العقاقير بالطّبع سبيل النّجوم.فان قال قائل إنّ هذا الباب أقرب مأخذا من ذلك،لأنّ العقاقير هى فى الأرض و يمكن مباشرتها بالحواس كما ادّعى الملحد أنّهم يعرفونها بالطّعوم و الأراييح،فانّ النّجوم هى فى السّماء و إنّ الفلك لا يحسّ و لا يمسّ،و
ليس سبيل العقاقير سبيل1 ما قد فات أيدى2 المتناولين،قلنا:
صدقت فى باب مباشرة العقاقير بالحواس و تناولها بالذّوق و الشّم.
و لكنا نقول إنّ هذه العقاقير تكون فى بلدان مختلفة بعيدة بعضها من بعض.
فمنها ما يجلب من بلدان بالمشرق،و منها ما يجلب من بلدان بالمغرب،و من بلدان فى ناحية الجنوب و ناحية الشمال كالاهليلج الّذي يجلب من الهند و المصطكى من الرّوم و المسك من التّبت و الدّار صينى من الصّين و حصى الخزّ3 من الترك و الأفيون من مصر و الصّبر من اليمن و البورق من أرمينية.و هكذا سبيل جميع العقاقير التى تكون فى مشارق الأرض و مغاربها.و منها ما تكون منتنة و منها ما تكون طيّبة الرّيح، و منها مرّة و منها حلوة و منها عفصة و منها حريفة على اختلاف طعومها، و منها ما هى لحاء الشّجر و منها عروقه و منها ورقه و منها ثمره و منها زهره و منها صمغه،و منها حجارة4،و منها أصناف جواهر الأرض كالشبوب و البورقات المختلفات الأجناس و الألوان التى تنقل من بلدان شتّى من أرمينية و الرّوم و كرمان و سائر البلدان،و غير ذلك من جواهر الأرض من الأملاح و الأحجار،و منها ما هي مرارة الطّير و السّباع و سائر الحيوان من دواب البرّ و البحر و أدمغتها و رئاتها و غير ذلك من أعضائها،و منها5 ما هى لحوم الحيّات ذوات السّموم النّاقعة6 التى تدخل فى التّرياق و غيره،و منها أصناف الكحل من الطيارة و الدبابة7 من السّامة و الهامة كالعقارب التى تجفّف8و تستعمل فى معجون يصلح النّقرس و تحرق و يسقى رمادها صاحب الحصاة
و تنفع فى الدهن فتنفع للاورام الغليظة،و كالذباب الّذي يستعمل فى الكحل و يضمّد على لدغة العقرب و كالضّفادع التى1 يقلع بها2 الأضراس الضّاربة و كالزّنابير و الذّراريح3 التى يعالج بها فى إنبات الشّعر،و منها أبوال4أصناف الحيوان من البهائم و السّباع و أحشائها و ذرق الطّيور حتى غائط الانسان و بوله،كأبعرة الابل التى تستعمل5 فى معجون لحمّى الرّبع،و كبول الابل العراب التى تستعمل فى دواء للرّياح المقعدة،و كبول الانسان ينقع فيه بعض العقاقير للبهق،و كغائط الانسان يسحق جافة و ينفخ فى حلق من يأخذه الخناق و يضمّد بالرّطب منه،و كذرق الحمام يدخل فى معجون يتخذ للباءة و كذرق الخطاطيف يستعمل فى بعض الأدوية.
هذا الى سائر ما لم نذكره من6 العقاقير التى تجلب من بلدان شتى و تسمى بأسماء مختلفة و بلغات أهل تلك البلاد الذين هم أمم مختلفون،متعادون متغالبون.
فأين هؤلاء7 الحكماء الذين اتّفقت آراؤهم و كملت عقولهم و تمّت طبائعهم و قويت أبدانهم و طالت أعمارهم و اتّفقت كلمتهم و تظاهروا و تعاونوا و طافوا فى اقاليم الأرضين8 و جالوا فى جزائرها و بلدانها،و عاشروا كلّ أمّة و أقاموا فى كلّ بلدة و عرفوا9 لغات أهل كلّ بلد و كلّ جزيرة حتى عرفوا أسماء العقاقير فى كل مكان و جرّبوها و عرفوا أشجارها و بقولها و أدركوا صفاتها و عرفوا بالطعوم و الأراييح الخصوصيات التى فى جميع
العقاقير المختلفة الاعمال و الطبائع؟و منها ما يعمل فى الدّماغ و منها ما يعمل فى الكبد و منها ما يعمل فى الطحال و منها ما يعمل فى المثانة و منها ما يحلّ و منها ما يعقد؛لكل واحد منها خصوصية تعمل فى عضو1 من الأعضاء، فى أعالى2 البدن و أسافله3.و منها ما هى سموم قاتلة،لا يلبث ساعة من ذاقها حتى تذيقه4 حتفه،بل تدوى بالشّم دون الذوق.فأين من5 عرف هذه الخصوصيّات فى هذه العقاقير بالذوق و الشم6 و عرف مقاديرها و أوزانها7بالطّبع و الالهام و قراريطها8 و مثاقيلها؟لأن منها ما يستعمل فى خلط مقدار قيراط فما دونه،و منها ما يستعمل فى خلط عشرين مثقالا فما فوقها،و إن زدت او نقصت كان ضرّه أكثر من نفعه9؛لأن الّذي يكون منها سموما إن زدته على المقدار قتل،و إن نقصته بطل.و منها ما يدخل فى خلط واحد خمسون صنفا من العقاقير فما فوق ذلك بأوزان مختلفة و أجزاء محدودة لا يجوز الزيادة و النقصان فيها.فأين هؤلاء10 الحكماء الذين تتّبعوا هذه العقاقير،فذاقوا شجرة شجرة و ثمرة ثمرة و عرفوا نباتها و وقفوا على صفاتها و وضعوا نسبها11 و أمثالها و مقاديرها و تتبّعوا جميع طير الدّنيا و سباعها و دوابّها،دابة دابة،فذاقوا مرارتها،و طائرا طائرا،و غاصوا فى البحار و استخرجوا دوابّها12،فذاقوا لحومها و أدمغتها و أبوالها و أحشائها حتى
ذاقوا بول الانسان و غائطه،فعرفوه بالذّوق و الشّم و علموا بالطّبع و الاستدراك عمل كل شيء من هذه الأجناس و كيف يدبّ فى العروق،حتى يؤدّى كل دواء فعله إلى الدّاء الّذي عمل له فى أعلى البدن و أسفله و داخله و خارجه،بعد1ان يصير الى المعدة و يختلط2بالدّم فيصير شيئا واحدا،ثم يتفرق من المعدة فى الأعضاء و العروق التى هى مجرى الدم؟فهل يجوز أن يحكم أن قوما تعاونوا و جالوا فى الدّنيا بأبدان صحيحة و أعمار طويلة حتى عرفوا هذه الأشياء بعد أن جمعوها و جرّبوها بالذّوق و الأراييح، فأدركوا طبائعها بالطّبع و الالهام كما ادّعاه الملحد،ثم اتّفقوا فلم يختلفوا فى شيء من ذلك؛لأن هذا إن كان من جماعة تعاونوا على ذلك،لا بدّ أن يقع فى شيء منها خلاف،فكان لا ينتظم أمر هذا النظام الّذي نراه فى باب العقاقير من اتفاق الأطباء عليه و اهل المعرفة بالطبائع و لو اجتمعوا أيضا فى بلد واحد و جمعوا هذه العقاقير عندهم،فكيف مع تباين ما بين هذه البلدان و صعوبة الأمر فى جميع هذه العقاقير و تجربتها من غير معرفة تقدمت من المجربين لها و لا أصل يرجعون إليه؟
(3)فان زعم3 أن أهل كلّ بلد جرّبوا ما ببلدهم و عرفوها،ثم نقلت من بلد الى بلد و جمعت،قلنا4:هذا غير جائز لأنّه لا يظهر علمها الا بعد أن تجمع و تخلط.فكيف5 يعرف أهل كل بلد ما فى بلدهم على الانفراد، قبل أن تجمع و تخلط،و كيف عرفوا مقدار كل شيء فى بلدهم على الانفراد6 من غير أن يعرف مقدار شكله و خلطه الّذي هو فى بلد آخر و هو لم
يعرفه و لم يجربه؟و نقول:انه لا بد ان تكون المعرفة بطبائع هذه العقاقير، أصلها من رجل واحد،أو من جماعة.فان كانت من جماعة فسبيلها ما قد ذكرنا.
(4)فان قال قائل:إن قوما اجتمعوا فى دهر واحد و اتفقوا هذا الاتفاق و لحقوا هذه المعرفة،فقد أورد ما لا تقبله العقول؛لأنّه غير ممكن أن يكون قوم يتفرّقون فى هذه البلدان فى مشارق الأرض و مغاربها،فيلحق1 كل واحد معرفة شيء منها ممّا فى ذلك البلد،و سبيلهم ما قد ذكرنا،ثم يجتمعوا و يجمعوها و يتّفقوا،ثم لا يلحقهم2 موت و لا شيء من آفات الدنيا حتى يحكموا ذلك.هذا خلف جدا.
