######OpenITI#


#META# 020.BookTITLE	:: الإیضاح
#META# 043.EdPUBLISHER	:: المطبعه الکاثولیکیه


#META#Header#End#


# ﻿

### | مقدمة المؤلف
# بسم الله الرحمن الرحيم @QUR27.59@013 قل الحمد لله وسلام على عباده
~~الذين اصطفى آلله خير أما يشركون قوله جل ذكره: @QUR51.21@05 وفي أنفسكم
~~أفلا تبصرون فكل من نظر في هذه الآيات الدالة في الآفاق والانفس
~~بالانصاف، وطلب حقائقها، ووقف على علومها، وموافقتها للشرائع والاحكام، وتقبلها
~~بشكر وخضوع وإفادة، فيكون ممن اطاع الله جل ذكره، وائتمر بأوامره، فاستحق
~~الثواب والكرامة في الدارين، ونجا من العذاب الأدنى والأكبر، وهو من الذين
~~ذكرهم الله جل ثناؤه بقوله: @QUR31.20@031 ألم تروا أن الله سخر لكم ما في
~~السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل
~~في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . وفي قوله: @QUR39.17@013 والذين
~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد . وفي
~~قوله: @QUR39.18@014 الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم
~~الله وأولئك هم أولوا الألباب . وفي قوله: @QUR2.164@044 إن في خلق السماوات
~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس
~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل
~~دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون
~~ولم يقل لقوم يتخيرون، بل قال لأولي الألباب، ولم يقل لأولي الاختيار.
# كتاب الايضاح-1
PageV01P001
# فكل من لم ينظر في هذه الآيات الموجودة في الآفاق والانفس، والدلالات (1)
~~الباطنية فيها، ولم يطلب حقائقها من أرباب الدين الذين هم المستنبطون، ولم
~~يتقبلها منهم بشكر وخضوع (2)، فهو من الأبالسة والشياطين الذين ردوا امر
~~الله، فاستوجبوا بذلك غضبه وخذلانه وحرمانه، وهم الذين ذكرهم في قوله تبارك
~~اسمه: @QUR18.50@04 وإذ قلنا للملائكة اي اللواحق الذين حكى عنهم
~~@QUR18.50@03 اسجدوا لآدم اي اخضعوا للناطق، وذلك ان ناطق كل دور من الادوار
~~هو كآدم لأنه خلق من اديم الارض، اي ان علمه كان ظاهرا لعلم الباطن، وذلك ان
~~معنى اديم الأرض ما ظهر منها @QUR18.50@07 فسجدوا إلا إبليس كان من الجن
~~وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم من كتبنا، @QUR18.50@05 ففسق عن أمر ربه اي خرج
~~عن امر التالي الذي يربيه حتى صار ضدا للناطق، @QUR18.50@09 أفتتخذونه
~~وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو فذرية ابليس في القشرية هم تلامذة
~~الأبالسة وشيعتهم الشياطين @QUR18.50@04 بئس للظالمين بدلا وهم الذين وضعوا
~~انفسهم في غير مواضعها، وذلك ان حد الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فأخبرهم
~~الله جل ذكره فيما ينظر الى ما خلقه في الآفاق والأنفس من الدلالات (3)
~~والآيات، فلم يتفكروا فيها، ولم يطلبوا حقائقها، وتبرأ منهم، وحرمهم مواهبه
~~ورحمته وآياته، فقال: @QUR18.51@014 ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق
~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا .
# ألا ترى ان الله عز وجل لم يشهد ابليس وذريته وأولياءه، خلق السموات
~~والارض، ولم يطلبوا حقائق علومها، لانه عز وجل هداهم، ولكنهم اختاروا العمى
~~عن الهدى، وتركوا امر الله واتبعوا اهواءهم، وشبهوا انفسهم بالمؤيدين حين
~~قالوا: ان كل مجتهد مصيب، وقال تعالى: @QUR18.51@06 وما كنت متخذ المضلين
~~عضدا اي لا استعين بهم بوجه من الوجوه، ولا اتخذ منهم رسلا ولا اسسا ولا
~~ائمة ولا لواحق ولا دعاة.
PageV01P002
# ولا بد لي من ان أقول: من غير ان اختار اضافة حرف مما اريد (1) شرحه
~~وبيانه الى نفسي، أو الى احد سواي، بل الى أربابه المتفضلين علينا جماعة
~~المستجيبين، ولا بتوهم احدا من المستمعين بأن لنا فيه حولا او قوة. الا بالله
~~العلي العظيم، وبتوسط أولياءه الذين جعلهم وسائل لعباده، وأسباب ومراقي يرتقي
~~بهم المستجيب الى معرفة خالقه بالتجريد، فانه لا بد ان يكون لكل ناطق من
~~النطقاء السبعة ابليسا يكاشفه ويعاديه ويضل امته عن الصراط
~~المستقيم، والدليل على ذلك قصة آدم عليه السلام مكررة في القرآن سبع مرات،
~~كل ذلك بذكر الله عز وجل أمر الملائكة بالسجود، وما كان من الائتمار منهم
~~لأمره، فرد ابليس امره من بين جمعهم، والاولى منها قوله جل ثناؤه في سورة
~~البقرة: @QUR2.34@014 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى
~~واستكبر وكان من الكافرين ، والثانية في سورة الاعراف: @QUR7.11@017 ولقد
~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن
~~من الساجدين ، والثالثة في سورة الحجر: @QUR15.28@033 وإذ قال ربك للملائكة
~~إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا
~~له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين
~~والرابعة قوله سبحانه: @QUR17.61@029 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا
~~إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن
~~إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا والخامسة قوله في سورة الكهف:
# @QUR18.50@027 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من
~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس
~~للظالمين بدلا والسادسة قوله في سورة طه: @QUR20.116@028 وإذ قلنا للملائكة
~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا
~~يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها
PageV01P003
# @QUR20.118@03 ولا تعرى والسابعة قوله في سورة ص: @QUR38.71@029 إذ قال
~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
~~ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين .
# فقد أراد الله جل ذكره في تكرار هذه القصة سبع مرات في القرآن، ان يبين ان
~~مثل آدم ستة نفر، اولهم آدم، وسابعهم القائم، وعلى عهد كل واحد منهم صلوات
~~الله عليهم، يجري ما جرى على آدم.
# وقد أمر جل ثناؤه الذين أودعهم كلمته من بعد انقضاء دور الرسول، بان
~~يخضعوا لمن يرفعه الله من بينهم كائنا من كان، فأخبر الله جل وعز نبيه محمدا
~~صلى الله عليه وآله وسلم، ان في كل عصر من عصورهم مما يكون من جمعهم بالقول
~~سوى واحد منهم، فانه يأبى ويلح ويغير ويبدل هذا الى يوم القيامة، يريد ان
~~يبدل سنة الله، وقال تعالى في الذين خلوا من قبل: @QUR33.62@013 سنة الله في
~~الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وانما كان ذلك لأن الله جل وعز
~~انظر (1) ابليسا الى يوم القيامة حين قال: @QUR15.37@09 قال فإنك من
~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فإذا قامت قيامة الاشهاد صلوات الله
~~عليهم، وجاء وعد الله الذي وعد المؤمنين بقوله جل وعز: @QUR5.9@011 وعد الله
~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم يعني المؤمنين اصحاب
~~الحقائق ليستخلفهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم يعني المسلمين الذين
~~هم أصحاب القشرية وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم
~~أمنا يعني في الدنيا يعبدوه فلا يشركون به شيئا، فخضع حينئذ الانام كله
~~لصاحب الامر، وقصرت يد ابليس عن ان تتناوله، فأقر حينئذ بكفره وعتوه
~~وعناده، وقد حكى الله عز وجل عنه حين قال: @QUR14.22@022 وقال الشيطان لما
~~قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من
~~سلطان إلا أن دعوتكم
PageV01P004
# @QUR14.22@024 فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما
~~أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم .
# ولنذكر اسم اباليس النطقاء وشياطينهم في اعصارهم تصديقا للآيات السبع
~~التي قدمناها، وتأويلها في شأن آدم عليه السلام والملائكة، وما كان من رد
~~ابليس امر الله عز وجل من بين الملائكة فأقول: ان آدم عليه السلام كان
~~ابليسه عزرائيل. وشيطانه قابيل، وابليس نوح عليه السلام حام، ولذلك روي في
~~الخبر ان حاما رأى عورة ابيه نوح وهو نائم فأطلع على ذلك اخوته كنعانا
~~وساما ويافثا ولم يستره، اي انه كشف ما وصل إليه عن ابيه من العلم الذي لا
~~ينبغي كشفه الا لأهله، ونصحه ابيه فلم ينتصح (1)، وأصر على المعصية (2) ولم
~~يتب، فاكتسب بعلمه مقام الابليسية، وغرق في طغيانه، ولما ان رآه نوح عليه
~~السلام غريقا أخذته الشفقة عليه، وقال كما جاء عنه قوله تعالى:
# @QUR11.45@016 ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت
~~أحكم الحاكمين @QUR11.46@ قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا
~~تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين
ان لكلام نوح عليه السلام @QUR11.45@05 إن ابني من أهلي اي بالنسبة
~~الجسمانية ولكلام الله عز وجل له على النسبة الروحانية.
# وإبليس ابراهيم عليه السلام النمرود بن كنعان، وشيطانه آزر، وهو الذي كان
~~قد رباه في دعوة ابيه على احكام شريعة نوح، ولذلك كان يسميه في نصائحه له
~~بالأب، وأخذته الشفقة عليه.
# وابليس موسى عليه السلام الوليد بن مصعب المعروف بفرعون، وقد كان قبل ظهور
~~موسى عونا للإمام شعيب في ايصال العلم للمستجيبين فنفر عنه لما ان سلم
~~الأمر الى موسى، وأما شيطانه فهو هامان.
PageV01P005
# وابليس عيسى يهوذا وهو الذي ارتشا عليه بثلاثين مثقال من الفضة، اما
~~شيطانه فهو صامارس اليهودي.
# وابليس محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي انكر وصيته لعلي يوم غدير
~~خم، وشيطانه الذي ساعده على إنكار الوصية والاخذ بما ليس له به حق، بقوله عز
~~وجل: @QUR3.144@028 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو
~~قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي
~~الله الشاكرين وقال عز وجل: @QUR9.113@021 ما كان للنبي والذين آمنوا أن
~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب
~~الجحيم وقال تعالى: @QUR9.114@023 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن
~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم
~~وقال الله عز وجل في رسالة محمد (صلعم): @QUR9.33@015 هو الذي أرسل رسوله
~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون والنبي واثق بما
~~وعده الله، ومن هنا ثبت ان النبي لم يرد في قوله اعزاز دينه بأحد من
~~الكفار، وقال الله تعالى: @QUR49.2@024 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا
~~أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط
~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون ومن هاهنا قيل ان الاسلام كان مستورا الى ان اسلم
~~بعض المنافقين، وما كان لأحد من الأبالسة والشياطين ان يستطيع الاضرار
~~بالوصي وذريته بالمقدار الذي استطاع المنافقون بعد وفاة محمد (صلعم) من
~~مدافعة وصيه عن مقامه، والجلوس مكانه، فلذلك لم يذكر الله جل وعز في الآيات
~~الخمس ما ذكره في الآية السادسة حين قال: @QUR20.117@014 فقلنا يا آدم إن
~~هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ، ألا ترى ان الزبير ابن
~~العوام كان ناصره ومعينه وصاحبه يوم بيعة السقيفة فقال: لا ابايع احدا إلا
~~عليا، وشد على اصحاب السقيفة في السيف في قصة طويلة تركت ذكرها مخافة
~~التطويل، إلا انه ارتد في آخر عمره، وحارب الوصي عليه السلام، ونصب له
~~العداوة.
PageV01P006
# أما ابليس القائم سلام الله على ذكره، وقت كونه في هذا العالم السفلي، من
~~لا اسميه إلا رمزا وهو شكل احد الناس، وشيطانه[ن ه ث ل].
# وان لكل واحد من هؤلاء النطقاء السبعة امرا وشريعة على حده، فاما آدم فانه
~~لم يكن له شريعة، وذلك انه امر بالاعمال، ولم يشرح عن تركها، وحد العمل ما لا
~~يجوز تركه، وحد الشريعة ما لا يجوز تركها، واما اعماله فكانت تطوعا لا شريعة،
~~ولذلك سمي دوره دور التطوع، واما نوح فانه قرن التطوع بالشريعة، لانه امر
~~بالاعمال ولم يشرح عن تركها، وسمى الاعمال التي امر امته باستعمالها
~~شرائع. وقد قال جل ذكره:
# @QUR42.13@039 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما
~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على
~~المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ولذلك
~~سمي دوره دور الشريعة، واما ابراهيم عليه السلام فانه قرن التطوع
~~والشريعة، وذلك انه أول من نهى (1) عن الاشياء. فلذلك سمي دوره دور
~~المناهي، واما موسى عليه السلام فانه قرن (2) التطوع والشريعة والمناهي
~~بالحدود، وذلك انه اول من امر بالحدود والقطع والقصاص والرجم وغير ذلك، فلذلك
~~سمي دوره، دور الحدود والأحكام.
# واما عيسى عليه السلام فانه قرن التطوع والشريعة والمناهي والحدود
~~بالتقية، وأبطل الحدود والقصاص والقطع والرجم وسفك الدماء، وقال: ارتدعوا عن
~~الذنوب خوفا من عذاب الآخرة، لا من عذاب الدنيا، ولذلك سمي دوره دور التقية.
# واما محمد (صلعم) فانه قرن التطوع والشريعة والمناهي والحدود التي هي عذاب
~~الدنيا والعقوبات التي هي عذاب الآخرة بالمعرفة، لان فيها عرفان جميع
~~الشرائع بتمامها،
PageV01P007
# وفيما ذكره الحكماء في كتاب (البيان) (1) من هذا المعنى بابا بابا، ودورا
~~دورا غنى عن إعادة ذكره في كتابنا هذا.
# فآدم صاحب التطوع، ونوح صاحب التطوع والشريعة، وابراهيم صاحب التطوع
~~والشريعة والمناهي، وموسى صاحب التطوع والشريعة والمناهي والحدود التي هي
~~عقوبات الدنيا، وعيسى صاحب التطوع والشريعة والمناهي والحدود والتقية
~~وعقوبات الآخرة، ومحمد صاحب التطوع والشريعة والمناهي والحدود والتقية
~~والمعرفة وعقوبات الدنيا والآخرة جميعا، واما القائم سلام الله على ذكره فهو
~~صاحب التأويل الذي هو مجمع جميع شرائع النطقاء وأعمالهم، وهو رب يوم الكشف
~~الذي ذكره الله عز وجل، قوله في كتابه، وفيه كفاية: @QUR7.53@039 هل ينظرون
~~إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق
~~فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا
~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ، ان ربكم الله الذي خلق السموات، باطنها
~~الأئمة، والارض باطنها اللواحق، في ستة ايام باطنها النطقاء الستة، اولياؤها
~~باطنها الأسس الستة، استوى على العرش باطنه- صاحب الدور السابع الذي هو صاحب
~~الكشف والتأويل، يغشى الليل باطنه الاسس، والنهار باطنه الناطق يطلبه
~~حثيثا، والشمس باطنها العقل، والقمر باطنه النفس، والنجوم باطنها الحد والفتح
~~والخيال، مسخرات بأمره اي بأمر الباري عز وجل انه الخلق والامر تبارك الله
~~رب العالمين.
# ولم يذكر في جملة هؤلاء الذين هم اصحاب الأدوار، ثلاثة نفر هم مذكورون في
~~كتاب (البرهان (2))، اثنان منهما معروفان بالخلقتين، احدهما الخامس من الكور
~~الثاني، والآخر الخامس من الكور الثالث، المعروف بالغضبان الآيس من رحمة
~~الله، وهو الثاني من الكور الثالث. وان هذا الكتاب هو واسطة بين الإيقان
~~الذي هو علم
PageV01P008
# الآيات، وبين الإيمان الذي هو علم الحقيقة، لا عين الحقيقة، كما ان الرسم
~~واسطة في هذه الكتب بين الاسلام الذي هو علم الاسماء وبين الإيقان الذي هو
~~علم الآيات، ولذلك صارت الحقائق منغلقة في هذا الكتاب، مشروحة في
~~كتاب (البرهان) لانه عين الحقيقة. والكافر اذا من اقر ببعض الادوار الماضية
~~ونطقائها، ولم يقر ببعضها، والمسلم هو من اقر بجميع الادوار الماضية، واستعمل
~~الشرائع الناسخة، وأنكر الادوار المستقبلة، وعمل على الشرائع الناسخة، ووقف
~~على باطنها، فلعل باحثا يقول: اذا كان المسلم هو من يستعمل الشرائع
~~الناسخة، فلم سمى نوح امته المسلمين؟ اذا كانوا بدء الشرائع منه، كما سمى
~~ابراهيم امته المسلمين حتى جرى ذلك الرسم الى هذا الوقت، حيث يقول الله عز
~~وجل: @QUR2.131@010 إذ قال له ربه أسلم قال: أسلمت لرب العالمين @QUR2.132@
~~ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن
~~إلا وأنتم مسلمون
اذن فالشريعة لا تتم بأمر دون النهي، ولا بالنهي دون الامر، وكان الناهي في
~~دور نوح في حد القوة، لان نوح امر باشياء ولم ينهي عن شيء مصرحا، فلما امر
~~بشيء ما وكان النهي مرموزا فيه في حد القوة، لان من امر بشيء ما فقد نهى عن
~~تركه، وان لم يقل ذلك، وقد خرجت المناهي في دوره الى ابراهيم من حد القوة الى
~~حد الفعل فتمت الشرائع في دوره، ولذلك سمى امته المسلمين.
# وان المسلم هو من يقبل جميع الشرائع بتمامها، ووجه آخر وهو اشفى مما
~~قلت، وهو ان المخاطبة في قوله جل ذكره، @QUR2.132@06 فلا تموتن إلا وأنتم
~~مسلمون ، معناه ان كل مؤمن مسلم، وذلك ان المسلم اذا لم يؤد فرائض الدين، فلم
~~يقف على العلوم ولا على تأويلها، وكذلك ابراهيم هو الامام السابع في دور
~~نوح، فمن لم يعمل على الشرائع التي امر بها نوح، ولم يقف على تأويلها، لم
~~يتهيأ له الارتقاء الى درجة النطقاء. ولذلك قال الله عز وجل: @QUR37.83@05
~~وإن من شيعته لإبراهيم يعني ان ابراهيم كان من اهل دعوة نوح ومن المخلصين
~~منهم، ومن المقتدين به في تأليف الشرائع، كما قال الله جل وعز: @QUR42.13@09
~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا يعني شرع محمد لامته مثل ما وصى الله به
~~نوح @QUR42.13@031 والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن
~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي
~~إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب .
PageV01P009
# وان المسلم هو من يقبل جميع الشرائع بتمامها، ووجه آخر وهو اشفى مما
~~قلت، وهو ان المخاطبة في قوله جل ذكره، @QUR2.132@06 فلا تموتن إلا وأنتم
~~مسلمون ، معناه ان كل مؤمن مسلم، وذلك ان المسلم اذا لم يؤد فرائض الدين، فلم
~~يقف على العلوم ولا على تأويلها، وكذلك ابراهيم هو الامام السابع في دور
~~نوح، فمن لم يعمل على الشرائع التي امر بها نوح، ولم يقف على تأويلها، لم
~~يتهيأ له الارتقاء الى درجة النطقاء. ولذلك قال الله عز وجل: @QUR37.83@05
~~وإن من شيعته لإبراهيم يعني ان ابراهيم كان من اهل دعوة نوح ومن المخلصين
~~منهم، ومن المقتدين به في تأليف الشرائع، كما قال الله جل وعز: @QUR42.13@09
~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا يعني شرع محمد لامته مثل ما وصى الله به
~~نوح @QUR42.13@031 والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن
~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي
~~إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب .
# فلما صح ان المسلم هو من عمل على الشرائع الناسخة، وان ابراهيم هو الذي
~~سماهم المسلمين، وان من شيعته نوحا، وقد ثبت ان نوحا هو أول من شرع
~~الشريعة، وانه اول من سمى امته المسلمين، وان ابراهيم اقتدى به في تسمية امته
~~بذلك، وان الاشياع يقتدون بمن هم من شيعته، ومما يزيد في قولنا هذا تأكيدا
~~حكاية عن نوح حيث قال:
# وما انا بطارد المؤمنين، فلما كان لنوح شريعة، ثبت انه لم يكن في دوره
~~مؤمن، الا بعد ان كان مسلما، لان الرجل لا يصير مؤمنا الا بعد وصوله الى
~~التأويل، ولا يصل الى التأويل، الا بعد ان يقرأ شرائع صاحب الدور ويعمل
~~عليها، وكل من عمل على شرائع صاحب دوره فهو مسلم، ولذلك قال الله عز وجل:
~~@QUR49.14@028 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل
~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن
~~الله غفور رحيم ، لانهم عملوا على شرائع صاحب دورهم، ولم يقفوا على
~~تأويله، وهذا دليل على ان ابراهيم كان عاملا على الشرائع، واقفا على
~~تأويلها، وان الله جل وعز لم يختص بتسميته مسلما حتى قرنه به فقال:
~~@QUR3.67@010 ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ، يعني
~~مؤيدا واقفا على التأويل @QUR3.67@06 مسلما وما كان من المشركين يعني عاملا
~~على الشرائع، ثم بين عز وجل اولى الناس به من اجتمعت فيه هاتان الخلتان
~~كاجتماعهما فيه وهما العلم والعمل، وان اولى الناس بابراهيم الذين اتبعوه،
~~يعني الذين يعملون على الشرائع ويطلبون تأويلها اتباع له، وهذا النبي يعني
~~محمدا، والذين آمنوا، ولم يقل والذين اسلموا، والله ولي المؤمنين، ولم يقل ولي
~~المسلمين، لان المؤمن هو الحنيف والمسلم جميعا، وهو من يعمل كما كان ابراهيم
~~حنيفا مسلما، والمسلم هو المسلم وليس بحنيف.
# فإن قال قائل: أليس المسلم من يعمل على الشرائع التي شرعها محمد صلى الله
~~عليه وسلم؟ وهل كانت شريعة نوح وابراهيم وموسى وعيسى مثل هذه الشريعة؟ قلنا له:
PageV01P010
# ان المسلم اليوم هو من عمل على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لانها
~~الناسخة شرائع المسلمين قبله، وان المسلم قبل محمد من عمل على شريعة
~~عيسى، وان كانت شريعته مخالفة لشريعة محمد، وكذلك قبل عيسى من عمل على شريعة
~~موسى، وكذلك قبل موسى من عمل على شريعة ابراهيم، وكذلك قبل ابراهيم من عمل
~~على شريعة نوح، لان المسلم هو من ائتمر بأوامر الله ونواهيه في اوقاتها
~~وأحيانها (1)، لا من وقف على شريعة من الشرائع وان كانت منسوخة، ولا جاوزها
~~الى غيرها، والدليل على ذلك: ان من يصلي اليوم الى بيت المقدس لا يسمى
~~مسلما، ومن صلى إليه في الوقت الذي امر فيه الرسول بالصلاة إليه يسمى في ذلك
~~الوقت مسلما، فثبت بذلك ان المسلم هو من عمل على الشرائع الناسخة، لا على
~~الشرائع المنسوخة، ولو لم تكن الشرائع مخالفة لبعضها البعض لم تتبين الناسخة
~~والمنسوخة.
# ثم نرجع الى ما كنا فيه من ذكر الأبالسة فنقول:
# ان فيما ذكرناه من تأويل الأبالسة بالقوة المرتدين عن الحقيقة كغاية
~~وبلاغ، ثم نقول:
# ان قالب الابليس بالقوة الذي هو قد ارتد (2) عن مذهب الباطن، اذا فسد
~~تغيرت حينئذ صورته الروحانية الى ابليس بالفعل معاقب لا يستطيع تغيير
~~الصورة الابليسية، والفرق بين هذين الابليسين ان الذي هو بالقوة، وهو المرتد
~~عن الحقيقة يستطيع عند توبته ورجوعه الى الحق تغيير صورته القبيحة
~~الابليسية، والابليس بالفعل لا يستطيع ذلك، ووجه آخر من التأويل هو ان
~~الأبالسة بالقوة هم فقهاء القشرية وعظماءهم ورؤساءهم، فإذا فسدت قوالبهم
~~تصير حينئذ صورتهم الروحانية ابالسة بالفعل معاقبون نادمون، ولا تنفعهم
~~الندامة عند ذلك، وكما ان الشياطين تابعون الأبالسة، ومتبوعون، كذلك القشرية
~~تابعون فقهاءهم متبوعون. ووجه آخر من التأويل هو ان الجني بالفعل اذا عصى
~~الله جل ذكره، وخالف أمره ونهيه، يصير عند النفخة الاولى ابليسيا
PageV01P011
# بالفعل، فيعذب حينئذ في عذاب جهنم خالدا مخلدا فيها ابدا سرمدا، وسنذكر
~~تأويل النفختين الاولى والاخرى فيما تأخر من كتابنا هذا. ووجه آخر ان
~~الأبالسة بالقوة من اقتصروا على العلم دون العمل كالفلاسفة اذا فسدت
~~قوالبهم صاروا أبالسة بالفعل، نعوذ بالله من ترك العمل، والتعوض بما يعقب
~~الحسرة والندامة والله من وراء القصد.
PageV01P012

### | الفرق بين الإنسان بالقوة والإنسان بالفعل
# وإذا كنا قد انتهينا من مقدمتنا فنريد الآن ان نتكلم عن الفرق بين
~~الانسان بالقوة والانسان بالفعل فنقول:
# ان الانسان على نوعين: انسان بالقوة، وانسان بالفعل، فالانسان بالقوة هو
~~المختار الفاعل المأمور المنهي (1) المستطيع الحي القادر المثاب الممدوح
~~المحمود، وهو الروح الناطقة، واما سائر ما ينسب إليه من الأدوات مثل اليد
~~والرجل واللسان وسائر الأعضاء فهي آلة له يستعملها في افعاله، والدليل على
~~ذلك اني وجدت الاخبار والقصد والإرادة والاعتماد والعلم والعقل والتمييز
~~والتمثل والترجيح والمماثلة والموازنة والدعاوي والخواطر في الأرواح دون
~~الاعضاء، والجوارح، فعلمت ان الله عز وجل انما خاطب الروح في قوله: يا ايها
~~الانسان دون الجسد لأن الحكيم لا يخاطب من لا معرفة له، ولا عقل ولا فهم ولا
~~تمييز (2)، وأيضا فان الخواطر ترد عليه دون ما سواه، ووجدته هو المميز
~~وحده، فعلمت انه هو المختار دون غيره، ورأيت الجوارح والاعضاء مسخرات له، لا
~~تقدم الا بعد إقدامه، ولا تمسك الا بعد إمساكه، فعلمت انها هي المضطرة
~~إليه، وانه هو المختار دونها، وان هذه الجوارح آلة له يستعملها في
~~افعاله، كالفأس والقلم والسيف والسلم، وما اشبه ذلك من الآلات.
PageV01P013
# وانما سميت الارواح الناطقة انسانا لظهور قدرتها وأفعالها من بين جميع
~~الأرواح الغير ناطقة، ويقول: آنست كذا، اي ظهر لي شيئا فأبصرته، وقد قال جل وعز
~~حكاية عن موسى: @QUR20.9@023 وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله
~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى اي أبصرت
~~نارا ومن هاهنا سمي الأنس انسانا، لان بالروح الناطقة يطاق نفي الوحشة
~~والائتلاف والانس، وقد جاء في الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~قال: اذا جاء الليل استأنس كل انس، واستوحش كل وحش، معناه: اهل الباطن الذين هم
~~انس بالقوة ينتفعون بأرواحهم الناطقة لاستئناسهم بمذهب اللب، وأهل القشرية
~~الذين هم شياطين بالقوة لا ينتفعون بها، لاستيحاشهم (1) من اللب، وتشبههم
~~بالانعام والوحوش، ومن هاهنا قيل آنست من فلان علما وعقلا وحزما اي ابصرت
~~منه، ففي المعقول يعلم انه لا يبصر عقله ولا علمه، وانما يبصر آثار
~~علمه. وأفعال عقله، وكذلك الانس بالقوة لا يبصرهم احد من الجسمانيين، وانما
~~يبصرون آثارهم وأفعالهم.
# وقد روي عن ابن عباس انه قال: انما سمي الانسان انسانا لانه عهد إليه
~~فنسي، وكذلك قال الله عز وجل: @QUR20.115@012 ولقد عهدنا إلى آدم من قبل
~~فنسي ولم نجد له عزما .
# والقالب هو قشر الانسان بالقوة، فلذلك سمي القالب انسانا على جهة
~~الاستعارة والمجاز لا على جهة الحقيقة، وهذا سائر في لسان العرب ان يسموا
~~الشيء باسم شيء آخر اذا كان مجاورا له ودانيا منه، لان الاسم الواقع على
~~القالب دون الروح هو البشر فهو يطلق ان يباشر ويرى، ومنه قيل ظاهر الوجه
~~والجسد بشرة، والجميع بشر، وجماعة الجمع ابشار، ومنه اشتقت مباشرة الرجل
~~والامرأة، ليعلم ابشارهما وملامستهما، وقد جاء في الحديث انه يكره مباشرة
~~الرجلين في لحاف واحد اي نومهما حيث تماس ابشارهما وملامستهما، ومن هاهنا
~~قيل للسلطان انه معذب الابشار (2) وضاربها ولا يطيق تعذيب
PageV01P014
# الارواح الناطقة ولا ضربها، وانما يضرب القوالب دون الأرواح الناطقة، ولو
~~كان عذاب الله جل ذكره على القوالب لما كان بين عذابه وعذاب المخلوقين
~~فرق، كما ان في الشاهد من يطق كسر آلة اللصوص مثل السيف والخنجر والسلم (1)
~~وما اشبهه، ولا يطيق تعذيب قالب اللص الا السلطان ودونه فكأنه لو كان يطيق
~~هذا يعذب قالب اللص كما اطاق تعذيب آلته، فلم يكن بينه وبين السلطان فرق
~~كذلك لو كان السلطان يطيق تعذيب الارواح الناطقة كتعذيب القوالب لما كان
~~بينه وبين الله فرق.
# ولعل قائلا يقول: إنا لما رأينا القالب اذا عدم الحياة لا يحس
~~بالآلام، علمنا ان السلطان يعذب الروح لا القالب، قلنا له: ان الالم لا تحسه
~~الا الروح الحسية دون الروح الناطقة، وقد قلنا ان الروح الناطقة هي الانسان
~~بالقوة لا الروح الحسية، واذا عدم القالب الروح الحسية، ثم تثبتت الروح
~~الناطقة بزوالها، فلا تحس بعد ذلك، لان الروح الناطقة بمنزلة القلب لروح
~~الحسية، والدليل على ذلك ان البهائم وغيرها من الحيوان غير الناطق يحسون
~~بالالم ويجدونه، وليس لهم من الروح الناطقة حظ، فلو كان الالم انما تجده
~~الروح الناطقة لما وجد البهائم الالم، فلما صح عندنا ان البهائم تتألم، كما
~~علمنا ان وجود الألم منسوب الى الروح الحسية دون الروح الناطقة في
~~الدنيا، وان السلطان لا يطيق تعذيب الروح الحسية وإيلامها الا بتوسط
~~القالب، والله جل وعز يعذب الروح الحسية لا بتوسط شيء، لأنها تصير قالب الروح
~~الناطقة، ولو كان الله جل وعز يؤلم الروح الحسية بتوسط القالب لما كان بين
~~عذابه وعذاب المخلوقين فرق، ولما كان عذابه ابديا، لان القالب لا ثبات له
~~بالعذاب الابدي، ولو لم يكن عذابه جل وعز ابديا لكان عذابه وعقابه كعذاب
~~سائر المخلوقين وكعقابهم جل الله عن ذلك جلالا مبينا.
# ثم نرجع الى ما كنا فيه من تأويل البشر فنقول: ان البشر الذي هو القالب
~~مقابل الاعمال الظاهرة، والانسان بالقوة الذي هو الروح الناطقة مقابل العلوم
~~اللبية، لان
PageV01P015
# القوالب تستطيع ضبط العلوم في الدنيا، وبالارواح يستطاع ضبط العلوم في
~~الدنيا والآخرة معا، وكما قلنا في صدر كتابنا هذا ان الشياطين لا تتصرف في
~~اللغة الا الى وجه واحد، لانهم لا ينظرون الا من عين واحدة، وكذلك وجب تصورهم
~~على الحيطة عورا، وان الجن تتصرف في اللغة على وجوه كثيرة لانهم ينظرون من
~~عيون كثيرة وكذلك نقول: ان البشر في اللغة أيضا لا يتصرف الا الى وجه
~~واحد، لانه ليس وجهان، ولا يقع في قسمتين، وبين الذكر والانثى فرقين، مثل قولك
~~المرأة هي بشر وهما بشر، وهن بشر، والرجل هو بشر، وهما بشر، وهم بشر لا يجتمع
~~ولا يثنى لان البشرية الذين هم اهل الظاهر لا ينظرون الا الى وجه واحد، وان
~~الانس تتصرف في اللغة على وجوه كثيرة، لانهم ينظرون الى وجوه شتى، ومن هاهنا
~~كني آدم أبو البشر ولم يكن أبو الانس، لأنه أبوهم من جهة قوالبهم، لا من جهة
~~أرواحهم، ولأنه لم يأت الا بالظاهر المحض الذي هو مقابل القوالب دون الباطن
~~الذي هو مقابل الأرواح.
# ووجه آخر وهو ان آدم وزوجته هما أبوا البشر، والعقل والنفس هما أبوا
~~الأنس، وقد فهم هذا المعنى من فهمه، وجهله من جهله، الا اني لا اطيق شرحه
~~بأكثر مما قلت، ولا يتهيأ لي بيانه بأوضح مما فسرت. وأما تأويل حروف بشر
~~فمعناه ان القالب من الدنيا، ومتولد منها، وكلاهما بشر، فبالمشاكلة يبقيان في
~~الشر ابد الآبدين.
# وذلك لأن الباء من بشر اثنان وهما دليلان على القالب والدنيا، فلم يبق بعد
~~الباء الا (شر). واما تأويل حروف انس فهو ان الروح التي هي في الانسان
~~بالقوة، تصير مع تأويل الاساس بالمشاكلة انسان بالفعل، فتبقى بالانس ابد (1)
~~الآبدين (2)، وذلك ان الألف من انس واحد، وهو دليل على الصورة الواحدة
~~الروحانية التي هي الانسان بالفعل، فلم يبق بعد الألف الا النون والسين، وهما
~~اسم الاساس بحساب الجمل.
# ووجه آخر هو ان بشر ثلاثة حروف دلائل على ثلاثة اشياء هم: القالب والدنيا
~~والظاهر، والحرف الأوسط منه ثلاث سنات، يعني هذه الثلاثة اشياء تجتمع في
PageV01P016
# الظاهرين في أوسط امورهم لا في أولها، ولا في آخرها، وذلك لان الظاهر اذا
~~ولد لا يكون معه الا شيئان هما: القالب والدنيا، وذلك اول امره فلذلك كانت
~~الباء التي هي اول حروف بشر حرفين، وفي حساب الجمل اثنين، فاذا بلغ خمسة عشر
~~سنة واحتلم اعتقد بمذهب الظاهر، فاجتمع فيه ثلاثة اشياء: القالب الذي هو
~~بمذهب الظاهر يتنعم في الدنيا، فلذلك كانت السين وهي الحرف الاوسط ثلاث
~~سنات، وبالاحرف ثلاثة احرف، وفي حساب الجمل ثلاثة اصول من المبين، فإذا فسد
~~قالبه لا يبقى معه الا شيئان، الصورة المعكوسة، والعذاب الخالد، فلذلك كانت
~~الراء التي هي آخر حروف البشر حرفين، وفي حساب الجمل اصلين من المبين.
# ووجه آخر ان حروف انس ثلاثة احرف دلائل على الروح والعلم والآخرة، والحرف
~~الآخر ثلاث سنات، يعني ان هذه ثلاثة اشياء تجتمع في الباطنيين في عاقبة
~~امورهم لا في اوسطها، وذلك ان الباطني اذا ولد وهو عند أخذ العهد عليه لا
~~يكون معه في ذلك الوقت الا ثلاثة اشياء: القالب والظاهر والدنيا، فلذلك كانت
~~الألف التي هي اول حروف انس ثلاثة احرف، فإذا احتلم وذلك عند عرفانه اسماء
~~الائمة والخلفاء واذا دار الى ما كان معه ثلاثة اشياء اخرى، وهي الروح
~~الحسية مقابل القالب، والعلم المحيي مقابل الظاهر، والشوق الدائم، والآخرة
~~مقابل الدنيا، ولذلك كانت النون التي هي الحرف الثاني من انس ثلاثة
~~احرف، فإذا خرج من هذا العالم السفلي خرج جميع مما كان مهيأ فيه من حد القوة
~~الى حد الفعل، فيصير صورة مهيأة لقبول آثار الآخرة، فحينئذ تجتمع فيه
~~الاشياء الثلاثة وهي الروح المنعمة بالعلوم الالهية في الآخرة، وذلك لان كل
~~واحدة من الألف والنون ثلاثة احرف بالرمز ولها ثلاث نقط من تحت، لان الانسان
~~يكون في حدها خارجا من حد القوة الى حد الفعل، فيصير مجمعا للاحوال التسعة
~~الجارية عليه من بدء امره الى عاقبته، وذلك لان النقط الثلاثة دليل على
~~القالب والظاهر والدنيا، والاحرف الثلاثة الرمزية دليل على الروح والعلم
~~والشوق، والاحرف الثلاثة النقشية دليل على الصورة الروحانية والعلوم الالهية
~~والآخرة.
# وكما ان الانس محصول جميع الحيوان وسائر الاشياء التي تقدمته كذلك القائم
~~سلام كتاب الايضاح-2
PageV01P017
# الله على ذكره محصول جميع الانس، فهو اذا ذو ثلاثة مراتب كل مرتبة منها
~~حاشيتين وواسطة، فلذلك ذكر الله تعالى في القرآن يوم ظهوره في ثلاثة مواضع.
# كل موضع تكررت ثلاث مرات احدهم عند قوله: @QUR69.1@08 الحاقة ما الحاقة
~~وما أدراك ما الحاقة يعني ما يحيوا من الناس، والثاني عند قوله:
~~@QUR97.1@017 إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة
~~القدر خير من ألف شهر يعني ان القائم سلام الله على ذكره يقوم يومئذ مقام
~~الروح، وان القدر اسم من اسماء الروح، ولاحقه كالمؤيد من التالي، والثالثة عند
~~قوله: @QUR101.1@08 القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يعني اذا قرعت
~~الاسماع بذكره، مراتب الثلاثة هو آخر الائمة في دور محمد صلى الله عليه
~~وآله، وبه يتم الدور، وآخر النطقاء السبعة، وبه يتم الكور العظيم (1)، وانه
~~صاحب آخر حرف من الحروف السبعة العلوية المحظور على من تقدمه، وبه يظهر، وهو
~~سلام الله على ذكره يؤثر بالفعل أيضا ثلاث مراتب؛ فأحدهما ظهوره بالولادة له
~~بجده اسوة باقرانه من آبائه الائمة الراشدين نسبته صلوات الله عليهم، والآخر
~~ما يظهر خليفة في العالم باسمه ودعوة وينال من الظفر على ما وصفناه، ويظهر
~~على الاديان كلها كما ذكرنا، والثالثة ظهر بهويته البسيطة بالبعث، فيمد صور
~~الانس كلها بالنفخ، وهي المادة المقدرة من للانس كلهم باظهارها منه، فتنبعث
~~الصور بما تستمد من قوة النفخ.
# ومثل هذه الاشياء الثلاثة المنقسم كل واحد منها على ثلاث، موجودة في كل
~~وحكمة تصديقا لما حكيناه عن الانس، والقائم سلام الله على ذكره فمنها
~~الحساب، وان الثلاثة اذا ضربتها في ثلاثة تنقسم كل ثلاثة منها لثلاثة تكملة
~~التسعة، ومنها الفلسفة، وهو موضوع على ثلاث اصول، وهي الكمية والكيفية
~~والمضاف، فأضيف الى كل واحد منها ثلاثة تكملة للتسعة، وذلك اذا اضيف الى
~~الكمية المكان والزمان والى الكيفية النضبة والجدرة، والى المضاف الفاعل
~~والمفعول، فهي اذا اجدر ثلاثة ثلاثة فصارت تسعة.
PageV01P018
# ومنها القوى الثلاث، وهي قوة الحس، وقوة الوهم، وقوة العقل، وكل واحدة منها
~~منقسمة على ثلاث وذلك لان قوة الحس تدرك الاشخاص، وليس لها قوام، ولا ظهور
~~فعل، الا مع مشاهدة المحسوس، فإذا انتهى المحسوس عند الحاسة بطل الحس، فثبت
~~بذلك ان قوة الحس لا تدرك الا الاجسام والاعراض، فقوة الحس والاجسام
~~والاعراض ثلاثة اشياء، واما قوة العقل فانها تدرك الاشياء المحسوسة والاشياء
~~العقلية، فقوة العقل والاشياء المحسوسة والاشياء العقلية ثلاثة، وهاتان
~~القوتان هما كالمتضادين؛ لان كل واحدة منهما في غاية البعد عن نظيرتها وفي
~~الطرف الاقصى، واما قوة الوهم فانها متوسطة بين هاتين القوتين، وذلك ان لها
~~وصل بالعقل، فهي تأخذ من الحس وتدفع الى العقل، لان الوهم أثر تأثيرا في
~~الروح من سور الاشياء المحسوسة، فبقي فيها بعد زوال الاشياء المحسوسة على
~~الحواس، وذلك كتوهمها صور اقوام وامكنة (1) وبلدان شاهدناها ثم غبنا
~~عنها، فنحن نتوهمها متى جئنا، فالوهم كما ذكرنا يعرض ما يأخذه من الحس على
~~العقل ليميزه ويحفظه عليه، فكل مدرك لم يكن مأخذه من الحس فلا سبيل الى وقوع
~~الوهم عليه البتة، فقوة الوهم وما اخذه من الحس، ودفعه الى العقل ثلاثة اشياء
~~تكملة التسعة.
# ومنها العوالم الثلاث وهم: العالم الجسماني والعالم الجرماني، والعالم
~~الروحاني، فأضيف الى العالم الجسماني الامهات والمواليد، والى العالم
~~الجرماني الآباء التي هي النجوم والحركات التي هي الدوران، والى العالم
~~الروحاني العقل والنفس تكملة التسعة، ومن الحروف الثلاثة التي بها قوام
~~الشهادة كل حرف منها ذو حاشيتين وواسطة تكملة التسعة، ومن الاكوار الثلاثة
~~التي بها قوام العالم الوضعي كل كور منها مجمع للظاهر والباطن تكملة
~~التسعة، وغير ذلك من الشهادات التي لم اذكرها مخافة التطويل في هذا الكتاب.
# كل ذلك يصدق ما قلناه في الانس من المراتب الثلاثة المنقسمة على تسعة
~~اشياء، وإذا كنا قد فرغنا بحمد الله ومكنة اولياءه من اثبات الانس
~~بالقوة، فلننتقل الى
PageV01P019
# الانس بالفعل الذين هم الصور النامية العقلية المجردة (1) التي لا يقع
~~عليها الحس وهم اهل الجنة.
# اما عن كيفية صور الملائكة والانس والجن والشياطين والأبالسة، والبيان عن
~~مراتبهم ومنازلهم وظهورهم، والشرح عن كيفية ثواب الملائكة والجن والانس، وعن
~~ما به عقاب للشياطين والأبالسة، ففي هذا الباب يصح للباحثين جميع ما بيناه
~~في كتابنا هذا، فنخرج عن قراءته، والوقوف عليه من حد التقليد الى حد المعقول.
# فإذا سألنا سائل عن كيفية صور الملائكة والجن والأبالسة والشياطين والانس
~~بالفعل وعن اقدارهم ومراتبهم؟ قلنا له: لا بد لهذا الجواب من مقدمات كثيرة
~~نقر بها الى افهام الباحثين، ولحققها في افهام المستجيبين، فنقول: انا لما
~~رأينا اول مولود من مواليد العالم المعادن هو اقل المواليد حظا من قوى
~~النفس، وجب ان تكون الغاية والغرض مولودا هو اوفر المواليد حظا من قوى
~~النفس، وانه لما كان هذا المولود الاول هو المعادن مواتا كله لا نمو له ولا
~~حس (2) ولا نطق، وكان بكليته أرضيا، وفي الارض وجب ان يكون ذلك المولود الآخر
~~الذي هو الغاية والغرض في نهاية الشرف، وغاية الفضل حياة كله، ونطقا
~~كله، ولطافة كله، ونشرح الآن ذلك افضل شرح بقوة الله ومنة اولياءه، ليقف عليه
~~وقوف عيان، ويدرك ادراك برهان، فنقول: ان هذا المولود الاول الذي هو الحجر في
~~الارض نفسه، فلم تقبل من القوة العالية الا شيئا يسيرا نذر لغيره، وذلك من
~~الحجرية الى الجوهرية، ومن الفضية الى الذهبية، وفي الالوف من السنين ومنه
~~صفاءه ولونه، وهو يقتدي بجميع جسده ولا يتناول.
# والمولود الثاني هو النبات تخلص جميع جسده من الارض الا رأسه، فان رأسه في
~~الارض راسب، وبه يغتدي وتظهر آثاره العجيبة في رأسه، الذي انما هو في السماء،
~~وهو في الحقيقة رجله لا رأسه، ورأسه هو الذي يغتدي به، وهو في الارض ثابت
~~راسب، فلما فارقت رجله الارض، وصار رأسه في الارض ظهرت فيه النجايب التي
PageV01P020
# لم تكن في المولود الاول الذي هو المعادن، فصارت فيه الأراييح (1)
~~والازهار والمذاقات.
# ثم لما جاء المولود الثالث الذي هو الحيوان الاخرس، رأيناه قد فارق الأرض
~~بجميع صوره، ليس شيء من رجليه، ولا من رأسه الراسب في الارض؛ الا انه مطلع على
~~الارض ينظر إليها فصار فيه الحس والحركة، الا رأيه يستمد به ويدبر، وصار اخذه
~~وتناوله وغداؤه بالفم، وظهور اعماله بسائر اعضائه.
# ثم رأينا بعد ذلك هذا المولود الرابع الذي هو الانس بالقوة تخلص عن
~~الاكتباب على الارض، ورفع عنها رأسه وبدنه وبقيت عليها اقدامه فقط، فلما
~~تخلصت اعضاءه كلها عن الارض الا اقدامه صار الفم مغتديا ناطقا، وصارت اليدين
~~تعملان ما كانت افواه الحيوانات الخرس تعمله مما تناوله بيدها وتغتدي
~~بفمها، والانسان بالقوة ابدا يشتاق الى ان تخلص اقدامه من الارض، كما تخلصت
~~يداه، لان غاية الانسان ان يفارق اقدامه الارض كما فارقتها جميع اعضاء
~~جسده، فلما رأى الانسان بالقوة تلك القوة موضوعة فيه لم يدع اظهار هذه
~~العلامة في يقظته، ولم يفقه حقيقتها في منامه أيضا لانه جاء في يقظته
~~استعجالا للارتفاع عن الارض والمفارقة لها، فسخر الدواب لترفع قدميه عن
~~الارض، فلم يصر مالكا الا بركوب الدواب التي رفعت قدميه عن الارض، هذا في
~~اليقظة، فأما في المنام فأنه يرى نفسه يطير ويذهب حيث شاء لا يمنعه عن ذلك
~~مسافة ولا بعد ولا حجاب، فاذا الانسان بالقوة هو انتهاء امر المواليد برؤيا
~~العين، ولم نجد بعده مولودا تراه العين بحالة خامسة أيضا، فنعلم كيف حالة ذلك
~~المولود كما علمنا احوال هذه المواليد الأربعة، اعني انا رأينا حال المعادن
~~انها في الارض وفيها الصفاء واللون فقط، ورأينا حال النبات ان رأسه في الارض
~~وبه يغتدي، ومن رجليه تستبين آثاره العجيبة من الأراييح والمذاقات، وحال
~~الحيوان الاخرس انه مباين للارض، غير راسب فيها كرسوب الحجر والنبات، الا انه
~~منكب عليها يتناول ويغتدي بفمه، وحال الانسان بالقوة ان رأسه في السماء
~~ويداه مرتفعتان عن الارض، ورجلاه ثابتتان على الارض أيضا، يتناول بيده، ويغتدي
~~بفمه، وينطق بلسانه.
PageV01P021
# فلو كانت النهاية لهذا المولود الرابع، لوجب الا تنتقل صورة هذا المولود
~~ولا تندثر لان النهاية هي التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تنتقل، بل هي النهاية
~~التي اذا بلغها المولود وقف عندها ولم يجاوزها، وذلك ان التغير في كل شيء
~~انما هو انتقال شيء الى شيء غرضه المقصود الذي هو علته المتممة، وذلك اذا
~~كان الشيء ينفعل بنفسه بالقوة الموضوعة فيه كالنطفة التي تنتقل من حال الى
~~حال، وتنمو بالقوة النامية (1) الموضوعة فيها حتى تتصور بالصورة الحيوانية
~~التامة، فإذا بلغت في النمو مبلغ الذكر والانثى اللذان منهما تولدت
~~النطفة، سكنت عن النمو، ولا تزال ترد كالجواهر في المعادن، وتتغير من جوهر الى
~~جوهر حتى تبلغ درجه الياقوتية التي هي الغرض من ذلك الجنس، فأما الجوهر
~~المذابة (2) فاذا بلغ كل واحد ما قلناه، ووصفنا نهايته، سكن عن التغير
~~والاستحالة، فكذلك هذه الصورة المستقيمة التي هي الانسان بالقوة لو كانت
~~النهاية توقفت ولم تتلاش برأي العين، وان انتقالها وتغيرها دليل على انها لم
~~تكن هي النهاية بل فوقها أيضا صورة تحتاج الى ان تتصور بها، وتشتهي
~~إليها، فكما ان القوة الجسدانية انتقلت من صلب الذكر وبطن الانثى، من حال الى
~~حال حتى صارت في الحالة السابعة صورة مهيأة لقبول آثار ما في هذا العالم
~~الجسداني، كذلك القوة الروحانية في الدنيا التي هي الامهات الاربع، والافلاك
~~التي هي الآباء وتنتقل من درجة الى درجة حتى تصير في الحالة السابعة صورة
~~مهيأة لقبول آثار العالم الروحاني فتنعم هناك بهذا الوعد (من انجيل
~~لوقا) البشير، بما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكما ان ابوا
~~الصورة الجسدانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من حال الى
~~حال وهم الاستقصات التي هي الامهات، والافلاك التي هي الآباء، كذلك أبوي
~~الصورة الروحانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من درجة الى
~~درجة وهما العقل والنفس. ونقول الآن:
# ان الصفاء والالوان الذين كانوا في الجواهر والاحجار هو ذلك الغرض الآخر
~~بالقوة،
PageV01P022
# وهو كالسلسلة من صورة الانسان التي لم تستكمل القوة البشرية في تلك
~~الحال، وانتقلت عنها، ولذلك فان هذه الجواهر لم تستكمل القوة الروحانية في
~~تلك الحال، فانتقلت عنها الى ذلك الموضع الذي احتملت اثرا من آثاره، فكان ذلك
~~الاثر الصفاء واللون الموجودان في الجواهر والمعادن من الصورة الروحانية
~~التي هي الانسان بالفعل، وكالسلسلة من الصورة الجسدانية التي هي قالب
~~الانسان بالقوة، ولما انتقل الى النبات لم يتأمل فيه أيضا وجاوزه الى
~~الحيوان البهيمي الاخرس، الا انه بقي منه في النبات أثر أيضا فيه، وهو النمو
~~والأصباغ والأرياح والمذاقات والأدهان، فالنبات من الصورة الروحانية التي هي
~~الانسان بالفعل، كالنطفة من الصورة الجسدانية التي هي الانسان بالقوة، ولما
~~انتقل الى الحيوانات الخرس لم يتكامل فيها أيضا، وجاوزها الى البشر الذي هو
~~قالب الانسان بالقوة فيبقى منه في الحيوانات الخرس الحس والمعرفة (1)
~~والصورة العجيبة، لان الحيوانات الخرس من الانس بالفعل كالعلقة من الانس
~~بالقوة، ثم انتقل الى البشر الذي هو قالب الانسان بالقوة، ولم يتكامل فيه
~~أيضا، لانه لو تكامل فيه لكان هو النهاية، ولم يتغير عن حاله، وجاوزه الى صورة
~~اخرى. وسأشرح صورتها فيما تأخر فيبقى منه في البشر النطق والفعل والتمييز
~~(2) والفكر، فالبشر الذي هو قالب الانسان بالقوة من الانسان بالفعل كالمضغة
~~من الانسان بالقوة، الذي هو مستور في البشر.
# وقد قلنا: ان التغيير هو انتقال من المتغير، ليصير انتقالا بعد ذلك الى
~~الغرض الذي هو التمام، والمنام هو الذي لا يتغير ولا يتبدل، فالاضطرار اوجب
~~ان يكون بعد هذا التغير الذي هو الموت صورة أيضا، فلينظر الآن كيف تكون تلك
~~الصورة، فنقول: لما وجب ان تكون المعادن متغدية بجميع جسدها، والنبات اغتدى
~~برأسه، والحيوان الاخرس كان متناوله ومتغداه بفمه، والانسان بالقوة متناوله
~~بيديه وفمه للغذاء والنطق، ثبت ان يكون غداء الصورة الذي بعد الموت موضع
~~يأكل منه الغداء، وموضع ينطق به، وان الانسان بالقوة انما يتغير عن هذه
~~الصورة، لان غرضه ان يفارق الارض
PageV01P023
# بكليته، فاذا فارقها بكليته صار الرجل عند تخلصها من وطئ الارض تفعل فعل
~~اليد من التناول عند التخلص من وطئ الارض، واليد تعمل عمل الفم من الاغتذاء
~~والنطق، والفم يعمل عمل الرأس اعني ان رأس النبات غير متناول متغدي، وفم
~~البهائم متناول متغدي، ويد الانسان بالقوة متناولة، وفمه متغديا ناطقا، فلما
~~صار الفم للانسان بالقوة، ويديه هاتان القوتان اللتان هما النطق والتناول
~~اللذان يكونان في افواه البهائم وأيديها؛ وجب ان يكون لليد عند الانتقال عن
~~هذا العالم قوة أيضا فتصير ناطقة متغدية، وتدفع تدبير التناول الى الرجلين
~~عند استفادتهما النطق والاغتذاء كما رفع فم الانسان بالقوة تدبير التناول
~~الى اليدين عند استفادة النطق والاغتذاء جميعا وذلك عند فراق الروح قالب
~~الانسان بالقوة فتصير هذه الروح في تلك الحال حية بالفعل، اذا كان
~~مثابا، فالرجلان عند ذلك يعملان عمل اليدين في التناول، واليدان يعملان عمل
~~الفم واللسان في الاغتذاء والنطق وهذه مرتبة قد ذكرها الله تعالى في قوله:
~~@QUR36.65@012 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما
~~كانوا يكسبون وجاء: @QUR41.21@019 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا
~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون .
# ومما يؤكد ما قلناه انه لما جاز ان تغتدي المعادن بجميع جسدها، وجاز ان
~~يتغدى النبات برأسه الراسب في الارض، وجاز ان يتغدى الحيوان في بطن أمه
~~بسرته (1)، وفي الدنيا بفمه، كذلك يجوز أيضا ان ينتقل الانس الى حال يتغدون
~~بأيديهم، وينطقون بها، والدليل على ذلك أيضا ان اليد اليوم في هذا الحال
~~ناطقة بالقوة، لانها تكتسب وهي ترجمان اللسان تتصور وتنقش وتنطق
~~بالاشارة، فاذا انتقلت عن هذا الحال وذلك بعد فساد القالب خرجت من حد القوة
~~الى حد الفعل، وتصير ناطقة بالفعل، والجن من الانسان بالفعل كالعظام من
~~الانسان بالقوة، ولما كانت المعادن والنبات والحيوانات الخرس والبشر وفراق
~~الارواح من البشر مشاهدة معلومة محسوسة بالابصار، لم تحتاج الى دليل يدل على
~~صدق ما حكيناه.
PageV01P024
# فأما الدرجات الباقيات فان الله قد بين ذلك في كتابه فقال: @QUR39.68@023
~~ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ
~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون يعني الانس بالفعل قيام ينظرون، وأشرقت الارض
~~بنور ربها، فالنفختان تدلان على الدرجتين الباقيتين، وأما قوله الا ما شاء
~~الله يعني الا من وصل الى هاتين الدرجتين، او جازت عليه احدى النفختين او
~~كلاهما، فانهما لا يصعقون، واما تأويل قول العامة ان النفختين هما اللتان
~~ذكرهما الله تعالى، والثالثة دليل على التصور بصور الجن اذا كان نصف حاله
~~مشاهدا ونصفه غائبا، ولذلك عظم على الناس اليوم الثالث من نوم الميت، لانه
~~يصير الى الفرض في الدرجة الثالثة من الاستحالة المسماة موتا، وكذلك عظموا
~~اليوم السابع، لانهم في التعظيم الثاني الاول من خلود درجاتهم الروحانية، وفي
~~التعظيم خلود جميع درجاتهم الروحانية، ونقول: الا ان الجني ينتقل في النفخة
~~الاولى الى الرتبة السادسة التي هي مرتبة الملائكة فيصير ملكا بالفعل، وتصير
~~هي في ذلك الوقت متغدية ناطقة فلا تحتاج الى اليد تتناول بها، وتكون الآلات
~~قد انتقلت وصارت الى مرتبة اخرى فدفعت امر اليدين الى الرجلين، والرجلان
~~كانا في الدنيا على الارض لا يتناولان ولا ينطقان ولا يتغديان، فإذا صارا
~~هما الناطقان والمتغديان فلا يحتاجان الى شيء للتناول.
# وكذلك وصف النبي (صلعم) بعض الملائكة فقال: رءوسهم تحت العرش والكرسي
~~وأرجلهم تحت الثرى، لان جميع صورهم واعضاءهم الروحانية قد استغنت عن
~~الاغديات غير الارجل فوصفها بانها لا تستغني عن الغداء بل محتاجة إليه
~~كحاجة من في السفلي إليه، فلعل سائلا سألنا عن أغذية الملائكة؟ فنقول له: لا
~~بد لكل مأكول ومشروب من ثلاثة اشياء طعم ورائحة ولون، فالرائحة الطف من
~~النوم، واللون الطف من الطعم، فغداء الانس بالقوة الطعام، وغداء الجن
~~الأراييح، ولذلك يبخر الناس للجن بانواع البخور والطيب، وغداء الملائكة
~~الالوان، والانس بالقوة غير مستغنيين عن الطعم، وغير مستغنيين عن الرائحة
~~والطعم واللون جميعا، والجن مستغنيين عن الطعم، وغير مستغنيين عن الرائحة
~~واللون، والملائكة مستغنيين عن الطعم والرائحة، وغير مستغنيين عن
PageV01P025
# اللون، وكل من احتاج الى شيء فهو ناقص، وكما ان لون الشيء يرى من بعيد، ولا
~~تحس رائحته الا بالقرب، ولا يعرف طعمه الا بالمماسة، كذلك الانس بالقوة
~~مأنوسون لهذا العالم الجسماني من جهة قوالبهم، لانهم في الطرف الاسفل
~~منه، والجن بالقرب منهم لانهم واسطات بين الانس بالقوة، وبين الملائكة
~~بالفعل، والملائكة في الطرف الاعلى منه، كذلك قال الحكيم الصادق اعلى الله
~~درجته في آخر قصة آدم من كتاب «المحصول (1)» ان العدل المذكور في العالم
~~العلوي باسم الملائكة هم صورها، ولو فارقوا هذا العالم السفلي من بدء كونه
~~الى يومنا هذا، والى يوم القيامة، وان الجن هم بين الملائكة والانس، فالملائكة
~~من الانسان بالفعل كاللحم من الانسان بالقوة، وقد قيل ان وصف الملائكة
~~بالفعل ناري، وتيممهم هوائي، ثم ينتقل الملك في النفخة الثانية الى المرتبة
~~السابعة التي هي مرتبة اهل الجنة الذين هم انس بالفعل فيدخل الجنة في
~~العالم الروحاني، وهي الصورة الروحانية التامة الابدية الخالدة، التي تندثر
~~ولا تبيد ولا تتغير ولا تنتقل عن حالها فتخلص الرجلان عند ذلك الى عند
~~الاغتذاء والنطق كما تخلصت اليدان والفم والرأس فيصير الى غاية الشرف
~~والفضل حياة ابدية كله ونطقا كله ولطافة كله لا تبديل ولا تغيير ولا
~~استمداد ولا اغتداء له، ولا نطقيا ولا جسمانيا طبيعيا مثل اول المتولدات
~~التي هي الجبل الذي هو جسده كله، شيئا واحدا لا استمداد له ولا حياة ولا
~~نطقا ولا عقلا، وهو الذي يقال ان الجبل يصير انسانا يوما، والانسان يصير
~~جبلا، عنى بذلك ان القوة النفسية الكامنة في الجبل، وهي الذهبية والياقوتية
~~تصير خارجة، والقوة الطبيعية الجبلية تصير داخلة فعندها يكون التمام
~~والنهاية، لان التمام هو الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يعمل ولا يحتاج، وكل
~~محتاج الى العمل فهو ناقص، وكل تغيير فالى انتقال، والانتقال شوق من المنتقل
~~الى النهاية التي هي الغرض، والانتقال على نوعين: طبيعي وجبري وبعثي
~~واختياري، وهاهنا نبين تأويل قوله تعالى لموسى عليه السلام: @QUR7.143@011
~~ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر
PageV01P026
# @QUR7.143@032 إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه
~~فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا: فلما أفاق قال
~~سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين .
# فلو لم يكن في تقدير الله تعالى ان يصير موسى يوما مثل ذلك الجبل، اي انك
~~لن تراني اليوم ولا غدا، لان الذي هو في صورة النفسية العقلية مثل الجبل لا
~~يمكنه رؤيتي، فكيف وانت في الصورة الجسدانية للانسان بالقوة.
# ومما يؤكد قولنا هذا ان افعال الجبال (1) والمعادن كلها سكون، وليست بطاعة
~~ولا معصية لانها مواد طبيعية مجبورة، وافعال النبات على نوعين سكون طبيعي
~~وحركة نمو، وليست بطاعة ولا معصية لانه أيضا مواد طبيعي مجبور، وافعال
~~الحيوان الخرس كلها عصيان، لانه حسي لا نطقي ولا يقال لافعاله معاصي لانه
~~ليس بمكلف، ولو كان مكلفا لاستحق العقاب، ولما لم تكن افعاله معاصي، لم يسمى
~~عاصيا، وأفعال الانس بالقوة طاعات ومعاصي لانهم مكلفون فهم اذا يستعملون
~~الظواهر ويتعلمون بواطنها، ويرتكبون الصغائر والكبائر جميعا، وانهم معاقبون
~~بمعاصيهم مثابون بطاعتهم، وان الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر منهم، وكذلك
~~قال الله تعالى: @QUR4.31@013 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفر عنكم
~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما وانما وقعت منهم الطاعات والمعاصي جميعا لانهم
~~أحياء ناطقيون، فأرواحهم الحسية تدعوهم الى المعاصي، وأرواحهم الناطقة تدعوهم
~~الى الطاعات، وهم الملكان الذين ذكرهم الله تعالى، ان احدهم يكتب
~~الطاعة، والآخر يكتب المعصية، وهاهنا نبين قول البخارية: ان الله خلق
~~استطاعتين استطاعة الشر، ويستحيل وقوع الخير منه، واستطاعة الخير، ويستحيل
~~وقوع الشر منه، ومن هاهنا قال النبي (صلعم): ان ابليس يجري في بني آدم مجرى
~~الروح والدم عنى بذلك الروح الحسية.
# وأفعال الجن بالفعل طاعات وصغائر، وذلك انهم يطيعون ولا يقع منهم من
~~المعاصي شيء الا الصغائر فقط، وانهم مؤاخذون بالصغائر ومعاقبون
~~بإتيانها، ومثابون بتركها،
PageV01P027
# الا انهم مكلفون، ومن هاهنا ان المؤيدين صلوات الله عليهم لا يرتكبون شيئا
~~من الكبائر، وانهم معصومون لان أرواحهم قد تصورت بصور الجن في
~~قوالبهم، والصغائر مغفورة لهم لان احكامهم شبيهة باحكام الانس بالقوة
~~فتثبتهم في القوالب.
# وأفعال الملائكة بالفعل كلها طاعات، لانهم لا يرتكبون لا كبيرة ولا صغيرة
~~ولا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون، وانهم مستحقون للثواب لانهم
~~مكلفون، وافعال الانس بالفعل لا طاعات ولا معاصي لانهم ليسوا بمكلفين، وذلك
~~انهم خرجوا من حد التكليف الى حد الثواب، والجزاء والتنعم، وبهم تم الدار
~~وكمل الحال.
# وكما ان افعال المعادن التي هي اسفل المتولدات لم تكن طائعة ولا مستعصية
~~في حال جبرها وموتها الابدي، كذلك لم تكن افعال الانس بالفعل الذين هم اعلى
~~المتولدات طاعة ولا معصية لاجتيازهم وحياتهم الابدية، فالانس بالفعل هم اهل
~~الجنة، وهم الصور الروحانية التامة الخالدة مقابل الخلق الآخر الذي هو صورة
~~الجسدانية التامة التي ذكرها الله تعالى في قوله: @QUR23.14@022 ثم خلقنا
~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم
~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين وكما ان الخلق الآخر الذي هو
~~الانسان بالقوة آخر متولدات الجسمانية، كذلك اهل الجنة الذين هم انس بالفعل
~~اخر المتولدات الروحانية، والمؤمن هو المقر بجميع هذه الدرجات ظاهرا
~~وباطنا، ولذلك قال النبي (صلعم): الكافر يأكل في سبعة امعاء، والمؤمن يأكل من
~~معاء واحد، اي ان الكافر من كفره لا يقر بالدرجات الثلاث الماضية، ومن عجلته
~~كفر بالدرجات الثلاث الآتية، ولم يؤمن الا بالواسطة المشاهدة، وسماها باسماء
~~الدرجات الماضية والآتية حتى صار كأنه يريد ان يأكل باسم كل واحد منها جهلا
~~وعجلا (1) وكفرا وافكا وحسدا وحماقة، وهاهنا نبين قوله تعالى: @QUR21.37@09
~~خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون يعني الانسان بالقوة يعجل في
~~الوصول الى الثواب الذي هو مرتبة الانسان بالفعل، ولا يعلم ان بينه وبين
~~وصوله الى الثواب والجنة انتقالات ودرجات غير
PageV01P028
# الذي رآه وعرفه، والمؤمن من اقر بالماضية والمستقبلة واغتدى من كل واحدة
~~منها من موادها في وقتها، وعرف انه لا يتغدا في هذا الوقت الا باسم الواسطة
~~فقط، دون غيرها من الاسماء، علما منه وبيانا (1) وتواضعا وايمانا.
# واما ما ذكر من الانتقالات فهي سبع حالات: اسفلها حال المعادن التي هي
~~مقابل السلالة وهي طبيعة مجبورة وليست بمكلفة، لان قوة الطبيعة اكثر من قوة
~~النفسانية، وان ما نسبناها الى الامهات الأربع في قولنا ان المعادن الطبيعية
~~وان كان فيها شيئا أنور من قوى النفس، لان الغلبة للاعم بالاكثر.
# والحال الثاني حال النبات الذي هو مقابل النطفة وهو طبيعي مجبور غير
~~مكلف، لان قوة الطبيعة فيه اكثر من قوة النفسانية اعني بالجبر هاهنا يكون
~~انتقاله الى الاشرف على طريق الجبر والاختيار، وان يكون انتقاله الى الاشرف
~~على طريق الاختيار.
# والحال الثالث حال الحيوان الاخرس الذي هو مقابل العلقة وهو مجبور طبيعي
~~غير مكلف لان قوته الطبيعية اكثر من قوته النفسانية، مع ان الناس قد كلفوه
~~لحمل أثقالهم وصرفوه في منافعهم، لان قوته النفسانية اكثر من قوة النبات
~~والمعادن، ومن هاهنا كان له الحس والاختيار في الحركة والسكون.
# والحال الرابع حال الانس بالقوة الذي هو مقابل المضغة وهم مجبورون
~~مختارون طبيعيون نفسانيون، وهم مكلفون لان قوتهم النفسانية على مقدار قوتهم
~~الطبيعية، فهم اذا من جهة قوتهم الطبيعية مجبورون ومن جهة قوتهم النفسانية
~~مختارون، فأما من الجهة التي هم مجبورون مهملون (2) انه لا يجوز ان يكلفوا
~~بحسن خلقهم وصورهم، ولا بقبيحها ولا بقصير قامتهم ولا بطويلها ولا خلق
~~اعينهم، ولا احداث شيء من اعضائهم، وما يشبه هذا، ومن الجهة التي هم مختارون
~~مكلفون كما كلفوا الى الشرائع وتعلموا تأويلها، وقد ثبت بما قلناه ان القوة
~~الطبيعية توجب الجبر والاهمال، والقوة النفسانية توجب الاختيار والتكلف، فكل
~~من كانت قوته الطبيعية اكثر واغلب من قوته النفسانية، رفع عنه
PageV01P029
# التكليف والامر والنهي والثواب والعقاب، وهو مثل البله والمجانين والاطفال
~~والحيوانات الخرس، وكل من كانت قوته النفسانية اكثر واغلب من قوته الطبيعية
~~صار مستجيبا او مأذونا او داعيا او لاحقا او إماما او اساسا او ناطقا، فعلى
~~مقدار التفاوت الذي بينهم في القوة النفسانية، فاما الظاهريون فقوتهم
~~النفسانية على مقدار قوتهم الطبيعية، بل اقل في المثل، وكذلك شبههم الله
~~تعالى الى الحيوانات الخرس فقال: @QUR25.44@016 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون
~~أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ومن هاهنا جعلت قبور اهل
~~الظاهر مثمنه فشبها بظهور الانعام والحمير (1)، وقد وصفهم الله تعالى
~~وشبههم بالحمير فقال: @QUR62.5@024 مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها
~~كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا
~~يهدي القوم الظالمين وانما قال الله تعالى ذلك الى من وقف على ظاهر القرآن
~~او غيره من كتب الله تعالى المنزلة على رسله، ولم يقف على تأويله كان
~~كالحمار يحمل اسفارا، والكتب لا يعرف ما فيها، وقد جعلت قبور العلوية مشطحة
~~لتشبهها بظهور الانس، لانهم مجتهدون على ان يصيروا انسا بالفعل يوما ما.
# والحال الخامس حال الجن الذين هم مقابل العظام وهم مختارون مكلفون
~~مأمورون منهيون، وانما قلنا انهم مكلفون لانهم نفسانيون، الا ان فيهم شيئا من
~~آثار الطبيعة والحسية قليل، فطاعتهم اكثر من معصيتهم كما أوردناه.
# والحال السادس حال الملائكة الذين هم مقابل اللحم، وهم مختارون مكلفون
~~مأمورون منهيون نفسانيون (2) ليس فيهم من آثار الطبيعة شيئا يصيرهم، ويحيرهم
~~الى المعصية فلذلك لا تقع منهم معصية، لا صغيرة ولا كبيرة، وقد وصفهم الله
~~تعالى فقال: @QUR66.6@024 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا
~~وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم
~~ويفعلون ما يؤمرون .
# والحال السابع: حال الانس بالفعل الذين هم مقابل الخلق الآخر، وهم اهل الجنة،
PageV01P030
# وهم مختارون لا طبيعيون ولا جسمانيون ولا مهملون ولا مكلفون، بل عقليون
~~علميون من الجوهر الذي هو من نور الرب الذي هو الاشراق الذي ذكره الله
~~تعالى: @QUR39.69@016 وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين
~~والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون وعندها يستغني الانسان عن
~~الاغتذاء والنطق والتناول، ويكون عند ذلك ولد أبويه الذين هما العقل والنفس
~~بالحقيقة، وكذلك فان أبويه كانا حيين بالعقل، والصورة المتولدة كانت حية
~~بالقوة واحتاجت ان تنتقل هذه الانتقالات حتى صارت مثل أبويها كانتقالات
~~النطفة من الحيوان حتى صارت مثل أبويها، وهاهنا، نبين قوله تعالى:
~~@QUR8.24@022 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما
~~يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون فلا يخفى
~~على كل ذي لب ان هؤلاء المؤمنين كانوا احياء من جهة اجسامهم وأديانهم الا
~~انه امرهم بطلب العلوم الالهية من جهة صاحب تأويل شريعة محمد (صلعم) ليتهيأ
~~لهم الوصول الى الدرجة السابعة من درجات الصور الروحانية المستقيمة الخالدة
~~(1)، وليخلص صورهم من حد القوة الى حد الفعل.
# وكما ان أبوي الصورة الجسمانية في الحقيقة هما المحيطان على مواضع
~~انتقالها من حال الى حال، وهما الامهات والافلاك، كذلك أبوي الصورة الروحانية
~~في الحقيقة هما المحيطان على مواضع انتقالها من درجة الى درجة، وهما العقل
~~والنفس، وكما ان الصورة الجسمانية انتقلت الى صلب الذكر وبطن الانثى من حال
~~الى حال حتى صارت في الحالة السابعة صورة مهيأة لقبول آثار الدنيا، كذلك
~~القوة الروحانية في الدنيا، وفي الامهات التي هي الانثى، والافلاك التي هي
~~الذكر، ينتقل من درجة الى درجة حتى يصير في الدرجة السابعة صورة مهيأة لقبول
~~آثار الآخرة، وكما ان الدرجتان من الصورة الجسمانية اللتان هما السلالة
~~والنطفة في صلب الذكر والدرجات الخمس في الانثى كذلك الدرجات من الصورة
~~الروحانية اللتان هما المعادن والنبات ليستا حيتين، والدرجات الخمس
~~احياء، وكما ان الصورة الجسمانية تتحرك في بطن أمها في نصف مدة مكثها
~~فيه، كذلك يقع الامر
PageV01P031
# والنهي على الصورة الروحانية في نصف المراتب السبع، وكما ان الدرجات
~~الثلاث من الصورة الجسمانية التي هي السلالة والنطفة والعلقة
~~ساكنات، والدرجات الثلاث التي هي المضغة والعظام واللحم متحركات، والدرجة
~~السابعة التي هي الصورة التامة مختارة في الحركة والسكون لا تشبه المتحركة
~~الجبرية، كذلك الدرجات الثلاث الطبيعية من الصورة الروحانية التي هي المعادن
~~والنبات والحيوان الخرس مهملون، والدرجات الثلاث النفسانية التي هي انس
~~بالقوة والجن والملائكة مكلفون، والدرجة السابعة التي هي انس بالفعل وهم اهل
~~الجنة مختارون لا يشبهون المهمل ولا المكلف، لان المهمل هو الذي لا جزاء
~~له، والمكلف هو المأمور المنهي، وأهل الجنة عقليون مثابون، غير مأمورين ولا
~~منهيين، وسنفسر هذا القول فيما تأخر مما فسرناه عند ذكر الارواح والأزمنة.
# وكما ان المضغة اخر درجة من درجات السكون وأول درجة من درجات الحركة،
~~كذلك الانسان بالقوة آخر درجة من درجات الطبيعة التي توجب الاهمال، وأول
~~درجة من درجات النفسانية التي توجب التكليف، ألم تر ان الطفل مهمل؟ فاذا رأى
~~صار مكلف.
# وكما ان ايام حبل المرأة تسعة اشهر كذلك المتولدات تسعة أجناس
~~وهي: المعادن والنبات والحيوان الخرس والبشر والشياطين والأبالسة والجن
~~والملائكة واهل الجنة، وكما ان المرأة اذا ولدت في رأس ثمانية اشهر يموت
~~المولود ولا يحيا، كذلك اذا وجدت شيطنة (1) وهي كالزيادة التي ليست من
~~المراتب السبع، والابليس بالقوة التي هي الانحراف عن الصراط المستقيم التي
~~هي المراتب السبع، من كلف جاحدا حتى لا يقبل الوعظ والتذكير، ومات عليها، ولا
~~يصل احدهما الى الحياة الابدية ولا للنعيم الابدي، وأما اذا قبل الشيطان
~~بالقوة الى الجزاء، ورجع الى ابليس بالقوة، لان الصراط المستقيم تكملة التسعة
~~(2) التي هي المعادن والنبات والحيوانات الخرس والبشر والشياطين والأبالسة
~~بالقوة والجن والملائكة وأهل الجنة، احياء ابدا متنعمون. حتى لا تضره
~~ابليسيته التي تاب منها، وشيطنته
PageV01P032
# التي رجع عنها، ولا بد لنا في هذا الموضع من ذكر تأويل ثان لهذه الولادة
~~من العالم الوضعي، ثم العودة الى تأويله في المراتب السبعة، فنقول: ان تأويل
~~المولود الذي يولد في تسعة اشهر فيحيا ولا يموت، هو ان الايقانية من السد
~~الى السد من غير ذكر، والخليفة والساقط الواقف عليها بذاتها تام لا يحتاج
~~الى ذكر شيء معها تشبيها بأزمنة الدور، ثم ان المولود اذا ولد في الثمانية
~~اشهر يموت، وفي التسعة اشهر لا يموت، اي ان الإيقانية تكون بعد الوقوف على
~~مرتبة الثامن الذي هو الخليفة الخارج من السد المذكور شأنه في قوله تعالى:
~~@QUR18.22@03 وثامنهم كلبهم الا ان ذلك ليس بتمام الا بعد الوقوف على مرتبة
~~التاسع الذي هو تشبيه بالخلافة والداخل في السد تشبيها بتمامية الدور،
~~وكذلك قال الله تعالى: @QUR17.101@020 ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل
~~بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا لان العاشر
~~ليس شيء بل هو ساقط عن البيان حتى لا يذكر معهم لخموله ولا يحتاج الى
~~الايمان به، ولو لا حد العاشر الساقط الخامل والالم يكون لشرطه في قوله
~~بينات معنى، واما ولادة المولود في اوائل الشهر العاشر من غير ان يتمه فهي
~~دليل على العاشر الداخل في السد الساقط بارتداده عن مرتبته من غير ان
~~يتمها، وهاهنا نبين احد تأويل قوله:
# @QUR4.43@050 يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى
~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو
~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا
~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا قول الفقهاء
~~اذا كان الماء نجسا فليتمم أولا، وتأويل قول النبي، اي النبي الامي، وتأويل
~~مباهلة الفقهية، وتأويل الظاهر السبعة التي هي ابواب العذاب الادنى، وتأويل
~~المساواة في الكورين جميعا.
# وكما ان العصيان الاول من جهة المؤيدين كان في اول الكور السد من أول
~~اصحاب الكور، فلذلك اوجب القياس كون العصيان الثاني من جهتهم في ثاني
~~الكورين، وثاني صاحب الكور، وكما ان عصيان السابع بالقوة، وثمانية حد السابع
~~جائز، كذلك عصيان كتاب الايضاح-3
PageV01P033
# من في حد القوة كان ضعيفا حتى تتهيأ له التوبة التي هي دليل على المثابين
~~وعصيان من هم في حد الفعل كان قويا حتى اصر عليه غير تائب، وهذا دليل على
~~المعاقبين، واسم هذا الساقط مذكور في القرآن على التقريب، كما ان اصحاب سائر
~~الادوار مذكورين في القرآن على التقريب، وله اسم ثاني في القرآن يوافق
~~المعرفة في حساب الجمل، وذلك ان كل واحد من اصحاب الكور الاول السد اسما
~~واحدا فقط تأكيدا لانفراد ذكورهم.
# ولكل واحد من اصحاب الكور الثالثة اسماء الازواج في كورهم، وكذلك امته
~~مذكوره في القرآن مع اسم سائر الرسل، حتى انهم يؤدون الجزية، وتشبيها
~~بهم، والوقوف على امورهم في حد الايمان بعد جواز جزية العقبة (1)، وفك
~~الرقبة في حد الايقان.
# ولذلك فرق الله بين السبعة الذين هم في حد الايقان، وبين الثلاثة الذين هم
~~في حد الايمان في قوله تعالى: @QUR2.196@074 وأتموا الحج والعمرة لله فإن
~~أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان
~~منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن
~~تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في
~~الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد
~~الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ففي الحاج ظاهرة صحيحة
~~وباطنه اي من الوقوف على الايمان الذي فيه معرفة صاحب الزمان، يتهيأ له
~~معرفة الحدين الذين هم الخليفة والساقط، ثم قال: وسبعة اذا رجعتم من الظاهر
~~الذي هو حد الاسلام والايقان، ووقفتم على الحدود السبعة من السد الى السد
~~دون الحدين اللذين هما الخليفة والساقط، ثم قال تلك عشرة كاملة يعني ان
~~اصحاب هذين الكورين نطقاء وهم وخلفاؤهم مع الساقط عشرة نفر خمسة منها في
~~الكور الاول، وخمسة في الكور الثاني، وهما السدان واصحاب الاول الحدود مقابل
~~الاجساد وأصحاب الكور الثاني مقابل الحواس الظاهر، وأصحاب الكور الثالث
~~مقابل الحواس الباطنة في طريق العالم الصغير، فأما من طريق العالم
PageV01P034
# الكبير، فأصحاب الكور الاول وهم الحدود اي مقابل اصول العالم
~~السفلي، وأصحاب الكور الثاني مقابل المحسوسات الخمس التي ينسب كل واحد منها
~~الى اصل من اصول العالم السفلي الخمسة، وأصحاب الكور الثالث مقابل الارواح
~~الخمسة الموجودة في العالم السفلي من مولداتها في ما هو مذكور في
~~كتاب «البرهان» من بيانها غنى عن اعادة ذكرها ثانية في كتابنا هذا.
# ثم نرجع الى ما كنا فيه من تأويل الولادة على قياس المتولدات فنقول:
# ان الامرأة اذا ولدت على رأس السبعة اشهر يحيا المولود ولا يموت، كذلك
~~القوة الروحانية اذا جاوزت السبع مراتب التي هي المعادن والنبات والحيوانات
~~الخرس والبشر بالقوة والجن والملائكة وأهل الجنة تصل الى الحياة الابدية
~~التي لا تبيد ولا تستحيل بعدها.
# وكما ان الامرأة اذا ولدت على رأس التسعة اشهر يحيا المولود أيضا كذلك
~~القوة الروحانية، وان صار شيطانيا بالقوة وابليسيا بالقوة، ثم رجع عن ذلك
~~وجاوز المراتب السبع التي هي تكملة التسعة، فلا يضره ذلك، ووصل الى الحياة
~~الابدية.
# والباطني يستحق ان يسمى جنيا بالقوة وملكا بالقوة وانسانا بالقوة، لانه
~~يصير يوما جنيا بالفعل ويوما ملكا بالفعل ويوما انسانا بالفعل، والقشري
~~يستحق ان يسمى شيطانا بالقوة لانه يصير شيطانا بالفعل، والمرتد يستحق ان
~~يسمى ابليسا بالقوة، لانه يصير يوما ابليسا بالفعل، ولا يستحقان ان يسميا
~~جنيين ولا ملكين بالقوة ولا انسانين بالقوة، لانهما يصيران شيئا مما عددناه يوما.
# وكما جاز اذا قيل ان السلالة بشرا بالقوة، وان كان بينهما وبين ان تصير
~~بشرا بالفعل درجات، كذلك جاز اذا قيل للبشر انسانا بالقوة، واذا كان بينه
~~وبين ان يصير انسانا بالفعل درجات، وكما جاز اذا قيل ان السلالة نطفة بالقوة
~~وعلقة بالقوة ومضغة بالقوة وعظاما بالقوة ولحما وبشرا بالقوة، كحال تصورها
~~في هذه الصورة يوما، كذلك يجوز ان يقال ان البشر جنيا بالقوة وملكا بالقوة
~~وانسانا بالقوة وشيطانا بالقوة وابليسا بالقوة، وكحال تصوره بهذه الصور
~~يوما، كما ان التراب والارض الجسمانية، كذلك البشر والارض الروحانية، وكما ان
~~غرض الصانع في التراب هو الصورة المهيأة لقبول آثارها في
PageV01P035
# العالم السفلي التي هي انسان بالقوة، كذلك غرضه في البشر هو الصورة
~~المهيأة لقبول آثار في العالم العلوي الذي هو الانسان بالفعل.
# وكما ان بين الارض الجسمانية الجبرية ومقصودها جسمانيين مجبورين هما
~~النبات ؟؟؟ والحيوان الخرس، كذلك بين الارض الروحانية والاختيارية ومقصودها
~~روحانيين مختارين وهما الجن والملائكة، وكما ان الارض الجسمانية ليست بمحركة
~~فارتفعت على سبيل الجبر درجة درجة، حتى صارت كلها متحركة في الحيوان غير
~~عالمه، كذلك الارض الروحانية؟؟؟ الاختيارية ترقى على سبيل الاختيار درجة
~~درجة حتى تصير كلها عالما، كذلك الارض الروحانية الاختيارية ترقى على سبيل
~~الاختيار درجة درجة حتى تصير كلها عالمة.