(5)و إن ادّعى3 أن قوما بعد قوم عرفوا ذلك بطباعهم فى دهور شتّى و أزمنة مختلفة،ثم جمعوها بعد ذلك،فهذا أمحل4،لأنّ الدّواء الواحد الّذي يخلط من خمسين لونا من العقاقير،لا يجوز أن يكون اجتمعت5 على معرفتها الآراء من قوم شتّى فى دهور مختلفة و أزمنة متفاوتة،قد لحق كل رجل معرفة شيء فى دهر ما6،جاء،ثم جاء آخر فى دهر آخر،فيدرك معرفة شيء آخر،ثم تجتمع الآراء على ذلك الخلط الواحد الّذي هو من الخمسين لونا و لا يقع فيه شيء7 من الخلاف.هذا أنكر من الباب الاوّل.
فان زعم8 أنّ رجلا واحدا عرف هذه الطبائع و عاش و عمّر حتى جال الدّنيا و وقف عليها،مع اختلاف أجناسها على ما وصفنا،فهذا أبعد من العقول.و هل يقدر أحد أن يجرّب هذه العقاقير كلّها دون أن يمتحن جميع9
الشّجر و النّبات،ثمرها و ورقها و عروقها و غير ذلك و يمتحن1 جميع الحيوان من الوحش و السّباع و البهائم و الطّير و دوابّ الماء و الهوامّ و غير ذلك،حتى يعرف الضّارّ من النّافع و المستعمل من المهمل من لحومها و من مرارتها و سائر أعضائها،و أبوالها2 و أحشائها،و حتى يعرف الخصوصيّات التى فيها؟فأى عقل لا ينكر هذا،و أى عقل يصغى إليه و يقبله؟و هؤلاء3 الذين أدركوا معرفة طبائع هذه4 العقاقير بالطّعوم و الأراييح، جماعة كانوا أم واحدا5؟فى دهر واحد كانوا،أم فى دهور مختلفة؟وهبهم6صبروا على ذوق هذه القذارات7 التى ذكرناها من الأبوال و الأحشاء و غير ذلك على نتنها و كراهة شمّها و ذوقها كيف يسلمون8 من سمومها القاتلة لأنّ منها ما هو سم ساعة.و قد9 رأينا10 حشيشة تنبت فى صحارينا،إذا أكلها من لا يعرفها،قتلته على المكان؛و مثل ذلك كثير؟فأين فى العالم من يقدر على إدراك طبائع هذه الأشياء بالطعوم و الأراييح12 و بالطّبع و الإلهام؟ و أين11 فى زماننا13 من أدرك14 من ذلك فيحكم بالشّاهد على الغائب؟أو ليس من يدّعى هذا،هو مسلوب العقل عازب الفهم؟أو ليس من يصغى إليه و لا ينكره، هو أعمى قلبا منه و أضلّ سبيلا؟
و لعمرى إن قوما من المتّسمين بالفلسفة قد ادّعوا مثل هذه التّرّهات و كذبوا على الحكماء القدماء و علّفوا عليهم الخرافات التى لا تليق بهم؛ فقالوا:إنّ أفلاطن15 دخل فى جبال تكون فى الشّمال حيث لا ترى الشّمس
و حيث لا يكون نبات،و مكث فيها حينا يطلب حيلة للموت بالتّجارب و الأدوية،و يطلب الأخلاط التى تزيد فى العمر.و إنّه كان عنده ألف رجل فأرسلهم إلى مشارق الأرض و مغاربها و إلى ناحية الشّمال و الجنوب ليذوقوا الأرض و يطلبوا العقاقير.و إنّ أرسطاطاليس بعث قوما مع ذى القرنين ليعلموا تخوم الأرض و كيف قوامها،و أىّ مكان أخف و أىّ مكان أثقل و أىّ مكان أصفى و أىّ مكان أكدر و كم أقاليم الدّنيا و كم فرسخا هو1 كلّ إقليم و يجلبوا العقاقير و يجرّبوها.فبلغ الذين مضوا نحو المشرق2 إلى حيث أصابهم حرّ الشّمس و خافوا أن يحترقوا، فحفروا أسرابا فى الأرض و دخلوا فيها.و الذين مضوا الى المغرب ذهبوا إلى موضع لم يقدروا أن يجوزوه من كثرة البخار و شدّته.و قالوا:
رأينا الشّمس دخلت فى البحر،و منهم من قال دخلت فى السّماء،و منهم من قال3 خلف البخار.و الذين4 ذهبوا نحو الشّمال لم يقدروا أن يجوزوا من البرد و الثّلج،حتّى مرضوا ثم رجعوا.و الذين ذهبوا نحو الجنوب و صلوا إلى أرض5 يكون فيها العقاقير و الأدوية و الجواهر التى لا تكون ببلادنا.هذا ما ادّعوه لأفلاطن و أرسطاطاليس و ادّعوا أنّ بثاغورس ارتقى فى الهواء حتى صار إلى عالم الطبيعة و عالم النفس و عالم العقل،فنظر إلى جميع ما فيها من الصّور و الحسن و البهاء و الأنوار.و بثاغورس،هو6 الّذي تلمذ له فلانوس7 الّذي صار إلى الهند و أخذ عنه برخمس8 الفلسفة و قد تقدّم ذكره فى باب قبل هذا.فادّعوا هذه التّرهات مع دعاويهم أنّ أصول الأشياء كلّها منهم و أنّ كلّ شيء ينتفع به بنو آدم و صار علمه إلى
النّاس،من علم النّجوم و الطبّ و غير ذلك هم استخرجوها،و هم قسّموا ذلك فى الآفاق،و أنّهم وضعوا لأهل فارس ثمانين كتابا من كتب الطب،و ثلاثة عشر كتابا للهند من الطب و الحكمة و الأمثال،و أنهم وضعوا هذه الكتب كلّها بآرائهم و دبّروها بعقولهم إلهاما و طبعا من غير تأييد من اللّه عزّ و جلّ.و ادّعوا أنّهم أبدعوا إجانة1 النّار التى لا تطفأ بفارس،التى يعبدها المجوس،مع دعاوى مزخرفة من هذا النّوع لا تقبلها العقول.فأين الملحد لم يذكر هذه الخرافات التى يدّعيها هؤلاء الضّلال الكذابون حين2 ذكر دعاوى المجوس و المنانيّة3 و الخرافات التى حكاها عن المبتدعين عنهم؛كقولهم:إنّ مانى كان يختطف من4بين أيديهم فيصير فى الهواء يحاذى الشمس؛فربما مكث ساعات و ربما مكث أيّاما،ثم نزل.و إنّه الّذي رفع سابور الّذي عمل له5 الشابرقان إلى الجوّ و أخفاه6حينا هناك.فانّ هذه الدّعاوى مثل ما ادّعاه أولئك الكذّابون أنّ بثاغورس ارتقى إلى الهواء و إلى عالم الطّبيعة و عالم النّفس و عالم العقل حتى عاين هذه العلوم و أدركها.أو ليس هذا مثل ما ادّعاه المنّانيّة7 لمانى حذو النّعل بالنعل و القذّة بالقذّة؛فكيف لم يعب من هو على مذهبه من المتفلسفين بهذه الدّعوى؟و لكن عيّر8 المسلمين و عابهم بدعوى المنّانيّة لمانى! و كيف لم يعلّق هذا الجلجل فى عنق نفسه و أهل مذهبه!؟فانّه أولى به و أحق،اذ كان على مذهب هؤلاء الذين ادّعوا9 لبثاغورس هذه الدّعوى، و لأفلاطن و أرسطاطاليس هذه الأكاذيب.
(7)فأمّا القرابة بين المسلمين1 و بين المجوس و المنّانيّة فكالفيل2من ولد3 الأتان.فان زعم أنّ هذا،لأنّ المنّانيّة و المجوس أقرّوا بالنبوّة كما أقرّ بها المسلمون،قلنا:ليس كلّ من أقرّ بالأنبياء هو مصدّق فى جميع دعاويه،و لا هو صادق مصيب فى بدعهم التى يبتدعونها.إنما نصدقه فى إقراره بالنبوة،و نكذّبه فى هذه الترهات التى يبتدعونها.فان ادّعى الملحد أنّ من ادّعى لبثاغورس هذه الدّعوى و لأفلاطن و أرسطاطاليس هو متكذّب4عليهم،و أنّهم قد اختلفوا فى ذلك،و اختلفوا فى الأصول التى قد ذكرناها5، و ذكرنا تناقض كلامهم و تكذيب بعضهم لبعض،فلم احتجّ على أهل الملل بالخلاف،و الخلاف الّذي بين أئمّته هو فى القبح و الشّناعة بحيث لا غاية وراءه.و لكنه لعله يحتج بحجّة قد كان ذكرها لى لأنّى ناظرته فى هذا الباب و طالبته و قلت له:الخلاف الّذي بينكم هو أقبح و أشنع مما تدعيه6 على أهل الشّرائع.فقال مجيبا:مثلنا و مثلكم فى7 هذا مثل رجلين اختصما فقال أحدهما لصاحبه:أ ليست8 أختك معروفة بالزّنا9؟فقال الآخر:يجوز،فانّ ابنتك أيضا11مشهورة12بالفجور.فكان هذا جوابه و التجأ إلى هذه السّخافة يريد بذلك أنّه يجوز10 و إن اختلفنا13 فقد اختلف أصحاب الشّرائع.قلت له:إذا كان الأمر هكذا،فالتّمسك بشريعة محمّد(ص)أولى و أنفع فى العاجل و الآجل.أما فى العاجل فحقن الدّم و تحصين المال و الأهل و صيانة الفروج و تصحيح النّسب بالولادة الطّيبة بتزويج حلال،فانّ ذلك أجمل فى المروءة لمن لا يعتقد
الاسلام أيضا،من1 إباحة فروج الأمّهات و البنات و الأخوات.هذا إلى سائر المنافع التى قد جرى ذكرها.و أما فى الآجل فللوعد بالثّواب الجزيل العظيم الّذي لا يقادر قدره،و الوعيد بالعذاب الأليم2 الّذي لا ألم3 فوقه.فالأخذ بالوثيقة فى هذا أحزم من الدّخول فى التّعطيل و القول بالالحاد الّذي لا يحقن فيه دم و لا يحصّن مال و لا أهل و لا يصان فرج و لا يصحّ نسب و فى الآخرة عذاب أليم.