# وكما ان خلق آدم ذكره الحاشيتان السفلي والمقصود حتى قيل ان آدم خلق من تراب.
# كذلك في خلق اهل الجنة ذكرت الحاشيتان أيضا السفلي، والمقصود حتى قيل
~~الانسان يصل الى الجنة من غير ان تذكر الواسطتان اللتان بينهما اعني الجن
~~والملائكة، كما لم تذكر الواسطتان اللتان بين التراب وبين آدم اعني النبات
~~والحيوان الخرس لا ظاهر الواسطتين الجسمانيتين المجبورتين تدلان على
~~الواسطتين الروحانيتين المختارتين، فإن الارض الجسمانية ميتة، والنبات
~~نائم، والحيوانات الخرس مختلطة، والارض الروحانية مستيقظة، ثم اذا نظرت الى ما
~~فوق الارض الروحانية علمت انها مقابل الميت، و؟؟؟ مقابل النائم، والملائكة
~~مقابل المختلط، والجنة مقابل المستيقظ، وكذلك قال الله تعالى في الماضي
~~المهمل: @QUR39.6@037 خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من
~~الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات
~~ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك. لا إله إلا هو فأنى تصرفون وقال في المستقبل
~~المكلف: @QUR3.41@021 قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة
~~أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار اي على عدد النفحات
~~الثلاث، لان حد الجن مرموز في البشر، وحد الملائكة مرموز في الجن، وحد
~~المثابين مرموز في الملائكة، فهذه اذا
PageV01P036
# امست (1) استحالات، اثنتان منهما طبيعيتان: كاستحالة الارض الى النبات
~~واستحالة النبات الى الحيوان الخرس، واثنتان ممتزجتان: كاستحالة الحيوان
~~الخرس الى البشر، واستحالة البشر الى الجن، واثنتان نفسانيتان: كاستحالة الجن
~~الى الملائكة، واستحالة الملائكة الى اهل الجنة، والالم يتابع الممتزجين دون
~~استحالة الطبيعيين والنفسانيين، وكذلك قال الله: @QUR40.11@014 قالوا ربنا
~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل .
# والمتولدات التي هي في الدنيا ستة أيضا على عدد الاستحالات وهي عدد تام
~~كعدد اصول الدنيا، اثنان منهما على غاية الكثافة مقابلان الارض والماء وهما
~~المعادن والنبات، واثنان على غاية اللطافة مقابلان الكواكب والافلاك، وهما
~~الجن والملائكة، واثنان متوسطان وهما مقابلان النار والهواء وهما الحيوان
~~الخرس والبشر، ثم ان من هذه المتولدات الستة ما يقع عليها اسم الحيوان: أربعة
~~اسفلها جاهل محض وهو الحيوان الاخرس، واعلاها عالم محض وهم الملائكة، فكما ان
~~المجاوز للجاهل المحض من الواسطتين اللتين هما البشر والجن، جهله اكثر من
~~علمه، كذلك المجاوز العالم المحض منهما علمه اكثر من جهله، ولأن علامتهما
~~ظاهرة في الامهات، وذلك ان اسفلها جامد محض وهي الارض، واعلاها ذائب محض، وهي
~~النار، والمتوسطات اللتان هما الماء والهواء متقلبان بين الجمود والذائب،
~~الا ان المجاور للجامد المحض الى الجمود اميل لموافقته اياه بجوهره، وكذلك
~~قلنا: ان اسفل هذه المتولدات الادنى الأربعة التي هي في الدنيا عصاه، وهي
~~الجاهلة المحضة، واعلاها طائعون وهي العالمة المحضة، والواسطات المتقلبة بين
~~المعاصي والطاعات لتقلبها بين الجاهل والعالم، الا ان المجاورين للعصاة
~~معاصيهم اكثر من طاعتهم، والمجاورين للمطيعين طاعتهم اكثر من معاصيهم، وعلامة
~~ذلك ظاهرة في الامهات أيضا، وذلك ان الهيولى اسفلها غالب على صورتها حتى
~~صارت تقبل المتضادات، وصور اعلاها غالبة على هيولاها، حتى صارت لا تقبل
~~المتضادات والواسطات الممتزجات، الا ان المجاور الاسفل هيولاه من جهة نتيجته
~~الغالبة على صورته من جهة جوهره، وهي البرودة وصورته غالبة
PageV01P037
# على هيولاه من جهة نتيجته، وهي الرطوبة، فلذلك يقبل المتضادات الجوهرية ولا
~~؟؟؟ نتيجة المجاور الاعلى لهيولاه الضعيفتان اللتان لا يتهيأ لاحدهما غلبته
~~على صاحبه،؟؟؟ لا تقبل المتضادات، فاذا كان شيء هيولاه غالب على صورته فهو
~~منفعل قابل للتضاد وكل شيء صورته غالبة على هيولاه فهو فاعل غير قابل
~~للمتضادات.
# ثم ان هذه المتولدات الستة على ثلاثة اقسام احدها نصف اصول العالم الذين
~~مخلقون (1) ومخلوقون على العدد التام، وهم مكلفون، والآخر سدسها وهم الذين
~~؟؟؟؟ بمكلفين ولا اموات، والثلاث ثلثها تأكيدا للتامية وتصديقا للصحيحة وهم
~~الموات، فان سألنا سائل عن مقام الجن والملائكة بالفعل، قلنا له: ان مقام الجن
~~فيما بين فلك ؟؟؟ الى الارض في كل مكان الا ان اعين البشر لا تدركهم
~~للطافتهم، وكذلك قال الله تعالى:
# @QUR55.33@018 يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار
~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان يعني لا تطيقون ؟؟؟ الى
~~العالم الروحاني الا بعد ان تستعلوا على مراتب الملائكة بالفعل، ومقام
~~الملائكة فيما بين اعلى الفلك المستقيم الى اعلى فلك زحل يترددون هناك، فأما
~~الانس بالفعل ؟؟؟ اهل الجنة الذين يتنعمون في العالم الروحاني.
# وكما ان الدرجتين من الصورة الجسمانية في صلب الذكر، والدرجات الاربع في
~~الانثى الى ان تصير في الدرجة السابعة صورة مهيأة لقبول ما في هذا العالم
~~السفلي كذلك الدرجات من الصورة الروحانية في جوف الآباء، والدرجات الاربع في
~~؟؟؟ الامهات الى ان تصير في الدرجة السابعة صورة مهيأة لقبول آثارها في ذلك
~~؟؟؟ الروحاني الذي هو دار الخلود الذي لا عدد له، ولا اسماء، ولا يصل الانسان
~~بالقوة الى ما لا عدد له ولا انتهاء ما لم يجاوز البيوت التي لها انتهاء في
~~عددها مثل الآحاد والعشرات والمئات والالوف، فصلب الأب بيت الآحاد اذ الغذاء
~~يستحيل نطفه في اقل من عشرة ايام، وبطن الام بيت العشرات، وكذلك يولد المولود
~~في الشهر العاشر، والدنيا بيت المئات وكذلك قوله تعالى: @QUR29.14@07 ولقد
~~أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث
PageV01P038
# @QUR29.14@011 فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون
~~فقبض من الألف خمسين عاما لئلا يتوهم احدا ان الدنيا بيت الالوف، والافلاك
~~بيت الالوف، وكذلك قال الله تعالى: @QUR22.47@015 ويستعجلونك بالعذاب ولن
~~يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون والعالم الروحاني بيت
~~الخلود للذي لا عدد له ولا انتهاء، فإذا صلب الأب غير موقت، وبطن الام
~~موقت، والدنيا غير موقتة، والافلاك موقتة، والعالم الروحاني غير موقت، فصارت
~~دائرة راجعة الى أولها فأولها غير موقت، وآخرها غير موقت، ولما كان الشاهد
~~الظاهر من المتمكنين على ثلاثة أنواع: وجب ان يكون الغائب الباطن منهم ثلاثة
~~اقسام أيضا، اي انه لما اجتمع خصماؤنا معنا على ان المكان الغائب على نوعين
~~في قولهم: ان الافلاك تسعة وسبعة، لم يكن لأحد مشاهدة الآخر منهما، أولا ثم
~~يتهيأ له مشاهدة الاشراف منهما، ثانيا ولو لا هذه المراتب، وإلا لم يكن يتعسر
~~علينا الوقوف على كيفية جسم الدنيا من لا جسم، ومن ادعى لنفسه مرتبة فوق
~~قدره فهو من الهالكين لقول أمير المؤمنين علي: ما هلك امرأ عرف قدره، وقد
~~ادعاها الكيالية والدهرية.
# ومما يزيد قولنا في مسكن الافلاك تأكيدا ان الاشياء ثلاثة: جسم وجرم وروح،
~~فلو كان للجنين قوة الروية ما يرى بعينه في بطن أمه الا الجسم، فلذلك خرج
~~منه الى العالم الجسماني، ونحن لما خرجنا الى هذا العالم الجسماني، رأينا
~~الاجرام السماوية والكواكب العلوية باعيننا، فوجب بذلك ان مصيرنا بعد
~~مفارقتنا القوالب، يكون الى العالم الجرماني، ثم هناك اذا وصلنا إليه نرى
~~العالم الروحاني بأعيننا فنفتقد عند النفخة الثانية الى العالم الروحاني
~~خالدين مخلدين (1).
# ومما يزيد في قولنا تأكيدا انه لما صح ان غير المؤيدين لا يدخل الجنة، وصح
~~ان المستجيبين والدعاة لا يصيرون في الدنيا مؤيدين، ثبت ان لهم مقاما غير
~~مقامهم في هذا العالم الجسماني، حتى يصيروا هناك مؤيدين، فيتحولوا حينئذ الى
~~الجنة، ومما يزيده إيضاحا، انه لما وجب مكث الانس في هذا العالم الجسماني لما
~~فيهم من آثاره واجزائه
PageV01P039
# المشبهة بهم كذلك وجب مكثه في العالم الجرماني بما فيه من آثاره المشبهة
~~بهم أيضا، ومما يزيده شرحا ان البشر ينسب في الدنيا الى الأب، لان اول كونه
~~في صلبه، وان كان بعد ذلك قد اقام في بطن الام، كذلك الانسان بالفعل ينسب في
~~الآخرة الى الام، لان اول كونه في الامهات، وان كان بعد ذلك قد اقام في جوف
~~الآباء التي هي الافلاك، لان البشر ثقيل من صلب ابيه وبطن أمه من الألطف
~~الى الاكثف لانه الصورة الجسمانية، والانسان بالفعل ثقيل من الاكثف الى
~~الالطف لانه الصورة الروحانية، والذكر في كل شيء الطف من الانثى، والنسبة
~~ابدا ثابتة للأول دون الثاني، والدليل على ان الافلاك بمنزلة الذكر والامهات
~~بمنزلة الانثى، ان الفلك ابدا متحرك، والارض ساكنة، والمتولدات تتولد فيما
~~بينهما بحركة الذكر وسكون الانثى وقت المجامعة.
# فان سألنا باحث عن كيفية نطق الجن والملائكة وأهل الجنة؟ قلنا له: ان اول
~~النطق العقل، والثاني الفكرة التي تنبعث من العقل، والثالث صورة الكلام التي
~~تنبعث من الفكرة، والرابع الكلام المؤلف بالحروف الذي ينبعث من
~~صورته، والكلام المؤلف بالحروف لا يكون الا من الصوت، والصوت لا يكون الا من
~~حركة خارجة، والحركة خارجة لا تكون الا بعد سكونها، فهذه اذا سبعة أصول، وان
~~الكلام المؤلف بالحروف هو الذي يفهمه الجسماني عن جسماني، كفهمه جميع البشر
~~كلا منهم فيما بينهم، وصور الكلام التي يفهمها مؤيد عن روحاني كفهم رسول
~~الله (صلعم) لكلام جبريل، وكما قال الله تعالى: @QUR26.193@05 نزل به الروح
~~الأمين @QUR26.194@ على قلبك لتكون من المنذرين
ولم يقل عن سمعك، لان صورة الكلام لا يفهم بالسمع، وانما يفهم في القلب، ثم
~~قال: لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين اي بكلام مؤلف بالحروف يفهمه الناس
~~جميعا، والفكرة التي يفهمها روحاني عن روحاني كفهم جبريل عن اللوح المحفوظ.
# والآن، اذ بينا حدود النطق ودرجاته، فقد امكن ان نبين حظ كل واحد من
~~المتولدات، فنقول: ان المعادن ساكنة، ثم النبات متحرك حركة النمو والازدياج،
~~ثم ان الحيوان الاخرس يصون، كما ان البشر لا يستغنون عن الكلام المؤلف
~~بحروف، ثم
PageV01P040
# ان الجن يستغنون عن الكلام المؤلف بالحروف، وتقوم صورة الكلام لهم
~~مقامه، ثم ان الملائكة يستغنون عن صورة الكلام، لان الفكرة قامت لهم مقامه، ثم
~~ان الانسان استغنى عن جميع درجات النطق، اذ ان العقل قام لهم مقامه، فهم في
~~جوار العقل الكلي الذي هو الخلائق طرا يتنعمون بما لا عين رأت، ولا اذن
~~سمعت، ولا خطر على قلب...
# وهذه صورة ما بيناه.
# > CS
PageV01P041
# لقد سبق لنا بما قد بيناه: ان البشر واسطة بين البهائم وما دونها، وبين
~~الملائكة وما دونها، لذلك قيل في حده انه حيا ناطقا ميتا لانه لو قيل انه
~~حيا ميتا لكان كالبهائم.
# ولو قيل انه ناطقا لكان كالملائكة بالفعل، فقد تبين بالوسط طرفاه، ولو لا
~~ان طرفه الاعلى متنقلا من حاله لما كان مكلفا، ولما ثبت في قوله تعالى:
~~@QUR17.77@012 سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا وان
~~البشر مكلفون وقد صح انهم لم يصيروا مكلفين، الا لغرض. والغرض الذي لاجله
~~كلفوا الثواب الذي اذا وصلوا إليه رفع عنهم التكاليف.
# فاذا سألنا سائل وقال: كيف يكون حال انتقال الجن الى درجة الملائكة؟ قلنا له:
# ان مثل الجن بالفعل كمثل الفرخ الذي يريد الشجرة من بعيد فيشتاق الى
~~الطيران، والوقوع على راسها، فلا يطيق ذلك في تلك الحال، الى ان يتغذى بمن
~~يولد منه، الى ان يتهيأ له الطيران، والوقوع على راسها، وكذلك يتهيأ للجن
~~النظر الى الفلك المستقيم، وفلك البروج اللذان هما محيطان على السموات السبع
~~والارضين السبع، ومكان الملائكة بهما الا انه لا يتهيأ لهم الصعود إليهم
~~فيغتذون بالعلوم الإلهية الربانية من اتصال الملائكة بهم الى ان يتهيأ لهم
~~بذلك الانتقال الى مرتبة الملائكة وان لم يتغذوا بالعلوم الالهية صاروا عند
~~النفخة الاولى أبالسة معاقبين بين النيران السبع، وذلك لان انتقالاتهم على
~~نوعين: اما ان يكونوا مثابين او معاقبين، وكذلك انتقال الانس بالقوة على
~~نوعين أيضا.
# واما انتقال الملائكة فهو على نوع واحد، وانما نشرح ذلك فنقول:
# ان الانس بالقوة يطيعون ويعصون، والعاصي منهم يصير شيطانا مستحقا للعقاب
~~بعد فساد قالبه (1)، والمطيع منهم يصير جنيا مستحقا للثواب بعد فساد
~~جثته، وكذلك بين الله موتهم على نوعين: احدهما قوله: @QUR32.11@013 - قل
~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون فملك الموت هاهنا دليل
~~على القاعدين على كراسي الأوصياء والائمة والآخذين بما ليس لهم به
~~حق، ولقبوا بملك الموت من
PageV01P042
# حيث انهم يميتون من اتبعهم على ضلالهم، وهذا الموت لا يرجى بعده حياة،
~~والنوع الثاني قوله: @QUR6.61@018 وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة
~~حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون يعني النطقاء والاسس
~~والائمة، وانما نسب الله عز وجل قبض أرواحهم الى رسله، لانهم خرجوا من هذا
~~العالم على دينهم، فالرسل اضداد ملك الموت كما ان اهل الباطن اضداد اهل
~~الظاهر، وقد قال عز وجل: @QUR8.24@022 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله
~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه
~~إليه تحشرون- فالرسل تحي ولا تميت، ورؤساء الضلالة تميت ولا تحي، وان الله عز
~~وجل اجرى على صور المؤمنين الذين فارقوا قوالبهم في دور آدم عند انقضائه
~~وظهور نوح بالنفخة الاولى حتى وصلوا بذلك الى درجة الملائكة.
# وان كل واحد من الائمة الستة في دور آدم قام نوح مقام درجة من الدرجات
~~الستة في الصورة الجسمانية التي هي الخلق الآخر، وآن آدم وشيث قاما مقام
~~الأبوين، والنطفة اغتذت من لطائف الاغذية حتى استحالت علقة، الى ان يتهيأ
~~ظهور من هو أفضل منه وهو ابراهيم، وان كل واحد من الائمة الستة في دور نوح
~~قام لابراهيم مقام درجة من الدرجات الستة في الصورة الجسمانية، كذلك الصور
~~الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور ابراهيم قامت له مقام الاغذية
~~اللطيفة (1) في الصورة الجسمانية، الى ان تهيأ ظهور من هو افضل من ابراهيم
~~وهو موسى، وصار الذين لم يطلبوا العلم في دوره، ولم يتعلموه معاقبين، وان
~~هؤلاء المؤمنين وان قاموا لابراهيم مقام الاغذية في الصورة الجسمانية، فان
~~كل واحد منهم قد قام بصورته البسيطة مهيأ لقبول العالم العلوي منتظرا
~~للنفحتين، وان الله اجرى على صورهم عند انقضاء دور ابراهيم وظهور موسى في
~~النفخة الاولى حتى وصلوا الى درجة الملائكة.
PageV01P043
# وكل واحد من الأئمة الستة في دور ابراهيم قام لموسى مقام درجة من الدرجات
~~الستة في الصورة الجسمانية، وموسى مقابل المضغة والمضغة اغتذت من لطائف
~~الاغذية حتى استحالت عظاما، وصارت كثائف الاغذية اقذارا، كذلك الصورة
~~الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور موسى قامت لموسى مقام الاغذية
~~اللطيفة للمضغة منهم، الى ان تهيأ ظهور من هو افضل من موسى، وهو عيسى فصار
~~الذين لم يطلبوا العلم في دوره معاقبين كالكثائف والاقذار، وان هؤلاء
~~المؤمنين وان قاموا لموسى مقام الاغذية اللطيفة للمضغة.
# فان كل واحد منهم قد قام بصورته البسيطة (1) مهيأ لقبول آثار العالم
~~العلوي منتظرا للنفختين، وأجرى الله على صورهم عند انقضاء دور موسى وظهور
~~عيسى النفخة الاولى، حتى وصلوا بذلك الى درجة الملائكة.
# وكما ان المضغة اول ما تحركت في بطن الانثى من الدرجات، كذلك موسى اول من
~~حارب وقاتل وقتل من الرسل، وان كل واحد من الائمة الستة في دور موسى قام
~~لعيسى مقام درجة من الدرجات الستة الجسمانية، وعيسى مقام العظام، والعظام
~~اغتذت من لطائف الاغذية حتى اكتسب باللحم، وصارت كثائف الاغذية اقذارا، كذلك
~~الصورة الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور عيسى، قامت لعيسى مقام
~~الاغذية اللطيفة للعظام الى ان تهيأ ظهور من هو افضل من عيسى، وهو
~~محمد (صلعم)، فصار الذين لم يطلبوا العلم في دوره معاقبين كالاقذار، وان هؤلاء
~~المؤمنين وان قاموا لعيسى مقام الاغذية اللطيفة للعظام، فان كل واحد منهم قد
~~قام بصورة الجنية بالفعل مهيأ لقبول آثار العالم العلوي منتظرا
~~للنفختين، وأجرى الله على صورهم عند انقضاء دور عيسى وظهور محمد النفخة
~~الاولى حتى وصلوا بذلك الى درجة الملائكة.
# وان كل واحد من الائمة الستة في دور عيسى قام لمحمد مقام درجة من الدرجات
~~الستة في الصورة الجسمانية، ومحمد مقابل اللحم، واللحم اغتذت من لطائف
~~الاغذية حتى صاروا خلقا آخرا تاما مهيأ لقبول آثار العالم السفلي، وصارت
~~كثائف الاغذية اقذارا
PageV01P044
# كذلك الصورة الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في دور محمد، قامت لمحمد
~~مقام الاغذية اللطيفة للحم، الى ان تهيأ ظهور من هو افضل وهو القائم، فصار
~~الذين لم يطلبوا العلم في دوره معاقبين كالاقذار، وان هؤلاء المؤمنين، وان
~~قاموا لمحمد مقام الأغذية اللطيفة للحم، فان كل واحد منهم قد قام بصورته
~~البسيطة مهيأ لقبول آثار العالم العلوي منتظرا للنفختين، واجرى الله على
~~صورهم عند انقضاء دور محمد وظهور القائم في العالم السفلي النفخة
~~الاولى، حتى وصلوا بذلك الى درجات الملائكة.
# وان كل واحد من الائمة الستة في دور محمد قام للقائم مقابل الدرجات الستة
~~في الصورة الجسمانية، والقائم مقابل الخلق الآخر التام، الا انه لم يستغني عن
~~الأغذية الروحانية التي يتهيأ له بها الوصول الى المرتبة القائمية
~~بالفعل، كما لم يستغني من قبله من النطقاء عن ذلك، والخلق الآخر لما خرج من
~~بطن أمه، واغتذى بلطائف الاغذية الى ان صار ناطقا عالما عاقلا وصارت كتائف
~~الاغذية مطروحة من خارج، كذلك الصور الروحانية التي فارقت قوالب المؤمنين في
~~دور القائم بعد خروجه من هذا العالم السفلي، قامت له مقام الأغذية اللطيفة
~~(1) للخلق الآخر الى ان يبلغ القائم مرتبة القائمية حتى يتهيأ له بذلك
~~الظهور بهويته البسيطة، والتأييد لخليفته الظاهر بهويته الكثيفة، فلهذه العلة
~~وجب المكث طوال المدة التي تقوم بهويته البسيطة بعد انقضاء دور ازمنة
~~خلفاءه السبعة، وصار الذين لم يطلبوا العلم في دور القائم معاقبين كالكثائف
~~والاقذار (2)، وان هؤلاء المؤمنين وان قاموا للقائم مقام الاغذية اللطيفة
~~للخلق الآخر، فان كل واحد منهم قد قام بصورته الجنية فكان مهيأ لقبول آثار
~~العالم العلوي منتظرا للنفختين، فيجري الله على صورهم بواسطة القائم عند
~~ظهوره بهويته البسيطة النفخة الاولى، حتى يصلوا بذلك الى درجات الملائكة.
# ثم يمد القائم بما يمده الباري تعالى بواسطة العقل جميع صور الملائكة، وهم
~~الذين فارقوا قوالبهم من لدن آدم الى يوم القيامة كلها بالنفخة الثانية، وهي
~~المادة المقدرة من الله تعالى للانس باظهارها منه، فيقبل كل واحد منهم من
~~مادة النضج على مقدار تهيئته
PageV01P045
# وطاقته فيصيرون انسانا بالفعل، ويصلون الى مراتب اهل الجنة فيتنعمون بما
~~لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فثبت بما بيناه ان النفخة
~~الاولى تكون عند انقضاء كل دور، ولكي يصل كل مؤمن صار في ذلك الدور جنيا
~~بالفعل الى مرتبة الملائكة بالفعل، والنفخة الثانية تكون عند انقضاء الكور
~~العظيم الذي هو مجمع دور الرسل، وعند هذه النفخة يصير كل مؤمن في ذلك الكور
~~ملكا بالفعل، وانسانا بالفعل، فيدخل الجنة بغير حساب، كذلك اثر النفخ في رءوس
~~الاكوار دون غيرهم بدلالة قوله تعالى: @QUR15.28@022 وإذ قال ربك للملائكة
~~إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا
~~له ساجدين وقوله أيضا: @QUR66.12@018 ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها
~~فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين فالنفخ هو
~~الاقرار الثاني، ويكون عند انتهاء الدور، وفي الكور الماضي ابتداء الكور
~~المستقبل، ولا يتهيأ لمن دونهما من الجسمانيين قبول النفخ بعجزهم عن
~~النهي، لقبوله، وفيما هو مذكور في كتاب «البرهان» عن كيفية هذا النفخ غنى عن
~~اعادته.
# وان كان كل واحد من الخلفاء الستة في دور القائم للمهدي الذي هو خليفة
~~القائم مقام درجة من الدرجات الستة للصورة الجسمانية.
# فان قال قائل لما قلت ان النفخة اثنتان مع اقرار كتمان احدهما سبع مرات
~~في آخر كل دور مرة واحدة؟ قلنا: وان كل واحد من الانس بالقوة لا تجري عليه
~~النفخة الا مرة واحدة عند نسخ الشريعة الاولى وتجديد شريعة الناسخ لها
~~بواسطة الوحي، فلذلك قلنا ان النفخة اثنتان: احدهما عند ولادته الروحانية
~~بقالبه في العالم الجسماني، والثاني عند بروزه من البرزخ بصورته
~~اللطيفة، ووصوله الى اعلى الفلك المستقيم معدن الملائكة، ومثال ذلك ان الموت
~~واحد، والنفخة الاولى واحدة، والنفخة الثانية واحدة، وانما قلنا ان الموت
~~واحد، لان كل واحد من الاحياء الجسمانية لا يذوقه الا مرة واحدة، وكذلك قال
~~تعالى: @QUR44.56@011 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب
~~الجحيم . وكذلك الجن بالفعل الذي لا تجري عليهم النفخة الاولى، الا مرة واحدة
PageV01P046
# وكذلك الملائكة بالفعل لا تجري عليهم النفخة الثانية الا مرة
~~واحدة، فالموت مقابل الظاهر، والنفخة مقابل الباطن، فلذلك كان الموت على
~~الاجسام، والنفخ على الارواح، لان الجسم ظاهر، والروح باطن، وكما ان المؤمن
~~واقف على الظاهر والباطن، كذلك الموت والنفخ جاريان عليه كلهما، وكما ان
~~المسلم واقف على الظاهر دون الباطن، كذلك الموت جاري عليه، دون النفخة، وكما
~~ان الموت واحد، والنفخة اثنتان كذلك الظاهر شيء واحد، وهو الشريعة والباطن
~~شيئان، تأويل وتأييد، ووجه آخر هو ان المؤمن واقف على شيئين ظاهر
~~وباطن، والمسلم واقف على شيء واحد وهو الظاهر المحض، والناس في حضور الموت
~~متفاوتون في الاوقات، مختلفون لانهم لا يموتون في وقت واحد، وكذلك القشرية
~~في أديانهم ومذاهبهم متفاوتون مختلفون، ومن هاهنا كان الأذان دليل على دعوة
~~الظاهر، لان الناس في صلواتهم مختلفون متفاوتون في القيام والركوع والسجود
~~والتشهد، والناس في النفخة مؤتلفون متفقون، لان انتقالهم من الدرجة السفلى
~~الى الدرجة العليا عند النفخ تكون في وقت واحد عند انقضاء كل دور، كذلك
~~الأنبياء في مذاهبهم متفقون لاختلاف بينهم، ومن هاهنا كانت الإقامة دليل على
~~دعوة الباطن، لان الناس في صلواتهم متفقون في القيام والركوع والسجود
~~والجلوس، وكما ان الموت يوجب العقاب كذلك الظاهر يوجب العقاب، وكذلك الآذان
~~يوجب التطوع، الا ترى ان من لم يعرف التأويل استحق العقاب، وكما ان النفخة
~~توجب الثواب، كذلك الباطن يوجب الثواب، وكذلك الإقامة توجب الصلاة المفروضة
~~التي من اتاها ووقف على باطنها استحق الثواب وكذلك، كما ان الموت قبل النفخة
~~هو الوقوف على الظاهر، اي قبل الوقوف على الباطن، وكذلك الأذان قبل
~~الإقامة، وكما ان النفخة الاولى التي بعد الموت هو فساد القوالب وكان ذلك
~~سبع مرات كل واحدة منها في آخر كل دور من الادوار السبعة، وكذلك الآذان
~~والاقامة جاءا في سبع مواضع، احدهما في وسط الخطوط في الصحارى وهو مقابل
~~الدعوة الى الظاهر والباطن في دور آدم وموت اهله ونفحتهم، والثاني محاريب
~~(1) البيوت، وهي مقابل الدعوة الى الظاهر والباطن في دور نوح وموت
PageV01P047
# اهله ونفختهم، والثالث المساجد مقابل الدعوة في دور ابراهيم الى الظاهر
~~والباطن وموت اهله ونفختهم، والرابع في المسجد الجامع، وهو مقابل الدعوة في
~~دور موسى ما قد بيناه وقدمنا ذكره، والخامس في مسجد المدينة وهو مقابل
~~الدعوة في دور عيسى الى ما قد بيناه، والسادس في البيت الحرام وهو مقابل
~~الدعوة في دور محمد (صلعم الى ما حكيناه، والسابع في بيت المقدس الذي هو
~~المسجد الاقصى الذي بارك الله ؟؟؟ حيث قال: @QUR17.1@022 سبحان الذي أسرى
~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من
~~آياتنا إنه هو السميع البصير وهو مقابل الدعوة في دور القائم، ونفخته الاولى
~~والاخرى اللتان يكونان في آخر الدور والكور، ولذلك كان لهذا المسجد اسمان
~~احدهما بيت المقدس وهو مقابل النفخة الاولى، يعني ان من اجرى الله عليه
~~النفخة الاولى فقد قدسه من جميع الشبهات والعيوب والنقصان، والاسم الثاني
~~المسجد الاقصى وهو مقابل النفخة الثانية يعني من اجرى الله عليه النفخة
~~الثانية فقد بلغ درجة قصوى من مراده، وانتهى الى الغاية التي لا فناء بعدها
~~ولا استحالة، ومن هاهنا قال (صلعم): الناس يحشرون الى بيت المقدس ونحن نجعل
~~الآن كل واحد من النطقاء السبعة مقابل درجة من الدرجات السبعة من الصورة
~~الجسدانية، فنقول:
# ان آدم مقابل المعادن، فلذلك امر باستخراج الجواهر المنعقدة والذائبة من
~~معادنها، وعلم امته كيف استنباط المياه من الآبار، وجريها من العيون، وعلامات
~~ذلك ان اللعابين الذين يلعبان بالحجارة المسماة من ثلاثمائة واثنى عشر بابا
~~احدث في دوره.
# ونوح مقابل النبات، فلذلك أمر امته بغرس الاشجار، وزراعة الحبوب، وحصادها،
~~ودرسها، وطحنها، وخبزها، وعلمهم تنجير السفن، وسوقها في المياه، وأوقفهم على حرف
~~النجارة، وعلامات ذلك ان اللاعبين الذين يلعبون بالخشب النباتي المسمى
~~الزروة والشطرنج احدث في دوره.
# وابراهيم مقابل الحيوان الخرس الذي يؤكل لحمها، فلذلك امر امته بذبح
~~القرابين، واكل اللحوم من الشاة وغيرها من الحيوان الخرس التي يؤكل
~~لحمها، وعلامات ذلك ان
PageV01P048
# المزهر والطنبور اللذان لا يتم طربهما الا بامعاء الحيوان وقد احدث في
~~دوره، وكما انه ليس للمعادن والنبات صوت، والبهائم الخرس ذوات أصوات
~~مختلفة، كذلك ليس للملاعب التي سميناها في دور آدم ونوح صوت، والمزهر
~~والطنبور لهم أصوات مختلفة.
# وموسى مقابل البشر فلذلك امر امته بالختان، وقتل من خالفه منهم، وأمر بقطع
~~يد السارق، ورجم الزاني، وحد القاذف، وقتل القاتل، وكما ان آدم امر بتخريج
~~المعادن التي هي مقابلته، والانتفاع منها، ونوح أمر بغرس الاشجار
~~والنبات، والانتفاع منه لانه مقابله، وابراهيم أمر بذبح من هو مقابله من
~~الحيوان الخرس والانتفاع بلحمه وجلده، كذلك موسى اجرى القطع والرجم والقتل
~~والحد على البشر الذي هو مقابله ليكون ذلك من فعل الحيوانات على الحكماء
~~والعلماء، وذلك ان الاغاني والأنوالات (1) والنايات احدثوا في دوره، وكما ان
~~البشر لم يتميزوا عن سائر الحيوان الاخرس الا بكلامهم المؤلف بالحروف.
# وعيسى مقابل الجن، فلذلك كان جمع أقاويله اقرب الى الباطن والبيان من سائر
~~اقاويل امثاله، وعلامات ذلك ان الصيد في البازات والصقور، والضرب بالصولجاناة
~~والاكراة، وكل ذلك احدث في دوره، وكما ان الجن يترددون بين السماء
~~والارض، كذلك البازات والصقور في وقت الصيد، والاكراة للعب يترددون بين
~~السماء والارض معا.
# ومحمد (صلعم) مقابل الملائكة، فلذلك ساواه الله مع الملائكة الذين لا يعصون
~~الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون حيث قال: @QUR48.1@06 إنا فتحنا لك فتحا
~~مبينا @QUR48.2@ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك
~~ويهديك صراطا مستقيما
، وعلامات ذلك ان العالم صار في دوره افشى منها، وأكثر منها في ادوار سائر
~~النطقاء، وانه عرج به الى السماء ليلة المعراج، تشبها بالملائكة والقائم سلام
~~الله على ذكره مقابل الانس بالفعل الذين هم اهل الجنة، فلذلك صار كل من آمن
~~به، ووقف على تأويله، مستحقا للثواب في الجنة والتنعم بها، وعلامات ذلك ان
~~المثابين كلهم يصيرون مؤيدين يوم ظهوره بهويته البسيطة.
PageV01P049
# فان قال قائل لما ذا احل ابراهيم ذبح الحيوانات الخرس وايلامها واكل
~~لحمها كما ذكرته، قلنا له: لان القوة الروحانية مستجنة في المتولدات التي هي
~~المعادن والنبات والحيوانات الخرس والبشر والجن، والملائكة جعلت المتولدات
~~لذاتها كالمصافي، وذلك ؟؟؟؟؟ لم تتكامل في المعادن فجاوزتها الى النبات، فبقي
~~منها في المعادن الصفاء واللون، وقد ذكرنا ما بقي من آثار هذه القوة
~~الروحانية في كل واحد من المتولدات فيما تقدم، ومثل هذا كمثل رجل صب الخمرة
~~في البئر بواسطة المصافي، فهو وان جاوزها الى البئر ؟؟؟؟؟ بد من بقاء
~~رائحتها (1) ورطوبتها في المصافي، فلذلك تبقى هذه القوة الروحانية وان جاوزت
~~جميع المتولدات على قدر قبوله، وقد قلنا ان هذه القوة الروحانية، تبقى وان
~~جاوزت جميع المتولدات على قدر قبوله، وقد قلنا ان هذه القوة الروحانية، تبقى
~~وان جاوزت جميع المتولدات الى ؟؟؟؟؟ الاعلى، فقد بقي من آثارها في كل واحد
~~من المتولدات على قدر قبوله، وقد قلنا أيضا ان هذه القوة الروحانية لم
~~تتكامل في المعادن، فجاوزتها الى النبات، ثم ان النبات اذا اكله الحيوان
~~استحالت لطافته في صلبه نطفة، فتنتقل من درجة النباتية الى درجة
~~الحيوانية، ثم ان الحيوان الاخرس اذا ذبحه البشر واكله واستحالت لطافة لحمه
~~في صلبه نطفة أيضا، فينتقل بذلك الانتقال من درجة البهيمية الى درجة
~~البشرية، ثم ان البشر اذا ما ذبحه الجني بالقوة باسم المؤيد الذي هو الجني
~~بالفعل، يعني اخذ عليه العهد وأكل لحمه يعني فاتحه بالبيان، وقد استحالت
~~لطافة علومه مع سائر ارواحه الى الصور الروحانية، فتنتقل بعد فساد قالبه
~~بذلك من درجة البشر الى درجة الجن، وكما؟؟؟ الحيوان الاخرس اذا اكله امثاله
~~من السباع لا يمكنه الوصول الى درجة البشر، بل يؤ؟؟؟ ويعذب بلا فائدة، كذلك
~~البشر اذا فاتح امثاله من القشرية لا يتهيأ له الوصول ؟؟؟؟؟ درجة الجن، بل
~~يؤلم ويعذب بعد فساد قالبه، وكما ان السباع يأكلون امثالهم من الحيوانات
~~الخرس بلا ذبح، كذلك الظاهريون يفاتحون امثالهم من البشر بلا اخذ عهد وكما
~~ان غير المذبوح من الحيوانات الخرس ميتة، كذلك غير المعهود عليه من البشر؟؟؟
PageV01P050
# ميتة، وكما ان الميت من الحيوان الخرس لا يجوز اكله، كذلك الميت من البشر
~~لا تجوز مفاتحته، وقد ثبت ان مثل الميت كمثل الرماد الذي اذا مسته نارا
~~خارجة منه لم يتوقد، ومثل المذبوح كمثل الجمر الذي صفى، فصار فحما؛ فإذا مسته
~~النار استوقد، والنار هاهنا دليل على الروح الحسية، والمذبوح من السباع
~~والميت منها حرام، لانه لو كان حلالا لدخل الفساد في المراتب السبع وفيه ما
~~فيه، وكما ان اكل اللحوم من الحيوان الذي يأكل اللحم حرام، كذلك لبس جلود
~~الحيوان الذي يأكل اللحم حرام أيضا لهذه العلة، وكما ان إماتة من عصى رئيسه
~~او ضربه، وقتل امثاله من الحيوان الناطق واجبة في العقل والشريعة معا، كذلك
~~الأمر في الحيوان، وكما ان قطع الجوارح من الانسان وكيها بالنار وإيلامها
~~بالفصد والحجامة، وتعذيبها بالادوية الكثيرة لصحة فانية وحياة زائلة لا
~~يستقبح في العقل بل يحمد، كذلك ذبح الحيوانات الخرس وإيلامه بوصول لطافة
~~لحومه الى مرتبة البشر التي من وصل إليها يمكنه الوصول الى الصحة الباقية
~~(1) والحياة الخالدة (2)، أو لا يستقبح في العقل، ولا يستقبح في الدين، وكما
~~ان معذب جسده لصحة فانية، وحياة زائلة وان كان شك في وجودهما عند ذلك
~~الفعل، عاقلا لا يوصف بالجهل، ولا يذم بفعله، كذلك مؤلم الحيوان الخرس للصحة
~~الباقية، والحياة الخالدة، وان كان شاكا في وصوله إليهما عاقلا لا يوصف
~~بالجهل، ولا يذم بفعله، وكما ان الجواهر اللطيفة المستجنة في المعادن لا
~~يستقبح اخراجها بانواع الشدة وأجناس الحيل، كذلك لا يستقبح اخراج اللطافة
~~المستجنة في الحيوان الخرس بأنواع الشدة وأصناف الحيل.
# ثم ان الجن بالفعل اذا استفادوا من الملائكة بالفعل علومهم امكنهم عند
~~النفخة الاولى الوصول الى مراتبهم كذلك الملائكة بالفعل عند النفخة الثانية
~~يوم ظهور القائم (صلعم) بهويته البسيطة، يدخلون الجنة بغير حساب، ويصيرون
~~انسانا بالفعل، وذلك اليوم الذي ذكره الله تعالى بقوله: @QUR78.38@015 يوم
~~يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا يعني
~~القائم بهويته البسيطة،
PageV01P051
# والملائكة صفا يعني الملائكة الذين يستمدون من النفخة الثانية المادة
~~التي قدرها الله تعالى باظهارها من القائم، ومما يؤكد ما قلناه قول الحكيم
~~الصادق أعلى الله درجته في كتاب «المحصول» حيث فسر قوله تعالى @QUR89.22@06
~~وجاء ربك والملك صفا صفا يعني كل صنف من الملائكة بمعزل على حدة وقت النفخة
~~الثانية كما كانوا في هذا العالم السفلي على مراتب، كذلك يكون النشور صنفا
~~منهم رسلا، وصنفا اسسا، وصنفا ائمة، وصنفا لواحقا، وصنفا اجنحة، وصنفا
~~مستجيبين، وان كل من فارق هذا العالم يكون قراره في عالم النفس وكل واحد
~~يستقر عند صاحبه، فيكون اجتماع الرسل في جوار النفس وعندها، واجتماع الاسس
~~والأئمة عند رسل أدوارهم، واجتماع اللواحق عند امام زمانهم، واجتماع الأجنحة
~~عند لاحق جزيرتهم، واجتماع المستجيبين عند جناحهم، وكل صنف منهم صنف على
~~حدة، وامام الجميع القائم سلام الله على ذكره.
# وقال الحكيم الفاضل أيضا في كتاب «المحصول»: لو كانت الملائكة على هذه
~~الحال التي هي ولم تستمد من حيث كان كونها منه، لم تكن تظهر، لكن ظهورها
~~وإيجادها النفخ بها معلوم معدود، فعند بلوغها اجلها تظهر كما تظهر الصورة
~~المركبة في الولادة اذا تم الاجل المقدر لها، فدلت هذه الشهادة، على ان
~~الحكيم الصادق اعلى الله درجته، جعل الملائكة بالعقل من الصور التي بعد
~~النفخة الثانية مقابل اللحم من الصورة المركبة، وإقامة الصورة المركبة بعد
~~الولادة مقام الصورة الروحانية التامة بعد النفخة، ثم نرجع الى ما كنا
~~فيه، فنقول: ان الدرجات الثلاثة التي هي المعادن والنبات والحيوانات
~~الخرس، لما كانت طبيعية جبرية كذلك كان وصولها الى درجة البشر على جهة الجبر
~~والإيلام، فكما ان الانس بالقوة والجن والملائكة نفسانيون اختياريون كذلك
~~كان وصولهم الى الدرجة الانسية بالفعل اختياريا، وكما ان الانس بالفعل على
~~جهة الاختيار والتنعيم (1)، الا ان انتقال الانس بالقوة ممتزج من
~~بينهم، لانهم في آخر درجة من جهة، وفي أولها من جهة.
PageV01P052
# فان قال قائل: لم لم تشبه كل واحدة من هذه الدرجات السبع من الصورة
~~الروحانية صاحبتها قلنا له كما ان النطفة الواقعة في بعض الحيوان لم تشبه
~~الحي الذي منه وقعت الا في الحالة السابعة، كذلك القوة الروحانية المتولدة
~~من العقل والنفس لا ترجع إليها بالمشاكلة والتشبيه الا في الحالة
~~السابعة، ومثل ذلك موجود في كل شيء حتى النبات، وذلك ان النواة اذا زرعت في
~~الارض واستفادت من القوة النامية عند فساد جسمها، فأول شيء يبني منها
~~عروقها المستورة في الارض، ثم يتبين من العروق ساقها، وهو الطف من العروق، ثم
~~يتولد من الساق اغصانها، وهي الطف من الساق، ثم يتولد من الاغصان أوراقها، وهي
~~الطف من الاغصان، ثم يتولد من الاوراق اورادها، وهي الطف من الاوراق ثم يعقد
~~من الورود اثمارها، وهي الطف من الورود، ثم تبين في جوف الثمرة نواة تشبه
~~بالنواة التي تولد منها جميع ما سميناه أولا، ثم ان لبها الطف من
~~الجميع، فشبهنا النواة ولبها بالعقل والنفس، من الصورة الروحانية، وبالذكر
~~والانثى من الصورة الجسدانية، وشبهنا العروق بالمعدن من الصورة
~~الروحانية، وبالسلالة من الصورة الجسدانية، وشبهنا الساق بالنبات من الصورة
~~الروحانية، وبالنطفة من الصورة الجسدانية، وشبهنا الاوراق بالبشر من الصورة
~~الروحانية، وبالمضغة من الصورة الجسدانية، وشبهنا الاوراد بالجن من الصورة
~~الروحانية، وبالعظام من الصورة الجسدانية، وشبهنا الثمار بالملائكة من الصورة
~~الروحانية، وباللحم من الصورة الجسدانية، وشبهنا النواة المستورة في جوف
~~الثمرة بالصورة الروحانية، الشبيه بأبويها الذين هما العقل والنفس، وبالصورة
~~الجسدانية الشبيه بأبويها الذكر والانثى، فلما لم تشبه كل درجة من الدرجات
~~السبع النباتية صاحبتها، ولا اصلها الذي كان يولد جميعها منه، الا في آخر
~~الامر من الدرجات السبع، التي هي الصورة الجسدانية، ولا أبويها الذين كانوا
~~تولدوا جميعهم منها، الا في آخر الامر، علما بذلك ان كل درجة من الدرجات
~~السبع، التي هي الصورة الروحانية لا تشبه صاحبتها ولا أبويها الذين كان
~~تولدها جميعها منهم الا في عاقبة الامر، وكما ان كل درجة تأخر تولدها من
~~الدرجات النباتية كانت الطف من الذي تقدم تولدها، وكل درجة تأخر استحالتها
~~من الدرجات التي هي الصورة الجسدانية كانت الطف من
PageV01P053
# التي تقدمت استحالتها، كذلك كل درجة تأخر كونها من الدرجات التي هي الصورة
~~الروحانية، كانت الطف وأعلى مرتبة من التي تقدم كونها.
# فان سألنا سائل عن كيفية صور الملائكة والجن والانس بالفعل، وجواهرهم، قلنا
~~له لا بد لهذا الجواب من مقدمات تقربها الى افهام المستجيبين وتقررها في
~~افهام الباحثين، وذلك انه لا بد لكل شيء من طرفين وواسطة، فصورة المعادن التي
~~هي اسفل المتولدات وأولها تولدت من الطبائع الاربع، وليس فيها من القوى
~~اللطيفة شيء بالحقيقة الا آثارها، والطرف السفلي منها في الاطيان والرمال
~~والأكلاس (1)، وهي موات ليس فيها من آثار القوى اللطيفة شيء وأوسطها
~~الاحجار المنتقلة من نوع الى نوع في الالوف من السنين، والطرف الاعلى منها
~~هي الجواهر المذابة المنتقلة أيضا من نوع الى نوع، وقد اثرت فيها القوة
~~النامية فصارت لها زامة، والجواهر المذابة تزيد في الدهر المديد والزمان
~~الطويل، وقد روي عن جالينوس انه امتحن ذلك فوضع في بعض البيوت متاعا من
~~الاسرب وهو الرصاص الاسود فوجده قد زاد على الدهر زيادة، وان جالينوس هذا
~~اغتنم ذلك ليقنع به قوما على حدوث شيء لا من شيء فسألهم جميعا عما سبب تلك
~~الزيادة؟ يروم بذلك اقناعهم انه قد يجوز ان يحدث شيء لا من شيء فكان
~~يمتحنهم بذلك وكل من اقتنع بذلك علم ان جالينوس غير متهيأ لقبول
~~الحكمة، وانه ليس من اهلها، وكل من لم يقتنع بذلك وطلب تلك الزيادة سببا
~~ومادة، وعلم انه مستأهل لوضع الحكمة عنده، فأخبره عن كيفيتها وكميتها
~~وتأويلها، ومما يؤكد ما قلناه ان في الاحجار شيء يسمى سد، وانه ينبت شبه
~~النبات وينمو ويزيد، فاذا حصل يصير حجرا احمرا وقد ذكر «محمد بن زكريا
~~الرازي» في كتاب «الخواص» انه رأى حجرا يشبه النارجيل فيه ثقب، وفي جوفه حجر
~~يتحرك كما يتحرك لب النارجيلة في جوفها، فجميع ما ذكرناه دلائل على القوة
~~النامية، وقد اثرت في الطرف الاعلى من المعادن، وفيما ذكره الحكيم الصادق
~~اعلى الله ذكره في كتاب «المحصول» من مراتب هذه القوى والارواح غنى عن اعادة
~~ذكره ثانيا في هذا الكتاب.
PageV01P054
# ثم ان القوة النامية المؤثرة في الطرف الاعلى من المعادن صارت روحا للطرف
~~الاسفل من النبات والحشيش، وواسطة الحبوب، وطرفه الاعلى هو الاشجار الفاسدة
~~في روحه النامية والقوة الحسية، فصارت لها زامة فمن هاهنا قال الحكيم الصادق
~~في كتاب «المحصول» ان خشب الخلق اذا ما انشق نصفين في وقت رطوبته ايام
~~الربيع، ووضع بعضه من بعض على بعد شبر، وخليناه اياما، ينضم احدهما الى
~~الآخر، فلو لا ان القوة الحسية قد أثرت فيه، فلا معنى اذا لحركته، ومما يشبه
~~هذا ما ذكره أيضا «محمد ابن زكريا الرازي» في كتاب «الخواص» انه سار على الساحل
~~فرأى شيئا ينبت مثل الصدف، وفي جوفه حيوانة تشبه الديدان، ومما يزيد قولنا
~~تأكيدا تولد البعوض من الاشجار الشيم، والخلف والفرصاد، وتولد الذباب من
~~المروج والغياض، وتولد العقارب من البازروج الممضوغ، وذلك ان البازروج اذا
~~مضغ في تموز، ووضع تحت اللبة او الاجرة اياما تولدت منه العقارب، وكذلك تولد
~~الديدان في التفاح والمشمش والسفرجل وسائر الفواكه، وكذلك تولد بعض الحيات
~~والضفادع في الطحالب، ويولد السوس من الحبوب، ويولد دود القز من ورق
~~الفرصاد، ثم ينتقل من الدودية الى الطيورية (1)، وتولد الطيور من
~~العدس، وكذلك اذا نظرنا في امور الهوام والحشرات والخنافس والجعلان وما اشبه
~~ذلك، واذا فتشنا عن حقائقها في كتب الحكمة والطب وجدنا تولدها وأبا لها من
~~النبات والاشجار ففي ذلك اعظم الدلائل على ان القوة الحسية قد اثرت في بعض
~~النبات كتأثير القوة النامية في بعض المعادن، فصورت النبات من الطبائع
~~الاربع، وروحه من القوة النامية.
# ثم ان القوة الحسية المؤثرة في الطرف الاعلى من النبات صارت روحا للطرف
~~الاسفل من الحيوان الاخرس، وصورة الحيوان الاخرس من الطبائع الاربع، والقوة
~~النامية، وروحه الحسية، لان بالروح يتبين الشيء من خلافه وضده، وبها يظهر
~~شرفه على ما دونه، كما ان فضل النبات على المعادن لم يتبين الا بروحه
~~النامية، وفضل الحيوان الاخرس على النبات لم يظهر الا بروحه الناطقة، والطرف
~~السفلي من الحيوان الاخرس، وهي
PageV01P055
# البهائم والسباع، وواسطة السباحات، وطرفه الاعلى هي الطيور، فأثرت فيه روحه
~~الحسية القوة الناطقة فصارت لها زامة، ومعنى القوة الناطقة قبول التعليم لأي
~~شيء كان نطق او غيره، ومن هاهنا وجب انه لم ينطق من أنواع الحيوان الخرس
~~شيء، الا من نوع الطيور، ولم يقبل التعليم من اجناس الحيوان الغير ناطق اكثر
~~مما قبله جنس الطيور، وانك اذا نظرت الى احوال الطيور بعين الحقيقة والانصاف
~~وجدتها شبيهة بأحوال البشر الذي هو الحيوان الناطق، فمن ذلك ما يقبله الباز
~~والصقر والعقاب والشاهين والباشق وامثالهما من تعليم الصيد، ومن ذلك لعب
~~الحمامات وأمثالها، ونطق الببغاء والعقعق والزرياب (1) والدرج والمطوق
~~والقمري والشاري، فأما الببغاء والعقعق فانهما يتكلمان كلما تعلما من
~~الكلام، وأما الزرياب فانه يكون بالعراق، وأكثر كلامه: «ويحك يا نبطية طبختي
~~القنبضية»، واما الدرج فان اكثر كلامه «ببغداد قد طاب نبيذ الدفل» وفي جرجان
~~ان يقول: «بكركان خردي دروسي كرهكره بهما فتكن ديدي»، واما القمري فان اكثر
~~كلامه: «موسى شورى حي كل»، واما الشاري فانه يكون بالعراق، فأكثر كلامه ان
~~يقول: «يأتي النبي التقي وعلي التقي»، ومن ذلك بناء الخطاطيف والنحل (2)
~~والزنابير وان لها بيوتا تشبها بأبنية البشر، ومن ذلك ما رايت مع اعرابي جاء
~~من العراق الى خرسان ومعه غراب يفرش الفراش ويبسطه بمنقاره، ويخبئ له خبية
~~بين عشرين نفسا فيخرجها بإشارة صاحبه إليه من غير ان يفق على تلك الإشارة
~~احدا ممن في المجلس، ويركب الديك ويضربه بمنقاره ويسوقه كما يسوق الرجل
~~دابته، مما لم اراه بعيني من العجائب التي في الطيور، وسمعته اكثر من اطيق
~~وصفه في كتابي، هذا ومن ذلك ان الطيور تتزوج، ويحفظ الذكر ولده ويفديه لحفظ
~~انشاءه له، وتفديته اياه شبيها بالحيوان الناطق وسائر ذكور الحيوان الخرس لا
~~يفعلون ذلك، بل ليس لهم همة الا الفساد، وقد روي عن «محمد المكنى بابن جابر
~~السبع» اعجوبة: وذلك انه قال: رفعت بيضة من وكر اللقلق، ووضعت مكانها بيضة
~~بطة، فحضنها اللقلقان الذكر والانثى، احدهما بعد الآخر الى
PageV01P056
# ان اخرجوا منها الفرخ، فلما نظر الذكر منهما الى الفرخ طار وجاء ومعه بعد
~~هنيهة مقدار عشرة لقالق، فاحتاطوا باللقلقة الانثى وضربوها بمناقيرهم الى ان
~~قتلوها، قال ففسرت انهم ظنوا ان البط سفدها فلذلك قتلوها.
# ومن ذلك العلم الذي وصفه الحكماء مثل: بولس، واسكندريس الطلسمين،
~~وأرمينوس، ومقسيموس وغيرهم على جزر الطير دون سائر الحيوانات الخرس، وطلبوا
~~لأفعالهم تأويلا مثلما يطلب لأحلام البشر، وبينوا ان للطير ولكل جنس منها في
~~وقت وزمان تفسيرا وباطنا، وشرحوا لأصوات كل نوع منها بيانا وتأويلا، وأخرجوا
~~من ذلك أحكاما مثل احكام النجوم والافلاك، واستنبطوا منها علوما توازي علوم
~~المنجمين مثلا، وان هؤلاء الحكماء قد ذكروا في كتبهم ان هذا العلم علم
~~طباعي (1) لا علم نفساني، وذلك ان الطيور من الدرجات الطباعية، لا من الدرجات
~~النفسانية، ومن ذلك ان انتقالها من بدء كونها الى انتهائها شبيه بانتقال
~~البشر، لان انتقال البشر على أربعة اوجه: احدهم:
# صلب الذكر، ثم رحم الانثى، ثم الدنيا مع القالب، ثم بعد الموت بلا قالب، كذلك
~~انتقالات الطيور في أربعة أماكن من بين سائر الحيوانات الخرس، احدهم: صلب
~~الذكر، ثم بطن الانثى، ثم البيضة، ثم الدنيا، ومن ذلك انها استفادت زيادة في
~~اجسامها حتى طارت وبلغت ما لم يتهيأ لأحد من الجسمانيين بلوغه، وكما استفاد
~~البشر من العلوم التي تهيأ له بها الارتقاء الى درجة الخلود، ما عجز عنه
~~سائر الجسمانيين، وقد قرن الجسم بالعلم عند الفصل فقال: @QUR2.247@044 وقال
~~لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا
~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده
~~بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم . فمن هاهنا
~~ضرب الله اكثر الامثال على الطيور من بين سائر الحيوانات الخرس، ومن ذلك
~~قوله: @QUR2.26@013 إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما
~~فوقها، فأما
PageV01P057
# @QUR2.26@029 الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا
~~فيقولون ما ذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا، وما يضل به
~~إلا الفاسقين يعني فما فوقها من الطيور لان البعوضة من الطيور، وما فوقها
~~يكون من نوعها وقوله: @QUR5.31@027 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه
~~كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري
~~سوأة أخي فأصبح من النادمين وقوله: @QUR16.68@014 وأوحى ربك إلى النحل أن
~~اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون .
# وقوله: @QUR27.20@013 وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من
~~الغائبين . وقوله: @QUR35.1@025 الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل
~~الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله
~~على كل شيء قدير . وقوله: @QUR22.73@030 يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له
~~إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم
~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب . وقوله: @QUR3.49@046
~~ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين
~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي
~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية
~~لكم إن كنتم مؤمنين . وقوله: @QUR2.260@040 وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي
~~الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير
~~فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن
~~الله عزيز حكيم .
# وقوله: @QUR7.160@044 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى
~~إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم
~~كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من
~~طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
PageV01P058
# وقوله: @QUR7.160@044 وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى
~~إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم
~~كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من
~~طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
# ثم ان القوة الناطقة المؤثرة في الطرف الاعلى من الحيوانات الخرس صارت
~~زوجا للطرف الاسفل من البشر، فصورة البشر من الطبائع الاربع، والقوتين
~~النامية والحسية وروحهم القوة الناطقة، فالطرف الاسفل من البشر الاطفال
~~وواسطته المجانين وبعض القشرية دخلوا في جملتهم، ولذلك قال جعفر بن محمد
~~الصادق: الجنون فنون، وأهونه الصرع، وطرفه الاعلى المكلفون، فأثرت في روحه
~~الناطقة القوة العاقلة، فصارت لها زامة، ثم ان القوة العاقلة المؤثرة في
~~الطرف الاعلى من البشر صارت روحا للطرف الاسفل من الاحياء العاقلة، والأحياء
~~العاقلة، تخلصوا من كتائف الطبائع، الا انهم لم يتخلصوا من لطائفها، وكما ان
~~كل واحدة من الأرواح الاربعة التي هي النامية والحسية والناطقة والعاقلة
~~كانت اثرا في مفعوله، واحدى المتولدات الاربعة الجسمانية التي هي المعادن
~~والنبات والحيوانات الخرس والبشر، ثم قامت في المفاصل مقام الروح، كذلك
~~الطبائع الأربع قامت في كل واحد من المتولدات الاربعة الجسمانية التي هي
~~المعادن والنبات والحيوانات الخرس والبشر، ثم قامت في المفاصل مقام
~~الروح، وكذلك الطبائع الاربع قامت في كل واحد من المتولدات الأربعة في كل
~~ذلك مقام القالب، ثم صارت كل واحدة من المتولدات الأربع الروحانية التي هي
~~الشياطين والأبالسة والجن والملائكة اثرا، وكما ان قوى الارواح كانت اثرا
~~في المتولدات الطبيعية الاربعة في العالم السفلي، وقوالب المتولدات الاربعة
~~الروحانية في العالم العلوي، كذلك قوى الطبائع كانت آثارا في المتولدات
~~الروحانية الاربعة في العالم العلوي، وقوالب المتولدات الاربعة في العالم
~~السفلي، وكما ان بدء ونشوء الانس بالفعل في عالم الطبيعة كان قالبه في بدئه
~~من الطبائع، وكما ان خروجه من حد القوة الى حد الفعل عند عاقبة امره يكون في
~~العالم الروحاني وجب ان يكون قالبه في انتهائه من الارواح، وكل شيء يقوم في
~~هذا العالم السفلي المظلم الكثيف الجسماني الغليظ (1) المؤلم المفسد الميت
~~مقام الروح، فلا شك ان ذلك الشيء يقوم في
PageV01P059
# العالم العلوي النير اللطيف الروحاني البسيط العقلاني المنعم (1) المصلح
~~الحي الخالد مقام القالب، وسنشرح في القسم الاخير من كتابنا هذا على السبيل
~~الذي تدركه افهام المستجيبين لان بيان علم من العلوم اذا خالطه بيان
~~اخر، يتعسر على المرتاد الباحث ادراكه، والوقوف عليه.
# ثم نرجع الى ما كنا فيه فنقول: ان صورة الاحياء العاقلة، هي من القوى
~~النامية والحسية والناطقة وأرواحهم القوة العاقلة والطرف الاسفل منهم
~~الشياطين بالفعل، وواسطتهم الأبالسة بالفعل، والطرف الاعلى منهم الجن
~~بالفعل، فأثرت القوة القدسية في أرواحهم العاقلة، فصارت لها زامة، وصار الجن
~~بالفعل بذلك معصومين، لا تقع منهم الكبائر كما لا تقع من المؤيدية لانهم قد
~~تصوروا بصورة الجن بالفعل في قوالبهم، فلذلك فاقوا جميع البشر، وان صغائر
~~المؤيدين مغفورة لتشبثهم في القوالب، وصغائر الجن بالقوة غير مغفورة فصور
~~المؤيدين وهم الملائكة بالقوة الذين هم النطقاء والأوصياء والائمة من
~~الطبائع الاربع، والقوة الثالثة النامية والحسية والناطقة، ولهم معاينة الجن
~~والاتصال بالملائكة بالفعل، وان الشياطين والأبالسة بالفعل استفادت ارواحهم
~~العاقلة عيانا لا علما، فلذلك صاروا معاقبين غير متهيئين لقبول آثار روح
~~القدس، وان الجن بالفعل استفادت أرواحهم العاقلة علما لا عيانا، فلذلك تهيأ
~~لهم قبول تأثير روح القدس.
# ثم ان القوة القدسية المؤثرة في الطرف الاعلى من الاحياء العاقلة صارت
~~روحا لجميع الملائكة بالفعل الذين لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما
~~يؤمرون، وذلك ان تأثير روح القدس امكن الجن بالفعل والمؤيدين اجتناب
~~الكبائر، فاذا صارت هي الروح قريبا للجن بها اجتنبت الكبائر والصغائر
~~جميعا، فصور الملائكة بالفعل من القوى التي هي النامية والحسية والناطقة
~~والعاقلة وأرواحهم القوة القدسية قد اثرت فيها القوة العالمة، فصارت لها
~~زامة، لان القوة النامية والقوة الحسية في ذلك الوقت قد استحالت في الصفاء
~~واللون والجلالة (2) والشرف كالقوة الناطقة، لان القوة الناطقة في القديم قد
~~قهرتها، فصيرتها
PageV01P060
# مثلها، كقهر النار للحديد حتى لا تجد بينهما فرقا بوجه من الوجوه، ومثل ذلك
~~كمثل الحديد الذي انتقل من حال الى حال حتى بلغ درجة الذهبية، وأمسك عندها
~~عن الانتقال، لانه هو الغرض من ذلك الجنس، وكالحجر الذي انتقل أيضا من درجة
~~الى درجة حتى بلغ درجة الياقوتية فأمسك عندها عن الانتقال لانه هو الغرض من
~~ذلك الجنس، فلما جاز في الاجسام استحال الحديد الى الذهب، واستحال الحجر الى
~~الياقوت على بعد ما بينهما من كثرة التفاوت، كذلك جاز في الأرواح انتقال
~~القوة الناطقة للقوتين النامية والحسية، واعتبارهما مثلها في اللطافة والصفا
~~والشرف.
# ثم ان القوة العالمة (1) المؤثرة في أرواح الملائكة صارت روحا لاهل الجنة
~~الذين هم انس بالفعل، وهم الصورة الروحانية الخالدة المتنعمة الابدية
~~الناجية من الاستحالة والانتقال، حياة كلها، وعقلا كلها، وعلما كلها، ونموا
~~كلها، ومعرفة كلها، ولطافة كلها، لا تتغير ولا تتبدل فصور الانس بالفعل الذين
~~هم اهل الجنة من القوى التي هي النامية والحسية والناطقة والعاقلة
~~والقدسية، وأرواحهم القوة العالمة قد اثرت فيها الكلمة فصارت لها زامة، فلذلك
~~تأبدوا ولم يتغيروا عن أحوالهم، فقد ثبت بهذه العلل ان النامية تقبل
~~الحسية، والحسية تقبل الناطقة، والناطقة تقبل العاقلة، والعاقلة تقبل
~~القدسية، والقدسية تقبل العالمة، والعالمة تقبل اثر الكلمة، وليس وراء الكلمة
~~للمتولدات مذهب، ولا للإنس بالفعل في الوقوف عليها مطمع.
# فإذا قال قائل، ما الفرق بين اهل الجنة، وبين العلم اذا كان اثر الكلمة
~~فيهم؟ قلنا له: الكلمة هي العلة، والعلم معلول بها، وقد اتحدت العلة
~~بالمعلول، فصاروا واحدا، كاتحاد النور بجرم الشمس، والروح بالصورة، فاما علة
~~اهل الجنة فهي القوة العالمة لا الكلمة بينهم بعينها، الا ان اثر الكلمة لا
~~يفارقهم، ولا يزايلهم، فهل يكون الفرق اكثر من هذا وابين؟
# فإن قال قائل لما ذا قلت ان القوتان النامية والحسية قد شاركن الناطقة
~~والعاقلة والقدسية
PageV01P061
# في صور اهل الجنة، وهما اثران من الطبائع الاربع والافلاك واهل الجنة؟ قلنا
~~له: قد عطلت فيما ظننت، وأخطأت فيما توهمت انهما اثران من الطبائع
~~الأربع، والافلاك، وذلك ان جميع النمو والحس والنطق والعقل والعلم المؤثرة
~~في جميع الاجساد الفانية في الدنيا، انما تأثرت كلها في العالم الروحاني
~~الذي هو الجنة التي عرضها السموات والارض أعدت للمتقين، فإذا بلغ المثاب الى
~~هنالك وجد جميع هذه الخيرات مجموعات في ذاته، وعلم قولنا ان النمو والحس اثر
~~من آثار العالم الروحاني لا من آثار الطبائع والافلاك، وانا نظرنا الى
~~الاصول الموضوعة التي سميناها العالم السفلي الطبيعي الجسداني، فوجدنا
~~الامهات الأربع التي هي النار والماء والهواء والتراب، ووجدنا في المواليد
~~آثارا عجيبة هي معلومة في الامهات الأربع، وذلك ان اول ما وجدناه فيها هو
~~هذا النمو والازدياد الذي هو قوة لا نهاية لها ابدا ولا تدرك بالوهم
~~غايتها، لان الحبة الواحدة تصير من حال صغرها شجرة، وتصير بالوزن وتنمو في
~~كل سنة من الحب أوقية كل حبة منها تعمل عملها اذا وقعت في تدبير الارض التي
~~هي تخرج هذه القوة الى حد الفعل، ثم قلنا له: اذا لم تكن الارض مقابلة النمو
~~والازدياد، فكذلك الهواء والماء والنار، وكذلك الافلاك والنجوم، وكان كل واحد
~~منها محدودا متناهيا (1) يدرك مقدارها في الزرع والطول والعرض والعمق
~~والبعد والصغر والكبر على نحو ما تكلمت فيه الفلاسفة الطبيعيون، فمن اين
~~ظهرت هذه القوة النامية في المواليد التي هي لا نهاية لها، ولو ان ظهورها
~~كان من جهة الامهات الاربع والافلاك والنجوم لكانت متناهية، ولكن الامهات
~~والافلاك والنجوم كلها أسبابا لاخراجها واخراج الروحين الحسية والناطقة، كما
~~ان القلم واللوح واليد اسبابا لإظهار ما في ضمير العالم كالحروف والتصاوير
~~والنقوش، وهي اذا آلات، والآلة لصاحبها انما هي بسبب إظهار الغرض، والغرض هو
~~المواليد، والمواليد فيها النمو الذي يزداد ازدياد الابد، والحس الذي به يبصر
~~ويسمع ويشم ويذوق ويلمس ويتحرك حركة اختيارية، وفي المواليد أيضا عجائب ليست
~~في الامهات، ولا في الافلاك مثل الأراييح والطعوم والالوان والاصباغ (2)
~~والمذاقات،
PageV01P062
# وما ليس في الاصول طبيعي فهو فيها عرضي، والذي هو في الشيء عرضي فهو في
~~شيء آخر جوهري، فالنمو والحس والطعوم والأراييح والاصباغ والالوان آثار في
~~المواليد، وهي في موضع آخر، لانا لا نرى ذلك في الامهات، ولا في
~~الافلاك، فكلها كلا اذا اضطرارا للتأثير عليه، ورأينا بعد ذلك في هذه
~~المواليد حياة ونطقا وحسا وعقلا وتميزا وعلما ومعرفة وشما وذوقا وسمعا
~~وبصرا، وقد يفتح لكل ذي عقل ان الامهات والافلاك عادمة لهذا، فالحياة والنطق
~~والحس والعقل اذا آثارا في المواليد فلها اذا جوهر هي له آثار، وذلك هو
~~الجوهر الحق، وهو الذي لا نهاية له في اوهامنا، وهو الذي ارتفع عن صفاتنا، وهو
~~الذي نصير إليه، وهو الذي وعدنا، وهو الذي وصفه الله ورسوله، وان هذه الاصباغ
~~والأراييح والنمو والحس والحركة والحياة والنطق والعقل والعلم مجموعة
~~فيه، وهو الجنة التي وعد بها المتقون في العالم الروحاني، والعلة الاخرى وهي
~~انه لما اجتمعت الامة على ان الناس ينشرون مع قوالبهم التي هي في
~~الدنيا، علمنا بذلك ان القوة النامية والارواح الحسية التي قامت للارواح
~~الناطقة مقام القوالب، لا تفارق الصورة التامة الذين هم المثابون، ولا الصور
~~الناقصة الذين هم المعاقبون، والعلة الثانية وهي انا لما اثبتنا ان القوة
~~النامية التي تقبل الحسية، والقوة الحسية هي التي تقبل القوة الناطقة، وثبت
~~عندنا وعند خصيمنا ان القوة الناطقة لا تزايل المثابين الذين هم اهل
~~الجنة، ولا تفارقهم صح بذلك ان النامية والحسية لا يفارقونهم أيضا اذا كان
~~بزوالهما عنهم زوال الناطقة، وبزوال الناطقة زوال العاقلة، وبزوال العاقلة
~~زوال القدسية، وبزوال القدسية زوال العالمة، وبزوالهم جميعا تتلاشى الصور
~~الروحانية، وفي تلاشي الصور الروحانية بطلان الثواب والعقاب جميعا، وفي
~~بطلانهم للوعد والوعيد، وفي بطلان الوعد والوعيد الامر والنهي، وفي بطلانهما
~~بطلان الرسل لثبات مذهب الدهرية، والعلة الرابعة وهي انه لما اجتمع في الانس
~~بالقوة آثار جميع الجسمانيين الذين تقدموه في المواليد والاصول، ثبت عندنا
~~انه لا بد ان تجتمع بالانس بالفعل آثار جميع القوى الروحانية التي
~~تقدمته، ولو جاز الا ان تجتمع بعض القوى الروحانية في الانس بالفعل، جاز الا
~~تجتمع بعض القوى الجسمانية في الانس بالقوة، فلما لم يجري باتفاق خصمائنا
~~الا اجتماع بعض القوى الروحانية من
PageV01P063
# الانس بالفعل، فقد صح بما قلناه ان جميع القوى الروحانية التي هي النامية
~~والحسية والناطقة والعاقلة، والقدسية والعالمة مجموعة في الصورة الروحانية
~~المهيأة لقبول آثار ما في العالم العلوي، وهي الانسان بالفعل الذي من اجله
~~خلقت الدنيا والآخرة، وكذلك قال النبي (صلعم) ان مؤمنا اعز على الله من جميع
~~ما في السموات والارض وما بينهما.
# فإن قال قائل كيف يعلم اجتماع جميع الأشياء الجسمانية في الانس بالقوة
~~حتى يصح اجتماع جميع القوى الروحانية في الانس بالفعل؟ قلنا له: لا بد لهذا
~~الجواب من مقدمات، وذلك ان المعادن هي اسفل المتولدات، والنبات اعلى منها بما
~~استفاده من القوة النامية، فآثار المعادن موجودة في النبات وهي نواة ولا
~~يوجد شيء في المعادن من قوى المتولدات التي فوقها، فكذلك لما كانت البهائم
~~افضل من النبات بما استفادت من الروح الحسية، وجد فيها آثار دونها من
~~المواليد، وذلك ان عظامها شبيهة بالمعادن، وقوتها النامية شبيهة بقوت
~~النبات، وتفردت بالروح الحسية دونها، وكذلك الانس بالقوة افضل من البهائم
~~والنبات والمعادن بما استفادت من القوة الناطقة، فلذلك وجد فيه آثار من
~~دونه، لان عظامه شبيهة بالمعادن، وأسنانه شبيهة باللؤلؤ، وأظفاره شبيهة
~~بالمرمر، وعروقه شبيهة بالانهار ودماءه شبيهة بالمياه، وبكاه شبيه بعيون
~~المياه، وشعره شبيه بالنبات، وفيه القوة النامية، فلذلك يزيد شعره وجسده
~~وأظفاره، وكذلك استفادت الروح الحسية، فبتلك يسمع ويبصر ويتحرك ويشم ويذوق
~~ويلمس ويفعل ما تفعله البهائم من المناكحة وغيره، ثم من بعد ذلك تفرد بالروح
~~الناطقة، فبذلك قهر الكل وجمعهم تحت امره ونهيه وتدبيره، حتى صاد الوحوش في
~~الفيافي واخرج الحيتان من البحار، وأنزل الطيور من الجو، وسخر البهائم في
~~الارض، فهو يعمل بهذا الاثر المسمى الروح الناطقة الذي استفاده من العالم
~~الروحاني، اعمالا لا تطيق الافلاك والامهات بكليتها ان تعمل مثلها، فأخذتها
~~من الافلاك بكليتها ثم اخرجت الزرع من الارض، بعد ان استعانت بالامهات
~~الأربع والزرع قبل ان يحصد لا تأكله الا البهائم، ولم يتهيأ للافلاك
~~والامهات ان تجعل ذلك الزرع عند الانسان بالقوة، بل قام الانسان بالقوة
~~بذلك، فسخر الارض وقت الزراعة، وسخر الماء باجرائه عليها، وسخر الهواء وقت
~~الزرع، وسخر الماء والمعادن
PageV01P064
# وقت الحصد، ثم سخر النار وقت الخبز حتى يتهيأ له اخراج غذاؤه من الزرع، فلو
~~كان الفعل كله للافلاك والامهات كان يجب ان يخرجوا الخبز لا الحنطة، واللباس
~~لا القطن، والدهن لا السمسم، والعالم لا الجاهل والانسان بهذا الاثر الذي
~~استفاده يعمل اعمالا لا يعجز عنها كلية الافلاك والامهات، فكيف تكون حالة
~~ذلك الكل الذي منه هذا الاثر وعظمته، وانما يتهيأ للانسان بالقوة اتمام
~~اعمال عجزت عن اتمامها الافلاك والامهات، لان آثار الافلاك والامهات موجودة
~~فيه كوجود آثار المواليد الجسمانية فيه، وذلك ان الصفرة مقابل النار
~~والحمرة مقابل الهواء، والبيضة مقابل الماء، والسودة مقابل التراب، ولا بد
~~لهذه الطبائع الاربع من الاغتذاء من اكلها التي هي الامهات الاربع لكي يكون
~~للقالب قوام، فلذلك يحتاج الى الاطعمة والأشربة، ولو لم يتغذى بلطائف الاطعمة
~~والاشربة لفسد القالب، وتلاشى، ولو لم يرمي بكتائفها لا نشق القالب، فلهذه
~~العلة جعل الله في بني الانسان لكل واحد منها مخرجا، فالنار والهواء الطف
~~واعلى من الماء والتراب، كذلك جعل مخرج النار والهواء في بدن الانسان اعلى
~~من مخرج الماء والتراب، فالمنخر مخرج النار، والفم مخرج الهواء، والاحليل مخرج
~~الماء، والدبر مخرج التراب، ثم ان بدن الانسان على سبع مراتب، وهي اليد اليمنى
~~واليسرى ثم الظهر والبطن والرجل اليمنى واليسرى ثم الرأس سيدهم، مقابلها
~~الأقاليم السبعة، ثم انه على اثنى عشر قطعة الرأس والعنق واليدان والظهر
~~والبطن والفخذان والساقان والقدمان، مقابلهم الجزائر الاثنى عشر، ومما يلي
~~الظهر خراب، ومما يلي البطن عمران، كذلك الدنيا نصفها خراب، ونصفها عمران، ثم
~~ان في جسد البشر اثنى عشر مخرجا كالعينين والاذنين والمنخرين والفم
~~والثديين والسرة والاحليل والدبر، مقابلها البروج الاثنى عشر، ثلاثة منها
~~مسدودة بالمناطق الثلاثة، ثم ان البشر لها الاعضاء الرئيسية وعددها سبعة: وهي
~~الطحال معدن الهم، والفم والشم والسوداء مقابلة زحل، والكبد معدن السرور
~~والخير، والحمرة مقابل لمشتري، والقلب معدن العداوة، والشجاعة مقابل
~~المريخ، والدماغ معدن التدبير، والعقل والوقار مقابل الشمس، والكليتان معدن
~~الشهوة، والبيضة مقابلة الزهرة، والمرارة معدن المكر، والخديعة، والصفرة مقابلة
~~عطارد، والرئة معدن النفس، وسرعة الحركة
PageV01P065
# مقابل القمر، والامعاء ملتفة بهذه الاعضاء كالتفاف التنين بهذه
~~الكواكب، وقوام الانسان بالقوة بالجسد والروح، كذلك قوام دوران الافلاك
~~بالقطبين، ثم ان الانسان بالقوة على ثلاثة قطع: اولها الرأس الى العنق، وهو
~~مقابل العالم الروحاني، لان فيه معادن الوقار والعقل والخير والدراية والبصر
~~والسمع ومعرفة المذاقات والالوان والأراييح (1) والكلام والنطق، وليس للبشر
~~اثبات بلا رأس، كذلك ليس للعالمين الجرماني والجسداني اثبات بلا العالم
~~الروحاني، وان اول ما يخرج من المولود الى الدنيا رأسه، وهذا دليل على ان اول
~~شيء ابدعه الله عز شأنه العالم الروحاني، ومن العنق الى الكشح دليل على
~~العالم الجرماني، الذي هو الواسطة بين الروحاني والجسداني، كذلك الظهر والبطن
~~واسطة بين الرأس والدبر، وكما ان الاعضاء الرئيسية السبعة في الظهر
~~والبطن، كذلك النجوم السبعة في العالم الجرماني، وكما ان الظهر والبطن من
~~المولود يخرج الى الدنيا بعد الرأس، كذلك جعل الله العالم الجرماني بعد
~~العالم الروحاني، ومن الكشح الى القدمين دليل على العالم الجسداني، لان فيه
~~من الغائط والبول والفتن، كذلك الألم والاسقام والكون والفساد في هذا العالم
~~الجسداني متصلة غير زائلة، والانسان اذا قطعت رجله يحس ولا يموت، فكذلك يكون
~~هذا دليل على ان العالم الروحاني مستغني عن العالم الجسداني، وآخر شيء يخرج
~~من المولود الى الدنيا رجلاه، فهذا دليل على ان تولد العالم الجسداني من
~~العالم الروحاني بواسطة الجرماني، ومن هاهنا وجب: ان يخلق الله الانثى
~~والمفيد والمستفيد لقوة الصورة الروحانية في الموضع الذي هو دليل على
~~العالم الروحاني، ثم خلق الاثنين المعطي والقابل لقوة الصورة الجسمانية في
~~الموضع الذي هو دليل على العالم الجسماني، ولما كان آثار جميع العالم
~~والمواليد مجموعة في البشر، ووقوفه على جميع علومها وكيفياتها بالطلب
~~والتعلم، والاغتذاء من متفرقات هذا العالم السفلي، فهو اذا من جميع العالم
~~يتغذى، فترى الانسان الواحد يتغذى من زرع بلده وغير بلده، او من لحوم حيوانات
~~بلده، او غير بلده، ويحتاج مع هذا الى ما به تمام تغذيته من الافاويه
PageV01P066
# والابازير والأدوية والعقاقير (1) والجوارسنات والمعجونات وغير ذلك مما
~~يحمل من البلدان النائية والأرض القاسية، فهو يستعمله في طعامه الذي يتغذى
~~به، وما يتناوله لمصلحة جسده من كل محمول من الآفاق الشاسعة والاقطار
~~البعيدة، اما معدنيا واما نباتيا او حيوانيا، وغير ذلك، فلما اغتذى بذلك
~~اجتمعت فيه النطفة فتولدت منها هذه الصورة الجسمانية، فهي اذا من جميع
~~العالم، وكانت آثارا واجزاء، فلما نشأت الصورة، تمت تلك الآثار والاجزاء معها
~~من كل جزء منها الى معدنه وموضعه بالطبع، فصار البشر كذلك يحب السفر والتدرج
~~في البلدان الشاسعة والدانية، واذا سمع بصفة بلد بعيدة او قريبة اشتاقت نفسه
~~الى رؤيتها والوقوف عليها، والقصد نحوها، ومن هاهنا قيل ان موت الانسان يكون
~~حيث وقع عنه ترابه، وان البهائم لا تحب السفر لانها لا تأكل من متفرقات هذا
~~العالم شيئا، ومما يؤكد هذا ان الانسان يحب مولده ومنشأه ومسقط رأسه، وان كان
~~وحشا اكثر من حبه لسائر البلدان ذات النزهة الرضية لان أجزاءه وآثاره
~~الأكثر والاعم من حيث ولد فيه، ومن هاهنا قالت الحكماء: لو لا حب المولود
~~الاوطان لخربت الدنيا، ومما يؤكد قولنا ان الانسان لا يقنع بالقليل لانه لم
~~يكن من القليل، وصار يطلب الكثير لانه نشأ من الكثير، فصار هو العالم
~~كله، وبهذا كان ملك العالم كله، لانه من العالم كله، وهاهنا نبين احد تأويلات
~~قوله تعالى: @QUR17.44@022 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من
~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا . لان جميع
~~الاشياء التي تقدمت البشر من الاحوال والافلاك والامهات والمواليد والحيوان
~~الاخرس والاغذية، قد اجتمعت كلها في الانس بالقوة، فإذا سبح الله وعبده حق
~~عبادته، فقد عبد الله وسبحه بجميع ما سميناه وذكرناه.
# وكذلك قال بعض الحكماء: اعلم وفقك الله ان الروح لا تزيد على مرور الايام
~~عليها الا شرفا وفضلا، فالقالب ينشأ على ترتيب المعادن والنبات والبهائم، ثم
~~يتلاشى على هذا الترتيب، وذلك ان المعادن هي اسفل المواليد مواتا فلا روح
~~لها، كذلك النطفة
PageV01P067
# التي منها توالد القالب موات لا حياة لها بمقابلة المعادن، ثم اذا خرج
~~المولود من بطن الام ونما وزاد على مرور الايام عليه، مقابل النبات وكذلك
~~الامر في الظاهر بارتباطه في المهد، لان المهد نباتي، ثم هو لا يتكلم بل يصوت
~~ويتحرك تشبها بالحيوانات الخرس، ثم يستفيد القوة الناطقة، فحينئذ يصل الى
~~مرتبة الانسان بالقوة، ثم اذا اراد قالبه ان يفسد يرجع القهقرى الى اسفل
~~المتولدات، وذلك انه عند النزاع لا ينطق ولا يطيق ان يتكلم بل يتحرك شبيها
~~بالحيوانات الخرس، ثم يحمل على الجنازة واللوح (1)، وهي نباتية مقابل
~~المهد، ثم يعبر فيصير ميتا مثل المعادن، ويستوي أيضا بقياس نشوء القالب على
~~ترتيب الامهات الاربع، وذلك ان طبع المولود اول ما يولد يكون مائيا
~~بلغميا، فإذا بلغ سبع سنين يصير هوائيا دمويا، فإذا استوت لحيته يصير ناريا
~~صفراويا، فإذا صار كهلا يصير ترابيا سوداويا، فاذا صار خرفا رجع الى طبع
~~الاطفال وصار دائرا على وجه آخر، لان جسم المولود من التراب، فإذا ولد يغسل
~~في تلك الساعة مقابل الماء، ثم يتنفس مقابل الهواء، ثم اذا بلغ الى اكل
~~الاشياء المطبوخة مقابل النار ثم اذا فسد قالبه رجع القهقرى الى اسفل
~~الامهات، وذلك انه عند النزاع يتنفس مقابل الهواء، ثم اذا مات يغسل مقابل
~~الماء، ثم يقبر فيصير ترابا مقابل الارض، وهذه حال القوالب، فاما حال
~~الارواح، فاما ان تكون مهملة او معاقبة او مثابة، كما وصفنا.
# فإذا سأل سائل، وقال قائل لما قلت ان كل واحد منهما دون الملائكة على
~~ثلاثة أنواع، لا يقبل النوعان الأسفلان منه التأثيرات، ويقبله النوع
~~الأعلى، وان الملائكة على نوع واحد في قبول التأثير، وكذلك اهل الجنة على نوع
~~واحد في قبول التأثيرات؟ قلنا له: لان المواليد التي هي دون الملائكة ليست
~~في حد النفخ في الصور فلذلك وجب ان يكونوا متفاوتين في عدم
~~التأثيرات، ووجودها، فأما الملائكة فانهم في حد النفخة الواحدة، وأهل الجنة في
~~حد النفختين اللتين اجراهما عليهم، والنفخة الثانية في الصور يجب الا يكونوا
~~متفاوتين في عدم التأثيرات ووجودها، لانهم لو كانوا متفاوتين في ذلك لم يكن
~~للنفخ فائدة ولا معنى، الا انهم قبل النفخ متفاوتون في قبول التأييد، والقوة
~~العالمة
PageV01P068
# وآثار الكلمة على قدر تهيئتهم وطاقتهم، وانما سميناه نفخ التأييد لان كل
~~من دون الملائكة ممن اثرت فيه القوة القدسية يسمى مؤيدا، فلما صارت الروح هي
~~للذين اجرى الله عليهم احدى النفختين سميناه نفخ التأييد.