(8)نقول لمن يصحّح هذا الدعوى لأفلاطن4 و جالينوس،أ فلا5 علم أفلاطن مع حكمته و استحكام معرفته أنّه إذا لم يوجد للموت حيلة فى هذه الأرض العامرة التى تطلع عليها الشّمس و ينبت فيها من كل نبات،و أنّ هذه الأخلاط التى يعالج بها6 جميع الأدواء،تكون7 فى العمران،فاذا لم يوجد هاهنا دواء يدفع به الموت،كيف يجده8 فى الخراب و فى جبال لا تطلع عليها الشمس و لا يكون فيها نبات؟!أو كيف غرّته نفسه و اغترّ بالأمانى،و قد عاين و عرف أنّ أحدا من العالمين لم يسلم من الموت؟!فهلا اعتبر بذلك؟!أولم يكن له من9 العقل مع حكمته أن يعرف هذه الحال؟و هل هذا إلاّ كذب من هؤلاء الضّلال الذين أرادوا أن يعظموا شأن أفلاطن فشانوه بما قدر و أنهم يزيّنونه10به؟
(9)و أمّا القول فى الذين ادّعوا أن أفلاطن بعث ألف رجل فى مشارق الأرض و مغاربها،و أنّ أرسطاطاليس بعث قوما مع ذى القرنين ليعرفوا التّخوم و الأقاليم و الجزائر و يجلبوا العقاقير و يجرّبوها،فانّ فيما ذكرنا
فى شأن العقاقير1،و من يدّعى أنّهم عرفوها بالطّبع و الفطنة،كفاية.و هو جواب يجمع هؤلاء و أولئك؛لأنّ سبيل هؤلاء،سبيل أولئك،و فى ذلك مقنع لمن أنصف إن شاء اللّه تعالى.و بعد فانّا نقول:إن كان هؤلاء عرفوا من العقاقير2 فى هذه البلدان التى صاروا إليها ما لم يعرفه أفلاطن و جالينوس، فهؤلاء قدوة لأفلاطن و جالينوس3.فاين أسماء هؤلاء الذين كانوا أشدّ عناية بهذا4 الشّأن من هذين الرّجلين،و تحملوا من المشقّة ما لم يتحمّله هذان الرجلان؟و أين تلك العقاقير التى جلبوها من هذه البلدان؟و لم5لم تنسب إليهم كما نسبت6 كتب أفلاطن و جالينوس إليهما؟و محصول هذه الدّعاوى أنها زخارف و أكاذيب،و هو من سخف الملحدين و دعاويهم الكاذبة.
و ذكرنا ذلك لأنّ7 الملحد8 ترك هذه الدّعاوى و عاب المسلمين بما تدّعيه المجوس و المنّانيّة9 لزرهشت و مانى من الأباطيل المبتدعة إلحادا منه و شدّة عداوة للاسلام.و ما مثله فى ذلك إلاّ كما قال الأوّل:
كناطح صخرة يوما ليفلقها
فلم يضرها10 و أوهى قرنه الوعل
(1)و قد ذكرنا فى باب العقاقير التى هى فى الأرض و يمكن مباشرتها بالحواس،بالذوق و الأراييح،وجها1 من صعوبة الأمر فيها:ما يقارب صعوبة الأمر فى باب النّجوم و إن كانت فى السماء.و السبيل فى معرفة العقاقير بالطّبع و الفطنة مثل السبيل2 فى معرفة النّجوم،و بيّنا3 أنّ تناول ذلك عسر جدّا،و ليس إلاّ الرجوع فى ذلك الى أصول الحكماء و أنّ ذلك لا يلحق4 إلاّ بالتعلّم و الرّياضة و الاقتداء بقوانينهم؛و ما سوى5 ذلك من الدّعاوى فى باب إدراك شيء منه بالطّبع و الفطنة،هو باطل،و من6 يدّعى ذلك هو كاذب أثيم ذو إفك عظيم.و إنّما يعرف هذه العقاقير بالطّعوم و الأراييح من تقدّمت معرفته بها،فيذوق و يشمّ ما يعلم أنّها تضرّه إذا ذاقها و شمّها و لا يخشى غائلتها،فيميّز الأجود من الأدون و الخالص من المغشوش7 و الصّافى
من المختلط.فمن هذه الجهة1 تعرف بالشّم و الذّوق.فأما أن يعرف إنسان طبعها بالشّم و الذّوق،و يعرف2 الخصوصيّة التى فيها من غير معرفة تقدّمت منه بها،فهو أمحل المحال.و سبيل الطّبيب الحاذق المتفلسف الّذي يعرف العقاقير و سبيل من لم يمارس هذا الشأن و لا يعرف شيئا منه فى معرفة طبيعة شيء لم تتقدّم معرفته به واحد.و من ادّعى سوى ذلك فهو مبطل.
(2)و قد كنت ذاكرت الملحد فى ذلك فباهت و أصرّ على هذه الدّعوى.
فقلت له:هل3 أدركت أنت بطبعك و فطنتك ما لم يسبق إليه من تقدّمك فيصدّقك فى هذه الدّعوى.؟قال:نعم4،أخبرك فى هذا بأمر عجيب.كانت لى قصة مع أحمد بن إسماعيل وقت مقامى ببخارى عجيبة.و ذلك أنه قد كان خرج يوما من الأيّام متنزها و كنت معه فى موكبه.فدفعنا إلى موضع نزه كثير5 العشب و النّور.فنزل و نزلنا معه و نظر إلى حشيشة قريبة منه.فقال لى:يا فلان!لما ذا تصلح هذه الحشيشة؟ فاجبته على البديهة و قلت:تدرّ البول.فأمر ان تختلى6 تلك.و حضر الطّعام و قدّمت المائدة،فوضعت تلك الحشيشة على طرف المائدة و قعدنا معه.
و دعا بغلام له كان يأكل معه.فأقعده فى ناحية المائدة التى عليها تلك الحشيشة و أقبلنا نأكل.فتناول الغلام تلك الحشيشة على سبيل من تناول البقل، و هو لم يعرف خبرها و ما جرى7 فى أمرها.فما استتمّ طعامه حتى قام عن المائدة و غاب عنا و بال.فلما انصرف قال له صاحبه:ما شأنك و لم قمت عن الطعام؟قال:غلبنى البول و لم أقدر على ضبطه.فتعجّب هو من ذلك
و تعجّب النّاس.
(3)قلت له:فهل كنت عرفت هذه الحشيشة قبل ذلك؟قال:لا و اللّه، ما كنت رأيتها و لا عرفتها.قلت:فهل1 توجد فى بلدنا و هل تعرفها الآن؟ قال:لا و اللّه،ما أعرفها و لا أدرى توجد هاهنا أم لا.قلت له:أ لست تعرف شأن هؤلاء2 الزّراقين الذين يقعدون على السّبيل و يخدعون عوامّ النّاس بالزّرق؟قال3:هل أحد أعرف بهم منى؟قلت:فانّ حديثك هذا هو4 من نوع الزّرق،و ليس هو من نوع المعرفة بطباع5 العقاقير طبعا و فطنة و تجربة.
قال:و أى فطنة ألطف من هذه؟قلت:كيف تعدّ6 هذا من الفطنة؟و كيف7 تشبّه هذا بفطنة الحكماء الذين تزعم أنّهم أدركوا معرفة طبائع الأشياء بفطنتهم و استخرجوا ذلك بالذّوق و الشمّ8،و كانوا بزعمك لا يعرفون ذلك إلاّ9بتدبير و تأمّل و قياس و تجربة و شمّ و ذوق؛ثم كانوا يدونون10 فى كتبهم ما يلحقون معرفته حتى يصير أصلا يعتمد عليه،و تزعم أنّ هذه الأصول كان سبيلها هكذا و أنت تزعم أنك تكلّمت فى هذه الحشيشة على البديهة من غير فكرة و لا رويّة و لا تجربة،و أنك لم تعرف هذه الحشيشة قبل ذلك و لا ذقتها11 و لا شممتها و لا تعرفها الآن و لا تدرى هل توجد فى هذه البلدان أم لا؟او12 ليس قولك هذا14 هو الزّرق و دعواك هى بالزّرق أشبه منها بفطنة الحكماء و تجاربهم؟ أو ليس هذا هو الزّرق بعينه؟أو لست تزعم أنك أعرف الناس بالزّراقين؟ فهل هذا إلاّ الزرق بعينه؟أو ليس13 الزّرق هو خديعة و سخرية؟فان كان أولئك الحكماء سبيلهم فى معرفة طبائع العقاقير هكذا،فكانوا زرّاقين15 يخدعون
الناس و يسخرون.و لو كان كذلك لما صحّ شيء من رسومهم و لا انتفع النّاس بشيء1 من كتبهم؛لان الزّرق باطل و خديعة لا قوام له و لا نظام.و أنت، و إن2 تم لك ذلك الزّرق على ذلك الإنسان،فانا لا ننخدع لك؛و هذه اوهى حجة أوردتها فانقطع.
(4)و أستغفر الله من الزّيادة و النقصان فى هذه الحكاية،فان الكلام يزيد و ينقص؛و لكن هذا جملته.و إنّما ذكرت هذا لان الملحد حين طالبته بما لحقه بطبعه و فطنته من معرفة طبائع العقاقير طول عمره،لم يحصل من دعواه الا على ما ذكرناه عنه،مع دعواه أنّه3 نظير بقراط و جالينوس فى الطبّ و سقراط و أرسطاطاليس فى4 سائر علوم الفلسفة و العلم بالطّبائع.
و هكذا تحصل جميع دعاوى الملحدين فى باب معرفة الأشياء بالفطنة و الطبع، و هى سخيفة متناقضة.فان كان قد صدق فى هذه الحكاية،فهو سخيف5كما ترى.و إن كان كذب،فالكذب6 أولى به.
(5)و أمّا ما ذكره الملحد فى كتابه فى هذا الباب أنّ منها ما أخذه الأوّل عن الأوّل7 إلى نهاية الزّمان،فان كان أراد بقوله8 نهاية الزّمان،ما كان يعتقده من القول بقدم الزّمان المطلق الّذي جعله أصل مقالته و زعم انهما9زمانان10:زمان مطلق11 و زمان مضاف،فقد أحال فى الدّعوى و نقض قوله؛لأنّ الزّمان المطلق عنده قديم بلا نهاية و لم يدع12 هو أنّ الطب قديم مع الزّمان.
و إن كان أراد الزّمان المضاف الّذي هو بحركات الفلك،فقد أحال أيضا،
لأنّ الطب و حساب النّجوم أخذت بعد حدوث البشر و البشر آخر متولّدات العالم عند أهل الشرائع و عند الفلاسفة،و الفلك و حركاته و ما فيه،اقدم من جميع المتولّدات.و ليست النهاية فى معرفة هذه الأسباب إلى نهاية الزّمان فى هذا الوجه أيضا1.و لكنا نقول:إنّ علم الطبّ و معرفة طبائع العقاقير و غير ذلك من علم2 النّجوم و الفلسفة،أخذه الخلف عن السّلف إلى أن ينتهى إلى الحكيم الّذي كان الأوّل فيها،و إنّ ذلك الحكيم عرف هذه اللّطائف تأييدا من اللّه عزّ و جلّ3 و وحيا منه و هو داخل فى جملة الأنبياء(ع)،لان أحدا ليس فى وسعه أن يبلغ معرفتها إلاّ كذلك.
و كفى بما تقدّم من الاحتجاج برهانا و دليلا على ذلك و نقول:إنّ هؤلاء الحكماء الذين تنسب إليهم هذه الأصول إن كانت ابتداء منهم،فكما4ذكرنا.و إلاّ فأخذوها عمّن تقدّمهم5 شيئا بعد شيء6 فيها؛فكان سبيله سبيل من تقدّمه فى التأييد من الله عز و جل،حتى ينتهى7 الامر إلى الاوّل الّذي ابتدأه الله بتعليم8 ذلك،لأنّ اللّه عزّ و جلّ بعث أنبياءه فعلّمهم من كل شيء يحتاج إليه النّاس9 فى أمورهم دينا و دنيا و لذلك استقام أمر العالم.و لو لا أنّ اللّه عزّ و جلّ10 علّمهم لما علموا؛لأنّه خلق جميع الخلائق،و علم ما ظهر و ما بطن،و لم يشرك أحدا11 من خلقه فى العلم بها إلاّ النبىّ،و هو عالم الغيب،لا يظهر على غيبه أحدا إلاّ من ارتضى من رسول12 و هو أعلم حيث يجعل رسالته13 و لا يشرك فى حكمه أحدا.
الف آدم(ع):285،280،87
آغا يونس:279
آمنة:88
ابان بن عياش:48
ابراهيم(ع):176،123،121،87،49
ابن ابى العوجاء:48،47
ابن احمر المخضرمى:231
ابن المبارك:48
ابن المقفع:47
ابن المسعود:212
ابن عباس:49
ابو الاسود الدؤلي:291
ابو بكر:264،84،44،26
ابو بكر ختن التمار(المتطبب):27-26
ابو سفيان:78
ابو عاصم قاضى مرو:54،49
ابيقورس:136،135
ابى بن خلف:81
ابى بن كعب:48
احمد بن اسماعيل:278
اخنوخ:278
ادريس النبي:279
ادريس بن ادريس بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن على(ع):267
اربد بن قيس:216 278
ارسطاطاليس:127،72،19،16،14،7، 144،138،
اسكندر:89
اسماعيل(ع)286،195،87
إسماعيل:بن ابراهيم 286،87
اشعياء:197،196،54،50
افلاطن:140،133،19،16،7
افلاطن القبطى 140
اقليدس 289،296،292،275،257
الاسود العنسى المتنبى:263
الاسود بن عبد يغوث:217
الاشعث بن قيس 265
البراء بن عازب 214
الحارث بن الطلاطلة 218
الحكماء السبعة:132
الديسمى الاباضى 267
الصين 267
المامون 276
المغيرة،صاحب ابراهيم 49
المنذر بن زياد 49
أم الطفيل 59،50
أمّ الفضل 209
أمّ معبد 86
امية بن خلف الحجمى 248
امية بن عبد شمس 200
انبدقليس 144،142،140،139
اندريوس 278
انكساغورس 143،134
آنكسماندروس:138
انكسمانس 143،137
انيقوس 134
اوريا 106
اهبان بن اوس الاسلمى(مكلم الذئب)202
ابرقليطس و اناسيس 136
أيوب بن خوط 49
ايساغورس 144
ب باذان:207
بال 277
بخت نصر 277،276،101
برخمس الهندى 141،135
برقلس 135،107
برقونس 141،
بطلميوس 274
بقراط 274
بلطشاسر 276
بليناس 107
بوثاغورس 46،145،139،136
بولس 103
بيرس 134
ت تغلث فلاسر(ملك الموصل)101
تيرس 134
تيموثاوس 103
ث ثالس 137،133
ج جابر بن عبد اللّه الجعفى 317،213
جالينوس 274
جعفر بن محمد الصادق 41
ح حارثة بن سراقة بن معديكرب 265
حذاقة بن قيس السهمى 312
حليمة(ظئر رسول اللّه)204
حمزة 78
خ خالد بن وليد 83
خرسبوس 143
خليل بن احمد 291
د دانيال(النبي)197،54،52،51
داود(ع)106
دحية بن خليفة الكلبى 210
ديمقراط الفيلسوف 141،140،107
ذ ذو النون 264
ر رستم الفارسى 267
ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف 296،206
ز زرهشت 70،69
زبير بن العوام 220
زيد(قصى)87
زيد بن اللصيت 209
زينون الاكبر 142
س سابور 70
سام 87
سجاح بنت الحارث اليربوعية 263
سراقسيس 279
سراقة بن جعشم المدلجى 204
سطيح الكاهن 199
سعد بن ابى مالك 50
سقراط 277،233،127
سنحاريب 101
سهل السراج 49
ش شلمنأصر 101
شمعون 278
شيبة الحمد 88
شيث 87
شيرويه 207
ص صرد بن عبد اللّه الازدى:208
صفوان بن امية 79
ط طليحة بن خويلد المتنبى 263
طولوس الفيومى 140
طسيوس 140
ع عاصم الكوزى 49
عامر بن الاضبط الاشجعى 217
عائشة 224
عبد المطلب 288،87
عبد اللّه 88
عبد اللّه بن رواحة 213،214
عبد اللّه بن الزبعرى 79
عبد الرحمن بن معاوية الاموى 267
عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة العبادى 199
عباس بن عبد المطلب 209
عباس بن مرداس 201
عبديا ليل بن عمرو 251
عبيد الله بن وهب 99،50
عتبة بن عمرو بن جحدم 209
عروة بن مسعود الثقفى 237
عزيا الملك 50
عقيل 209
على(ع):291،222،81،44
عمار:210
عمارة بن عامر 50
عمرو 87،44
عمر بن الخطاب 176،44
عمر بن الحرث 50
عمر بن حريث 49
عمير بن وهب 79
عيسى(ع)97،91،89،73،70،69، 269،157،125،122،113
عيينة بن حصن 264
ف فاطمه(ع)212
فرعون 102،90،75
فطروس 278
فلانوس:147
فلسنيون 145
فلوطرخس 143،142،134
فيلدفيوس:279
فيلوس 279،278
ق قصى 87
قيصر:210
ك كسرى 193
كسناغورس 143
كسنوفانس 137،133
كعب بن زهير 80
ل لوقس،279
م مارقوس 278 279
مارية القبطية 262
مانى 70،69
محلم بن جثامة 217
مجسطى 296
محمد(ص)74،73،69،65،53،28، 113،111،96،91،89،81،79،76،75، 193،188،175،167،154،125،123، 223،219،198،197،196،195،194، 253،252،250،249،239،227،234، 255،254
مرزنوش 146
مروان بن عثمان 50
مسيح:123،98،91،75،69، 196،169،168،165،160،131،
مسيلمة الكذاب المتنبى 263
معاوية 314
مليسس 146
موسى(ع)75،73،69 91،90،89، 125،124،123،122،121،113، 288،157
ن ناحوم النبي 102
ناجية بن جندب 214
نبوخذنصر 101
نسطولس 277
نعمان بن منذر 199
نوح 287،87،56
نوفل بن الحارث 209
و وارطوس 147
وحشى غلام جبير بن مطعم 79
ورقة بن نوفل 248
وليد بن مغيرة المخزومى 202
ه هاشم بن عبد مناف 200
هارون(ع)90
هرقل(قيصر الروم)140
هرمس 107
هشام بن عبد الملك بن مروان:276
هشام بن سعيد 203
هند بن ابى هالة 129
هوشع النبي 100
ى يوحنا الصابغ 175
يوئيل النبي 101
الف ابو قبيس(جبل)88
آذربيجان 268
الاردن 267،91
ارض الجليل 195
ارمينية 268
اصبهان 267
اضم 217
افسوس 140
اكيدر دومة الجندل 208
الاندلس 267
الاهواز 267
البحر الكبير 297
البحرين 267
الجبال 171
الحبشه 63
الداب 268
الربذة 212
السند 267
الصين 171
الطائف 237
القطب الجنوبى 295
القطب الشمالى 295
القلزم 295
الكعبة 78
اورشليم 196،174
الهند 267
اليمامة 263
اليمن 263
ب بابل 267،197،102؛287
بحر الاندلس 267
بحيرة ساوه 199
بصره:222
بلاد العجم 267
بلاد العراق 296
بيت المقدس 276
ت تاهرت الادنى 267
تاهرت الاقصى 267
تبت:303
تبوك 212
تفليس 268
تهامة 267
ج جرش 209
ح حجاز 171
حبشه 102
خ خراسان 171
خزر 267،171
د دار الندوة 207
ر رومية 303،224،221،219،195
س ساعير 195
سجستان 267
سيناء 195
ش شكر 208
شمشاط 268
شام:267،266،199،171،91
ص صقلية 268
صنعاء 263
ط طخارستان 267
طرطوس 268
طنجة 267
طوانة 107
ع عراق 171
عسفان 200
غ غرغر 267
ف فاران 267،224،219،199،195
فرنجة 267
فلسطين 91
ق قليقلا 268
قاهره:89
ك كرمان 267
كش 209
كعبه 123،78،
لبنان:101
م مدينة:219؛295
مكة:223،218،195،87،79،78، 251،248،246،237،224
ملطية:268
منى:84
مصر:255
موصل:102
ن نجران:267
بخارى:512
ناصرة:195
و وادى الرمل 267
وادى المشقق 215
ى يمن:267
الف آل داود 189
الاكاسره:267،127
اهل ذى المجاز 81
ب براهمه 171
بنو اسرائيل 120،102،100،90،
بنو اسماعيل 195
بنو تميم:263
بنو جذيمة 83
بنو حنيفة:264
بنو سليم 201
بنو غفار 204
بنو قتيرة:265
بنو مكلم الذئب 202
بنو هاشم 87
ت ترك 303،63
حواريين:145،144
د ديلم 63
ز زنج 63
ع عجم 276،63
عدنان 87
عرب:286
ق قريش 202،89،88،87،81،77،74،
قوم عاد:231
ك كلدانيون
كنانة 87
كندة 265
م المجوس 267،160،71،70،69،59،53
المجوسية 267،70
المنانية 71
ن النصارى 168،103،70،69،59،53، 267،176
يهود:170،168،69،59،53،35، 289،267،176
ه الهياطلة 240
1-فَبَشِّرْ عِبٰادِ اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ .ص 35 زمر 18/39-19
2-تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ .ص 36-35 آل عمران 57/3
3-قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرٰاةِ فَاتْلُوهٰا إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ .
ص 36 آل عمران 88/3
4-وَ لاٰ تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .
ص 37 عنكبوت 46/29
5-اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ص 37 النحل 125
6-وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا
ص 38-37 النمل 14/27
7-إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .ص 39-38 البقرة 160/2
8-إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ
8-إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلاٰفِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ
ص 39 آل عمران 189/3
9-وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهٰا رَوٰاسِيَ وَ أَنْهٰاراً... إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
ص 39 الرعد 3/13
10-وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
ص 39 النحل 8/16
11-إِنّٰا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ ص 41 القمر 49/54
12-وَ جَعَلْنٰا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا مٰا كَتَبْنٰاهٰا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغٰاءَ رِضْوٰانِ اللّٰهِ فَمٰا رَعَوْهٰا حَقَّ رِعٰايَتِهٰا .
ص 45 الحديد 27/57
13-لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
ص 50 الانعام 103/6
14-فَإِنَّمٰا عَلَيْكَ الْبَلاٰغُ وَ عَلَيْنَا الْحِسٰابُ ص 56 الرعد 40/13
15-لاٰ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مٰا عَلَيْكَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ مٰا مِنْ حِسٰابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّٰالِمِينَ
ص 56 الانعام 50/6-52
17-أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ص 56 الشعراء 111/26
18-وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ ص 57 ابراهيم 26/14
18-أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ص 59 البقرة 44/2
19-إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً
ص 65 النساء 97/4
20-وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ ص 71 الصف
21-فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ الظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ
ص 74 الانعام 33/6
22-ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قٰالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ص 74 الدخان 14/44
23-أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جٰاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كٰارِهُونَ؟ ص 75 المؤمنان 70/23
24-إِنْ هُوَ إِلاّٰ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّٰى حِينٍ
ص 75 المؤمنون 25/23
25-إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
ص 75 الشعراء 27/26
26-إِنَّ هٰذٰا لَسٰاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ .
ص 75 الشعراء 34/26
27-مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ص 75 القلم 2/68
28-وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ص 76 القلم 4/68
29-لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لاٰ تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
ص 78 الاسرى 29/17
30-لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا اللّٰهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ
ص 83 الاحزاب 21/33
31-أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رٰابِياً وَ مِمّٰا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّٰارِ ابْتِغٰاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتٰاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْأَمْثٰالَ .ص 95 الرعد 17/13
32-وَ لَقَدْ صَرَّفْنٰا لِلنّٰاسِ فِي هٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبىٰ أَكْثَرُ النّٰاسِ إِلاّٰ كُفُوراً
ص 95 الاسرى 89/17
33-وَ لَقَدْ صَرَّفْنٰا فِي هٰذَا الْقُرْآنِ لِلنّٰاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً
ص 95 الكهف 54/18
34-إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مٰا بَعُوضَةً فَمٰا فَوْقَهٰا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفٰاسِقِينَ
ص 96-95 البقرة 26/2
35-عَلَيْهٰا تِسْعَةَ عَشَرَ وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلاّٰ مَلاٰئِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ يَزْدٰادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمٰاناً وَ لاٰ يَرْتٰابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكٰافِرُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَاللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ
35-عَلَيْهٰا تِسْعَةَ عَشَرَ وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلاّٰ مَلاٰئِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ يَزْدٰادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمٰاناً وَ لاٰ يَرْتٰابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكٰافِرُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَاللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلاً كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ
ص 96 المدثر 30/74
36-وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلاَّ الْعٰالِمُونَ
ص 96 العنكبوت 43/29
37-قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفٰاءٌ وَ الَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولٰئِكَ يُنٰادَوْنَ مِنْ مَكٰانٍ بَعِيدٍ
ص 97-96 فصلت 97/41
38-وَ عٰاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحٰابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً وَ كُلاًّ ضَرَبْنٰا لَهُ الْأَمْثٰالَ وَ كُلاًّ تَبَّرْنٰا تَتْبِيراً ص 97 الفرقان 27/38
40-وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ الْغٰافِلُونَ ص 98 الاعراف 179/7
41-هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ
ص 106 ص 23/38
42-شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
ص 109 الشورى 13/42
43-لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً ص 109 المائدة 48/5
44-عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ السَّوْءِ ص 110 الفتح 6/48
45-أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لاٰ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ص 110 الشورى 31/24
46-اَللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .
ص 167 الشورى 42/13
47-وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ
ص 111 الانفال 39/8
48-لاٰ إِكْرٰاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ ص 111 البقرة 256/2
49-اَللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ
ص 111 البقرة 257/2
50-اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ
ص 114 المؤمن 7/40
51-اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ ص 114 طه 5/20
52-وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمٰانِيَةٌ ص 144 الحاقة 17/69
53-أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاٰفاً كَثِيراً
ص 114 النساء 82/4
54-وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطٰانَ إِلاّٰ قَلِيلاً
ص 115 النساء 83/4
55-فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً .
ص 115 النساء 59/4
56-يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لاٰ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّٰ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
ص 118 البقرة 267/4
57-وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ص 118 البقرة 267/2
58-وَ لاٰ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
59-اَلشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ وَ اللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً
ص 118 البقرة 268/6
60-لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لاٰ دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهٰا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ص 119 الحج 37/22
61-يٰا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ص 127 الفرقان 27/25
62-وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
ص 132 الشعراء 227/26
63-وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلاّٰ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ
ص 157 البقرة 143/2
64-وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ إِلَى اللّٰهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
ص 157 المائدة 48/5
65-وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّٰاسَ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لاٰ يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّٰ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ص 158 هود 118/11
66-كٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .
ص 158 البقرة 213/2
67-وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
ص 158
68-لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا بِمٰا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى النجم31/53
ص 166
69-ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ 168 ص 27/38
70-وَ مٰا قَتَلُوهُ يَقِيناً،بَلْ رَفَعَهُ اللّٰهُ إِلَيْهِ ص 168 النساء 157/4
71-وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتٌ بَلْ أَحْيٰاءٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَشْعُرُونَ
ص 168 البقرة 154/2
72-وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ ص 168 آل عمران 169/3
73-إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ ص 169 آل عمران 55/3
74-وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّٰا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ص 169 المائدة 117/5
75-وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتٰابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مٰا هُوَ مِنَ الْكِتٰابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ وَ مٰا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ
ص 173 آل عمران 78/3
76-مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هٰذٰا
ص 176 الحج 78/22
77-وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ... ص 188 البقرة 2/261
78-وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ ص 213 الانفال 17/8
79-وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ص 213 الشعراء 214/26
80-وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ إِذِ اسْتَسْقٰاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ ص 216 الاعراف 7/160
81-إِنّٰا كَفَيْنٰاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
ص 218 الحجر 96/15-95
82-لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ فَعَلِمَ مٰا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ص 218 الفتح 27/48
83-مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ ص 219 الضحى 3/93
84-وَ لاٰ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ
ص 219 الكهف 23/18
85-إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ
ص 219 القصص 86/28
86-الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ص 219 الروم 3 و 30/2
87-وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً .ص 220 النور 55/24
88-سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ ص 220 القمر 46/54
89-كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ مَعَ الصّٰابِرِينَ
ص 220 بقره 2/249
90-وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّٰهُ إِحْدَى الطّٰائِفَتَيْنِ أَنَّهٰا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذٰاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ وَ يَقْطَعَ دٰابِرَ الْكٰافِرِينَ
ص 221 الانفال 8/8
91-يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرىٰ إِنّٰا مُنْتَقِمُونَ ص 221 الدخان 16/44
92-وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّٰى إِذٰا فَشِلْتُمْ...
ص 221 آل عمران 146/3
93-إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللّٰهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّٰهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ص 221 المجادلة 23/58
94-سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا... ص 222 الاسرى 2/17
95-اِقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
ص 223 القمر 3/54-2
96-«لو اجتمعت الانس و الجن على أن يأتوا بمثله لعجزوا عنه و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا»ص 230
97-قٰالُوا إِنَّمٰا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مٰا أَنْتَ إِلاّٰ بَشَرٌ مِثْلُنٰا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ قٰالَ هٰذِهِ نٰاقَةٌ لَهٰا شِرْبٌ وَ... ص 231 الشعراء 156/26-154
98-وَ قٰالُوا يٰا صٰالِحُ ائْتِنٰا بِمٰا تَعِدُنٰا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
ص 231 الاعراف 77/7-76
99-قٰالُوا يٰا مُوسَى ادْعُ لَنٰا رَبَّكَ بِمٰا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ...
ص 232 الاعراف 7/134
100-قٰالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلىٰ مٰا جٰاءَنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الَّذِي فَطَرَنٰا فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ
ص 232 طه 72/20
101-وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهٰارَ خِلاٰلَهٰا تَفْجِيراً...
ص 233 بنى اسرائيل 94/17-93
102-وَ لَوْ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ كِتٰاباً فِي قِرْطٰاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ مُبِينٌ ص 233 الانعام 8/6
103-وَ لَوْ أَنَّنٰا نَزَّلْنٰا إِلَيْهِمُ الْمَلاٰئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتىٰ وَ حَشَرْنٰا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ ص 233 الانعام 112/6
104-قٰالُوا لَوْ لاٰ أُوتِيَ مِثْلَ مٰا أُوتِيَ مُوسىٰ أَ وَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمٰا أُوتِيَ مُوسىٰ مِنْ قَبْلُ قٰالُوا سِحْرٰانِ تَظٰاهَرٰا وَ... ص 234 البقرة 28/2
105-لَوْ نَشٰاءُ لَقُلْنٰا مِثْلَ هٰذٰا ص 234 الانفال 32/8
106-أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيٰاتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ .ص 234 هود 16/11
107-وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ
مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ ص 234 البقرة 22/2
108-لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ص 235 بنى اسرائيل 88/17
109-وَ مَنْ قٰالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ الظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلاٰئِكَةُ بٰاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ الْهُونِ...
ص 235 الانعام 93/6
110-أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ ص 235 32/43
111-ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مٰالاً مَمْدُوداً... إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ فَقٰالَ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ الْبَشَرِ ص 237 المدثر 25/74-11
112-وَ لَمّٰا جٰاءَهُمُ الْحَقُّ قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ وَ إِنّٰا بِهِ كٰافِرُونَ وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ص 237 الزخرف 30/43
113-خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجٰاهِلِينَ
ص 239 الاعراف 199/7
114-وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتٰابَ الْمُبْطِلُونَ
ص 239 العنكبوت 48/29
115-مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ... كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوىٰ عَلىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّٰاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّٰارَ
ص 244 الفتح 29/48
116-هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
ص 247 الانفال 62/8
117-فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ص 249 النساء 68/4
118-وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً
ص 249 الاحزاب 36/33
119-وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ
ص 250 الانفال 39/8
120-لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ص 255 بنى اسرائيل 88/17
121-يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ص 260 التوبة 32/9
122-لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ص 269 التوبة 33/9
123-اَللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ص 270
124-أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
ص 271 التوبة 33/9
125-فَأَمّٰا مَنْ طَغىٰ وَ آثَرَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوىٰ وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ
ص 275 النازعات 41/79-37
126-وَ رَفَعْنٰاهُ مَكٰاناً عَلِيًّا ص 278 مريم 57/19
127-وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ص 280 بقره 31/3
128-وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ... فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ... إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ص 288 القصص 7/28
129-وَ مٰا عِلْمِي بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسٰابُهُمْ إِلاّٰ عَلىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَ مٰا أَنَا بِطٰارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ص 300 الشعراء 114/26-112
الجدل فى الدين و المراء فيه كفر ص 36
لا تتفكروا فى اللّه و تفكروا فى خلقه ص 38
القدر سر اللّه فلا تخوضوا فيه ص 40
اياكم و التعمق،فان من كان قبلكم هلك بالتعمق ص 43
روى ان رسول اللّه(ص)نظر الى رجل ساجد فى المسجد،حتى فرغ النبي (ص)من صلاته.فقال(ص):«من رجل يقتله؟»فقام أبو بكر و مشى إليه ليقتله،ثم انصرف و قال:«يا رسول اللّه كيف أقتل رجلا ساجدا للّه؟»
فقال:«من رجل يقتله؟»فقام عمر و مشى إليه ليقتله،ثم انصرف و قال:
«يا رسول اللّه كيف اقتل رجلا ساجدا للّه»فقال:«من رجل يقتله؟»...فقام على (ع)و مشى إليه ليقتله،فوجده قد ذهب ص 44
يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ص 45
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية،ص 45
رأيت ربى فى أحسن صورة و وضع يده بين كتفى حتى وجدت برد أنامله بين ثندوتى ص 50
روى عبيد اللّه بن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعد بن أبى مالك عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة ابى بن كعب،قال:سمعت النبي(ص)يذكر أنه رأى ربه فى المنام فى صورة شاب موفر على فراش من ذهب فى رجليه نعلان من ذهب.ص 50
من دخل دار أبى سفيان فهو آمن،و من أغلق بابه على نفسه فهو آمن ص 78
هلموا الى،انا محمد بن عبد اللّه،أنا محمد رسول اللّه ص 81
أقربكم الى اللّه أحسنكم خلقا ص 82
ان العبد ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ص 82
ليس عمل فى الميزان أثقل من حسن الخلق ص 82
اللهم انى أبرأ أليك مما صنع خالد ص 83
اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ص 83
انه لا يبلغها الا أنت أو رجل منك ص 84-83
انها عجوز كانت تاتينا أيام خديجة،و ان حسن العهد من الايمان ص 84
ان هذه من صدائق خديجة و ان حسن العهد من الايمان ص 85
انما انا عبد آكل كما يأكل العبد ص 85
نقلت من طهر الى طهر ما مسنى سفاح الجاهلية ص 88
روى عن النبي(ص)انه قال:ضرب اللّه مثلا صراطا مستقيما و على جنبتى الصراط سور،و فى السور أبواب مفتحة،و على تلك الابواب ستور مرخاة و على رأس الصراط داع يقول:ادخلوا الصراط و لا تعرجوا:قال فالصراط هو الاسلام،و الابواب المفتحة محارم اللّه،و الستور حدود اللّه و الداعى القرآن
ص 94
اتق القوارير ص 106
اطلبوا العلم و لو بالصين ص 112
طلب العلم فريضة على كل مسلم ص 112
امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا اللّه،فاذا قالوها عصموا منى دماءهم و أموالهم الا بحقها و حسابهم الى اللّه ص 112
كما روى انه سئل،فقيل له:يا رسول اللّه،من قال لا إله الا اللّه دخل الجنة؟ فقال:نعم،من عرف حدودها وادى حقوقها ص 112
قول رسول الله:«جانب العرش على منكب اسرافيل و انه ليئط اطيط الرحل الجديد ص 114
روى عن رسول اللّه(ص)أنه قال«ما نزلت على آية الا و لها ظهر و بطن و لكل حرف حد و لكل حد مطلع ص 159
حديث العجل الّذي لبنى غفار،أرادوا أن يذبحوه فنطق و قال:يا بنى غفار أ من نجيح ينجح ص 203
حديث الجمل الّذي نحر بمكة فتكلم بعد ما نحر ص 204
ان اللّه قد أوحى الى أن شيرويه وثب على أبيه كسرى فقتله فى شهر كذا من ليلة كذا ص 208
فأين المال الّذي دفعته الى أمّ الفضل و قلت لها ان أصبت فى سفرى هذا فللفضل كذا و لعبد اللّه كذا و لقثم كذا و لعبيد اللّه كذا؟ص 219
مزق ملكه و ملكنى من أرضه!ص 310
قوله لعلى(ع):انك تقاتل الناكثين و المارقين و القاسطين ص 310
يا أبا تراب ألا اخبرك بأشقى الناس؟ص 211
ويح ابن سمية!ليسوا بالذين يقتلونك،انما تقتلك الفئة الباغية ص 211
اللهم اجعله أبا ذر يرحم الله أبا ذر يمشى وحده و يموت وحده و يدفن وحده ص 212
انت أول أهلى لحوقا بى ص 212
اصنع لنا صاعا من طعام و اجعل عليه رجل شاة و املا لنا عسا من لبن ص 213
ان اللّه أمرنى ان انذر عشيرتى الاقربين ص 213
لما كان بتبوك،أصاب المسلمين العطش حتى كادوا أن يهلكوا،فأمر(ص) أن يطلبوا الماء فى الرحال...فرأينا الماء تخلل من بين أصابعه...ص 215
دعاؤه(ع)على مضر حين آذوه و كذبوه،فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر، ابعث عليهم سنين كسنين يوسف...ص 216
اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ص 217
الحمد للّه وحده،انجز وعده و نصر عبده و هزم الاحزاب وحده ص 218
حديث الاسراء و البراق و المعراج و ما أراه اللّه عز و جل من ملكوت السماوات و الارض ص 230
يا رب أليك اشكو ضعفى و قلة حيلتى و هوانى على الناس.ان لم يكن بك سخط فلا أبالي و لكن عافيتك أوسع لى.ص 251
زويت لى مشارق الارض و مغاربها و سيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها ص 261
قال(ص)اذا فتح اللّه عليكم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا،فان لهم رحما...