# فان قال قائل لم اوجب انتقال الصورة الكثيفة الجسمانية من المواليد الى
~~الصورة اللطيفة الروحانية في الدرجة الخامسة؟ قلنا له لان الصورة الكثيفة من
~~المتولدات لم تتصور الا بعد اجتماع الطبائع الاربع التي هي الحرارة
~~واليبوسة والبرودة والرطوبة فيها، فلو كان منها شيء من هذه الطبائع الاربع
~~معدوما لما كانت تتصور بالصورة الجسمانية، ولا كان لصورتها قوام ولا
~~بقاء، كذلك الصورة اللطيفة لم تتصور الا بعد اجتماع الارواح الأربعة، التي هي
~~النامية والحسية والناطقة والعاقلة (1)، فيها، فلو كان فيها شيء من هذه
~~الارواح الاربع معدوما، لم يكن يمكنها التصور بالصورة اللطيفة، ولا كان لها
~~قوام ولا دوام، وذلك ان المعادن لما لم يكن فيها من الأرواح الاربع شيء، لم
~~تتصور بالصورة الروحانية، وان النبات لما كانت احد الارواح لم يتصور أيضا
~~بالصورة الروحانية، والحيوانات الخرس لما اجتمعت فيه الروحان، وعجز عن قبول
~~الروحين الباقيين، لم يمكنه التصور بالصورة الروحانية، والبشر لما اجتمعت فيه
~~الارواح الثلاثة، ولم يمكنه قبول الروح الرابعة، وعجز عن التصور بالصورة
~~الروحانية، والاحياء العاقلة لما اجتمعت فيه الارواح الاربع، وتصورت بالصورة
~~اللطيفة الروحانية، كما اجتمعت الطبائع الاربع في اول المتولدات التي هي
~~المعادن، فتصورت بالصورة الجسمانية، فالتراب من الصورة الجسمانية، كالقوة
~~النامية في الصورة الروحانية، والماء من الصورة الجسمانية، كالروح الحسية من
~~الصورة الروحانية، والهواء من الصورة الجسمانية، كالروح الناطقة من الصورة
~~الروحانية، والنار من الصورة الجسمانية كالروح العاقلة من الصورة
~~الروحانية، ومن هاهنا قالت الحكماء: ان المؤيد يمكنه مفارقة قالبه متى شاء،
~~ولا يتعسر عليه ذلك، لان الروح الأربع قد اجتمعت فيه، وتصورت بالصورة
~~الروحانية النامية التي هي صورة الجن بالفعل في قالبه، فهو اذا بالخيار ان
~~شاء أقام في هذا العالم
PageV01P069
# ليتم شريعته وتأليفها اذا كان ناطقا، او يكمل اذا ما اوجب الله عليه اداءه
~~من حفظ الشرائع وتأويلها، إن كان وصيا او إماما، وان شاء ترك القالب وارتفع
~~الى العالم العلوي، ولذلك قال النبي (صلعم) قبل موته: ان الله تعالى خيرني من
~~ان يخرجني من بين ظهرانيكم (1)، وبين ان يؤخر وفاتي الى يوم القيامة، فاخترت
~~الخروج على التأخير، ثم ان الصورة الروحانية اذا جاوزت في القالب من حد الجن
~~بالفعل الى حد الملائكة بالفعل، لا يتهيأ للقالب ضبطها وإمساكها، فهو يفارقها
~~لعجزه عن ضبطها ان شاء او ابى، والدليل على ذلك ترك القائم سلام الله على
~~ذكره قالبه ومصيره الى الفلك الروحاني حيث لم يتهيأ للقالب ضبطه لعظم صورته
~~الروحانية وجلالها وشرفها، اذا كان اراد ان يجاوز مراتب الملائكة بالفعل
~~وأهل الجنة فلم يمكنه ذلك، وهو بالقالب متشبث، ففارقه لهذه العلة.
# ومما يزيد قولنا تأكيدا ان احدا من النطقاء لم يترك قالبه الا بعد ان
~~اكمل تأليف شريعته وأتم مصالح امته، غير عيسى فانه خرج من هذا العالم السفلي
~~قبل اكمال شريعته وإتمامها لوصول صورته الروحانية في القالب الى درجة
~~الملائكة بالفعل، وعجز قالبه عن ضبطه وإمساكه، ومن هاهنا قيل في الظاهر ان
~~الله تعالى رفعه الى السماء من المنزل الذي كان توارى فيه من اليهود قبل ان
~~تصل ايديهم إليه، وان اليهود لما هجموا على ذلك المنزل وجدوا قالبه
~~فصلبوه، فلذلك قال الله تعالى حكاية عنهم: @QUR4.157@035 وقولهم إنا قتلنا
~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وإن
~~الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه
~~يقينا . يعني ما قتلوا عيسى بل وجدوه ميتا، لان القتل هو ايصال الالم الى
~~المقتول، ووجه آخر في تأويل هذه الآية: وما قتلوه وما صلبوه اي ما قتلوا
~~المسيح وما صلبوه، والمسيح اسم لصورته الروحانية، لانها مسحت عن الجسد
~~الطبيعي اللحماني (2)، ونزعت عنه، وعيسى اسم لصورته الطبيعية
PageV01P070
# الجسمانية، وان العيس في اللغة هي الإبل، والإبل من الدرجات الطبيعية لا من
~~الدرجات النفسانية، وقد ذكر الله في هذه الآية اسمين: اسم لصورته
~~الروحانية، واسم لصورته الجسمانية، ثم لم يوقع القتل على احد الاسمين في
~~قوله: وما قتلوه وما صلبوه، ولم يقل وما قتلوهما وما صلبوهما، ثم قال: ولكن
~~شبه لهم يعني ظنوا ان المسيح هو هذا الجسد الكثيف المصلوب، فاشتبه الامر
~~عليهم، وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن
~~يعني ما يعلمون ان صورته الروحانية قد وصلت الى معدنها من العالم
~~الروحاني، وما قتلوه يقينا، ففي ظاهر هذا اللفظ يصح انهم ظفروا بقالب المسيح
~~فصلبوه، لانه يدل انهم ظفروا ببعض منه فصلبوه، وهو الصورة الجسمانية، ولم
~~يظفروا بالبعض الآخر ففاتهم وهو الصورة الروحانية، وذلك ان معنى قوله وما
~~قتلوه وبسطا بين الشك واليقين، بل رفعه الله إليه، اي رفع الله صورته
~~الروحانية الى الجنة في جوار الاصلين، فكان الله عزيز بمنعه اليهود ان
~~يظفروا بعيسى، وهو حي حكيم برفع صورته الروحانية الى السماء، ومما يزيده
~~تأكيدا ان الله تعالى قال: @QUR3.55@032 إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك
~~ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى
~~يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون . يعني مميت
~~صورته الجسمانية قبل وقوع القتل عليها، ووجود الالم، ورافعك إلي يعني الصورة
~~الروحانية، فلعل مدعي يدعي ان الله رفع المسيح من صورته الجسمانية الى
~~السماء؟ قلنا له: ان اجماع اعداء عيسى الذين هم اليهود وأولياءه الذين هم
~~النصارى على قتله، ثم اخبر الله انه أماته (1) في قوله: @QUR3.55@03 إني
~~متوفيك ، وإقرار عيسى بذلك حيث يقول الله حكاية عنه:
# @QUR5.117@030 ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم
~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على
~~كل شيء شهيد يدل على ان جثة عيسى ليست في السماء
PageV01P071
# ولا رفع جسمه وقالبه الى العالم العلوي، ثم إجماع المسلمين على حياته وانه
~~رافعه الى السماء، يدل على ان الله رفع صورته الروحانية الى العالم العلوي.
# ونرجع الى ما كنا فيه من ذكر المتولدات فنقول: انا لما رأينا توليد
~~المواليد الجسمانية مع الطبائع الاربع بعد المعادن، وان كانت الطبائع
~~الاربعة موجودة في المعادن وجب بذلك توليد المواليد الروحانية من الارواح
~~الاربعة الموجودة في الاحياء العاقلة، وكما ان المواليد الجسمانية الكثيفة
~~المتولدة بعد المعادن ثلاثة اصناف: اولها النبات وهو أفضل من المعادن لقوته
~~النامية، والثاني الحيوانات الخرس وهو أفضل من النبات لروحه الحسية، والثالث
~~البشر وهو أفضل من الحيوانات الخرس لروحه الناطقة، كذلك المواليد الروحانية
~~البسيطة المتولدة بعد الاحياء العاقلة ثلاثة اصناف: اولها الملائكة بالفعل
~~وهم أفضل من الاحياء العاقلة لأرواحهم القدسية، والثاني اهل الجنة، وهم أفضل
~~من الملائكة بالفعل لأرواحهم العالمة، والثالث القائم سلام الله على ذكره
~~وهو أفضل من اهل الجنة كلهم لاتحاده بالنفس، حتى صارت دائرة ثالثة، وبهذه
~~الدائرة تأويل خطير، ولكن لا يتهيأ بيانه في هذا الكتاب، ونحن نقيس الآن على
~~واحدة من الارواح على الامهات الاربع قياسا مجازيا لا حقيقيا، ونريد بذلك
~~تقريبها الى افهام الباحثين، فأقول: انه لا بد لكل واحد من هذه الارواح
~~الاربعة التي لا يخلو منها شيء من الاشياء، فلم نجد شيئا نقيس هذه الارواح
~~عليه اقرب إلينا من اصول هذا العالم الجسداني وهي: الامهات الأربع التي
~~اسفلها التراب اعني الارض وهي باردة يابسة، ثم الماء وهو اعلى من الارض
~~والطف وهو بارد رطب، فالبرودة وافقت الارض، وصارت ملاصقة لها من الجانب
~~السفلي وبالرطوبة وافق الهواء وصار ملاصقا له من الجانب العلوي، ثم الهواء
~~وهو اعلى من الماء وألطف وهو حار رطب، فبالرطوبة وافق الماء، وصار ملاصقا له
~~من الجانب السفلي، وبالحرارة وافق النار، وصار ملاصقا لها من الجانب
~~العلوي، ثم النار وهو اعلى من الهواء، وهي حارة يابسة، فبالحرارة وافقت
~~الهواء، وصارت ملاصقة له من الجانب السفلي، وباليبوسة وافقت التراب وصارت
~~ملاصقة له من الجانب العلوي، فرجعت إليه، وصارت دائرة متصلة اعلاها
~~باسفلها، وأسفلها باعلاها، فنقول: ان
PageV01P072
# المعادن موات ليس فيها من الأرواح شيء، وقوامها من التراب والماء والهواء
~~والنار، وقوام النبات من القوة النامية، وانها على اربع مراتب: اسفلها وأقلها
~~في الحشيش وهو مقابل الارض، وثانيها في الحيوان وهو مقابل الماء، وثالثها في
~~الاشجار، وهي مقابل الهواء، ورابعها في البهائم والسباع وهي مقابل
~~النار، وليس للأمهات مجاز، لان النار راجعة الى التراب بيبوستها، وصارت دائرة
~~فلذلك تهيأ للبهائم استفادة الروح الحسية، فهم اذا من جهة قوتهم النامية
~~مقابل النار ومن جهة أرواحهم الحسية مقابل التراب، وقوام الحيوانات الخرس
~~بالروح الحسية، وهي أيضا على اربع مراتب اسفلها وأقلها في البهائم
~~والسباع، وهي مقابل التراب، فلذلك قلنا: ان البهائم والسباع الترابية، وثانيها
~~في الشباحات وهي مقابل الماء، فلذلك صار عيشهم في الماء، وثالثها في
~~الطيور، وهي مقابل الهواء، فلذلك صار في الهواء، ورابعها في الاطفال
~~والمجانين، وبعض القشرية المهملين، وهي مقابل النار، وليس للامهات بعد النار
~~مجاز، فلذلك امكن للاطفال والمجانين والقشرية المهملين الاستفادة من الروح
~~الناطقة، فهم اذا من جهة أرواحهم الحسية مقابل النار، ومن جهة أرواحهم
~~الناطقة مقابل التراب.
# وقوام البشر بالروح الناطقة، وهي أيضا على أربع مراتب اسفلها وأقلها في
~~الاطفال، وبعض القشرية المهملين وهي مقابل التراب، فلذلك قلنا: ان التراب
~~دليل على البهائم، وثانيها في المستجيبين والمأذونين والاجنحة الذين هم جن
~~بالقوة، وفي اضدادهم القشرية الذين هم شياطين بالقوة، فلذلك كلفوا طلب
~~التأويل؛ لانه تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها، وهي مقابل الماء، وثالثها في
~~اللواحق وفي اضدادهم المرتدين والفلاسفة وفقهاء القشرية الذين هم ابالسة
~~بالقوة، وهي مقابل الهواء، ورابعها في الائمة وفي أضدادهم الشياطين
~~بالفعل، وهي مقابل النار، وليس للامهات من النار مجاز، فلذلك تهيأ للائمة
~~ولاضدادهم الشياطين بالفعل، استفادة الروح العاقلة، فهم اذا من جهة أرواحهم
~~الناطقة مقابل النار، ومن جهة أرواحهم العاقلة مقابل التراب لأن بين الائمة
~~وبين الشياطين بالفعل تفاوت كثير في قبول الارواح العاقلة، كتفاوت اهل
~~الظاهر بين ذوي الارواح اهل الآخرة في قبولها، وذلك ان الشياطين بالفعل
~~ليسوا بواقفين على العلوم الروحانية الالهية
PageV01P073
# كما وقف عليها الامام، فلذلك عجزوا عن استفادة الاثر من الروح القدسية (1)
~~، وصاروا معاقبين، ولم يعجز الامام عن ذلك، وصار مثابا.
# وقوام اصحاب الدرجة الخامسة بالروح العاقلة هي أيضا على أربع درجات
~~اسفلها واقلها في الامام، وهي مقابل التراب، ولذلك لم يفاتح الامام الناس، الا
~~من جهة الظاهر، لان التراب دليل على الظاهر، وان الامام لا يعجز عن قبول
~~الاثر من قبول الروح القدسية لوقوفه على العلوم الالهية في الدنيا والآخرة
~~جميعا، وعجز ضده الشيطان بالفعل الذي مرتبته من الروح العاقلة عن
~~قبوله، لعجزه في الدنيا عن قبول العلوم الربانية، واشتغاله بعلم الظاهر، ولذلك
~~كانت روحه العاقلة مقابل التراب، لان التراب دليل على الظاهر، والدرجة
~~الثانية من الروح العاقلة في الاساس، وفي ضده ابليس بالفعل وهي مقابل
~~الماء، والماء دليل على العلم، فلذلك فاتح الاساس الناس بالعلم والتأويل، ووقع
~~اسم الأبالسة على الفلاسفة الذين اقتصروا بالعلم دون العمل، ومن هاهنا عجز
~~الابليس بالفعل عن قبول الاثر من الروح القدسية، وصار معاقبا: ولم يعجز
~~الاساس عن قبوله، وصار مثابا، وكما ان المرتدين والفلاسفة هم الأبالسة
~~بالقوة، كذلك هم أضداد الاساس بالقوة، وكما ان القشرية هم الشياطين
~~بالقوة، كذلك هم اضداد الائمة بالقوة، ولو لا التباس هذه النكتة على
~~الموقنين، لأجريناها مستوفية لا خفاية ومن حولها، والدرجة الثالثة من الروح
~~العاقلة، في النطقاء، وفي الجن بالفعل، وهي مقابل الهواء، وان الروح العاقلة
~~لما اتحدت بالنطقاء وبأشكالهم الذين هم الجن بالفعل، ووقفوا على العلوم
~~الالهية الربانية تهيأ لهم بذلك قبول الاثر من الروح القدسية، والدرجة
~~الرابعة من الروح العاقلة في الملائكة بالفعل، الذين هم اعلى السماء السابعة
~~وهي مقابل النار، وليس للامهات بعد النار مجاز، فلذلك تهيأ للملائكة بالفعل
~~استفادة الروح القدسية، فهم اذا من جهة أرواحهم العاقلة مقابل النا، ومن جهة
~~أرواحهم القدسية مقابل التراب.
# وقوام الملائكة بالفعل الروح القدسية، وهي أيضا على أربع درجات، اسفلها
PageV01P074
# وأقلها في الملائكة بالفعل، الذين هم بين السماء السابعة، وبين فلك البروج
~~وهي مقابل التراب، والدرجة الثانية في الملائكة بالفعل، الذين هم بين
~~البروج، وبين فلك المستقيم وهي مقابل الماء، والدرجة الثالثة في الملائكة
~~بالفعل الذين هم في الحركة الوهمية، وهم الملائكة المقربون، وهي مقابل
~~الهواء، فهذه الامكنة التي بيناها للملائكة بالفعل، انما بيناها على تقدير
~~فضائلهم على من دونهم في الاوهام، وتقريبها الى الافهام على معنى انهم
~~محتاجون الى تفريغ مكان وتشغيل آخر، لان الصورة البسيطة الروحانية لا تشتغل
~~بمكان ولا تحتاج إليه، بل ان ذلك من صفات صور الكتائف (1)، والدرجة الرابعة
~~من الروح القدسية في اهل الجنة الذين هم الانس بالفعل، وهي مقابل النار وليس
~~للامهات من النار مجاز، فلذلك تهيأ للانس بالفعل استفادة الروح العالمة، فهم
~~اذا من جهة أرواحهم القدسية مقابل النار، ومن جهة أرواحهم العالمة مقابل
~~التراب.
# وقوام الانس بالفعل الذين هم اهل الجنة بالروح العالمة، وهي أيضا على أربع
~~مراتب اسفلها وأقلها في المستجيبين والمأذونين والدعاة، اذا صاروا انسا
~~بالفعل على تفاوت بمقدار كل واحد منهم، ورهبية لقبولها على حسب ما قلناه، بان
~~التفاوت موجود في كل مرتبة من مراتب قابلي الارواح التي بيناها من الروح
~~النامية الى الروح العالمة، وهي مقابل التراب والمرتبة الثانية في اللواحق
~~والائمة والخلفاء، اذا صاروا انسا بالفعل على التفاوت بمقدار فعل كل واحد
~~منهم على صاحبه، وهي مقابل الماء، والمرتبة الثالثة في الاسس، اذا صاروا انسا
~~بالفعل على التفاوت أيضا وهي مقابل الهواء، والمرتبة الرابعة في اهل عليين
~~على التفاوت أيضا، وهم النطقاء اذا صاروا انسا بالفعل على التفاوت أيضا، وهي
~~مقابل الهواء، والمرتبة الرابعة في اهل عليين على التفاوت أيضا، وهم النطقاء
~~اذا صاروا انسا بالفعل، وهي مقابل النار، وهاهنا نبين تأويل قوله تعالى:
~~@QUR17.85@015 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم
~~إلا قليلا يعني وما اوتيت من العلم الا قليلا، ووجه آخر وهو ان معنى قوله
~~وما اوتيت من العلم يعني الروح العالمة الا قليلا يعني الاشياء قليلا نزرا
~~من آثار آثارها حتى امكنكم بذلك
PageV01P075
# الاثر الوقوف على العلوم التي هي فيما بين ظهرانيكم على مثل علم الطب
~~والهندسة والنجوم (1) والفلسفة والصناعات وعلم الشرائع والتأويل وما
~~اشبهها، وانما قلنا من آثار آثار آثارها، لان الروح العالمة التي هي النور
~~الحق اثر في القدسية، والقدسية اثر في العاقلة، والعاقلة اثر في الناطقة التي
~~هي روح البشر، فثبت بذلك ان العلوم التي هي فيما بين البشر من آثار آثار
~~الروح العالمة وهذه المراتب كلها مبينة في كتاب «البرهان» اذ هو منقول على
~~الحقائق دون غيرها.
# وإذا فالديانات والمذاهب منقسمة على ثلاثة اقسام احدها الظاهر كقشر البيض
~~وهو مقابل الاجسام، وكما ان الاجسام مختلفة على انواع كثيرة لا يحصى عددها
~~حتى كان منها اجسام موات، ومنها اجسام نيام، ومنها اجسام احياء مهملون، ومنها
~~اجسام أحياء مكلفون، كذلك الاختلافات موجودة في الظاهر على حسب ما بيناه في
~~اول كتابنا هذا عند ذكر
~~فرق: المرجئة، والحديثة، والمعتزلة، والجبرية، والخوارج، والشيعة وغيرهم، والثاني
~~الممتزج كبياض البيض وهو مقابل الارواح، فكما ان الارواح مختلفة لا تشبه
~~بعضها بعضا مثل النامية والحسية والناطقة والعاقلة (2) والقدسية والعالمة
~~حتى كان منها أرواح غير مكلفة، كذلك الاختلافات موجودة في الممتزج، مثل
~~الاختلافات الموجودة بين الخطابية وبين المحمرة والمخمسة والمبيضة، والاسماء
~~الواقعة عليهم، والتناسخية والسمابلية والدهرية والكيالية والبدئية
~~والسهروردية والحلاجية والمنهالية والعامرية وغيرهم من المدعين ان لهم
~~بواطن، والثالث كالمخ من البيض، وهو مقابل العقل، فكما ان العقل لا يختلف في
~~نفسه اذا كان كل عاقل في المشاهدة مكلف، وكل مكلف عاقل، ولم يكن كل جسم
~~مكلف، كما كان كل مكلف جسما، وكذلك لم يكن كل حي مكلف، كما ان كل مكلف حي، كذلك
~~علمنا انه لا يوجد في الباطن الحقيقي اختلاف البتة بوجه من الوجوه، اذ هو
~~مقابل العقل الذي لا يوجد فيه اختلاف البتة، وكما ان الجسم الخالي من الروح
~~ميت، كذلك الظاهر الممتزج لا يبلى لانه جيفة، وكما
PageV01P076
# ان الجسم الحي الخالي من العقل مجنون لا يستأهل ان يكون متصرفا في أوامر
~~ربه ونواهيه، كذلك الظاهري الواقف على الممتزج دون الحقيقة معاند مجنون لا
~~يستأهل ثواب ربه ورحمته، اذ الثواب تابع للتكلف، وهو مقابل المجنون الذي ليس
~~بمكلف، وكما ان الجسم الحي العاقل (1) مستحق لتكليف ربه كذلك الظاهري الواقف
~~على الممتزج، والحقيقة ان الجميع متأهل للوصول الى الثواب الابدي، والظاهري
~~مسمع، والممتزج بصري، والحقائق قلبي، والواقف على الجميع مؤمن، وعلى الظاهر
~~الممتزج دون الحقائق موقف، وعلى الظاهر دون الممتزج والحقائق مسلم، وكذلك قال
~~الله تعالى: @QUR16.78@016 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا
~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون . وقال: @QUR35.32@022 ثم
~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم
~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير . ومعنى أورثنا الكتاب الذين
~~اصطفينا من عبادنا، وهم امة محمد (صلعم) فمنهم ظالم لنفسه، وهم الظاهريون
~~السمعيون، ومنهم مقتصد وهم الممتزجون البصريون، ومنهم سابق بالخيرات، وهم
~~اصحاب الحقائق القلبيون.
# الا ترى ان الله نفى هذه العلوم عمن ليس من امة محمد، فقال: @QUR7.179@031
~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين
~~لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم
~~الغافلون . اعني لا يفقهون بها الحقائق الايمانية، ولهم أعين لا يبصرون بها
~~الى الممتزج الايقاني، ولهم آذان لا يسمعون بها الى الظاهر السمعي، واذا سأل
~~الله عبده يوم القيامة، يسأله عن هذه العلوم الثلاثة، وكذلك قال الله عز وجل:
~~@QUR17.36@017 ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك
~~كان عنه مسؤلا . فذكر هذه الاعضاء الثلاثة دون سائر الجوارح التي تقع منها
~~الطاعات والمعاصي للعلة التي بيناها، واذا سأله تعالى فوجده ضابطا لهذه
PageV01P077
# العلوم الثلاثة عاقلا عليها جازاه بثواب غير موصوف بهذه الدلالات
~~الثلاثة، كذلك قال رسول الله (صلعم) عن قوله تعالى: اعددت لعبادي الصالحين ما
~~لا عين رأت، اي جزاء علمه الظاهري السمعي الاسلامي، ولا خطر على قلب بشر اي
~~جزاء علمه الحقيقي القلبي، وبهذا الثواب لكل من وصل الى هذه العلوم الثلاثة
~~التي امر الله تعالى بالوقوف على جميعها حين قال: @QUR67.23@013 قل هو الذي
~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون والشكر باللغة
~~الفارسية يؤكد ما قلناه، فلذلك وصف الله نفسه بهذه الصفات الثلاثة دون سائر
~~ما يوجد من سائر صفات البشر مثل الشام والذائق واللامس، فقال انه سميع بصير
~~عالم، فلذلك أضاف وحي رسله الى هذه الجوارح الثلاثة دون غيرها، واما الذي
~~أضافه الى القلب، فقوله: @QUR26.193@013 نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون
~~من المنذرين بلسان عربي مبين وأما الذي أضافه الى السمع فقوله:
~~@QUR20.11@015 فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد
~~المقدس طوى واما الذي اضافه الى البصر فقوله: @QUR53.13@08 ولقد رآه نزلة
~~أخرى عند سدرة المنتهى والى هذه الاسماء الثلاثة نتيجة قوله: @QUR42.51@023
~~وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي
~~بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم .
# ومما يؤكد قولنا قول النبي (صلعم): المريض مالك ثلث ماله، وقال: داوا مرضاكم
~~بالصدقة، فالمريض الذي لا يملك الا ثلث ماله في الباطن هو المريض الروحاني
~~الذي وقف على العلم السمعي دون العلمين الآخرين، والمريض الذي يحتاج الى
~~مداواته بالصدقة، هو الذي ابلى من غلبته قليلا، فوقف على العلم الثاني الذي
~~هو العلم البصري فيحتاج الى اداء الصدقة التي امر الله بها في قوله
~~للمطيعين، اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يديه نجواكم صدقة، وقوله: خذ من
~~اموالهم صدقة حتى يتهيأ له الوقوف على العلم الثالث الذي هو علم الحقائق
~~القلبي، فيكون صحيحا مالكا على جميع ماله، اي على جميع العلوم الثلاثة، فالسيف
~~اذا سببا لعلم الظاهر السمعي الاسلامي، والعهد سببا لعلم الممتزج
PageV01P078
# البصري الإيقاني، والصدقة سببا لعلم الباطن القلبي الحقائقي، فإذا تقرر هذا
~~فنقول ان هذا الكتاب، وكتاب «راحة العقل» (1)، وكتاب «بلينوس»، وكتاب «المبادئ»
~~مقوالات على الواسطات الممتزجات بين الممتزج البصري وبين الحقائقي
~~القلبي، كما ان كتاب «المقتبس» و «الجامع» (2) وما اشبهها مقوالات على الواسطات
~~بين الظاهر السمعي وبين الممتزج البصرى وكتاب «البرهان» وما يتبعه من
~~كتب «الكفاية والكافي» و «الأمن من الحيرة» (3)، و «الحاصل والمحصول» مقاولات
~~على ذوات الحقائق باعيانها، فلذلك صارت هذه المراتب وغيرها مما يحتاج إليه
~~الباحث مبرهنة فيها دون غيرها من الكتب، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي
~~العظيم.
# فاذا سأل سائل عن الايمان، ايمان الانس بالقوة، والانس بالفعل، هل هو متساوي
~~او متقارب؟ قلنا له لا بد لهذا الجواب من مقدمات نقربها الى افهام الباحثين،
~~ونقررها في اوهام الطالبين، وذلك ان نقول بقوة الله ومنة اولياءه المانين
~~علينا جماعة المستجيبين: ان المعاني هي الهويات الذاتيات التي يشار إليها
~~بالوجود، والاسماء دالات على تلك المعاني باعيانها وباسم واحد لمعنى واحد لا
~~يجاوز ذلك، وهي محمولات على المعاني التي هي الهويات والصفات محمولة على
~~الاسماء التابعة لها مخبرة بافعال الهويات وجواهرها وايجابها وكمياتها
~~وكيفياتها وسائر اغراضها، فالاسم هو فرس وحمار وثور فلا يقع الا واحد على
~~نوع واحد من أنواع الجسم فقط، اعني ان الفرس هو نوع واحد من انواع الحي الذي
~~هو الجنس، وكذلك الثور والحمار، والصفة كالكاتب والطويل والاسود والغني، وما
~~يجري هذا المجرى من الصفات التي هي كثيرة لاحقة بالاسم محمولة عليه، والاسم
~~واحد لنوع واحد وشخص واحد، والصفة كثيرة لواحدة، وواحدة لكثير، اعني انه تقع
~~الكتابة والطول والسواد والغنى على رجل واحد، وتقع الكتابة والطول والسواد وغير
PageV01P079
# ذلك على كثير من الاشخاص أيضا، فمن حدودها انها واحدة لكثير، وكثير
~~لواحدة، وانها مشتقة، وان حد الاسم انه موضوع لواحد.
# فلو ان قائل يقول: انا قد نجد اسماء كثيرة واقعة على واحد مثل الصخرة
~~والقهر والحجر التي هي اسماء لمعنى واحد؟ قلت له: الاسماء المترادفة وان
~~اختلفت الفاظها من غير اشتقاق، يوجد فيها، فانها في الحقيقة اسم واحد، اذ لا
~~تدل الا على معنى واحد فقط، وان وجب ان يكون ذلك كذلك، فلننظر الآن الى ما
~~عرفناه من الاسماء التي فيها اسماء الله تعالى أهي الصفات بالحقيقة أم
~~الاسماء؟ فنقول: ان هذه التسعة والتسعين التي علمناها انما هي صفات كلها، ليس
~~شيء منها اسم حق، وذلك انا اثبتنا ان الصفات تكون مشتقة كثيرة لواحد وواحد
~~لكثير، ولما جاوزت هذه الاسماء، لان الاسماء من واحد، وكانت مشتقة، فعلمنا انها
~~صفاة الاسماء، لان الاسم يكون مشتقا ولا يجاوز الواحد من واحد، ومن هاهنا قال
~~الرسول (صلعم) ان لله اسماء تكملت بالمائة لا يعلمها احد الا فتح به كل
~~مغلق، وبدل به كل صعب، فقد ثبت بذلك ان هذه صفات محمولة على الاسم الذي ذكره
~~الرسول، والاسم لمعنى ما.
# ولننظر الآن في حقيقة ما قلناه ان هذه التسعة والتسعين صفات كلها، ليتضح
~~لنا ذلك لانا وجدنا القرآن يدل على اسم مستور عنا، وان هذه الاسماء صفات
~~لاسماء اخرى، وذلك انه امرنا تعالى ان نبتدئ ببسم الله الرحمن الرحيم، فلو
~~كان له اسما لما قال بسم الله، بل كان يقول بالله، هذا من طريق اللغة، وانه لا
~~يجوز ان يقول باسم الانسان، الا والاسم مضمر تحته، كزيد وخالد ومحمد، فلم يقل
~~هاهنا بسم الله، والاسم مضمر تحته بين الله والاسم أيضا، فقد قلنا ان الاسم
~~هو الذي لا اشتقاق له والصفات هي التي لها اشتقاقات، فالاسم مثل جبل وصخر
~~وفرس (1) وحمار، والصفة مثل الكاتب والطويل والقائم، وليس للصخر والجبل
~~اشتقاق، وللكاتب والطويل اشتقاق من اسم قبله، يعني الكاتب من الكتابة، والطويل
~~من الطول، والكتابة والطول مصادر لأسماء
PageV01P080
# ولا صفات، ومنها تصدر الاسماء التي هي بالحقيقة صفات لا اسماء، لان الاسماء
~~المشتقة منها هي الكاتب والطويل والغني وما اشبهها، وهي صفات محمولة على اسم
~~الانسان الذي هو زيد وخالد، فالمعنى هو الهوية قبل الاسم، والاسم محمول على
~~المعنى، والصفة محمولة على الاسم، لكن بين الاسم والصفة جوهر منه صدرت الصفة
~~عنه، اعني ان الكتابة قبل الكاتب والطول قبل الطويل، والسواد قبل الأسود، وليس
~~بين الاسم والمعنى الذي هو الهوية جوهر صدر الاسم منه لانه ليس بين معنى
~~الجبل الذي هو الهوية وبين الجبل الذي هو الاسم للجبلية وقد صدر الاسم
~~منها، يدل هذا الحال على ان الاسم للمعنى ليس بينهما واسطة، وان بين الاسم
~~وبين الصفة واسطة صدرت الصفة منها، وهي المصدر، وان هذه الصفات على
~~نوعين: احدهما صفات الفعل، وهي الصفات التي يوصف بها الله في شيء دون شيء، وهو
~~مثل قولك متكلم ومريد وخالق وغافر فيجوز ان يقول كلم موسى ولم يكلم
~~فرعون، فأراد اليسر ولا اراد العسر، وغفر لمحمد، ولم يغفر لأبي جهل وخلق
~~الانسان ولم يخلق افعاله، والنوع الآخر هو صفات الذات، وهي الصفات التي لا
~~يجوز ان يوصف الله بها في شيء دون شيء، وهو مثل قولك عالم وقادر فانه لا
~~يجوز ان تقول: علم موسى ولم يعلم فرعون كما جاز ان يكلم موسى، ولم يكلم
~~فرعون، وكذلك لا يجوز ان يقول قدر على كذا، ولم يقدر على كذا، فالآن اذا ثبت
~~ذلك فنقول: ان اسفل الصفات صفات الفعل مثل الغافر والخالق، ثم صفات الذات مثل
~~العالم، وفوقها المصدر الذي هو العلم والالوهية، وفوق الالوهية الاسم، والاسم
~~للمعنى لا محالة، والمعنى هو الهوية، فالاسم اذا محمول على تلك
~~الهوية، والجوهر الذي هو الالوهية بعد الاسم، وفوق الصفة، والصفة التي هي الله
~~مشتقة من تلك الالوهية التي هي الجوهر، وباقي الصفات تتبع هذه الصفة الواحدة
~~التي هي الله، مثال ذلك ان هوية الانسان هي الحاملة للاسم الذي هو زيد
~~وخالد، وزيد هو اسم الهوية، والكتابة جوهر يصير به الانسان كاتب، فالكتابة قبل
~~الكاتب وزيد قبل الكتابة لان زيد ولا كتابة ولا كاتب او كتابة، وكاتب مقابل
~~فضل نبع بينهما، فالمعنى هوية زيد والاسم والكاتب (1)
PageV01P081
# صفة زيد، والكتابة جوهر ما لزم من الروحانية والجسماني، ولا اطلاع عليها
~~لأحد من المخلوقين بحيلة من الحيل، والاسم لازم ذلك المعنى، ولا يعرف، ولا غير
~~الاسم، ولا اسمعنا به، الا انه قيل لنا ان الله اسما عظيما يفتح به كل
~~مغلق، ويدل به على كل صعب، والجوهر الذي اشتقت منه الصفة هو العلة التي ظهر
~~منها كل معلول، وهي دون الاسم، وفوق الصفة، فأول الصفاة هو الله مشتق من ذلك
~~الجوهر الذي هو العلة، وهو الالوهية، وهو الخلق الاول الذي هو القلم، ثم تطرد
~~الصفات الى ان يتبع هذه الصفة على معاني الحدود حتى ينتهي الى الآخر الذي
~~لا حد له، فمقدارنا الذي نحن فيه اليوم هو هذه الصفات التي حصلت لنا بمنزلة
~~الاسامي، ومقدار الرسل انهم قد اتصلوا بالاسم الحق كما قيل في الاخبار انهم
~~كانوا يعرفون الاسم الاعظم، وكما امر الله رسوله في قوله: فسبح باسم ربك
~~العظيم، كذلك الجن بالفعل قد اتصلوا بالاسم كما اتصلت به الرسل لانهم قد
~~بلغوا في الدنيا في قوالبهم الى مرتبة الانس بالقوة، ثم اجتازوا الى درجة
~~الجن بالفعل، الى ان استحقوا النبوة والرسالة.
# فقد ثبت بما بيناه خمس مراتب اسفلها صفات الفعل، ثم الذات، ثم المصدر، ثم
~~الاسم، ثم الهوية، فنقول الآن: ان البهائم لا تعرف شيئا من الصفة، والانسان
~~بالقوة ينتقل الى درجة الجن بعد مفارقة القالب، كتنقله عن صفات الذات، فجعلت
~~له بمنزلة الاسم، فاذا انتقل الجن الى درجة الملائكة عند النفخة الاولى كشف
~~لهم عن المصدر وجعل لهم بمنزلة الاسم، واذا انتقل الملائكة عند النفخة
~~الثانية الى الجنة التي هي الدرجة السابعة كشف لهم عن الاسم الحق المحض في
~~حد الاشراق حيث يقول تعالى:
# وأشرقت الارض بنور ربها، ولا اطلاع لا حد من المخلوقين على الهوية بحيلة
~~من الحيل، فبهذا المقدار يعرف التفاوت فيما بين ايمان كل مستفيد، وان من
~~نوره وتأويل الصعود الى السماء، هو الصعود الى العلم الملكوتي التأييدي، عنى
~~به ان كل من ايد من عنده فقد على الى الحد السامي في العلوم، وانما سمينا
~~هؤلاء الحدود اسماء الله وصفاته لانهم دالون الى التوحيد قائمون للدلالة
~~الى تجريد الله تعالى، وحد الاسم هو ان يكون دليل على المسمى وانه وضع لحاجة
~~غيره ولا لحاجة المسمى به، لانه تعالى لا يحتاج الى الوقوف
PageV01P082
# على اسمه، لكن الطالب له والمحتاج إليه يستدل عليه بالاسم، والصفات هي ما
~~دون النفس من جميع الحدود الروحانية والجسمانية.
# والصفات على نوعين، صفات الذات، وصفات العقل، فصفات الذات هي الحدود
~~الروحانية، وصفات العقل هي الحدود الجسمانية، وصفات الذات لا يراها الا
~~الخواص، وصفات العقل يراها الخواص والعوام جميعا، وهذا الموجود في
~~الشاهد، وذلك لان صفات الذات على المجاز فيما بينا وهي التي لا تفارق
~~الموصوف كالعلم والجهل والقدرة والكرم والرحمة والرأفة، وصفات الفعل هي التي
~~تفارقه كالظلم والعدل وسفك الدم (1) والقتل، وصفات ذلك الملك لا يراها الا
~~خواصه وندماه، وصفات فعله يراها الخواص والعوام جميعا، كذلك الخواص الذين هم
~~المؤيدون بمعرفة الجسمانيين الذين هم صفات الفعل، والروحانيين الذين هم صفات
~~الذات على الحقيقة، والعامة لا تعرف معانيه الا بالحدود الجسمانية الذين هم
~~صفات الفعل، وقد قال الله تعالى: @QUR7.180@015 ولله الأسماء الحسنى فادعوه
~~بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون يعني ان هؤلاء
~~الحدود الجسمانيين والروحانيين الذين بمعرفتهم يصل المستجيب الى التوحيد
~~وذروا الذين يلحدون في اسمائه، يعني ارفضوا جميع من انكر هؤلاء الحدود وعدل
~~عنهم وكفر بهم، والمصدر هو النفس، وكما ان المصدر اشتقت الصفات كلها منه، كذلك
~~من النفس ولدت الحدود الجسمانية والروحانية، وكما ان المصدر واسطة بين الاسم
~~والصفات، كذلك النفس واسطة بين العقل وسائر الحدود التي دونها، وكما ان العقل
~~تام لا يزيد ولا ينقص، والواحد الذي هو دليل عليه لا يزيد ولا ينقص من
~~واحد، وكما ان النفس داخلة في العمل، والاثنين الذي هو دليل عليها، والنقطة في
~~الزيادة والنقصان، واللفظة الثانية التي هي اول نقطة خط الدائرة داخلة في
~~العمل، لان النقطة متولدة منها، متصلة بها، كذلك المصدر داخل في العمل، لان
~~الصفات المشتقة منه متصلة به، فالنبات الذي هو فيه احد القوى السبع الذي لا
~~يرى صفات الفعل ولا يعلمها، والحيوانات
PageV01P083
# الخرس ترى صفات الفعل، ولا ترى صفات الذات، ولا تعلمها، ومن هاهنا شبه الله
~~القشرية بهم حيث قال: @QUR7.198@013 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم
~~ينظرون إليك وهم لا يبصرون وحيث قال: @QUR7.179@031 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا
~~من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان
~~لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون لانهم لمسوا
~~التنزيل وأقروه وعاينوه، لكن عمت قلوبهم عن معرفة معانيه، وتأويل متشابهه، كما
~~ان الانعام رأوا صفات الفعل، وعميت قلوبهم عن معرفتها، وقد ساواهم الله معهم
~~حيث قال: @QUR7.179@06 أولئك كالأنعام بل هم أضل اي ترى الاشخاص وتسمع
~~الاصوات ولكنها عاجزة عن معرفة ما في الشخص من المضار والمنافع، كذلك
~~القشرية يريدون القرآن ويقرءونه، ولا يعرفون ما فيه من مضارهم
~~ومنافعهم، واللبية يعرفون ذلك جميعا، فلذلك اثبت الله لهم ما نفاه عن القشرية
~~في قوله تعالى: @QUR38.45@09 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي
~~الأيدي والأبصار فدلت هذه الآية على ان من خالف امر الله ليس بأولي الايدي
~~والابصار لانه قد نفى عن القشرية ذلك بقوله تعالى: @QUR7.194@015 إن الذين
~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين
~~@QUR7.195@ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون
~~بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون
فقد تبين بهذه الآية ان ليس لهم ارجل ولا أيد ولا اعين ولا اذان، فلو كان
~~بما وصف عنه من جوارح الجسد لكان كل من خالف امر الله بغير أيد ولا ارجل
~~ولا اعين ولا اذان، ولم يكن ينالها الا اولي الالباب، لكن عنى بما وصف به
~~عباده المصطفين لتهيئوهم لقبول ما في العالم العلوي، اذ المثاب بعد الموت لا
~~يخلو من الايدي ولا الارجل والاعين والآذان الروحانية، بما قدمنا ذكره، ولا
~~تكن هذه الاشياء للمعاقب بعد الموت الا منكوسة لا ينتفع بها بل يؤلم بذلك
~~ويعذب به، والمستجيبون والمأذونون والاجنحة يرون صفات الفعل الذين هم
~~الحدود الجسمانية، ويتصلون
PageV01P084
# بها، ويعلمونها، ولا يرون سائر الصفات ويعرفونها، والمريدون والجن بالفعل
~~يرون صفات الذات الذين هم الملائكة، والصور التامة فيعلمونها ولا يرون
~~المصدر الذي هو النفس ويعرفونه، ويتصلون بالاسم الحق الذي هو العقل بواسطة
~~الملائكة والصور التامة والملائكة بالفعل يرون الصور التامة والمصدر الذي
~~هو النفس ويعلمون ولا يرون الاسم الحق الذي هو العقل ويعرفونه ويتصلون به
~~بواسطة الصور التامة والمصدر والصور الروحانية التامة ترى المصدر التي هي
~~النفس، والاسم الحق الذي هو العقل ويتصل بالاسم الحق بواسطة المصدر، فلو كان
~~النبات يرى صفات الفعل لما كانت البهائم واسطة بينه وبين البشر، ولو كانت
~~البهائم تعلم صفات الفعل كما تراها، ما كان البشر واسطة بينها وبين المؤيدين
~~والجن بالفعل، ولو كان البشر يرون سائر الصفات كما يعرفونها لما كان
~~المؤيدون وسطاء بينهم وبين الملائكة الذين هم صفات الذات، ولو كان المؤيدين
~~والجن بالفعل يرون المصدر كما يعرفونه، لما كانت الملائكة والصور التامة
~~وسطاء بينهم وبين المصدر، ولو كانت الملائكة بالفعل يرون الاسم الحق كما
~~يعرفونه لما كانت الصور التامة والمصدر وسطاء بينهم وبين الاسم الحق، ولو
~~كانت الصور التامة لا ترى الاسم الحق، لما استحقت ان تسمى صورا تامة بل
~~كانت، نواقص بعجزها عن رؤية المبدع التام.
# وفيما يلي صورة ما بيناه من الصفات والاسماء.
PageV01P085
# > CS
PageV01P086
# فان قال قائل ما ينكر ان تكون الصورة التامة تعرف الباري تعالى عند
~~رؤيتها لاسم الحق، كما وجب على الملائكة بالفعل عرفان الاسم الحق عند رؤيتهم
~~المصدر؟ قلنا له:
# هيهات انا اوجبنا على الملائكة بالفعل عرفان الاسم عند رؤيتهم المصدر، لان
~~المصدر خلق من الاسم، كما ان الابن في الشاهد خلق من الأب، والمصدر والمطر
~~خلق من السحاب، فعلمت الملائكة بالاسم عند رؤيتهم المصدر، كما يعلم الأب
~~العاقل عند رؤيته الابن، والسحاب عند رويته المطر، فأما الاسم الحق فقد
~~انقطعت الاوهام فيما وراءه، لانه ابدع لا من شيء، لان الباري هو الذي
~~@QUR112.1@016 قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا
~~أحد فلذلك لم يجز للصورة التامة عند رؤية الاسم عرفان الباري تعالى، وان
~~الاسم الحق نفسه عاجز عن معرفة الباري تعالى، عجز الجسمانيون عن ذلك، فكيف
~~يطيق من وراءه ان يعرف الباري، وهذا الذي قلناه هو جواب طويل، فاما الجواب
~~الموجز فهو قولنا ان المصدر لما خلق من شيء، وجب عند رؤيته عرفان الشيء.