ص 262
سلمان قال:كنت أضرب فى ناحية من الخندق صخرة فغلظت على،فرآنى (ص)و رأى شدة المكان...و اخذ المعول من يدى،فضرب به ضربة،فلمعت برقة،..ثم ضرب اخرى ص 262
اياكم و النظر فى النجوم فانه يدعى الى الكهانة ص 279
الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من النبوة ص 289
ان اللّه أجرى خيلا،فعرقت،فخلق نفسه من ذلك العرق ص 48
روى عن شعبة أنه قال:لان أزنى كذا و كذا زنية،أحب الى من أن أروى عن أبان بن عياش ص 48
روى عن ابن المبارك أنه قال:حديث ابى بن كعب انه قال:من قرأ سورة كذا،فله كذا،و من قرأ سورة كذا فله كذا،هو من وضع الزنادقة فلا ترووه ص 49-48
حديث زغب الصدر ص 48
حديث عيادة الملائكة ص 48
حديث قفص الذهب على جمل أورق ص 48
حديث نور الذراعين ص 48
حديث ابن عباس،انه كان يبصق فى الدواة و يكتب منها،وضعه عاصم الكوزى ص 49
حديث النبي(ص)انه لم يحد المريض،وضعه سهل السراج ص 49
شرب الماء على الريق يعقد الشحم،وضعه عاصم الكوزى ص 49
و حديثه(ع):الّذي روى عن عمرو بن حريث أنه قال:رأيت رسول الله يوم العيد يسار بين يديه بالحراب،وضعه المنذر بن زياد ص 49
و حديثه(ع)،أنه نهى عن عشر كنى،وضعه أبو عاصم قاضى مرو.ص 49
و حديثه(ع):لا يزال راجل راكبا ما دام منتعلا وضعه أيوب بن خوط ص 49
يروى عن المغيرة صاحب ابراهيم أنه قال:حديث سالم بن أبى الجعد و حديث خلاص لا ترووه ص 49
1-قرأت فى كتاب اشعياء النبي؛أن اشعياء رأى رؤيا من بعد ارتفاع النبوة عنه بثلاث سنين،فى السنة التى(توفى فيها عزيا الملك)
ص 50 اشعيا 6/1
2-رأى دانيال رويا و حلم حلما و رأسه على مضجعه؛فكتب حينئذ روياه و قص مبتدأ كلامه و بدأ بالقول،فقال:رأيت فيما يرى النائم بالليل كذا...
ص 51 دانيال 7
3-ان فى التوراة ان قديم الايام فى صورة شيخ ابيض الرأس و اللحية...
ص 70-52
4-فى التوراة:ان يوضع الشحم على النار ليشم الريح منه الرب...
ص 69
6-ما لكم تقربون الى كل عرجاء و عوراء أ تراكم لو اهديتم ذلك الى اصدقائكم قبله منكم الا صحيحا؟ص 70
6-فى التوراة:اتخذوا لى بساطا من إبريسم دقيق الصنعة و خوانا من خشب الشمشار...ص 70
7-فى الإنجيل،فى بشرى متى:هذا كلام تكلم به يسوع بالامثال و لم يكن يكلمهم بغير الامثال ص 97 متى 3/35
ص 5 لم يبصر السارية فى عينه و راى فى عين غيره قذاة
ص 132 لوقا 6/1 متى 7/3
و قال لحوارييه أنتم ابناء الله ص 161
قال لليهود:أنتم أبناء الشيطان كما هو مكتوب فى الإنجيل
ص 161
فأجابهم و قال:كالذى علمنى أبى،كذلك أنطق و أقول و انما أسعى بمرضاته فى كل حين.فأما انتم فانما تعلمون أعمال أبيكم
ص 161 يوحنا 47-8/38
قال لحوارييه فى الإنجيل:آمنوا بالنور لتكونوا لله ابناء ص 162 يوحنا 12/36
أيضا فى الإنجيل أنه ظهر لمريم المجد لا نية بعد أن خرج من القبر،و قال لها:
لا تقر بينى فانى لم اصعد الى عند أبى.و لكن انطلقى و قولى لإخوتي انى صاعد الى أبى و أبيكم و...ص 162 20/17
لا تضع الحكمة فى غير أهلها فتضيعها،فتكون كمن ينثر الدر بين يدى الخنازير...
ص 113
يقول فى التوراة:كلم الرب موسى و قال له،قل لبنى اسرائيل ليجمعوا الذهب و الفضة و النحاس و الرقم...ص 120-119
المسيح(ع)قال فى الإنجيل:لا تظنوا انى جئت لا بطل التوراة و الأنبياء،لم آت لا بطلها؛بل جئت لاكملها ص 124 متى 17/5
ان من طلق امرأته فليعطها كتاب الطلاق،...ص 124
قال الله لموسى:«قل لبنى اسرائيل ليحفظوا السبوت لانها آية بينى و بينكم و لتعلموا انى انا الرب...ص 124
و فى كتاب اشعياء ان الرب يتعزر على صنوبر لبنان
ص 101 اشعياء 2/13
و فى كتاب اشعيا قال الرب أطلق الرسل السراع الى شعب مخوف و مستأصل
ص 102 اشعبا 1/1 و 9/13/3/6
و فى كتاب حبقوق:انما اضرب الامثال و اقوال الاوابد(كتب الرؤيا مضمون الاصحاح لا بنصها)ص 102 حبقوق 2/2
و فى كتاب صفينا،قال الرب:انى ازيل كلا عن وجه الارض،زوالا ازيل البهائم و طير السماء و سمك البحر.ص 102 صفينا 1/2
و فى كتاب ناحوم النبي:يكون أثر عقاب الله كالغبار،و ييبس البحر و تخرب الانهار كلها...ص 102 ناحوم 1-4-5
و فى كتاب بولس المقدم...ان البيت العظيم ليس تكون فيه اوانى الخشب...
ص 103 بولس-الرسالة الثانية فى الإنجيل:مثل ضربه عيسى(ع)و قال بعد ذلك:فدنا منه تلاميذه و قالوا له:ما بالك تكلمهم بالامثال؟ص 98-97 متى 13/10
و فى بشرى مارقوس:ان المسيح ضرب للحواريين مثلا؛ثم قال لهم انتم اعطيتم ان تعلموا سر ملكوت السماء...ص 98 مرقس 4/10
فى الإنجيل:ان الزراع خرج ليزرع،فلما زرع،منه ما سقط فى جادة الطريق...
ص 98 مرقس 4/13
فى الإنجيل:و تمثل مثلا آخر:فقال:يشبه ملكوت السماء رجلا زرع فى قريته زرعا صالحا...ص 99 متى 13/24
فى كتاب هوشع،ما هو مفسر من الامثال:اسمعوا قول الرب يا بنى اسرائيل ان للرب حكومة مع سكان الارض لعدم البر و القسط.
ص 100 هوشع 4/1
و فى كتاب يوئيل النبي(ع)يقول:ما ابقى الجندب اكله الجراد الطائر و ما ابقى الجراد الطائر أكله الدبى.ص 101 يوئيل 1/4
و يقول أيضا:استعلن ابن الله لان يبطل اعمال الشيطان كل من ولد من الله لا يكون خاطئا لان زرعه فيه ثابت ص 163-162 يوحنا الرسالة الاولى 3/9
اعملوا ان كل من يعمل البر فانه مولود من الله.و انظروا فما اكثر الود الّذي اعطاناه الأب ص 163 يوحنا الرسالة الاولى 3/1
و فى موضع آخر:إذا تصدقت فلا تعرفن شمالك ما ما صنعت يمينك
ص 163 متى 6/3
ايها البنون ليكون و دنا بالكلام و لا باللسان
ص 163 يوحنا الاولى 3/18
ستاتى ساعة لا اكلمكم بالامثال ص 163 يوحنا 16/25
طوبى لعاملى السلم بانهم يدعون ابناء الله ص 163 متى 5/9
قدموا الخير الى من يبغضكم وصلوا على الذين يطردونكم غضبا لتكونوا ابناء ابيكم الّذي فى السماء ص 163 متى 5/44
ان انتم غفرتم للناس خطاياهم،فان اباكم الّذي فى السماء يغفر لكم...