# فان قال قائل لما ذا قلت ان صفات الذات هم الحدود الروحانية، وصفات الفعل
~~هم الحدود الجسمانية؟ قلنا له لان صفات الذات والموصوف بها اعلى من صفات
~~الفعل الموصوف بها كما ان الروحانيين اعلى من الجسمانيين، وان صفات الفعل هم
~~الحكماء الاربعة وأوصياؤهم الاربعة، والاسماء الثمانية والعشرون في ادوارهم
~~الاربعة في كور القرار، ثم النطقاء الاربعة واسسهم الاربعة والاسماء
~~الثمانية والعشرون في ادوارهم الاربعة في كور التعبد، ثم الناطقان واساسهما
~~والاسماء الاربعة عشر في دوريهما وصاحب الكشف والخلفاء السبعة فيما بينهما
~~في كور العلم، فجميع ذلك تسعة وتسعون حدا تصديقا لقول الرسول: ان لله تسعة
~~وتسعون اسما من احصاها دخل الجنة، يعني من أقر بها وعرفها دخل الجنة، وكل من
~~خرج من هذا العالم السفلي صار من صفات الذات، والذين لم نذكرهم تكملة
~~الوجبة وهم: احد وعشرين نفرا سوى الساقط، لانهم مستورون عند اصحاب
~~الرهائن، ووجه آخر وهو التسعة والتسعون الصفات الذين بعضهم صفات الفعل،
~~وبعضهم صفات الذات، فصفات الذات السابق والتالي، وهما اسم الله وآله والحروف
PageV01P087
# العلوية (1) السبعة، والفروع الثلاثة والجنسان والاسماء السبعة، وساعات
~~الليل والنهار وأياديهم والجناح والنطقاء الخمسة، لان احدهم قد عد مع
~~بابه، واسسهم الاربعة، لان شيئا لا يعد معهم لانه لم يكن لآدم شريعة يحتاج
~~الى تأويلها، والخلفاء السبعة الذين هم خلفاء صاحب التأويل والملائكة الاثنى
~~عشر الذين امرهم الله بالسجود لآدم، وهم الذين في الستر يتغيبون، وبظهور
~~القائم يظهرون والقائم المتمم للجميع، والقاضي لديون آبائه اجمعين، وهذه تسعة
~~وتسعون حدا ذكرها الحكيم الصادق اعلى الله درجته في «الحاصل والمحصول» وقد
~~قال الرسول: ان لله تسعة وتسعون اسما من احصاها دخل الجنة، يعني من عرفها
~~وتولاها، وأنزل كل حد منزلته الموهوبة له، استحق المفاتحة، واطلق وانتج له
~~التقلب في عالم الحقيقة في الدنيا، ووجب له الثواب الجزيل في الآخرة.
# فان قال قائل فمن الموصوف بصفات الذات، ومن الموصوف بصفات الفعل؟ قلنا
~~له: ان الموصوف بصفات الذات هو العقل الذي هو الاسم الحق، وذلك لانه الأول
~~الذي لا جوهر له، منه ابدع، والاسم الذاتي لا انشقاق له، والعالم الذي لا علم
~~له منه علم، والقادر الذي لا قدرة له منها قدر، والحي الذي لا حياة له منها
~~حي، فهو اذا الأول الذي ابدع لا من شيء والقادر الذي قدر لا من شيء، والحي
~~الذي احي لا من شيء اول بذاته، واسم بذاته، وعالم بذاته، وقادر بذاته، وحي
~~بذاته ولو لم يكن كذلك لكان محتاجا (2) الى علم به يعلم، والى قدرة بها
~~يقدر، والى حياة بها يحى، والى جوهر منه يبدع، ولو كان محتاجا ما كان تاما، واذ
~~لم يكن تاما لم يكن اول شيء ابدعه المبدع، فان الموصوف بصفات الفعل هي النفس
~~لانها اخرجت جميع ما كان في حد القوة بما استفادته من مركزها الذي هو العقل
~~الى حد الفعل، فهي اذا عالمة بعلم، وقادرة بقدرة، ومؤيدة بإرادة، وان علمها
~~وقدرتها وارادتها هي القوة التي استفادتها من العقل، فعلمت بتلك
~~القدرة، وكذلك سبيل سائر الصفات، وكذلك من دون النفس
PageV01P088
# الروحانيين والجسمانيين يعلمون بعلم استفادة من غيرهم وبقدرة يعطيها
~~اياهم غيرهم، وكذلك قال الله تعالى: @QUR12.76@034 فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء
~~أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين
~~الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم يعني ان كل
~~من هو دون العقل، فاما الباري فلا يجوز ان يقال له فوق ولا تحت ولا دون ولا
~~غير ذلك.
# فان قال قائل اخبرني عن افضل الصفات واعلاها؟ قلنا له افضل الصفات واعلاها
~~ما جمعها الله تعالى في بسم الله الرحمن الرحيم، وأفضل هذه الاسماء المجموعة
~~فيها بما في قوله: لا إله الا الله، وتأويل لا إله الا الله، انها أربعة اشياء
~~اسمان لطيفان خاصيان وهما الله وإله، وكلمتان عاميتان وهما لا، وإلا احدهما
~~نفي والآخر اثبات، فالاسمان اللطيفان دليلان على العقل والنفس البسيطين
~~الذين هما اصل العالمين السفلي والعلوي ومن فيهما، وذلك ان اسم الله الاعظم
~~دليل على العقل الذي يدل على وحدانية الباري تبارك وتعالى وكذلك قالت
~~الحكماء: ان الاسم غير المسمى وهو دليل على المسمى، وان الكلمات الاربع في
~~الشهادة، وان العقل لما ابدعه المبدع جمع في صورته الاصول الثلاثة التي هي
~~النفس والناطق والصامت وان حروف الله مقابل ركعات صلاة الفجر، وقد بينا
~~تأويلها في صدر كتابنا هذا، وفيه غنى عن إعادتها ثانيا، وإله دليل على التالي
~~وهو ثلاث احرف مقابل فريضة صلاة المغرب اي ان الله جمع في صورتها الاصليين
~~السفليين الذين هما الناطق والصامت، وهذان الاسمان سبعة احرف يعني ان
~~الاصلين مجمع الحروف العلوية السبعة، وانما كانت ركعات سنة صلاة الفجر قبل
~~فريضتها، وسنن سائر الصلوات بعد فرائضها ليكون ذلك دليلا على انهما دليلان
~~على اصلين من الاصول الاربعة، فلا يذهب علينا عددها عند الاصول، وسائر السنن
~~دلائل على الفروع دون الاصول، وهو دليل على الناطق أيضا، وهي قطعتان مقابل
~~السجدتين، الا ان الله جمع في علومه علم الصامتة لا دليل على الصامت وهي
~~قطعة واحدة مقابل الركوع، الا ان الله لم يجمع فيه شيء من حدود غيره من
~~هؤلاء الاصول
PageV01P089
# الثلاثة، وهاتان الكلمتان خمسة احرف اي انهما يجمعان الامام واللاحق
~~والجناح (1) والمأذون والمستجيب، ولو ان الكلمة لا تكون اقل من حرفين، والا
~~كانت دليلا على الناطق بحرفين، وعلى الصامت بحرف واحد، كما كانت دليلا على
~~العقل بأربعة احرف وعلى النفس بثلاثة احرف، فلما لم يكن للرسول اخراج حرف
~~واحد بدل كلمة واحدة جعل الدليل عند ذلك في القطعة دون الحروف واجتهد فيها
~~حتى تهيأ له تحصيل قطعة هي عند العوام حرفا واحدا، فهذه أربعة افراد، زوج
~~منها جامع العالم العلوي والسفلي، وهما الاصلان القلم واللوح، وزوج جامع
~~الازواج لهذا العالم السفلي، وهو الناطق المستفيد علمه من عند
~~الأصلين، والصامت القابل منه بحسب صمته، وخضوعه على سبيل الروحانية، لا بآدابه
~~الجسدانية لقبول عامة البشر خصوصية جارية بينهما، ومثلهما في ذلك مثل آدم
~~وحواء حين خلق آدم من الارض، وخلقت حواء منه، وانهما قد خصا بذلك دون سائر
~~البشر، وان احدى كلمتي الشهادة مضافة الى احد الاسمين الذي هو الابتداء، وهو
~~قوله: لا إله، فذلك دليل على ان الصامت في دار العمل مقامه مقام النفس في
~~العالم العلوي، وان منه تكون ابتداء الشهادة، وقد اقيم للتأويل لينفي بحسن
~~بيانه الالوهية عن المخلوق والمبدع اللذان هما النفس والعقل، وان الكلمة
~~الاخرى في الشهادة مضافة الى الاسم الانتهائي، وهو قوله: فتلك الانفس البسيطة
~~بكفايتها اعجزتنا عنها، ولما عجزنا عنها علمنا انها بصفتها بالقول المنطقي
~~اعجز، ولما صح عندنا عجزنا عن الوقوف على الانفس البسيطة بكفايتها، وعن
~~صفاتها بالقول المنطقي، ثبت بذلك عندنا اننا بالوقوف على مبدعها، ووصف باريها
~~اعجز، لكنا لما رأينا في المعقول المدرك قوة تامة، ووجدنا انفسنا عاجزون عن
~~الاتيان بمثلها، ثم وجدنا مفعولا غير مدرك، وكان وجودنا اياه ليس بوجود او
~~وقوف على كيفيته بل وجود اثباته بما ظهر من افعاله المتقنة، فعلى ما ظهر من
~~افعاله حكمنا على جلالته وعلوه عن الاحاطة به، لان كل ما هو الطف فهو احوط
~~على الاشياء من الاكتف، فوجدنا أيضا المخلوق على ما وصفنا، والمبدع على ما
~~ذكرنا، فثبت لنا ان القول والوصف منقطعان عن المبدع، سوى ان نقول: مبدع
~~الاشياء لا من شيء،
PageV01P090
# لم يزل هو فقط ولا شيء معه، وهو الواحد الذي ليس بواحد الاعداد، لان واحد
~~الاعداد يتكثر وهو لا يتكثر، ابدع بوحدته صورة العقل، وهي صورة واحدة تكثرت
~~بما انبعث منها، وهو النفس بخلق واحد محض، فظهرت الوان الصور من المنبعث منها
~~على قدر ما فيها من طبقات الانوار فصارت تلك الطبقة صورا كثيرة، وان الحكيم
~~الصادق اعلى الله درجته قال في كتاب «المحصول» عند فراغه من القول في
~~المبدع، وانما يتهيأ لنا هذا القول في المبدع بما من علينا من آثاره المؤثرة
~~فينا من جهة العقل والنفس، لا عن وقوف منا على شيء، وهذا المقدار هو الذي
~~اخرجنا من الفناء الى البقاء الابدي، وقد اوردنا من القول في المبدع من باب
~~الاثبات، ونفي الصفات، ما فيه كفاية للمسترشد، وميلا من الوقوع في التشبيه
~~والخروج منه الى التعطيل، اذ ان المعرفة المحضة هي الخروج من تشبيه ما ادخله
~~النطقاء صلوات الله عليهم في مرموزات (1) كلامهم، لما جعلوا كلامهم الروحاني
~~جسمانيا تعطفا منهم على اممهم لمعرفتهم ما هم عليه من العجز عن قبول الكلام
~~البسيط ما لم يجعل جسمانيا مشاكلا لاجسادهم المركبة، ثم نفوا عنه ما الصقوا
~~به من التشبيه بالتأويل الصحيح، ومن لم ينل من اتباعهم التأويل لا يعدوا من
~~احدى الحالتين، اما ان يعتقد بان الامر على ما يجد من نص التنزيل من غير
~~تأويل، ويتهيأ له بذلك دفع الصفات والاضافات في محض التشبيه، لانه تعالى يقول
~~في كتابه: @QUR10.39@020 بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله
~~كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين فقد دل بقوله هذا ان
~~من تخلف عن التأويل لم يحط علمه بكيفية الشيء، لان الإحاطة بحقيقة الشيء
~~يكون بعلم التأويل، لان علم التأويل هو علم الانتهاء، به يتم علم الإحاطة
~~والمنكر له واقع في التشبيه والشرك، وكذلك قال الله تعالى: @QUR12.106@08
~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وقال الرسول: الشرك في امتي اخفى من
~~دبيب نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء، واما ان يذهب على رأيه الضعيف
~~فينبذ ما في التنزيل وراء ظهره، فيخرج منه الى الزندقة والتعطيل، لانه
PageV01P091
# لما فارق التنزيل، وانكر صاحب الظاهر والباطن ظاهرا وباطنا معا.
# فأما تأويل بسم الله الرحمن الرحيم، فهو انها اربع كلمات دالات على الاصول
~~الاربع «بسم» دليل على النفس لانها قامت للفعل مقام الاسم لدلالتها عليه، وهي
~~ثلاثة احرف كحروف إله، وركعات فريضة صلاة المغرب لا الأساسين مبروزين في
~~النفس، وهي أربعة احرف بالقوة والرمز، كما ان الاربعة احرف بالقوة، وفريضة
~~صلاة الظهر اربع ركعات بالقوة، يعني ان النفس هي العقل بالقوة، تصير يوما ما
~~مثله، وذلك لان الحرف الناقص من بسم وآله هو الألف، ومن صلاة المغرب هو
~~الانتصاب الذي هو دليل علي الخط المستوي، فيشبه الألف، والألف دليل على
~~العقل، يعني ان ليس في النفس نقصان شيء من المراتب والفضائل الا مرتبة
~~العقل، وكما ان الألف لا يتصل بشيء من الحروف، بل الحروف تتصل بها، كذلك العقل
~~لا يتصل بشيء من الحدود، والحدود كلها متصلة به، والباقي حروف المعجم دليل
~~على النفس، وكما ان النفس تتصل بالفعل، والحدود متصلون بها، فلذلك الباء تتصل
~~بالحروف، والحروف تتصل بها، وكما ان العقل اول الحدود، والنفس ثانيه، كذلك
~~الألف اول حروف المعجم، والياء ثانيهما، وكما ان العقل لا يدخل في العمل
~~كالواحد من العدد، والمركز من الدائرة والنفس داخلة في العمل كالاثنين من
~~العدد، وأول نقط الخط من الدائرة، كذلك الألف لا تدخل في العمل، اذ هو مركز
~~الحروف، وأولها، والباء كأول نقطة الخط للحروف، وبذكرها يبتدئ كل عمل، ويقرأ
~~كل شيء، ان هي اول حروف بسم الله الرحمن الرحيم، ولذلك اسقط الرسول البسملة
~~من سورة التوبة لوجود الياء في اولها، والدلائل على ان العقل لا يدخل في
~~العمل، والنفس داخلة في العمل، اكثر من ان يعد وأشهر من ان يوضح، وكذلك كان
~~الثاني ان يوضح، وكذلك كان الثاني من كل شيء داخلا في العمل دون الاول، من
~~ترك ذكر الكور الاول، وابتداء ذكره في الكور الثاني، ونفي الشريعة من الدور
~~الاول، وإثباتها في الدور الثاني، وكنفي تناسل الائمة من الامام
~~الاول، وابتداء تناسلهم من الامام الثاني، وكنفي الحرف الاول من ابتداء
~~السور، وابتداءها من الحرف الثاني، وكنفي الزيادة والنقصان من اول الحساب
~~الذي هو الواحد،
PageV01P092
# وابتداءها من الاثنين، وكإسقاط اول النقطة من الدائرة، وكابتدائها من
~~النقطة الثانية، وكإسقاط المركز من اسم الله حتى صار مستورا، وابتداءه من
~~الاسم الثاني، الذي هو الله، وكإسقاط المركز من الثالث والسبعين حتى لا يعد
~~منهم، وكإسقاط المركز من الصدقة حتى يذكر ابدا خارجا من ذكره، وكإسقاط الصلاة
~~الاولى من الاولية، وابتدائها من الثانية، حتى قيل ان اول صلاة فرضت تسمى
~~بالفارسية «بمارنين» (1) وكإسقاط اول الايام من العدد، وابتداءها من اليوم
~~الثاني، وكإسقاط اول البروج بالعلامة، وابتداءها من الثاني، ومثل هذا كثير
~~تركت ذكره مخافة التطويل، فالله دليل على العقل، وهو أربعة احرف: لان اصول
~~الثلاثة مبروزة فيه وكما ان اول بسم هو الحرف الذي هو الدليل على
~~النفس، كذلك اول حروف الله هو الحرف الذي يدل على العقل، والرحمن دليل على
~~الناطق الذي بسط الرحمة للانام بما فرش لهم من الدعوة فوسعهم ذلك كلهم
~~اجمعين، فغير محظور عليهم ولا ممنوع منهم، وهو سبعة احرف ستة منها مثبتة في
~~اللفظ والكتابة جميعا، وواحدة مثبتة باللفظ، خفية بالكتابة، يعني ان النطقاء
~~الستة يعرفون باسمائهم، وظاهرون في شرائعهم عند القشرية واللبية
~~جميعا، ومرتبة القائم سلام الله على ذكره ظاهرة عند اللبية خفية عند
~~القشرية، والرحيم دليل على الاساس، وهو ستة احرف، يعني ان الاسس ستة، وذلك انه
~~ليس للقائم شريعة يحتاج فيها الى اساس لبيان تأويلها، وقد قال الرسول: الرحيم
~~اسم راق من الرحمن يعني ان الاساس راق لاهل الحرم بما فاتحهم به من بيان
~~ظاهر الناطق تعطفا عليهم ورحمة لهم، وقال امير المؤمنين:
# الرحمن منه الرحمة، والرحيم منه المغفرة، اي ان من الناطق الإيقاظ والاعذار
~~والإنذار رحمة لهم، ومن الصامت البيان والهداية، وبهما تقع المغفرة
~~للانام، قال جعفر بن محمد:
# رحمن باهل الدنيا برهم وفاجرهم، رحيم بمن قال لا إله الا الله، اي ان ظاهر
~~الناطق يناله اهل النجدين البر منهم والفاجر، وان باطن الاساس لا يناله الا
~~الموحدون من اهل الحرم، وان الرحيم مشتق من الرحيم ولذلك قال الرسول: الله
~~الرحيم، انا الرحيم، وانت
PageV01P093
# شققت (1) اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته، اي ان رحمة الاساس
~~الذي هو حقيقة صلة الرحم، اشتمل على المحقين دون المبطلين، وان الرحمة كتبت
~~للابرار دون الفجار، وبها نالوا المغفرة دونهم، وقد قال رسول الله (صلعم):
# صلة الرحم تزيد في العمر وقاطع الرحم ملعون: فصلة الرحم هو ان من وصل
~~الاساس بالناطق، واللاحق بالمتم لم يزل في زيادة من اقتباس الرحمة والنعمة
~~والبركة التي هي عمارة دينه، حتى تؤديه في ذلك الى العمر الازلي، والكرامة
~~الابدية، وان من قطع بين الاساسين وبين الفرعين، ودعا الى النجدين دون الآخر
~~فهو ملعون منفي مطرود، من حرم الله في العاجل، ومن ثواب الله في الآجل، وهذه
~~كلمة أربع: فهي آية واحدة، وهي فاتحة الكتابة، اي ان الأساسان فتحا الدعوة
~~الى الشريعة والبيان، وفاتحا الناس بما ايد كل واحد منهما بمقدار من
~~الاصلين، وكانت الاصول الاربعة كلها في ذلك يدا واحدة.
# وهذه الآية تستفتح كل كتاب، اي بهذه الحدود تستفتح كل دعوة وهم مفاتيح
~~الحكمة وينابيع العلم في كل شريعة، وان هذه الكلمات الأربع مجمع احد وعشرين
~~حرفا تسعة عشر حرفا ظاهرة في اللفظ والكتابة (2) جميعا، وحرفان ظاهران في
~~اللفظ واللغة، خفيان في الكتابة، فذلك دليل على ان الاصول الاربع مجمع
~~الحدود الى الاحدى والعشرين تسعة عشر حدا منها قابلين التأييد، واقفين على
~~التأويل، وهم الائمة السبعة، واللواحق الاثنى عشر، وواحدان منها واقفان على
~~التأويل، عاجزان عن قبول التأييد، وهما الداعي والمستجيب، وهي احد عشر
~~فصلا، فصلان منها لا يريان بل يوقف عليهما بالعقل، والفصول التسعة الباقية
~~مرئيون مدركون، فذلك دليل على ان الدعوة الى الشريعة، والبيان في كل دور
~~مقسومة منفصلة على الاساسين والاسماء السبعة الجسدانيين المرئيين المؤيدين
~~من الاصلين الذين لا يريان بل يثبتان بالعقل، والدليل بالحروف في هذه الآية
~~كلها من عشرة جواهر، وتلك دلائل على الحدود العشرة الممنون عليهم بالنعمة
PageV01P094
# والبركة، المخصوصون بمراتب الدعوات الى توحيد الله تعالى، خمسة منهم
~~روحانية وهم:
# الاصلان والجدان والخيال، وخمسة جسمانية وهم: الاساسان والفرعان
~~والجناح، وان الخمسة من هذه الحروف مكررة وخمسة منها غير مكررة، اي ان مراتب
~~الخمسة الجسمانيين تكرر في كل دور فيقام مقامهم في كل شريعة من يعطي
~~مراتبهم مثل الاساسين والفرعين والجناح فعلى هذا كان الرسم في كل شريعة
~~فكلما انقضى اهل دور اعطيت له هذه المراتب، ومن يقوم مقامهم في الدور
~~المستأنف، سنة الله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، وان مراتب
~~الخمسة الروحانيين هي باعيانها قائمة في كل دور كالاصلين والجدين
~~والخيال، اي قائمة لا تغيير لها ولا تبديل فيها، وان سبيلها غير سبيل
~~الجسمانيين.
# ووجه آخر من التأويل ان منها ما هي مكررة وهي خمسة احرف، اي ان كل واحد من
~~الحدود الخمسة الجسمانية ربما يبلغ من حد الى حد، فيعاد العقد عليه، ويكرر في
~~كل مرتبة وذلك مثل الجناح ربما يبلغ من حد اللواحق، واللواحق ربما يبلغ الى
~~حد الانماء، والمتم ربما يبلغ الى حد الاساس، والاساس ربما يبلغ الى حد
~~النطقاء (1)، ومنها ما هي غير مكررة وهي خمسة احرف، اي ان الحدود الخمسة
~~الروحانية لا يكون العقد عليهم لانهم لا ينتقلون من مرتبة الى مرتبة.
# وان هذه الحروف العشرة هي الألف واللام والحاء والميم والنون والراء
~~والسين والياء، فالالف دليل على العقل، لانه المؤلف بين جميع الحدود، بما
~~يبدو منه من البركة الجارية إليهم، ولان الحدود جميعها اتصلت به، ومما يجري
~~منه إليها انتظمت، والألف في الهجاء هي الألف، فكما ان الألف محيط بالاصول
~~الثلاثة التي هي المائة والعشرة والواحد، كذلك العقل محيط بالاصول الثلاثة
~~التي هي النفس والناطق والاساس، وكما ان الاساس الذي هو آخر الاصول واسفلها
~~راجع الى العقل الذي هو اول الاصول واعلاها، فصارت دائرة كرجوع التراب الذي
~~هو آخر الامهات وأسفلها الى النار الذي هو اول الامهات
PageV01P095
# واعلاها، وذلك لأن من العقل ابتدأ التأييد، ومن النفس تراكيب العالم، ومن
~~الناطق تأليف الشرائع حدا، وتراكيب العالم، ومن الاساس تأويل
~~جميعها، وبالتأويل يستفاد التأييد، كذلك الألف من الألف دليل على
~~العقل، واللام دليل على النفس، واللام والفاء منها دليلان على الاساس الراجع
~~الى العقل، لانهما مرافقان لاسم الاساس في حساب الجمل، وان في الرحمن
~~الفين: احداهما مثبتة في اللفظ والكتابة، والاخرى مثبتة في اللفظ خفية في
~~الكتابة، وليس في الرحيم الا الف واحد، فذلك دليل على ان للناطق مثل ما
~~للاساس، وانه يتبين له من ذلك نصف ما يجري إليه، للذكر مثل حظ الانثيين، وانه
~~يكتم عنه ما يتفرد به من حظه بحق النطق تفضيلا له عليه، وان الألفات في بسم
~~الله الرحمن الرحيم خمسة، اي ان في الحدود الاربعة الروحانية التي هي النفس
~~والجد والفتح والخيال من العقل اثر وليس دونه في الحدود الروحانية غيرهم
~~فهو اولهم، وان الالفين من هذه الالفات الخمس ظاهرتان في اللفظ، وألف غير
~~ظاهرتين في الكتابة. يعني انه قام في الاسم مقام التأييد، فصار الفتح
~~والخيال، وان كان كل اسم منها محمولا على جزء من اجزاء التأييد، فان التأييد
~~هو اسم محمول على هذه الاسماء الثلاث حامل لها، لان الجد هو الجزء الاعلى من
~~التأييد، والفتح هو الجزء الأوسط منه، والخيال هو الجزء الاسفل منه، والجد هو
~~خاصية الرسول، والفتح خاصية الوصي، والخيال خاصية الامام، فالرسول اذا رسول
~~ووصي وامام، لان له من الجد والفتح والخيال نصيب، والوصي وصي وإمام لا
~~رسول، لان له من الفتح والخيال نصيب، وليس له من الجد نصيب، لانا لو قلنا ان
~~له من الجد نصيب فقد اشركناه مع الناطق في رسالته، وهذا هو فساد منكر في
~~الدين مخالف في العقل، والامام إماما لا وصيا ولا رسولا، لان له من الخيال
~~نصيب، ولا جد او فتح له، فقد ثبت بما بيناه ان الالفات الثلاث الظاهرة في
~~اللفظ والكتابة جميعا دلائل على ان الحدين الروحانيين الذين هما النفس
~~والتأييد من العقل أثرا، وان الاثنين الظاهرين في اللفظ الخفيين في
~~الكتابة، يدلان على الفتح والخيال ظاهران في الحد الذي قام مقام التأييد عند
~~الاسم خفيان فيه في الاسم، والام دليل على التالي، لانه هو الذي تولى في بدء
~~ظاهر الخلقة، وتركيب العالم، وأولاه العقل بدء الاعمال
PageV01P096
# والتراكيب، والمرتبة بامر الباري تعالى وصيره بابه في اداء الجاري عنه الى
~~من دونه من الحدود، ون الألف في بسم الله الرحمن الرحيم اربع مرات اي ان في
~~الحدود الثلاث الروحانية التي هي الجد والفتح والخيال من التالي اثرا، وليس
~~دونه من الحدود الروحانية غيرهم، فهو رابعهم، والهاء دليل على الحد المنهي
~~للنطقاء حتى تهيأ لهم بواسطته معرفة الاصلين، والهاء في بسم الله الرحمن
~~الرحيم مرة واحدة، اي ان الجد لا يناله من الجسمانيين الا رجل واحد وهو
~~الناطق، وبهذه الاحرف الثلاثة التي سميناها قوام الشهادة ودوامها، وهي دلائل
~~على العقل والنفس والجد المتحد بالناطق، فالالف دليل على السابق، وانه خط
~~واحد غير مركب بخط آخر لا يتصل بحروف، وتتصل الحروف به، على ان السابق بسيط
~~محض غير منسوب بالتركيب لا بهويته ولا بفعله، وليس فوقه شيء يتصل هو به، بل
~~هو معلول بكلمة الباري، وعلة ثابتة فيه لا تفارقه، والحدود كلها دونه محتاجون
~~إليه، متصلون به في استفادة الكلمة، وان صورة اللام مثل صورة الألف مضموم
~~إليها خط بالعرض على ان التالي بسيط لأن هويته مثل السابق، وانه العالم مركب
~~من دونه، وشاهد السابق بدرجته المخصوصة به، وان الهاء هي ثلاث خطوط مركبات
~~مضمومات بعضها الى بعض، وهي دليل على الحد الذي هو ثالث الحدود الروحانية،
~~والجد هو التأييد المتحد بالناطق، ومن هاهنا خط في وسط الهاء، وخط اذا اتصلت
~~بحرف دونها، لان الهاء التي هي ثلاثة اضلاع دليل على الجد، فالجد اتحد
~~بالناطق دونه اذا زيد عليها خط في الوسط ليكون ذلك دليل على الناطق، والجد
~~والنفس والعقل، وذلك لان اول اضلاعها دليل على شهادة الناطق، لدرجة
~~السابق، والضلع الآخر بالعرض شهادة لالتصاق التالي به، وانه صاحب
~~التراكيب، والخط المخطوط في الوسط دليل على اقراره بانه متصل بالتالي
~~والسابق بواسطة الجد، والضلع الثالث طرف منه متصل بالضلع العرضي (1)، والطرف
~~الآخر متصل بالضلع الاول، فذلك دليل على اقرار الناطق بان ظهوره وتأليفه
~~الشرائع من التالي بواسطة الجد، وان بعد ظهوره بما
PageV01P097
# استفاده منه رجع الى السابق مع انه في العالم الجسماني بمنزلة السابق في
~~العالم البسيط فاستقام رجوع الناطق إليه، فهذه دائرة متصل اخرها بأولها، لان
~~الحروف الاخرى في الشهادة مكررات، وذلك دليل على ان من ظهر في العالم من بعد
~~الناطق المتصل بالاصلين بواسطة الجد الذي هو مجمع الخياليين، لم ينل شيئا
~~غير ما كان ناله الناطق، بل كلهم بمواده (1) سابحون، ليس لاحد منهم ملجأ غيره
~~ولا مأوى سواه، وهم كلهم متولدون منه بقوته الجارية إليه من الاصلين بواسطة
~~الجد، والحاء دليل على الفتح، اي به يتهيأ للاساس فتح كل ما اغلقه الناطق في
~~الشرائع، وأبطنه في التنزيل، وبه يستفتح كل واحد من الحدود ممن هو فوقه، وبه
~~يفتح عليه، وبه يتهيأ لأرباب الدين إقامة مفاتيح الأبواب، فالابواب دليل على
~~اللواحق، ومن هاهنا قال تعالى: @QUR12.67@029 وقال يا بني لا تدخلوا من باب
~~واحد وادخلوا من أبواب متفرقة: وما أغني عنكم من الله من شيء، إن الحكم إلا
~~لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون والمفاتيح دليل على الدعاة، والباب
~~الواحد دليل على الاساس، وكذلك قال الرسول: «انا مدينة العلم وعلي بابها» وقال
~~الله تعالى: @QUR2.58@021 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم
~~رغدا، وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين
~~، فالحاء في بسم الله الرحمن الرحيم مرتان احداهما هي دليل على
~~الناطق، والثانية هي دليل على الاساس، يعني ان ذات الفتح لا يناله من الحدود
~~الجسمانية الا رجلان وهما الناطق والاساس فيفيدان من دونهما ذلك، والميم
~~دليل على الخيال لان به يتم كل حد له نيل من التأييد، فيرى فيه صورة كل من
~~يأتم به عند غيبته عنه، والميم في بسم الله الرحمن الرحيم ثلاث مرات يعني ان
~~الخيال لا يناله من الحدود الجسمانية الا ثلاثة نفر وهم: الناطق والاساس
~~والامام فيفيدون اللواحق الاثنى عشر ويخطون لهم خطا من ذلك، والنون دليل على
~~الناطق الاول الذي نطق لاهل النجدين بالحق رمزا مشيرا الى اساسه الدال عليه
~~والكاشف لهم عن
PageV01P098
# حقائق ما نطق به من التنزيل، والألف من الشرائع والنون في بسم الله الرحمن
~~الرحيم واحدة، يعني ان ما ناله الناطق من الاصلين افادة اهل النجدين على نوع
~~واحد رمزا من غير شرح، وظاهرا بلا باطن، وتنزيلا بلا تأويل، والراء دليل على
~~الاساس، لانه غاية نيل التأويل الذي به يرى كل مسترشد رشده، ومنه يستفيد
~~الباحث كلا الشيئين الظاهر والباطن، وكذلك كان الأصلين من الا والسين وحرفين
~~من الحروف، ومرتبتين في بسم الله الرحمن الرحيم، وكل ذلك يدل على ان كل ما
~~استفاده الاساس من الأصلين كان يفيده اهل النجدين على وجهين: ظاهرا وباطنا
~~ورمزا وسرا (1) وتنزيلا وتأويلا، والراء موجودة في الرحمن والرحيم جميعا
~~(2)، والنون موجودة في الرحمن معدومة في الرحيم، فذلك دليل على مرتبة
~~الاساس، الموجودة في الناطق، ومرتبة الناطق المعدومة في الاساس، والياء دليل
~~على الامام، لانها حرف النداء في اول الكلمة، وحرف النسبة في آخرها، اي ان
~~النسبة الروحانية متصلة به من جميع الحدود عند الكشف، وبه يدعى كل اهل زمان
~~يومئذ، ولذلك قال تعالى: @QUR17.71@016 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي
~~كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن هاهنا قال
~~الرسول: من مات ولم يعرف امام زمانه معرفة جلية مات موتة جاهلية، وان الياء
~~موجودة في الرحيم معدومة في الرحمن اي ان الائمة يكونوا من صلب الأساس، لا
~~من صلب الناطق، ومن اجل ذلك ظهرت الياء في اسم الصامت، ولم تظهر في اسم
~~الناطق، وظهرت الياء في اسم الصامت، وظهرت أيضا في اسم ثاني الائمة وابنه زين
~~العابدين، ولم تظهر في اسم اول الائمة دون أولاء خامس الخاتمة، ولا بد من
~~ظهورها في السبع الثاني على هذا المثال، والياء في بسم الله الرحمن الرحيم
~~مرة واحدة كما انها اصل واحد من العشرات، يعني ان ما استفاده الامام من
~~الاصلين افاده لاهل النجدين على نوع واحد رمزا من غير شرح، اذا كان سبيله
~~معهم على منهاج الناطق، لانه قام مقامه في العالم السفلي بعد خروج الاساس
~~عنه، والسين دليل على اللاحق، لانه منه ظهر السناء
PageV01P099
# والنور. وبعلمه يستضيء اهل الحرم، والسين ستة اصول من العشرات، اي ان سادس
~~الاصول التي هي الاصلان والاساسان والفرعان، والسين ثلاث سنات (1) وثلاثة
~~احرف، ولها ثلاثة نقط من تحت عاشرتها ذات الحروف، فذات الحروف دليل على
~~اللاحق الداعي الى الحدود التسعة فوقه، وذلك ان السنات الثلاث دليل على الجد
~~والفتح والخيال، والحروف الثلاث دلائل على التالي والسابق والكلمة، والسين
~~في بسم الله الرحمن الرحيم مرة واحدة، اي ان اللاحق يفيد من دونه من الاجنحة
~~ما ينال من متمه شرحا من غير رمز على وجه واحد، والباء دليل على
~~الجناح، والثواب الابدي والباء في بسم الله الرحمن الرحيم مرة واحدة، اي سبيل
~~الجناح كسبيل اللاحق يفيد المستجيبين ما ينال من اللاحق شرحا من غير رمز
~~على سبيل واحد، والباء في بسم الله الرحمن الرحيم زيادة، وليست بأصلية
~~فيها، وسائر الحروف منها فيها اصلية اي ليس سبيل الجناح كسبيل الحدود الذين
~~لهم من التأييد حظ على مقدار كل واحد منهم، بل الجناح مضاف إليهم وزيادة
~~لهم، ومؤدي عنهم الى اهل الحرم، والباء في احرف المعجم اصلية، وفي جوار الألف
~~دليل على السابق، حتى صارت ثانيهما لحسابها وعدد حروفها، وهي في حروف بسم
~~الله الرحمن الرحيم زائدة وليست بأصلية، ولا في جوار الألف، بل هي اول حروفها
~~التي تقرأ لان المستجيب اول ما يتصل بالجناح ثم باللاحق المؤيد بالخيال من
~~جهة الامام، ووجه آخر وهو ما قلناه ان الهاء دليل على الجناح بعد قولنا
~~انها دليل على التالي، لان اسفل الحدود الجسمانية هم المستجيبون، واعلاهم
~~النطقاء، وقد قام الجناح للمستجيبين مقام التالي للنطقاء، وذلك لان الجناح
~~يؤدي الى المستجيبين عند حدود النعمة المقتبسة من البركة الجارية من التالي
~~الى الحدود كلها، فيكون بذلك قوام جميع اهل الحرف، فكان مقام الجناح لهم
~~مقام التالي عند من هو فوق الجناح، وهو وان كان متصل بالجناح، فهو متصل
~~بالحدود كلها حتى التالي بواسطته، وان الجناح وان كان مضافا إليهم، وليس له
~~من التأييد حظ، فان احد الحدود المعدودة معهم، كذلك الباء وان كانت زائدة
PageV01P100
# في بسم الله الرحمن الرحيم، ومضافة الى حروفها الاصلية فانها احد الحروف
~~المعدودة ببعضها، وان خمسة احرف من هذه الحروف العشرة مشكولة
~~بالنقط، وهي: ن، ز، ي، ش، ب، وخمسة لا نقط لها وهي: ا ل ح م ه، فالخمسة المشكولة
~~بالنقط هي الحدود الجسمانية اي ان لكل واحد منهم شكل ونظير في العالم
~~السفلي، فالناطق له شكل من النطقاء، والاساس له شكل من الاسس، والمتم له شكل
~~من الاتماء، واللاحق له شكل من اللواحق، والجناح له شكل من الاجنحة، والخمسة
~~التي ليست مشكولة بالنقط هي الحدود الروحانية، حرف واحد مشكول وهو الحاء، اي
~~ان الفتح يشاكل الجد من جهة، وبشبه الخيال من جهة، لانه الواسطة بينهما، ومن
~~هاهنا قيل جدان اذا ضم الفتح الى الجد، وخيالان اذا ضم الخيال الى
~~الفتح، ووجه آخر وهو ان خمسة منها مشكولة بنقط اي ان ارواح الخمسة مشكولة
~~بالاجسام الكثيفة، وأجسامهم مشكولة بالاعمال المتولدة، وكل حرف من المشكولات
~~بالنقط يعرف بنقطته، اي كل واحد من الحدود الجسمانية معروف عند الانام
~~بصورته الكثيفة، وبها يميز بينه وبين نظيره، وخمسة منها غير مشكولة بنقط، اي
~~انها غير متجسمة ولا مشكولة بالاجسام والاعمال، بل هي لطيفة روحانية، وان
~~الحرف الواحد منها مشكول ولكن ليس بشكله نقطة تشبه شكل الجسدانيين، اي ان
~~الفتح واسطة بين النطقاء والاسس، وهو شكل للخيال الذي به تستفتح (1) اللواحق
~~من الاتماء، والاتماء من الاسس، وان شكل الحاء ليس بنقطة تشبه اشكال الحروف
~~الخمسة، اي ان الفتح وان كان مقابلا للحدود الجسمانية في كل المراتب فليس هو
~~بمتجسم بالصورة الجسمانية، ووجه آخر وهو ان النقط دالة على الحروف، ومنزلة
~~كل واحد منها منزلة، فالخمسة الجسمانية منقوطة، لانه لا بد لكل واحد منهم من
~~دليل عليه، وعلى درجته من العلم والدين، والخمسة الروحانية ليست بمنقوطة، لان
~~المستجيب اذا وقف على الحدود الجسمانية الخمسة واتصل بهم فلا يحتاج الى
~~ادلة يدلونه على غير هم من الحدود الروحانية، فقد ثبت بما قلنا ان الحدود
~~الجسمانية قامت للحدود الروحانية
PageV01P101
# مقام النقط، ولم تستغني الحدود الجسمانية عنها، وقد اخبرنا تأويل
~~الشهادة، وفاتحة الكتاب على الحدود مواقع الطاعات الذين لا يقبل الله عز وجل
~~من احد طاعة الا بواسطتهم، وتركنا مساواتهم مع الآفاق والانفس كراهية لتطويل
~~الكتاب، واعتمادا على ان الباحث يقف عليها عند قراءته سائر كتب البيان.
# فان قال قائل ان الرب على من يقع؟ قلنا له ان الرب اذا لفظت به مرسلا ولم
~~تضفه الى شيء فيكون وقوعه على الواحد الاحد الذي لا يتكثر، وهو الباري والرب
~~والمبدع على التحقيق ولا على المجاز بل على التقريب، حيث اذا اضفته الى شيء
~~مثل قوله: @QUR89.22@03 وجاء ربك وقال الرسول: وسترون ربكم، فيكون وقوعه على
~~التالي، وهذا اللفظ مطلق بين الناس ان يقال لصاحب الشيء رب العبد، ورب
~~الدار، ورب الضيعة، ونحو ذلك.
# فان سألنا سائل عن تأويل الوجه والعين والنفس واليدين؟ قلنا له ان وجه
~~الله دليل على السابق الذي به عرفه من عرفه، ومن وجهه نال امره من ناله، وقد
~~قال تعالى:
# @QUR28.88@020 ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا
~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون يعني ان كل شيء خلقه الله فهو يستحيل من حال
~~الى حال وله ابتداء وانتهاء، وليس للسابق استحالة لان ابتداءه وانتهاءه كان
~~في دفعة واحدة بلا زمان واقع عليه، كما قال الله: @QUR54.50@07 وما أمرنا
~~إلا واحدة كلمح بالبصر ومما يؤكد قولنا قوله تعالى: @QUR55.26@05 كل من
~~عليها فان @QUR55.27@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
يعني ان السابق لا يزول عن حاله، وكل من هو مخلوق فهو فاني، الا السابق، ومن
~~هو متصل من امر الله من جهته، فانه لا زيادة فيه ولا نقصان، لانه قام مبدعا
~~بالابداع التام من مبدع التمام، واما عين الله فهي دليل على السابق أيضا، لان
~~الله تعالى جعله عينا لمن هو دونه من الحدود كلها، فلذلك قال: ولتضع على
~~عيني، واما تأويل قوله: @QUR54.14@03 تجري بأعيننا يعني بذلك الأصلين
~~والجدين والخيال، واما قوله حكاية عن عيسى @QUR5.116@046 وإذ قال الله يا
~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك
~~ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي
~~ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب اي ان نفس الله هي النفس الكلية
~~ونفس عيسى نفس الرسالة التي هي روح القدس، عنى بذلك بانك محيط بمقدار روح
~~القدس المتحد بي، ومبلغه (1)، وانا لا احيط بنفسك الكلية التي قد جمعت فيها
~~صور الدارين، وجعلتها دار المعاد لخلقك، وما اتيت من علمها لأحد الا
~~قليلا، واليدان دليلتان على الأصلين وقوله: @QUR38.75@016 قال يا إبليس ما
~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين اي ما منعك ان تخضع
~~لمن اتصل بيدي بلا واسطة جسمانية، فصار مؤيدا مخلوقا مقدرا من جهتهما، ولو
~~كان تأويل هذه الآية على ما ذهب إليه المشبهة حين قالوا للباري يدين لكان
~~يوجب ذلك ان يكون له أيد كثيرة لقوله مما عملت ايدينا
~~انعاما، ولقوله: والسماء بنيناها بأيد فلما طلبوا الايدي كان ذلك تأويلا خلاف
~~ما يؤدي ظاهر القرآن، فلم يلومنا حين طلبنا لليدين تأويلا خلاف ما يؤدي ظاهر
~~القرآن، فاما تأويل قوله: @QUR51.47@06 والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون
~~فهو ان كل ما على فهو اسماؤه ومنها سميت السماء سماء لانها علتنا وارتفعت
~~علينا، وجمعها سماوات، ومن هاهنا سمي السحاب سماء وجمعه اسمية، والسقف سماء
~~وجمعه سمى، فقد ثبت بذلك ان السماء هاهنا دليل على الناطق لانه سمى على اهل
~~العالم بعلمه العالي، وبتأييده السامي، والايدي هما الاصلان والفروع الثلاثة
~~الذين هم قد هيئوا للنطقاء ليصيروا سماء، وقد قال الرسول كلتا يدي الرحمن
~~اليمنى عنى بذلك ان كل من اتصل بالاصلين او وقف على مرتبتهما فهو من
~~المثابين الناجين، وذلك ان الشمال دليل على الظاهر المقلد بلا تأويل
~~لاشتمال الهواء عليه واليمين دليل على الباطن الذي لا يوقف عليه الا بعد
~~اليمين من جهة اليمين لئلا يتوهم من الباحثين متوهم ان احدا يصل الى الجنة
~~في جوار الاصلين غير اهل الباطن، ومن هاهنا قال تعالى والسموات مطويات (2)
~~بيمينه، ولم يقل بشماله لان الظواهر تصير كلها مطويات في التأويل وذلك لان
~~السموات دليل على النطقاء الذين هم أرباب الظواهر فدعوتهم جميعا
PageV01P102
# @QUR28.88@020 ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا
~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون يعني ان كل شيء خلقه الله فهو يستحيل من حال
~~الى حال وله ابتداء وانتهاء، وليس للسابق استحالة لان ابتداءه وانتهاءه كان
~~في دفعة واحدة بلا زمان واقع عليه، كما قال الله: @QUR54.50@07 وما أمرنا
~~إلا واحدة كلمح بالبصر ومما يؤكد قولنا قوله تعالى: @QUR55.26@05 كل من
~~عليها فان @QUR55.27@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
يعني ان السابق لا يزول عن حاله، وكل من هو مخلوق فهو فاني، الا السابق، ومن
~~هو متصل من امر الله من جهته، فانه لا زيادة فيه ولا نقصان، لانه قام مبدعا
~~بالابداع التام من مبدع التمام، واما عين الله فهي دليل على السابق أيضا، لان
~~الله تعالى جعله عينا لمن هو دونه من الحدود كلها، فلذلك قال: ولتضع على
~~عيني، واما تأويل قوله: @QUR54.14@03 تجري بأعيننا يعني بذلك الأصلين
~~والجدين والخيال، واما قوله حكاية عن عيسى @QUR5.116@046 وإذ قال الله يا
~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك
~~ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي
~~ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب اي ان نفس الله هي النفس الكلية
~~ونفس عيسى نفس الرسالة التي هي روح القدس، عنى بذلك بانك محيط بمقدار روح
~~القدس المتحد بي، ومبلغه (1)، وانا لا احيط بنفسك الكلية التي قد جمعت فيها
~~صور الدارين، وجعلتها دار المعاد لخلقك، وما اتيت من علمها لأحد الا
~~قليلا، واليدان دليلتان على الأصلين وقوله: @QUR38.75@016 قال يا إبليس ما
~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين اي ما منعك ان تخضع
~~لمن اتصل بيدي بلا واسطة جسمانية، فصار مؤيدا مخلوقا مقدرا من جهتهما، ولو
~~كان تأويل هذه الآية على ما ذهب إليه المشبهة حين قالوا للباري يدين لكان
~~يوجب ذلك ان يكون له أيد كثيرة لقوله مما عملت ايدينا
~~انعاما، ولقوله: والسماء بنيناها بأيد فلما طلبوا الايدي كان ذلك تأويلا خلاف
~~ما يؤدي ظاهر القرآن، فلم يلومنا حين طلبنا لليدين تأويلا خلاف ما يؤدي ظاهر
~~القرآن، فاما تأويل قوله: @QUR51.47@06 والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون
~~فهو ان كل ما على فهو اسماؤه ومنها سميت السماء سماء لانها علتنا وارتفعت
~~علينا، وجمعها سماوات، ومن هاهنا سمي السحاب سماء وجمعه اسمية، والسقف سماء
~~وجمعه سمى، فقد ثبت بذلك ان السماء هاهنا دليل على الناطق لانه سمى على اهل
~~العالم بعلمه العالي، وبتأييده السامي، والايدي هما الاصلان والفروع الثلاثة
~~الذين هم قد هيئوا للنطقاء ليصيروا سماء، وقد قال الرسول كلتا يدي الرحمن
~~اليمنى عنى بذلك ان كل من اتصل بالاصلين او وقف على مرتبتهما فهو من
~~المثابين الناجين، وذلك ان الشمال دليل على الظاهر المقلد بلا تأويل
~~لاشتمال الهواء عليه واليمين دليل على الباطن الذي لا يوقف عليه الا بعد
~~اليمين من جهة اليمين لئلا يتوهم من الباحثين متوهم ان احدا يصل الى الجنة
~~في جوار الاصلين غير اهل الباطن، ومن هاهنا قال تعالى والسموات مطويات (2)
~~بيمينه، ولم يقل بشماله لان الظواهر تصير كلها مطويات في التأويل وذلك لان
~~السموات دليل على النطقاء الذين هم أرباب الظواهر فدعوتهم جميعا
PageV01P103
# يومئذ تكون مطوية في التأويل فهم كلهم كافون عن فعلهم من الدعاء الى
~~استعمال الشرائع والظواهر يومئذ متمسكون بما عندهم من التأييد والتأويل، وهو
~~اليوم الذي ذكره الله تعالى قوله: @QUR7.53@039 هل ينظرون إلا تأويله يوم
~~يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من
~~شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل
~~عنهم ما كانوا يفترون .
# وإن سأل فقال ان اسم الله بلسان الفرس هو «خداى» (1) فعلى من يقع هذا
~~الاسم؟ قلنا له ان «خداى» هو الاسم الحق الذي هو السابق لانه الآتي بذاته من
~~غير جوهر منه ابدع وان كان ابدعه المبدع فقد ابدعه لا من شيء، فقد صح
~~انه «خداى» اي هو الآتي بنفسه من غير جوهر منه اتى فان قال فهل يسمى الباري
~~بشيء من الذي ذكرناها؟ قلنا له ان لله تعالى اسمان على التقريب، وهما الباري
~~والمبدع ليس فوقهما ولا وراءهما اسم، وليس ذلك على التحقيق لان الباري
~~والمبدع غير مدرك باللفظ تحقيقا، ولا على المجاز بل هو على التقريب اي قربت
~~ذلك الى المتعلمين باقرب الالفاظ الى الحق على الامكان، وهما اسمان الاحد
~~المحض الذي لا يدرك بحاسة سمع فيكون مبتدأ متناهيا ولا بحاسة ذوق فيكون
~~محسوسا مطعوما، ولا بحاسة لمس فيكون ملموسا مقبوضا، ولا بإحالة عقل فيكون
~~مدركا معقولا، ولا بإبداء فكرة فيكون معروفا معلوما، ولا بتأليف طبع فيكون
~~مجموعا معدودا، ولا بتغيير لفظ فيكون بالحروف موصوفا فكيف يتهيأ لاحد وصف
~~الباري تعالى باداة جسدانية مخلوقة من النطق وغيره، وان المنطق عاجز عن وصف
~~العقل والنفس اذ هو دونها لان العقل والنفس بسيطان، والمنطق مركب، فلما عجز
~~المنطق عن وصف العقل والنفس علمنا انه عن وصف مبدعهما اعجز، فثبت لنا بذلك
~~ان الحدود الجسمانية والروحانية هي مواقع لحمل الصفات، لان كل صفة توصف
~~بالمنطق المركب فهي واقعة على الحدود الجسدانية منهم، والذي
~~يعتقد، بالضمير، ولا
PageV01P104
# يطلق به اللفظ المركب، فهو واقع على الحدود الروحانية منهم، والذي لا يتهيأ
~~ان يشار بوقوع الحواس الظاهرة والباطنة عليه فان ذلك هو الباري
~~تعالى، والحواس الظاهرة هي السمع والبصر والشم والذوق واللمس والحواس
~~الباطنة هي الفكر والذكر والفهم (1) والذهن والحفظ واللسان هو المعبر عن
~~الحواس الظاهرة كتعبير العقل للحواس الباطنة. فكل شيء ادركته بهذه
~~الحواس، وعبرت عنه فهو مخلوق وخالقه بخلافه، وخارج عنه لا يدركه شيء من
~~المخلوقين تعالى ذكره وكيف لا يكون المخلوق بخلاف الخالق وأحدهما فاعل
~~حقيقي والآخر مجازي، ثم لما لم يوجد في الشاهد الفاعل المجازي فعلا الا بعد
~~ان كان مشارا إليه بالوحدة المجازية، علمنا ان الفاعل الحقيقي في الغاية
~~موصوف بالوحدة الحقيقة، وان الناس في معرفة التوحيد على ثلاثة اصناف: صنف قصد
~~بذلك الى التنزيل دون التأويل، فوقع في التشبيه والتمثيل (2) والشرك لانه
~~ليس في ظاهر التنزيل من اوله الى آخره الا التشبيه، وصنف تركوا التنزيل
~~ورموا به وراء ظهورهم فوقعوا في التعطيل، وصنف اقروا بالتأويل وطلبوا
~~التوحيد في تأويله فهم المؤمنون الموحدون الذين ليسوا بمشبهة ولا بمعطلة
~~فكما ان الناس كانوا في معرفة التوحيد على ثلاثة اصناف كذلك المقرون بما
~~يشبه الباري في العبادة على ثلاثة اصناف: صنف عبدوا ما مثلوا في قلوبهم
~~وأدركوا بابصارهم، وصنف عبدوا ما مثلوا في قلوبهم ولم يدركوا بابصارهم، وصنف
~~عبدوا ما لم يمثل في قلوبهم، ولم يدركوا بابصارهم، فاخبرني ايها المدعي عبادة
~~الواحد المعبود من اي الاصناف الثلاثة انت تعبد المقصود إليه الموصوف
~~بدعائك يا رب يا رحمن يا رحيم، والعلماء مجتمعون على انه لا يرى
~~بالابصار، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، روي ذلك عن امير المؤمنين وابن
~~عمه ابن عباس، ولا تحيط به الاوهام، والقلب حاسة واللسان حاسة، ولما كان الله
~~باتفاق الموحدين خلاف ما يتصوره الوهم كذلك هو خلاف ما ينطق به اللسان اذ
~~كان نطق اللسان اكثف من وهم القلب، فان هرب من الجواب افحم، وان خرج من
~~الاصناف الثلاثة فقد الحد، وان قال بذلك برأيه وقياسه وتقليده فقد هلك، وان
~~قال اجره من غير تعطيل، وأوحده من غير تمثيل، واضيف
PageV01P105
# اسماء التنزيل ومواقعها الى التأويل الى اول اسم من اسمائه الذي هو الاسم
~~الحق ونفى عنه ما لا يليق به من التشبيه والصفات فقد نجا وفاز فوزا
~~عظيما، ووجه آخر وهو انه لو لا التعارف والصورة، والا لم يكن يجوز لنا ان
~~نسمي المبدع بشيء من الاسماء، فلما اضطر العلماء اضافوا هذه الاسماء التي هي
~~الأحد والباري والمبدع الى الانس المحض لانهم لو رفعوا هذه الاسماء عنه لم
~~ينل المسترشد معرفته، وان هذه الاسماء واقعة عليه من نحو فعله وابداعه
~~وتكوينه الاشياء، ولا يعرف له اسما من نحو ذاته، بل من نحو ذاتنا كلها مثل ما
~~وجدنا الاشياء على قسمين: موجود ومعدوم، فقلنا: انه موجود لفضله على
~~المعدوم، ثم لما كان الموجود على ضربين حي وميت، قلنا: انه حي لفضله على
~~الميت، ثم لما كانت الاحياء على صنفين: متكلم وغير متكلم قلنا: انه متكلم
~~لفضله على الفقير، ثم لما كانت الملوك على قسمين: ظالم وعادل، قلنا: انه عادل
~~لفضله على الظالم، فقد صح بذلك ان تسميتنا اياه ووصفنا له على قدر طاقتنا
~~ومن نحو ذاتنا، فما رأيناه شريفا من الصفات اضفناه إليه، وما رأيناه وضيعا
~~نفيناه عنه كقولنا: خالق القدرة والابدان وليس له اسم من نحو ذاته على
~~الحقيقة فهو اذا احد حقيقي غير متكثر (1)، ولا مجازي، والمخلوق واحد مجازي
~~متكثر حقيقي.
# فان قال قائل: لما ذا قلت انه لا يجوز ان اسمي الباري بشيء من الاسماء على
~~الحقيقة؟ قلنا له ان من وصف وسمى صار معروفا، والمعروف لا يكون خالقا لعارفه،
~~لان المعروف والمعلوم محاط به والعارف والعالم محيط به، والمحاط به لا يكون
~~إلها، وكذلك قوله تعالى: @QUR13.13@020 ويسبح الرعد بحمده والملائكة من
~~خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد
~~المحال ، وقال: @QUR20.110@011 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به
~~علما فكيف يسمى ويوصف من لا يحاط به علما ومما يؤكد قولنا هذا ان المعلومات
~~على قسمين: محسوس ومعقول، وكلما هو معقول في الدنيا فهو في الآخرة
PageV01P106
# محسوس، فلو كان الباري من المعلومات لا يخلو ان يكون محسوسا في الدنيا او
~~في الآخرة، ولما ثبت انه غير محسوس بكتاب الله وسنة رسوله وحجة العقل لا في
~~الدنيا ولا في الآخرة صح انه غير معلوم، وكذلك قال فأعبد واصطبر لعبادته هل
~~تعلم له سميا فلو قلنا انه عالم وزيد عالم وانه قادر وعمر قادر صار كل واحد
~~منهما سمي لصاحبه، وفي ذلك رد الآية، ومن رد الآية فقد كفر ومن كفر فقد
~~الحد، وما احسن ما قاله جعفر بن محمد الصادق: سبحان من جعل اقرار الشاكرين
~~بالعجز عن اداء شكره شكرا لهم كما جعل اقرار المؤمنين بالعجز عن معرفته
~~ايمانا لهم به، ومن هاهنا قال علي بن موسى الرضي:
# العقل آلة أعطيناه لإقامة العبودية ولاستدلال الربوبية، وقال الحكماء في
~~هذا المعنى سبحانه تعاظم واستكبر عن ان يكون يعرف او ينكر، ومن هاهنا قيل ان
~~الله اسم من اسماء الباري تعالى، لان الله مشتق من أله الرجل باله اذا تحير
~~في امره، فتأويله اذا من اراد ان يعرفه او يعلمه او يدركه يتحير (1) في ذلك
~~ولا يصل الى مراده، وكذلك قيل للسابق الياس لان جميع المخلوقين آيسوا من
~~ادراك مرتبته وجلالته، وقيل للتالي الخضر لانه حيث يتصل ببيت هناك تخضر
~~العلوم حتى يكون منها غذاء للارواح، كما ان من الخضرة غذاء الاجسام، وان
~~العجز عن ادراك السابق والتالي يقطع القول عن ادراك مبدعهما في وقت من
~~الاوقات، لا ولا السابق يطمع في ذلك بل هو أخضع واخشع للباري في جميع خلقه
~~لانه اقرب إليه ومعرفته به الطف من معرفة الجميع، فليس من خلق يعظم الباري
~~تعالى تعظيم السابق. ولا يخافه مخافته، والدليل على هذا ان في هذا العالم كل
~~من كان اخشع لربه كان اعلم به، ولم يكن في هذا العالم اعبد من الرسل ولا
~~اخشع منهم لانهم اعلم ممن دونهم ومعرفتهم التوحيد ادق من معرفة سواهم ولذلك
~~قال الله تعالى:
# @QUR35.28@018 ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى
~~الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ووجه آخر وهو ان مفعول العبد
~~ومصنوعه لا يكون حيا ولا قادرا ولا عالما، ولو كان حيا او عالما او قادرا
~~لما كان
PageV01P107
# العبد صانعه ولا فاعله لانه كان يشبهه، والفاعل لا يشبه مفعوله، ثم ان
~~العبد لما رأيناه حيا قادرا عالما نفينا هذه الصفات عن باريه لأنا لو وصفنا
~~الباري بهذه الصفات لما كان خالق عبده، او كان يشبهه، والخالق لا يشبه
~~مخلوقه، فالعبد اذا واسطة بين مصنوعه وباريه ولا يشبه احدا منهما لانه لو
~~اشبه مصنوعه استحال ان يكون صانعه، ولو اشبه خالقه استحال ان يكون
~~مخلوقه، فخضوع العبد عرضي لا يبقى وقتين، والعبد جسم وروح يبقى وقتين، والعرضي
~~لا يشبه الجسم ولا الجوهر الذي هو الروح، والباري تعالى لا يشبه الجسم ولا
~~الجوهر ولا العرضي، لانه خالق الجميع وانه لا يرى ولا يرى، لأنك اذا قلت انه
~~يرى كنت قد شبهته بالجسم، واذا قلت انه لا يرى كنت قد شبهته بالروح، فقد صح
~~بما قلناه ان الباري لا يوصف بشيء من صفات الكثيف واللطيف وان مصنوع العبد
~~لا يعرف الواسطات التي بينه وبين صانعه، مثل ابيه وأمه والامهات والافلاك
~~والارواح، ولا يعرف الصانع، فلذلك سمي صانعه عالما وعارفا، ولو كان مصنوع
~~العبد يعرف الواسطات، ولا يعرف الصانع يوجب ذلك، ان يعرف الواسطات والصانع
~~جميعا، فلما لم يعرف مصنوع العبد شيئا من الواسطات التي بينه وبين صانعه كان
~~ذلك دليلا على ان العبد لا يعرف بالتعليم والتأييد سوى الواسطات شيئا، اذن
~~فمصنوع العبد معلوم غير عالم، فلو قلنا انه عالم نقضنا قولنا انه غير
~~معلوم، لانه لا يصير معلوما من الجهة التي وصفناه، لان الواصف لا يطيق وصف
~~شيء الا بعد ان يكون ذلك الوصف معلوما عنده، وإذا كان معلوما عنده فقد استوى
~~مع العبد ومصنوعه، حيث احاط علم العبد به، ووجه آخر هو انه لو جاز ان يقول
~~انه عالم، جاز بذلك ان يقول انه عارف، لان المعرفة جزء من اجزاء العالم، فلما
~~صح بحجة العقل، وظاهر التنزيل وإجماع الامة. انه لا يجوز ان يقال للباري عارف
~~ثبت انه لا يجوز ان يقال له عالم ومصنوع العبد مفعول غير فاعل، والعبد مفعول
~~غير فاعل، والباري تعالى غير مفعول وغير فاعل، فلو قلنا انه فاعل صيرناه
~~محتاجا، لانه الفاعل في الشاهد وهو الذي يفعل الشيء، والذي يفعل الشيء من
~~الشيء محتاجا الى ذلك حتى يتهيأ له الفعل، وجل الباري عن ان يكون محتاجا
~~الى شيء ما، ووجه آخر وهو انا اذا قلنا انه فاعل
PageV01P108
# كنا قد نقضنا قولنا بانه غير معلوم، لانه يصير معلوما من الجهة التي قلنا
~~انه فاعل، وفي قولنا انه معلوم رد على قوله: @QUR20.110@011 يعلم ما بين
~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ، واما قول القائل ان الباري تعالى
~~عالم وفاعل (1) وقادر فهو على المجاز لا على التحقيق، وذلك لان العالم
~~والفاعل والقادر اسماء من اسماء الباري عز وجل، والاسماء مخلوقة محدثة (2)
~~، كانت بعد ان لم تكن، وانها دالة عليه، كما ان الاسم دال على المسمى، فاذا ثبت
~~انها غير الباري، وانها دالة عليه صح، لان لهذه الاسماء والصفات ذوات
~~اخرى، وهي واقعة عليها، وهذه الذوات هم الحدود الروحانية والجسمانية الذين
~~يدلون على وحدانية الباري تعالى، وان الباري لما خلقهم اقام كل واحد منهم
~~بحال الدعوة الى تجريده وتوحيده وبأمره اضاف الصفات الواقعة عليهم الى
~~هويته، وهذا موجود في الشاهد مثل ما يضيف السلطان ضرب الجلاد الى نفسه اذا
~~كان يأمره، ومثلما يضيف الجواد العطية الى نفسه اذا كانت بأمره، واذا كان
~~المعطي غيره، ومن وكلائه وقومه، والدليل قوله تعالى: @QUR48.10@026 إن الذين
~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على
~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما الا ترى انه أضاف تلك
~~المبايعة الى هويته لما كانت بأمره، وان كان المبايع غيره ومثل قوله:
~~@QUR8.17@022 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
~~وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم فأضاف الرمي الى
~~هويته، وان كان الرامي غيره، وكذلك اضاف الصفات الى هويته، وان كان الموصوف
~~بها غيره، وقد قال الرسول: يد السائل بيد الله، فأضاف يداه الى الله لما كان
~~يعطيه الله، ومثل هذا قوله: @QUR2.83@030 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا
~~تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا
~~للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم
~~معرضون ولما
PageV01P109
# كان الاجنحة واللواحق يأخذون العهود والمواثيق على الباحثين والمستجيبين
~~بامر الباري اضاف ذلك الى هويته، ولو لم يكن الله في اخذ العهود والمواثيق
~~امر الرضى، لما كان اضافه الى هويته، والدليل على ذلك قوله تعالى:
~~@QUR40.16@016 يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم
~~لله الواحد القهار ومتى كان الملك لغير الله وهو يقول: @QUR3.26@026 قل
~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء
~~وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير لكن لما كان على الملك في هذا
~~العالم صاحب التأييد الذي كان في قيامه رضاء الله وعز المؤمنين، أضافه الى
~~هويته، ومثل قوله: @QUR82.19@010 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ
~~لله ومتى كان الامر لغير الله وهو يقول تعالى: @QUR7.54@033 إن ربكم الله
~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل
~~النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق
~~والأمر تبارك الله رب العالمين لكن لما كان على وجه الارض من يترأس من غير
~~ان يجعله الله رأسا للدين، ولا اهله لتأويله، ولا كان في افعاله لله رضاء، عد
~~ان الامر لغير الله، وان يوم القيامة لما كان رجوع الامر والنهي الى الجاري
~~بكلمة الله على ما يوجب الكلمة جريا، اضافه الله الى هويته فتبين في هذه
~~الآيات انه لو لم يكن لله تعالى في اخذ العهود والمواثيق رضاء، وامر لما
~~اضافه الى هويته في الآيات المذكورة في القرآن وهي اكثر من ان تحصى في هذا
~~الفصل من كتابنا هذا، فكل هذه الآيات والشهادات تؤكد قولنا ان الاسماء
~~والصفات واقعة على الحدود الروحانية والجسمانية، وان كان الباري اضافها الى هويته.
# ونرجع الى ما كنا فيه من ذكر العبد ومصنوعه فنقول: ان العبد ومصنوعاته
~~كلها متساوية على صفاته بميزان الفاعل ليتبين بذلك الفاعل والمفعول
~~منهما، فكلتا الصفتين تنفيان عن الباري تعالى بانه لا يشبه احدا منهما وانما
~~قلنا ان مصنوع العبد متساوي والعبد على صفاته بميزان المفعول، وان جميع
~~المخلوقين متساوون اما بالاسم واما بالصفة
PageV01P110
# واما بالمعنى، فأما نفي اسماء المخلوقين عنه فهو قوله: @QUR19.65@013 رب
~~السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا يعني ان
~~جميع الاسامي منفية عنه، واما نفي صفاة المخلوقين عنه فهو قوله:
~~@QUR20.110@011 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وكيف يوصف
~~من لا يحاط به علما، واما نفي معاني المخلوقين عنه فهو قوله: @QUR42.11@020
~~فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم
~~فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقوله: @QUR13.13@020 ويسبح الرعد
~~بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في
~~الله وهو شديد المحال .
# فان قال قائل ان المؤمنين يستغفرون الله باسمائه الحسنى، فمن يغفر
~~لهم؟ قلنا له:
# ان الاسماء والصفات تقع على الحدود التي بيناها الا ان الغفران والإجابة
~~تكون من الباري ومثال ذلك ما تراه في الشاهد لان الاسماء تقع على الاجسام
~~دون الارواح، والإجابة تكون من الارواح، وذلك انك اذا دعوت الاموات باسمائهم
~~لا يجيبك احد، وان كانت الاسماء واقعة (1) عليهم، واذا دعوت الاحياء اجابتك
~~ارواحهم، ومن هاهنا صح ان الاسماء والصفات تقع على الحدود، والاجابة تكون من
~~الباري تعالى من الدليل الواضح ان الاسماء لا تقع على الاجسام دون
~~الارواح، فاذا مات الرجل ودفن قيل دفن زيد، وصليت على جنازته، فلو كان الاسم
~~يقع على الروح لم يوجد الاسم عند فقد الروح، فلما وجد الاسم عند فقد الروح
~~علمنا ان الاسماء واقعة على الاجسام دون الارواح.
# فان قال قائل فإذا لم يثبت ان تقول ان المبدع عالم فنقول: هل تقول ان
~~الاشياء كلها كانت عنده معلومة قبل ابداعها قلنا له اذا كانت صورة الاشياء
~~عنده معلومة في الازل، فوجب علينا ان نقول: هو عالم، لان المعلوم يوجب
~~العالم، والعالم يوجب المعلوم، فلما لم تقل انه عالم، ولا عالم لم يجب ان تكون
~~صورة الاشياء معلومة عنده
PageV01P111
# لانه لو كانت صورة الاشياء معلومة عند المبدع قبل ابداعها كانت قديمة مع
~~الواحد، ولم يكن الواحد واحدا مجردا فردا بل كان واحدا كثيرا قد جمع الكثرة
~~بقوة العلم الذي فيه، والصورة المستحدثة منه ربما كانت تصير يوما ما مثله
~~لان المكون من الشيء وان كان ضعيفا عند ظهوره يصير يوما ما مثل ذلك الشيء
~~الذي كان بدئه منه، وهذا فاسد متناقض، ولو كانت الصور عنده معلومة قبل
~~ابداعها لم يكن هو اول مبدع، بل كان يوجب ذلك الحال انه مبدع وله مبدع قد
~~تقدم، لان المبدع هو الذي يبدع لا من شيء ولا مثل شيء ولا في شيء ولا مع شيء
~~ولا عن شيء، فلو كانت الصورة عنده معلومة قبل ابداعها، كان يبدع مثل الشيء
~~المعلوم عنده، ومن الشيء المعلوم عنده، وهذا اعتقاد سقيم فاسد، وقد قال
~~الحكيم الصادق اعلى الله درجته في كتاب (المحصول) فان قال قائل فان لم تكن
~~الصورة عنده معلومة قبل ابداعها يوجب ذلك انه ابدع ما لم يعلم وما لم يكن
~~عنده قلنا له ان القبلية والبعدية (1) وجدناهما في المخلوقين، ووجدنا في
~~المخلوق من يصور الصور لا على نوع الابداع، لكن على نوع الاخراج من الشيء،
~~وان الصور التي اظهرها تقدمه هوايتها قبل ظهورها منه وكانت عنده معلومه بلا
~~وقوف احد عليها غيره، فلما وجدنا هذه المسائل موجودة عند المخلوق الذي هو في
~~الدرجة الثانية والثالثة لا في الدرجة الاولى، اي انه ليس بمبدع لا من شيء
~~بل هو الذي ظهر من شيء المبدع بقوة ابداع المبدع فيه، ايقنا انه منفي عن
~~المبدع الحق، وآخرا انه لو كانت الاشياء معلومة عند الباري في الازل كان
~~الباري تعالى محتاجا الى علم والى معلوم به استطاع خلق الاشياء، والمحتاج لا
~~يكون آلة والآخر هو ان الاشياء، لو كانت معلومة في الازل عند الباري، وكان
~~البار عاجزا عن خلق الاشياء الا بعد ان تكون تلك الاشياء معلومة عنده، وكانت
~~المعلومات لا تقوم بذاتها الا بعد ان يخلقها الباري فقد صار كل واحد من
~~الباري والمعلوم محتاجا الى صاحبه، واذا كان الامر على هذه الصفة فمن جعل
~~احدهما أولا بان يكون آلة لصاحبه، من الآخر، لان المعتقد بان الاشياء كانت معلومة
PageV01P112
# عند الباري، فلا يخلو من احد الاقاويل الثلاثة، اما ان ينسب الخلق الى
~~الباري والمعلوم جميعا فيستوي مع المشركين والكفار، لان من قال انه ابدع
~~المبدع الصور ما لم تكن الصور عنده معلومة قبل ابداعها محال فقد نسب الخلق
~~الى الباري، والمعلوم جميعا، واما ان ينسب الخلق الى المعلوم دون الباري
~~فيصير ملحدا معطلا احمقا، واما ان ينسب الابداع والخلق الى الباري دون
~~المعلومات فيستوي مع الموحدين المعاندين للاسم، لانه اذا قال لا بد ان تكون
~~هذه الاشياء معلومة عند الباري في الازل، ثم تضيف كون الاشياء الى الباري
~~دون المعلومات فهذا يكون قد نقض قوله اذا جاز كون الاشياء الى الباري دون
~~المعلومات فقد نقض قوله اذ جاز كون الاشياء من الباري من غير ان يستعين
~~بمعلوماته وكان مثله في ذلك كمثل بعض الامة حيث قالوا ان الله جسم ثم نقضوا
~~اقوالهم بنفيهم عنه معاني الاجسام لانهم لم يتخلصوا من التشبيه (1) والكفر
~~حيث قالوا ان الله جسم، وان نفوا عنه معاني الاجسام كما ان المعتقد ان
~~الاشياء كانت معلومة عند الباري في الازل لم يتخلص من الشرك، وان جعله
~~مستغنيا عن معلوماته، وآخرا وهو ان كانت الاشياء معلومة عند الباري في الازل
~~لا تخلو تلك المعلومات من ان تكون غير الباري بعضه، أم هو فان؟ قال اذا قلنا
~~ان المعلومات عن بعض الباري فقد اثبتنا بان الباري متجزئ متبعض، ومن قال ان
~~الباري متبعض متجزئ فقد كفر وألحد عند جميع الامة، لان المتبعض المتجزئ هو
~~الذي يجوز ان يتبعض ويتجرأ حتى يفنى ويبيد ويتلاشى، فان قال:
# ان المعلومات هي الباري نفسه فقد سماه باسم مخالف لكتابه وسنة نبيه، ومن
~~خالفها فهو ملحد، وأيضا فان المعلومات اغفري لنا... يا معلومات تجاوزي
~~عنا... فلما لم يجوز ذلك باجماع الامة، وحجة العقل، وبكتاب الله وسنة
~~نبيه، علمنا ان قول من قال ان المعلومات هي الباري نفسه هذر وباطل وكفر
~~وشرك، وان قال ان المعلومات غير الباري فلا يخلو اما ان تكون قديمة او
~~محدثة، فان كانت قديمة فالمعتقد لهذا القول يعبد الهة
PageV01P113
# لا يحصى عددهم الا الله، وليس لانكاره على النصارى حيث قال: ان الله ثالث
~~ثلاثة المعنى اذا هو شر منهم، وان قال انها محدثة فقد جعل الباري محل
~~للحدثان، وهو محدث جل وتقدس، فان قال انها محدثة اجاز كون الباري ولا
~~معلومات، ثم احدث المعلومات في المبدع، لا من شيء، وليس يخلو المعترض بهذا من
~~ان يكون نافيا نصف الصفات مثل: المعتزلة والنجارية والخوارج، او مثبتا للصفات
~~كلها مثل: الكيالية والحدثية والكرامية والهاشمية، فان كان نافيا نصف الصفات
~~فجوابه ما بيناه، وإذا كان من المثبتين لجميع الصفات فعارضه بالعلم بدل
~~المعلوم في جميع ما شرحناه، فانه لا يجد مخرجا من معارضتك وذلك انهم
~~يقولون: ان الله عالم بعلم، وقادر بقدرة، وحي بحياة، وسميع بسمع، وبصير
~~ببصر، وعلى سبيل سائر الصفات عندهم ومناظرتهم ايسر من مناظرة نفي نصف
~~الصفات، لان من نفى نصف الصفات فهو اقرب الى الحق ممن اثبت جميع
~~الصفات، ويقال لهم جميعا، ألستم تزعمون ان الباري جل وعز سميع بصير في
~~الازل، ولا مسموعات ولا مبصورات، فان قالوا نعم قيل لهم ما تنكرون انه عالم
~~في الازل ولا معلومات، ولا يجدون في ذلك فرقا ولا يخلو حينئذ جوابهم من
~~أربعة اوجه، اما ان يثبتوا ان له مسموعات ومبصرات كما اثبتوا ان له معلومات
~~حتى يكون معه قدما من الاشياء الموجودة ما لا يحصى، واما ان يقولوا انه عالم
~~ولا معلوم، وسميع ولا مسموع، وبصير ولا مبصور. فحينئذ اسألهم عن حد
~~العالم، فإن قالوا حد العالم عندكم هو الذي له معلوم، فانهم لا يطيقون الخروج
~~منها، اذ لا يستطيعون اثبات عالم لا معلوم له في الشاهد، ولا في العقل، وإن
~~قالوا ان حد العالم هو الذي له علم، فقل لهم اعلم ان الباري غيره او بعضه
~~وهو هو، فإن قالوا ان علم الباري غيره فهم يعبدون إلهين اثنين، وان قالوا
~~بعضه فقد زعموا ان الباري متبعض (1) متجزئ، وان قالوا هو فلم اثبتوا اشياء
~~غير هويته، وليس لاحد ان يسميه من رأيه وقياسه اسماء لم يأمر الباري جل عن
~~تسميته أيضا، ثم انه لو كان العلم هو الباري بنفسه جاز لنا ان نقول: يا علم
~~ارزقنا، يا علم
PageV01P114
# اغفر لنا، يا علم اعفو عنه، فلما لم يجز ذلك، علمنا ان قول من قال ان العلم
~~هو الباري وهو نفسه، هذر وباطل وكفر وشرك.
# واما ان يقول انه سميع على معنى انه عالم بالمسموعات وبصير، على معنى انه
~~عالم بالمبصرات؟ قلنا له لو جاز ذلك ان نقيس السميع والبصير على خلاف ما
~~يعرفه اصحاب اللغة للقول، بل انه عالم على معنى انه سميع، فان قال انه لا
~~يجوز ان نقول انه عالم على معنى انه سميع فان ذلك غير جائز باللغة؟ قلنا لهم
~~فكذلك لا يجوز في اللغة ان نقول انه سميع على معنى انه عالم
~~بالمسموعات، والا فما الفرق وما هي الدلائل على ذلك في الشاهد لان الرجل اذا
~~صار أصما بعد خمسين سنة من عمره فلا يسمى سميع، وان كان عالما
~~بالمسموعات، فدلت هذه الشهادة على فساد قول من قال ان الله سميع على معنى
~~انه عالم بالمسموعات، فان قالوا انما قلنا انه سميع على معنى انه عالم
~~بالمسموعات لجاز الاثبات ان له مسموعات وكنا قد اثبتنا ان له مع الباري
~~اشياء اخرى قديمة معه، وهذا ما لا يجوز لمؤمن ان يقوله، قلنا لهم فكذلك انما
~~قلنا انه عالم على معنى انه سميع، لانه اذا اثبتنا ان له مسموعات فقد اثبتنا
~~بان تلك الاشياء خارجة منه ومباينة له، وإثبات الاشياء الخارجة منه أيسر في
~~العقل من إثبات الاشياء الحالة في ذاته، وإلا فما الفرق؟ ولا يجدون فيما
~~بينهما فرقا بحيلة من الحيل، وأما اذا رجعوا فيقولوا انه لم يكن سميعا ولا
~~بصيرا ولا عالما في الازل، ثم خلق ذلك اجمع، ثم صار محلا لها، فقل لهم ان محل
~~المحدثات لا يكون إلها لان من صار محلا للمحدثات فهو محدث، ولو لا ذلك لتعسر
~~علينا الوقوف على حدث العالم ان هو محل للمحدثات التي هي الاجتماع
~~والافتراق والنشوء (1) والبله.
# ويقال لمن يقول ان القرآن مخلوق هل كان الله لم يزل متكلما؟ فيقول لا، قيل
~~له فهل كان ساكنا؟ فيقول لا، قيل له اذا لما كان الباري لم يزل موجودا على
~~قولك غير موصوف بالكلام وضده هو الذي وصف بالسكون، فلم لا يجوز ان يكون غير موصوف
PageV01P115
# بالعلم وضده وهو الذي يوصف بالجهل، فإذا كان المناظر ممن يقول ان القرآن
~~غير مخلوق كعارضه بالاخذ والترك والمحبة والرضا على هذا المثال، وكذلك يقال
~~لمن قال ان القرآن غير مخلوق، ألستم تزعمون ان الباري مكلم في الازل ولا
~~مكلم؟ فإن قالوا نعم، قلنا لهم: فما تنكرون انه عالم في الازل ولا معلوم؟ فإن
~~قالوا ان العالم يوجب المعلوم، قلنا فكذلك المتكلم يوجب المكلم، مع ان
~~المتكلم ولا مكلم من صفات المجانين، ولما جاز ان يصفوا الله بالكلام، قصده
~~كذلك جاز ان يوصف بالعلم وضده، والا فما الفرق؟ فليس لهم من بعد هذا الا
~~الشفة واللفظ والانهماك في الغوايا.
# ونرجع الى ما كنا فيه من حكاية الفصل الذي ذكره الحكيم الصادق اعلى الله
~~درجته في كتاب «المحصول» فقال: ان الصور اذا كانت معلومة عند المبدع قبل
~~ابداعه اياها لكانت والمبدع زوجا لا فردا، ولكانت الصور عند هويته جامعة
~~لجميعها، فهوية المبدع مع هوية الصور كان زوجا، وان كان زوجا فإبداع المبدع
~~للصور لم يكن ابداعا بل كان توليدا، ولم يكن بينه وبين المعلول الضعيف
~~المحتاج فرقا، اذ ان كل زوج من المخلوق الواقع تحت الحواس الخمس، فضلا عن
~~الزوج اللطيف الذي تعالى عن الوقوع تحت الحواس الخمس هما يولدان الصور بلا
~~نهاية به، وثبت توليد هما ذلك اجتماع صور ذلك الجنس فيهما بالقوة قبل ظهور
~~صورهما، وذلك ان زوجا واحدا من اي حيوان اذا كان بالتركيب صحيحين فيجامعان
~~فيتولد لهما بكل مجامعة ولدا، وكذلك الولد اذا ادرك وجامع انثاه يتولد
~~بينهما مثلهما، فاذا اتى عليهما زمان امتلأ العالم من الازدواج من اولاد زوج
~~واحد، وهذا مشهور في كل جنس من الحيوان، فهذه الحال موجودة في جميع الاجناس
~~من اجتماع الصور قبل ظهورها في المخلوق، يبقى قول القائل ان المبدع كانت صور
~~الاشياء عنده معلومة، ويزداد حال الذي داخل بما قال انه لم يكن عالما بما
~~ابدع، اذ لم تكن الصور عنه معلومة عليه ووجه آخر في جواب قوله، ان المبدع لم
~~يكن عالما بما ابدع لم تكن الصور عنده معلومة، وهو ان هذه الاصول موجودة اذا
~~وقعت الاسماء عليها بعد ظهورها، وكذلك الاشياء اللطيفة التي تقدمت الموجودات
~~وصار اثباتها بدلالات ما ظهر من افعالها قد وقعت الاسماء عليها من بعد ظهور
~~هويتها وان
PageV01P116
# جملتها قبل كونها لم تكن هوية لواحد منهما، ولا صورة ولا ذاتا، وان المبدع
~~ابدعها دفعة واحدة باصولها وإمكانها وفروعها من غير تقدم المكان لا المتمكن
~~ولا الاصل او الفرع، بل ابدع جوهرا تاما فيه جميع كل شيء بصورته وجنسه
~~ونوعه وجميع كيفياته معلومة فيه، وذلك قوله تعالى: @QUR54.50@07 وما أمرنا
~~إلا واحدة كلمح بالبصر فلو كان عند الجسمانيين شيء اسرع من لمح البصر، لكان
~~الباري يضرب المثل به تقريبا الى اوهامهم، وتقريرا في افهامهم، فالباري اذا
~~هو المبدع التام الذي ابداعه كان تاما، فالمبدع بالابداع التام من المبدع
~~التام لم يكن الا تاما، وهذه الاسماء التي وصفناها مثل المبدع والابداع
~~والمبدع انما وقعت عند ظهور المبدع، كما ان الاسماء التي هي الخالق والخلق
~~والمخلوق ظهرت عند ظهور المخلوق وذلك ان المبدع لما كان معلولا بالعلة وقع
~~عليها اسم مشتق (1) من اسم المعلول، ولما كان مبدعا اضيف ابداعه الى
~~المبدع، وكذلك اسم السابق اذا وقع على المبدع عند الظهور المسبوق، فإذا رفع
~~المسبوق بالوهم ارتفع الاسم عن السابق، ولو رفع الاسم عن المبدع الحق لم ينل
~~المسترشد معرفته، اذن فوضع الاسم هو الدلالة من دونه ليكون لهم سببا ومرقيا
~~الى معرفته، وان اسمه واقع عليه من نحونا عليه وابداعه وتكوينه الاشياء، وليس
~~له اسم من نحو ذاته بل من نحو ذاتنا، وكذلك ما دون الاسماء من الصفات
~~فسبيلها هو ما ذكرنا، لان الحكماء اجازوا اضافتها الى المبدع الحق بل لهذه
~~العلة التي قلنا انها الوحدة والامر والازلية، فالكلمة والعلة هي اسماء
~~واقعة على الابداع والاول والسابق والعقل والقلم والقضاء هي اسماء واقعة
~~على المبدع، كما ان الآخر والتالي والنفس واللوح والقدر والنور هي اسماء
~~واقعة على التالي، واعلم ان الابداع في المبدع كالفعل في المفعول، وكما ان
~~هوية الفعل من الفاعل، لا شك تقول هذا خط فلان، وهذا نسخ فلان، وهذا حرز
~~فلان، وهذه صنعة فلان، ففلان هو الفاعل وليس الخط هو فلان، فكذلك هوية الابداع
~~من المبدع الحق، وكما ان ظهور الفعل في المفعولات، لانك لا ترى في الكاتب
~~خطا ولا في الناسخ نسخا ولا في الحرز حرزا ولا في احد من
PageV01P117
# الصنائع صنعة بل الخط في المكتوب والنسخ في المنسوخ والحرز في المحروز
~~والصنعة في المصنوع، كذلك كان ظهور الابداع في المبدع ولا في المبدع، وكما ان
~~اثر الفعل في كل مفعول مثبتة بالفعل من غير ان يوقف على هوية الفعل كذلك
~~اثر الابداع في المبدع مثبت من غير ان يقوم كل واحد منهما بهويته بل
~~هويتهما هوية واحدة، فجميع هذا الذي وصفناه يوجب نفي اثبات القدم للصور قبل
~~ظهورها والصحيح المستقيم هو ان يقال للباري مبدع الاشياء لا من شيء من غير
~~صورة واحدة وصورة كثيرة تقدمت الابداع، وانه لم يزل ولا ابداع ولا مبدع ولا
~~مشير الا هو ولا اشارة ولا اسم واقع ولا صفة يوصف بها ولا مكان احاط به
~~واستقر عليه بل هو قبل الزمان والمكان لم يزل ولم يزال، فلا يقال متحرك ولا
~~ساكن اذ هما مسبوقان بالحركة والسكون ولا يقال هو حركة او سكون لانهما من
~~صفات المخلوقين وموهوبات (1) منه لخلقه، وكلما هو موجود في الخلق فهو منفي
~~عن الخالق.