ص 163 متى 15-6/14
يشرق الصديقون كالشمس فى ملكوت ابيهم،من كانت له اذنان سامعتان فليسمع...
ص 163 متى 13/43
لا تقطعوا رجاء من سألكم و لا تخيبوه ليكثر ثوابكم و اجركم و تكونوا للغنى ابناء ص 164-163 ربما بطرس الأولى 3/15
لا تدعوا آبائكم فى الارض لان اباكم واحد فى السماء،
ص 164 متى 23/9
ان كنتم ايها الاشرار تعلمون ان تعطوا أبناءكم مواهب صالحة فبكم احرى...
ص 164 متى 7/11
يا بنى انا معكم زمين يسير،و ستطلبوننى من بعد...
ص 164 و متى 26/18 يوحنا 13/3
بحق اقول لكم ما جاء ابن البشر الا ليحيي ما كان هالكا...
ص 165 و متى 18/11 يوحنا 3/16
انا اصعد الى وادى شلم و ابن البشر يسلم الى عظماء الكهنة فيسحبونه للموت
ص 165 متى 20/18
انكم لا تكلمون بنى اسرائيل حتى يأتيكم ابن الانسان.
ص 165 متى 10/23
الآن ظهر مجد ابن الانسان و مدحه و حمد الله به و على يديه.
ص 165 يوحنا 13/32
فى الإنجيل فى بشرى يوحنا:ان المسيح مات بالجسد و هو حي بالروح،فتفكروا بان الّذي مات بالجسد استراح من الخطايا...
ص 169 يوحنا 63-6/50
فى بشرى لوقا:اقول لكم يا اوليائى لا تخافوا الذين يقتلون الجسد و لا يقدرون على غير ذلك...ص 169 لوقا 12/4
فى بشرى متى:ما سمعتم بآذانكم فنادوا به فوق الطوايا و لا تخشوا الذين يقتلون الجسد...ص 169 و متى 10/28 لوقا 12/3
و قد قال المسيح:انه يبذل جسده للموت و يصير الى ملكوت اللّه...
ص 169
و قال«المسيح(ع)»يقتلون الجسد و لا يقدرون على قتل النفس.
ص 169
و قد ذكر حزقيال النبي فى كتابه مثل ذلك و قال:اوحى الرب الى و قال:يا ايها الانسان قد صار بنو اسرائيل كلهم عندى مزدلين...
ص 174 حزقيال 22/17
هو مكتوب فى الإنجيل:ان يوحنا الصابغ،قال:انا اصبغكم بالماء فاما الّذي يجيء بعدى يصبغكم بروح القدس و بالنار ص 175 متى 3/11
فى التوراة ان اللّه عز و جل قال لبنى اسرائيل:انى اقيم نبيا من اخوتكم اجعل كلامى على فمه.ص 195 تثنيه 18/15
جاء الله من سيناء و اشرق من ساعير و اضاء من جبال فاران.
ص 195 تثنيه 23/2
و فى التوراة:ان اسماعيل كان يتعلم الرمى فى برية فاران،...
ص 195 تكوين 21/20
و فى الإنجيل،قال المسيح:انى ذاهب و سيأتيكم البارقليط،روح الحق الّذي لا يتكلم من قبل نفسه،...ص 196 يوحنا 26-15/25
و فى الزبور فى صفة محمد(ص):انه ينقذ الضعيف الّذي لا ناصر له،و يراف بالمساكين ص 196 المزمور 72-8 و ما يليه
فى كتاب اشعياء:قال لى الرب اقم نظارا ليخبر بما يرى،فكان الّذي راى صاحب المنظرة،قال:قد اقبل راكبان...ص 196 اشعياء 21/6
فى كتاب اشعياء:عبدى الّذي سرت به نفسى احمد المحمود بحمد الله حمدا حديثا تفرح به البرية و سكانها فهذا...ص 197 اشعياء 11-42/1
فى كتاب اشعياء:لتفرح الارض البادية،و لتبتهج البرارى و الفلوات و ليخرج نور كنور...ص 197 اشعياء 25/1
فى كتاب اشعيا:ولد لنا مولود و وهب لنا ابن على كتفيه علامة النبوة.
ص 197 اشعياء 9/6
فى كتاب حبقوق:لقد انكشفت السماء من بهاء محمد و امتلأت الارض من حمده.
ص 197 حبقوق 3/3
فى كتاب دانيال:رويا التى رآها و عبرها و ذكر تفسيرها و قال فيها رايت عتيق الايام
قد حبس و بين يديه الف الف خدام يخدمونه و كتاب لا تحصى
ص 198 دانيال 21/2
فى كتاب ارميا:جعلتك نبيا للامم لتنسف و تهدم و تبير و تسحق و تبنى و تغرس.
ص 198 ارميا 10-11/5
فى كتاب هوشع:انا الرب الاله الّذي ارعاك فى البدو فى ارض خراب قفر.
ص 198 هوشع 5-3/4
لعمرك انى يوم أجعل،جاهلا
ضمارا لرب العالمين مشاركا
فآمنت بالله الّذي انا عبده
و خالفت من أمسى يريد المهالكا
ص 201
لئن هجرت أخا صدق و مكرمة
لقد مريت أخا ما كان يمريكا
ص 37
أمست نبيتنا انثى نطيف بها
و أصبحت أنبياء الناس ذكرانا
ص 246
مذ مما عصينا
و دينه أبينا
ص 236
رعيت الضأن أحميها بكلبى
من اللص الخفى و كل ذيب
فلما أن سمعت الذئب نادى
يبشرنى بأحمد من قريب
سعيت إليه قد شمرت ثوبى
عن الساقين فى الوفد الركيب
فالفيت النبي يقول قولا
صدوقا ليس بالهزل الكذوب
ص 202
صباح سوء لبنى قتيرة
و للامير من بنى مغيرة
ص 265
صباح صدق لبنى قتيرة
و للأمير من بنى مغيرة
صباح سوء لبنى قتيرة
و للامير من بنى مغيرة
اذ آثروا الله على العشيرة ص 215
قد علمت جارية يمانية
أنى أنا المائح و اسمى ناجية
ببلغة ذات رشاش واهية ص 215
تبارك سائق البقرات انى
رأيت الله يهدى كل هاد
ص 208
شفيت من حمزة نفسى باحد
حين بقرت بطنه عن الكبد
ص 215
أخشى على أربد الحتوف و لا
أرهب نوء السماك و الاسد
فجعنى الرعد و الصواعق بال
فارس يوم الكريهة النجد
ص 216
بنى مدلج انى اخال سفيهكم
سراقة مستغو لامر محمد
ص 205
قل للقبائل من سليم كلها
هلك الضمار و عاش أهل المسجد
أودى ضمار و كان يعبد مرة
قبل الكتاب الى النبي محمد
ص 201
ان تخسف الارض بالاحوى و فارسه
فانظر الى اربع فى الارض غوار
فهيل لما راى ارساغ معرفة
قد سخن فى الارض لم تحفر بمحفار
ص 205
يا رسول المليك ان لسانى
راتق ما فتقت اذ أنا بور
اذ اجارى الشيطان فى سنن ال
غى و من مال ميله مثبور
آمن اللحم و العظام بما قل
ت فنفسى الفدى و انت النذير
ص 80
كشراب قيل عن مطيته
و لكل أمر واقع قدر
ص 232
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا
و قد فقدنا الحيا و اجلوذ المطر
مبارك الوجه يستسقى الغمام به
ما فى الانام له عدل و لا خطر
ص 88
يا رسول المليك ان لسانى
راتق ما فتقت اذ أنا بور
ص 80
أبوكم قصى كان يدعى مجمعا
به جمع الله القبائل من فهر
ص 87
و بيضة خدر لا يرام خباؤها
تمتعت من لهو بها غير معجل
ص 106
و ليس كعهد الدار يا أمّ مالك
و لكن أحاطت بالرقاب السلاسل
و عاد الفتى كالكهل ليس بقائل
سوى العدل شيئا فاستراح العواذل
ص 259
كناطح صخرة يوما ليفلقها
فلم يضرها و اوهى قرنه الوعل
نبئت و أن رسول الله أوعدنى
و العفو عند رسول اللّه مأمول
ص 80
يا بيت عاتكة التى اتعزل
حذر العدى و به الفؤاد موكل
انى لا منحك الصدود و اننى
قسما أليك مع الصدود لا ميل
ص 48
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كاحمر عاد،ثم ترضع فتفطم
ص 231
أبا حكم و اللات لو كنت شاهدا
لامر جوادى اذ تسوخ قوائمه
شهدت و لم تشكك بأن محمدا
نبى ببرهان فمن ذا يكاتمه
ص 205
ألا يا لقوم هل رأيتم بهيمة
تكلم فى النادى بأبناء ما مضى
و تخبر عن علم بما هو كائن
فهذا بعير للوليد قد انبرى
ينادى بأعلى الصوت و الناس حوله
ألا ضلت الاصنام و اللات و الغرى
و هذا أوان الهاشمى محمد
يدين بدين اللّه و الحق قدبدى
ص 203
رايت علامة و الليل داج
على ظهر الطريق كضوء برق
علامة احمد اذ سال ربى
فكانت آية مصداق صدقى
ص 247