# ولما وجدنا هويتنا وما هو اعلى منا وما هو ادنى منا كلها مبدعه مخلوقة
~~ومعلولة بالابداع والخلقة علمنا ان مبلغ علمنا مبلغ علتنا وان العلة
~~كالافاضة علينا من مبدعنا وخالقنا ونحن عاجزون عن مجاورة (2) ما افيض علينا
~~غير مدركين لما وراء العلة، فليس لنا اذا من ادراك المبدع سوى الاقرار به
~~فقط من غير وقوف منا على ما بينه، والاقرار منا هو اضافة جميع ما افاضه
~~علينا الله جل وعز، وانه هبة منه لنا وجودا وتفضلا علينا، وهذا القول
~~المنطقي والاعتقاد العقلي الذي نقوله في التوحيد ونعتقده ظهر بعد ظهور
~~هويتنا، ولما وجدنا الاقاويل والعقول مبدعة مخلوقة ايقنا ان القول المنطقي
~~والقول الوهمي الفكري العقلي لا يحيط على ما فوقه لان هذا غير ممكن ان يحيط
~~المحاط على المحيط به.
# والدليل على ذلك هو انا لو توهمنا بالوهم والفكر والعقل بالوقوف على الذي
~~لم يجد شيئا يستقر عليه فيتكل على رأيه وهو ان يؤديه ذلك الى التعطيل فلذلك
~~قال الرسول على
PageV01P118
# الرمز والمثل لا صلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها لانها تطلع وتقرب
~~بين قرني الشيطان، ولهذا تأويل يؤكد قولنا هذا وحقيقته مذكورة في
~~كتاب «البرهان» المنقول على العلم الثالث من العلوم الآخرية التي هي مقابل
~~الهوى، وذلك لان الصناعات الدنيائية (1) على اربع منازل اسفلها صناعة الطب
~~وهي مقابل التراب، والثانية الهندسية، وهي مقابل الماء، والثالثة صناعة النجوم
~~وهي مقابل الهوى، والرابعة صناعة الفلسفة وهي مقابل النار، وكما ان كل واحدة
~~من هذه الامهات الأربع ليست بناجية ما لم تجتمع باعتدال في الخامس الذي هو
~~المقصود منها، فإذا قد ثبت ان المقصود من الامهات الاربع تنجو بالمقصود من
~~العلوم الاربعة، ثم عاد الامر من بعد ظهور هذه الصناعات الأربع في البدء الى
~~العلوم الآخرية التي هي المقصود من هذه الصناعات الاربع فصارت على اربع
~~مراتب اسفلها علم الظاهر الاسلامي السمعي وهو مقابل التراب، والثانية علم
~~الممتزج الايقاني البصري وهو مقابل الماء والثالثة علم الحقائق الايماني
~~القلبي وهو مقابل الهواء، والرابعة علم الغيب التأييدي الدماغي وهو مقابل
~~النار فلذلك قال تعالى: @QUR72.26@08 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا
~~الا من ارتضى من رسول الله فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلموا
~~انهم قد بلغوا رسالة ربهم، وأحاط بما لديهم واحصى كل شيء عددا، وكما انا
~~قادرون على اكل الامهات السفلية بلا واسطة، وعاجزون عن اكل النار، كذلك نحن
~~متهيئون لقبول العلوم الثلاثة التي هي الظاهر الاسلامي السمعي (2) والممتزج
~~الإيقاني البصري والحقيقي الايماني القلبي، وعاجزون عن قبول العلم الرابع
~~الغطائي الغيبي الدماغي التأييدي، ولذلك كلفنا الله بالعلوم الثلاثة، ولم
~~يكلفنا بالعلم الرابع الذي هو من مراتب الرسل والأنبياء في قوله تعالى:
~~@QUR23.78@011 وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون
~~وقوله: @QUR17.36@017 ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل
~~أولئك كان عنه مسؤلا لانه تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها.
PageV01P119
# ومن هاهنا ضرب الله مثل ابراهيم في رؤيته الكواكب بالاسلام أولا عند
~~التسمية التي لا يقف عليها الا من جهة السمع حيث قال: @QUR22.78@045
~~وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة
~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم
~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو
~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير وهذا من قبل، وفي رؤيته القمر الايقاني
~~ثانيا التي هي من الفعل البصري حيث قال: @QUR6.75@010 وكذلك نري إبراهيم
~~ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وفي رؤيته الشمس بالايماني ثالثا
~~عند الاتباع الذي هو من فعل القلب حيث قال: @QUR3.68@014 إن أولى الناس
~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين وفي
~~توجهه الى الفاطر بالتأييد، رابعا عند احياء الطيور التي علت باجسامها في
~~العالم الكبير، كعلو الدماغ في العالم الصغير حيث قال: @QUR2.260@040 وإذ
~~قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن
~~قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم
~~ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ثم اخذ الله على عباده في
~~تكليفهم طلب العلوم لهذه المراتب في قوله: @QUR2.130@019 ومن يرغب عن ملة
~~إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن
~~الصالحين .
# وقول الرسول طلب العلم فريضة على كل مسلم ولم يقل على كل مؤمن لان على
~~المسلم ان يطلب العلم ليصير مؤمنا، وعلى المؤمن ان يعلمه لطلبه، كما ان على
~~العطشان البعيد من الماء طلب الماء وعلى العطشان الغامس في الماء شربه لا
~~طلبه، وفيما هو مبين في كتاب «البرهان» من تأويل اخبار ابراهيم والطيور وحقائق
~~أجزائها الاربعة وبراهين رؤيته الكواكب والنيرين، وبيان ما يقابل الفلك من
~~هذه العلوم كمقابلتها الامهات الاربع، واظهار درجة الاهمال منها غنى عن
~~اعادتها وذكرها في هذا الكتاب.
PageV01P120
# فان سألنا سائل عن كيفية عذاب الشياطين والأبالسة (1) بالفعل
~~وأحوالهم؟ قلنا ان بعضهم معذبين في النار الجسمانية وبعضهم في النار
~~الجرمانية ما دامت السموات والارض، فأما ما بعد ذلك فان الأبالسة الذين هم
~~المرتدون يعذبون في النار الروحانية وسنشرح ذلك بمنة الله وبأوليائه بوحي
~~لتقريره في افهام المستجيبين وتحريره ولتقريبه الى افهام الباحثين فأقول: ان
~~النار الجسمانية هي الاثير المحيط بالهواء والماء والارض، والنار الجرمانية
~~هي النيران المتولدة من دوران الافلاك السبعة، فهي تمنع المعاقبين فيما
~~بينهم وتثبت بهم حتى لا يتهيأ لهم الوصول الى دار النعيم وكذلك سميت
~~الافلاك العالم الجرماني والنيران المتولدة من دونها النار الجرمانية لان
~~الجرم في اللغة المنع واللبث والجرم في اللغة أيضا الجسم الا انه في
~~المعقول نعلم ان العالم الجرماني الذي هو الافلاك الطف من العالم الجسماني
~~الذي هو الامهات، فاما النار الروحانية فسنبين تأويلها فيما بعد ولا حول ولا
~~قوة الا بالله العلي العظيم. ثم اني اقول ان الشياطين والأبالسة بالقوة اذا
~~فارقوا قوالبهم يصيرون شياطين وأبالسة بالفعل، فصورهم من القوى الثلاثة التي
~~هي النامية والحسية والناطقة (2) وأرواحهم من القوى العاقلة وانهم اذا
~~انتهوا الى الاثير اشتملت عليهم النار المحيطة في الهواء لعجزهم عن الوصول
~~الى العالم الروحاني الابدي لانهم غير متهيئين لقبول آثاره وذلك لتصورهم في
~~الصور الناقصة المنكوسة المعكوسة المعوجة الطبيعية، فيبقون هناك معذبين بين
~~هذه النار وبين النار المتولدة من دوران فلك القمر هذا العذاب وذلك لمن
~~تكون صوره شيطانية اكتف وهم حذاق الاطباء المشتغلون بعلوم الطبائع
~~والمطبوعات والمنكرون علم التأويل المقرون بقدم العالم من الدهرية وغيرهم
~~واسم هذا العذاب سقر قال تعالى:
# @QUR74.42@05 ما سلككم في سقر @QUR74.43@ قالوا لم نك من المصلين
@QUR74.44@05 ولم نك نطعم المسكين @QUR74.45@ وكنا نخوض مع الخائضين
@QUR74.46@05 وكنا نكذب بيوم الدين @QUR74.47@ حتى أتانا اليقين
.
# ان سقر ثلاثة احرف، كذلك قمر ثلاثة احرف، وان سقر قطعة واحدة، كذلك
PageV01P121
# قمر قطعة واحدة، وسقر تسعة اصول من الحساب، فذلك دليل على انها في تاسع
~~الافلاك من اعلى، وقمر سبعة اصول من الحساب، دليل على انه في سابع الافلاك
~~المدبرات من اعلامه اصل واحد من الحساب، فلذلك دليل على انه اول المدبرات من
~~اسفل، كما ان الواحد اول الحساب، وكذلك قال الرسول: ان الشمس والقمر نوران
~~مكتوبان في النار، واذ كان المعاقب من حذاق (1) المهندسين المشتغلين بعلم
~~الدقائق والاشكال والعدد والحساب الراوين علم التأويل اجتازت صورته الصورة
~~الشيطانية من فلك القمر، ولا يطيق الاجتياز من فلك عطارد لكثافتها فتشب بها
~~النيران المتولدة من شدة دوران فلكي القمر وعطارد فتبقى هناك معذبة، واسم
~~هذا العذاب الهاوية، وقد قال تعالى:
# @QUR101.9@09 فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية .
# وعطارد خمسة احرف واصوله من الحساب على عدد حروفه كذلك هاوية ثلاث قطع
~~وهاوية تسع اصول من الحساب يعني انها في احد الافلاك التسعة، واذا كان
~~المعاقب من انكر علم التأويل من حذاق المنجمين اجتازت صورته الصورة
~~الشيطانية من فلك عطارد، ولا يطيق الاجتياز من شدة دوران فلك الزهرة
~~لكثافتها فتثبت بها النيران المتولدة من شدة دوران فلك الزهرة وعطارد فتبقى
~~هناك معذبة، واسم هذا العذاب جحيم، قال الله تعالى:
# @QUR2.39@011 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها
~~خالدون .
# اما زهرة فأربعة احرف كذلك جحيم أربعة احرف، وزهرة ثلاثة قطع كذلك الحروف
~~المنقوطة من جحيم ثلاثة، وكما ان القطعة الوسطى من زهرة اعظم من القطعتين
~~الآخرتين كذلك النقطة الوسطى من جحيم اعظم من النقطتين الآخرتين، وكما ان
~~القطعة الاولى من زهرة نصف القطعة الآخرة منها لان «ز» نصف دائرة والهاء
~~دائرة تامة، كذلك النقطة الاولى من جحيم نصف النقطة الآخرة، وحروف زهرة مع
~~اصل حسابها من الجمل خمسة اعداد فذلك دليل على ان الزهرة خامسة المدبرات من
~~اعلى جحيم سبعة
PageV01P122
# اصول من الحساب يعني في سابع الافلاك من اعلى، واذا كان المعاقب ممن انكر
~~علم التأويل، ومن الفلاسفة الذين هم مشتغلون بما بعد الطبيعة نابذون الكتب
~~المنزلة وراء ظهورهم اجتازت صورة شيطنته من فلك الزهرة، ولا يطيق الاجتياز
~~من فلك الشمس التي هي اصل جميع النيران فتثبتت بها النيران والحرارة
~~المتولدة من الشمس ومن شدة دوران فلك الزهرة والشمس فتبقى هناك معذبة، واسم
~~هذا العذاب لظى، قال الله تعالى:
# @QUR70.15@04 كلا إنها لظى @QUR70.16@ نزاعة للشوى
.
# وشمس ثلاثة احرف، وشمس قطعة واحدة كذلك لظى قطعة واحدة، وشمس أربعة اصول من
~~الحساب ليكون ذلك دليلا على انها رابع ابواب جهنم من اعلى وأسفل، وكذلك روي
~~عن الرسول انه قال: ان الشمس والقمر نوران مكتوبان في النار، ووجه آخر وهو
~~انه لما كانت لظى أربعة اصول من الحساب ليكون ذلك دليلا على انها في رابع
~~الافلاك من اعلى وأسفل، واذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل من حذاق
~~فقهاء القشرية والمشتغلين بعلم الظاهر وشرائع الرسل اجتازت صورته الشيطانية
~~من فلك الشمس، وبقيت تحت فلك المريخ فتثبتت بها النيران المتولدة من الشمس
~~والمريخ ومن شدة دوران فلكيهما تحت فلك واحد فتبقى هناك معذبة واسم هذا
~~العذاب حطمة، قال الله تعالى:
# @QUR104.4@012 كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله
~~الموقدة .
# ومريخ أربعة احرف كذلك حطمة أربعة واحرف مريخ قطعتان كذلك الحروف
~~المنقوطة حرفان من حطمة وأصل حساب مريخ أربعة اعداد على عدد حروف حطمة
~~تأكيدا لما بيناه بان مريخ وحطمة ثلاثة اصول من الحساب يعني انهما في الفلك
~~الثالث من افلاك المدبرات السبعة، واذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل من
~~حذاق المتكلمين المشتغلين بعلم الدقائق والصفات والافعال والوعد والوعيد
~~المقرون بالرسل، وما اتوا به، اجتازت صورة شيطنته من فلك المريخ، ولا يطيق
~~الاجتياز من فلك المشتري لكثافتها فتثبتت بها النيران المتولدة من شدة
~~دوران فلك المريخ والمشتري فتبقى هناك معذبة واسم هذا العذاب جهنم، قال الله
~~تعالى: @QUR21.98@012 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها
~~واردون يعني رؤساءهم واحبارهم ورهبانهم، كما قال: @QUR9.31@024 اتخذوا
~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا
~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .
PageV01P123
# ومريخ أربعة احرف كذلك حطمة أربعة واحرف مريخ قطعتان كذلك الحروف
~~المنقوطة حرفان من حطمة وأصل حساب مريخ أربعة اعداد على عدد حروف حطمة
~~تأكيدا لما بيناه بان مريخ وحطمة ثلاثة اصول من الحساب يعني انهما في الفلك
~~الثالث من افلاك المدبرات السبعة، واذا كان المعاقب ممن انكر علم التأويل من
~~حذاق المتكلمين المشتغلين بعلم الدقائق والصفات والافعال والوعد والوعيد
~~المقرون بالرسل، وما اتوا به، اجتازت صورة شيطنته من فلك المريخ، ولا يطيق
~~الاجتياز من فلك المشتري لكثافتها فتثبتت بها النيران المتولدة من شدة
~~دوران فلك المريخ والمشتري فتبقى هناك معذبة واسم هذا العذاب جهنم، قال الله
~~تعالى: @QUR21.98@012 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها
~~واردون يعني رؤساءهم واحبارهم ورهبانهم، كما قال: @QUR9.31@024 اتخذوا
~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا
~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .
# ومشتري خمسة احرف، وجهنم مع التشديد به التي على حرف النون، خمس احرف وذلك
~~لان العرب تعد للتشديد به حرفا واحدا مثل فر يفر وهو على قياس فعل بفعل فر
~~حرفان، وفعل ثلاثة احرف لان التشديد في فر قامت مقام حرف واحد حتى ساوى
~~الفعل، وكما ان الياء من مشتري مفرده شبهته بالخفض كأنها مستعارة
~~باللفظ، كذلك التشديد به قطعتان، وكما ان قطعة من مشتري أربعة احرف وقطعة حرف
~~واحد كذلك قطعة من جهنم أربعة احرف، وقطعة هي للتشديد به حرف واحد، ومشتري
~~وجهنم أربعة اصول من الحساب فذلك دليل على انهما في رابع الافلاك من
~~اعلى، وان كان المعاقب ممن آمن بالتأويل وسمعه ووعاه ثم ارتد عنه وعلى اهله
~~جحودا (1) وعنادا وأنكر اليوم الآخر على ما يوجبه التأويل والتنزيل جميعا
~~واجتازت صورته صورة الشيطنة (2) من فلك المشتري، ولا يطيق الاجتياز من فلك
~~زحل فتتثبت به النيران المتولدة من شدة دوران فلك المشتري وزحل فتبقى هناك معذبة.
# واختلف الحكماء في حرف زحل فقال حكماء المنجمين والفلاسفة، زحل ثلاثة احرف
~~وقال حكماء الديانة والاسلام انما زحل هو أربعة احرف تكلمة الثمانية
~~والعشرون حرفا مع حروف اسماء الكواكب الستة التي سميناها
~~وهي، مشتري، مريخ، شمس، زهرة، عطارد، قمر، ليكون ذلك دليلا على الاسابيع الاربعة
~~التي هي النطقاء والاسس والاتماء والخفاء، فمن هاهنا وجب ان تكون حروف كل
~~سبعة ثمانية وعشرون عددا مثل البروج السبعة في استواء الشمس الربيعي الى
~~الاستواء الخريفي، وهو: حمل ثور جوزاء سرطان اسد سنبلة ميزان ومثل حروف
~~الاشهر السبعة وهي: محرم صفر ربيع اول ربيع ثاني، جمادى اول، جمادى
~~الثاني، رجب، ولذلك جعل اولها من الاشهر الحرم، وآخرها
PageV01P124
# من الاشهر الحرم أيضا لتصير دائرة راجعة الى اولها محدودة بالسبعة كرجوع
~~برودة القمر الى أولها التي هي برودة زحل، وكرجوع الميزان بالاستواء الى
~~الحمل، ومثل حروف الايام السبعة وهي: احد اثنان ثلاثة أربعة
~~خميس، جمعة، سبت، ومثل اضافة العدد بعضه الى بعض من واحد الى سبعة وهو واحد
~~اثنين ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وعدد حروفها كذلك، ومثل حروف اسماء النطقاء
~~السبعة وهم: آدم نوح إبراهيم موسى عيسى محمد قائم، ومثل حروف الأوصياء السبعة
~~وهم: شيث سام اسماعيل يوشع شمعون علي مهدي، ومثل حروف اسماء الأئمة السبعة
~~وهم في دور محمد: علي حسين علي محمد جعفر اسماعيل محمد، ومثل حروف الدرجات
~~السبع التي هي سلالة نطفة علقة مضغة عظام لحم خلقا آخر، ومثل حروف المنازل
~~السبع التي هي معدن نبات حيوان انسان جن ملك انتهى، ومثل حروف المراتب السبع
~~التي هي مستجيب مأذون داعي حجة متم وصي ناطق، ومثل هذا كثير كحروف الخلفاء
~~السبعة وحروف آية التوكل وحروف الجمل من الآحاد الى الالوف، وعدد حدود
~~الشهادة وعدد الركعات التي لا يجوز تركها للخاطر، وعدد لبلوغ المولود الى
~~غايته في العقل، فقد قيل ان سننه في اول السبع يسقط، وفي السبع الثاني
~~يزاهق، وفي السبع الثالث تستوي لحيته، وفي السبع الرابع يتم عقله، ومن بعده
~~تجارب وتعاليم، وان في بعض اصل واحد الذي هو حروف المدبرات السبعة بالغربية
~~مع شهرة شأنها وعلو امرها يكون بطلان الجميع وفيه ما فيه مع ان اسماء هذه
~~المدبرات السبعة بالفارسية لا يتجاوز أيضا ثمانية وعشرين حرفا وهي: كيوان
~~هرمزد بهرام مهر (تا) هيد يشرمه وأصولها سبعة على عددها، ومما يزيد قولنا
~~تأكيدا عن اللغة ان زحل مشتق (1) من زوحل يزوحل زوحلة فهو من مزوحل اي بعد
~~فهو بعيد ويقال أيضا لكل من ابطأ سيره وزوحل يزوحل، ويقال زحل وزوحل اي
~~متخلف عن القافلة، وبعير زوحل اي متخلف عن الدور. قال الأصمعي زوحل فوعل من
~~زحل اي بعد كما قال الله تعالى: @QUR108.1@03 إنا أعطيناك
PageV01P125
# @QUR108.1@02 الكوثر اي اعطيناك كثيرا يقال كوثر من الكثرة، وقال
~~المفسرون: انا اعطيناك الكوثر اي نهر في الجنة كثير الماء، ومما يزيد قولنا
~~تأكيدا من البيان ان تقول، كما ان اسم زحل ظاهر وباطن حتى كان ظاهر ثلاثة
~~احرف وباطنه أربعة احرف دون اسماء سائر المدبرات، وكما ان ظاهر الكوثر على
~~معنى انه على ميزان فعل وباطنه على معنى فعول لقوله تعالى: الكوثر كذلك ظاهر
~~زحل ثلاثي وباطنه رباعي، لان باطن كل شيء يدل على الاصول الاربعة دون
~~ظاهره، ومن هاهنا سمى الله هذا العذاب باسمين احدهما ثلاثي والآخر
~~رباعي، فاما الثلاثي فهو ويل، وقد قال: @QUR107.4@03 فويل للمصلين @QUR107.5@
~~الذين هم عن صلاتهم ساهون
يعني عن تأويلها غافلون، ويل ثلاثة احرف، وقطعتان كذلك زحل عند حكماء
~~الفلاسفة ثلاثة احرف، وقطعتان: واما الرباعي فهو سعير وهو أربعة احرف مقابل
~~زوحل كما قالت حكماء الديانة، وقد قال تعالى:
# @QUR67.5@013 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين
~~وأعتدنا لهم عذاب السعير اي في الفلك السابع ليكون دائرة السعير فرجع في
~~هذه الآية الفلك السفلي الى الفلك السابع كرجوع صاحب كل واحد منهما الى
~~صاحبه بالبرودة، وزحل سبعة اصول من الحساب يعني هو من المدبرات من اعلى
~~فيما بين الافلاك السبعة لئلا يقع في وهم احد ان المدبرات في الفلك
~~المستقيم او في فلك البروج شيء ويلي اصل واحد من الحساب فذلك دليل على انه
~~في اول الافلاك المدبرات، كما ان الواحد اول الاعداد، وسعير سبعة اصول من
~~الحساب، فذلك دليل على انه في سابع الافلاك من اسفل، وانما جعلنا دلائل هذه
~~الكواكب وأبواب النار من الحساب، لان اصل علم النجوم والافلاك هو حساب، ويلي
~~سعير جهنم حطمة لظى هاوية سقر، وكلها سبعة اصول من الحساب على عددها.
# فذلك دليل على ان أبواب النار سبعة ليس لها ثامن تصديقا لقول الله عز وجل:
# @QUR15.44@09 لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم فأما تأويل قول رسول
~~الله (صلعم) ان في الجحيم زمهرير يعذب به الكفار فهو ان موضع القطب بارد جدا
~~وكذلك الزهرة والقمر ابتدائهما زمهريران باردان رطبان، وان المعاقب اذا قابل القطب
PageV01P126
# والزهرة والقمر وكوكبا له من البرودة حظ فيصير من شدة البرد اذا جاوزه
~~تثبت النيران به وذلك لان فلك البروج يدور ما في جوفه من الافلاك، والافلاك
~~تدور في اهل النار مع دورانها في الاعالي والاسافل مرة تحت الارض ومرة
~~فوقها، وهاهنا نبين قول الله تعالى: @QUR32.20@011 وأما الذين فسقوا فمأواهم
~~النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها (اي من تحت الارض) @QUR32.20@012 أعيدوا
~~فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون .
# والدليل على ان القمر والزهرة زمهريران باردان، هو ان زمهريران اصول من
~~الحساب تدل على ان اكثر الزمهرير في الفلك الثالث من اسفل برودة اصل واحد
~~من الحساب.
# فذلك دليل على ان البرودة في المدبر الاول من اسفل، وهاهنا نبين تأويل قول
~~الله تعالى:
# @QUR74.28@05 لا تبقي ولا تذر @QUR74.29@ لواحة للبشر
@QUR74.30@04 عليها تسعة عشر يعني الكواكب السبعة والبروج الاثنى عشر، لان
~~الباري عز وجل قد خلقها مجبورة على تعذيب اهل النار وتقلبهم في الافلاك في
~~الاعالي والاسافل وإيلامهم في النار والزمهرير، ثم قال الله تعالى:
~~@QUR74.31@059 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة
~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا
~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون
~~ما ذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم
~~جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر اصحاب النار يعني البروج الاثنى
~~عشر، والملائكة هم اصحاب الاعراف المقيمون الى يوم القيامة بين الافلاك
~~السبعة التي هي النار وبين العالم الروحاني الذي هو الجنة، والمواضع مرموزة
~~في هذه الآية، وهذا مثل قوله:
# @QUR12.82@012 وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا
~~لصادقون يعني اهل القرية، ومثل قوله: @QUR75.23@04 إلى ربها ناظرة يعني الى
~~ثواب ربها ومثل هذا كثير في القرآن والاشعار (1) ولغة العرب تركنا ذكره
~~مخافة التطويل وملالة القارئ
PageV01P127
# والناقل، ثم قال تعالى: ما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين
~~اوتوا الكتاب يعني كتاب تركيب العالم كما قال تعالى: @QUR2.1@09 الم ذلك
~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ثم قال: @QUR74.31@059 وما جعلنا أصحاب
~~النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين
~~أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب
~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا
~~كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا
~~ذكرى للبشر يعني الذين وصلوا الى العلم الثالث حتى صاروا مؤمنين، وقد قيل ان
~~في النار حيات وأفاعي اراد بذلك الجوزهر وهو التنين الملتف بالافلاك السبعة
~~له رأس وذنب، ولذلك قال تعالى: @QUR69.32@014 ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا
~~فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم اراد بالسلسلة الجوزهر وطوله على
~~مقدار الافلاك السبعة، ومن هاهنا قول رسول الله (صلعم): ان في النار أودية
~~وجبال وصعود وهبوط اراد بذلك الجوزهرات والدرجات والظلمة والاوتاد والهبوط
~~والنحوس والعقود والوجوه والحدود، وغير ذلك مما يعرفه حذاق المنجمين وهاهنا
~~نبين قول الله تعالى: @QUR11.106@010 فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها
~~زفير وشهيق @QUR11.107@ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء
~~ربك إن ربك فعال لما يريد
.
# وقد روي عن رسول الله (صلعم) انه قال: ان الله تعالى يفتح وقت الشتاء جزء من
~~باب من أبواب زمهرير جهنم لكي تبرد الدنيا، ويشتق الناس، ويفتح جزء من باب من
~~أبوابها وقت الصيف لكي تحمل الدنيا حرا كذلك، وقال المنجمون ان هذا البرد
~~وقت الشتاء انما يتولد من الافلاك والانجم (1)، وكذلك الحر وقت الصيف يتولد
~~منها، فقول رسول الله (صلعم) المرموز يؤيد اقاويل المنجمين والفلاسفة
~~ووافقهما ما قاله
PageV01P128
# الحكماء في تأويل هذه الآية لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم اي
~~سبعة ادوار النطقاء الذين هم اصحاب الظاهر اي لكل ناطق منهم شريعة
~~معلومة، فظاهر مقسوم فيما بينهم، وفي تأويل قوله تعالى: @QUR4.56@021 إن
~~الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها
~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما اي كل ما انقطعت شريعة صاحب دور
~~ظاهر بدلناهم ظاهرا غيره، هذا في الادوار، فاما في الدور الواحد فتأويله كلما
~~فسد مذهب من مذاهب الظاهرية بدلناهم مذهبا غيره يعني من الظواهر المحضة
~~المقسومة بين ادوار النطقاء السبعة، فذلك تأويل العذاب الادنى، لا تأويل
~~العذاب الأكبر، وقد قال تعالى: @QUR32.21@010 ولنذيقنهم من العذاب الأدنى
~~دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون يعني دون عذاب النار المقسومة من الافلاك
~~السبعة لعلهم يرجعون يعني عند وصولهم الى العذاب الادنى قبل ان يصلوا الى
~~العذاب الاكبر الذي لا ينفعهم الرجوع حينئذ، ومما يؤكد قولنا قول الله
~~تعالى: @QUR13.34@015 لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم
~~من الله من واق والعذاب الادنى بين المتولدات الجسمانية في ادوار
~~النطقاء، ولعذاب الآخرة اشقى، وما لهم من الله من واق، والذين هم معاقبون في
~~الافلاك السبعة السفلية الذين هم اطباء القشرية ومهندسوها ومنجموها
~~ومفلسفوها وفقهاؤها ومتكلموها لا يخلدون في العذاب بل عذابهم على قدر
~~طاقتهم لضبط صورهم الروحانية ثم يفيدون فيضمون الى سائر الناس من اصناف
~~المقلدين الذين هم في الدوران لانهم منكرون لا جاحدون، فلذلك قال الله
~~تعالى: @QUR95.4@07 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم @QUR95.5@ ثم رددناه
~~أسفل سافلين
@QUR41.8@010 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون فاما الذين
~~هم معاقبون في فلك زحل الذين هم المؤيدون فعقابهم دائم، وانهم يتحولون عند
~~فناء الافلاك الى العذاب الروحاني لتصورهم بالصورة الروحانية التي لا تبيد
~~لانهم جاحدون لا منكرون، وكذلك قال الله تعالى: @QUR27.14@012 وجحدوا بها
~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين وقال:
~~@QUR8.42@07 إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة
PageV01P129
# @QUR8.42@030 القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد
~~ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
~~وإن الله لسميع عليم .
# فقد تبين بهذا ان المقلدين اموات في الدوران بعد فساد قوالبهم، والمؤيدون
~~حساسون احياء معذبون فلذلك صار عذابهم ابديا، والفرق الستة الذين هم الافلاك
~~الستة السفلية واسطات بينهم وبين العامة، فلذلك صار عذابهم متناهيا، ومن
~~هاهنا وصفهم الله بكلا الطرفين فقال: @QUR20.74@014 إنه من يأت ربه مجرما
~~فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى وكذلك قال رسول الله (صلعم) ان بعض الناس
~~يعذبون على قدر ذنوبهم اي على قدر بقاء صورهم الروحانية، والذين هم دون
~~هؤلاء المعذبين وفوق المقلدين فهم الأرواح الفاسدة المترددة فيما بين
~~السماء والارض، وهم حراس على القاء الشرور في هذا العالم والاضرار به كل
~~واحد منهم يدور على قدر تباعده من التقليد ثم يخمدون ويتبددون فينضم كل جزء
~~الى شكله باقيا في الدوران الى ان ينجو.
# فلعل سائل يسألنا عن تأويل قوله تعالى: @QUR4.56@021 إن الذين كفروا
~~بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا
~~العذاب إن الله كان عزيزا حكيما فنقول: ان الله تعالى زجرنا ابلغ الزجر حتى
~~وقفنا على بلوغ زجره من جهة المشاهدة ليكون احكم في التدبير وذلك لان في
~~المشاهدة لا يؤلم احدا الا بوجود ثلاثة اشياء احدها ان تكون الهيولى مهيأة
~~لقبول الالم كالمضروب، والثاني ان لا يمتنع المؤلم عن اتصال الالم كالضارب
~~من المضروب، والثالث الآلة التي إليها يوصل المؤلم الالم الى المؤلم كالخشب
~~وما اشبهه، فان صح ذلك فنقول ان الله تعالى في دوام الهيولى: @QUR4.56@07
~~كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها اي لو وقفوا على الحقائق حتى تصوروا
~~بصور لا تتبدد ولا تبيد، وقال في دوام اتصال الالم الى المؤلم:
~~@QUR22.22@013 كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب
~~الحريق ، وقال في دوام الآلة التي بها يصيبهم المؤلم: @QUR17.97@028 ومن يهد
~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة
~~على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا وقد قلنا ان
~~سعير اسم لفلك زحل الذي يعذب فيه المرتدين، وهذا تأويل هذه الآية في العذاب
~~الابدي الذي استحقه المعاقبون بالاصرار على معاصيهم التي كانت سبقت منهم في
~~عصيان آدم وحواء بعد ورود الرسل وبعد ما وقفوا على حقائق ظواهرهم حتى خرجوا
~~من عذاب هذا العالم مصرين (1) على ذلك غير نادمين، فأما تأويلها في العذاب
~~لانتهاء الذي استحقوه بما سبق لهم من العصيان حتى اخرجوا من الجنة في وقت
~~آدم وحواء، وهي مثبتة على جلود متولدات الجسمانية يستحيل من جلد الى جلد في
~~الدوران، ومحمولة على قشور الامهات الطبيعية التي تنتقل من صورة الى صورة في
~~الجولان، وكذلك قال الله تعالى جل ذكره: @QUR41.16@020 فأرسلنا عليهم ريحا
~~صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة
~~أخزى وهم لا ينصرون يعني بين المتولدات الجسمانية في الدوران، وعذاب الآخرة
~~اخزى وهم لا ينصرون وفي هذا المقدار الذي بيناه من تأويلها بلاغ
~~للعاقل، ومقنع للمسترشد وفيما هو مذكور في كتاب البرهان غنى عن اعادة ذكره هاهنا.
PageV01P130
# فلعل سائل يسألنا عن تأويل قوله تعالى: @QUR4.56@021 إن الذين كفروا
~~بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا
~~العذاب إن الله كان عزيزا حكيما فنقول: ان الله تعالى زجرنا ابلغ الزجر حتى
~~وقفنا على بلوغ زجره من جهة المشاهدة ليكون احكم في التدبير وذلك لان في
~~المشاهدة لا يؤلم احدا الا بوجود ثلاثة اشياء احدها ان تكون الهيولى مهيأة
~~لقبول الالم كالمضروب، والثاني ان لا يمتنع المؤلم عن اتصال الالم كالضارب
~~من المضروب، والثالث الآلة التي إليها يوصل المؤلم الالم الى المؤلم كالخشب
~~وما اشبهه، فان صح ذلك فنقول ان الله تعالى في دوام الهيولى: @QUR4.56@07
~~كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها اي لو وقفوا على الحقائق حتى تصوروا
~~بصور لا تتبدد ولا تبيد، وقال في دوام اتصال الالم الى المؤلم:
~~@QUR22.22@013 كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب
~~الحريق ، وقال في دوام الآلة التي بها يصيبهم المؤلم: @QUR17.97@028 ومن يهد
~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة
~~على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا وقد قلنا ان
~~سعير اسم لفلك زحل الذي يعذب فيه المرتدين، وهذا تأويل هذه الآية في العذاب
~~الابدي الذي استحقه المعاقبون بالاصرار على معاصيهم التي كانت سبقت منهم في
~~عصيان آدم وحواء بعد ورود الرسل وبعد ما وقفوا على حقائق ظواهرهم حتى خرجوا
~~من عذاب هذا العالم مصرين (1) على ذلك غير نادمين، فأما تأويلها في العذاب
~~لانتهاء الذي استحقوه بما سبق لهم من العصيان حتى اخرجوا من الجنة في وقت
~~آدم وحواء، وهي مثبتة على جلود متولدات الجسمانية يستحيل من جلد الى جلد في
~~الدوران، ومحمولة على قشور الامهات الطبيعية التي تنتقل من صورة الى صورة في
~~الجولان، وكذلك قال الله تعالى جل ذكره: @QUR41.16@020 فأرسلنا عليهم ريحا
~~صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة
~~أخزى وهم لا ينصرون يعني بين المتولدات الجسمانية في الدوران، وعذاب الآخرة
~~اخزى وهم لا ينصرون وفي هذا المقدار الذي بيناه من تأويلها بلاغ
~~للعاقل، ومقنع للمسترشد وفيما هو مذكور في كتاب البرهان غنى عن اعادة ذكره هاهنا.
# ونعود الى ما كنا فيه من امر الافلاك والنجوم فنقول: ان زحل مشتري مريخ
~~شمس زهرة عطارد قمر، ثمانية اصول من الحساب فذلك دليل على انه لا بد لهذه
~~الافلاك السبعة تكملة الثمانية، واذا كان هذا الانسان ممن اقر بالتنزيل الذي
~~هو الاسماء السمعي التقليدي الاسلامي، وأيقن بالممتزج الذي هو علم الآيات
~~البصري الايقاني، وآمن بالتأويل الذي هو علم الحقائق القلبي المعقولي
~~الايماني، فانه لا يكون معاقبا بل يكون جنيا مثابا تجتاز صورته الطبيعية
~~المهيأة لقبول آثار العالم العلوي من فلك زحل الى الفلك الثامن عند
~~استحالته من الجنية الى الملكية فيكون هناك مع الملائكة المنتظرين ثواب
~~ربهم، وذلك لان صورة هذا المثاب الطف من النار فلا تتشبث بها النيران
~~للطافتها اذا غلبت ناطقيته حسيته فتصيرها مثلها، وكذلك قال رسول
~~الله (صلعم) أبواب الجنة
PageV01P131
# ثمانية اي من اراد الوصول الى الفلك الثامن فقد نجا من عذاب النار، وفاز
~~فوزا عظيما، ومن هاهنا قيل في عذاب الدنيا الذي هو العذاب الادنى في تأويل
~~قول رسول الله (صلعم) ابواب جهنم ثمانية اي من آمن بخليفة القائم سلام الله
~~على ذكره الذي هو ثامن الخلفاء فقد نجا من العذاب الادنى، وكذلك قلنا ان من
~~وصل الى الفلك الثامن فقد نجا من العذاب الأكبر، فهذان التأويلان
~~ايقانيان، فاما التأويل الحقيقي الايماني، فهو ان الجنة هي العقل، وأبوابها
~~الثمانية هي النفس والحروف العلوية السبعة، ومما يؤكد ما قلناه قول الله
~~سبحانه وتعالى: @QUR19.71@010 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا
~~@QUR19.72@ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا
فتأويل هذه الآية اذا صرفته الى العذاب الادنى في العالم الوصفي، فهو انه لا
~~يتهيأ لأحد الوصول الى علم ما لم يقبل الظاهر أولا في العالم الجسماني، وهو
~~انه لا يتهيأ لاحد الوصول الى العالم الروحاني ما لم يعذب في الدوران بين
~~تراكيب الدنيا ومتولداتها، واذا صرفته الى العذاب الاكبر فهو لانه لا بد
~~للصور الروحانية المهيأة لقبول العالم العلوي من الاجتياز على الافلاك
~~السبعة التي هي ابواب النار حتى يتهيأ له الوصول الى العالم الروحاني،
~~والصراط الذي شبهه رسول الله (صلعم) بالجسر هو هذا لا غير، وقد قال رسول الله
~~(صلعم): ان بعض الناس يمروا عليه كالفرس الجواد، وبعضهم يمشي، وبعضهم يسقط مرة
~~ويقوم اخرى، وقد وصفهم بذلك على قدر لطافتهم وتهيؤهم لقبول آثار العالم
~~اللطيف، وكذلك اخبر (صلعم) في قصة ليلة المعراج في صفات أهل الجنة وأهل النار
~~جميعا، ومن هاهنا اصاب العصاة ما اصابهم من الصواعق والخسف والقذف من السماء
~~ثم احياهم الله تعالى بعد ذلك بقوله تعالى: @QUR2.55@016 وإذ قلتم يا موسى
~~لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون @QUR2.56@ ثم
~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون
وكما اصاب المطيعين ما أصابهم من الرخاء والنعمة منها، فمثل المؤمن المذنب
~~عند اجتيازه بالصراط الذي هو دليل على الافلاك السبعة كمثل سهم ملطخ بالنقط
~~يرمي به في النيران المؤثرة فهو ان اشتعلت فيه النار جائز منها الى الهواء
~~الملاحق بها وكذلك المؤمن المذنب يصل الى الفلك
PageV01P132
# الثامن وان اشتعلت به نيران الافلاك السبعة عند اجتيازه فيها بالجهد
~~الجهيد، وهو قول رسول الله (صلعم) ان المؤمن المذنب يعذب في النار بقدر ذنوبه
~~ثم يخرج منها، وفلك البروج ثمانية اصول من الحساب فذلك دليل على انها في
~~الفلك الثاني من اعلى، والفلك المستقيم واحد من الحساب فذلك دليل على انه
~~اول الافلاك من اعلى، اذ الواحد هو الاصل الاول في الحساب، فإذا دخل الفساد
~~في السموات والارضين وتفرقت اجزاؤه، وتبدلت تراكيبه يوم القيامة، وصارت
~~معدومة يوما فحينئذ يبقى العالم الروحاني العلوي مع المثابين والمعاقبين
~~الذين كانوا في فلك زحل وهم المؤيدون، فكل شيء يلتذ به المثاب يومئذ يعذب
~~المعاقب ويؤلم به لانه غير متهيأ لقبول آثاره، ومع ذلك مثله كمثل الشمس التي
~~هي نعمة وراحة الاعين الصحية وبلاء وسقم للاعين الرمداء لانها غير متهيئة
~~لقبول اضواءها، والشمس دليل على العالم الروحاني، والاعين الصحيحة دليل على
~~المثابين، والاعين الرمداء دليل على المعاقبين، وأيضا هو مثل العالم
~~الروحاني مع المثابين المعاقبين كمثل بعض الاشجار التي جذبت الماء الى
~~نفسها، وذاقت الربيع، وعجزت عن جذب البعض، قيل فلم تجذبه، فاذا اظلها
~~الصيف، صارت من الشمس نغمة الاشجار الروية لانها متهيئة لقبول آثارها وبلاء
~~الاشجار الاخرى لانها غير متهيئة لقبول حرارتها فكلما كانت الشمس في اخر
~~الاشجار كانت الروية منها اطرى واخضر وأحسن، وكانت الاشجار الاخرى ايبس
~~وأوحش، فشبهنا الربيع بالدنيا، والماء بالعلم، والاشجار الروية بالمؤمنين،
~~والاشجار اليابسة بالقشرية، والشمس بالعالم الروحاني، وأيضا وهو ان مثل عذاب
~~الأبالسة بالفعل بعد يوم القيامة في العالم الروحاني كمثل العظام والعروق
~~والاعصاب الحية الغير مكسية (1) باللحم والجلدين للصور المستقيمة في
~~الدنيا، وكمثل العظام والعروق والاعصاب واللحم الحية غير المكتسية بالجلد
~~الذي به يتم الخلق الآخر بين الصور المستقيمة في الدنيا، وذلك لان الصور
~~المستقيمة في الدنيا هم الذين جازوا المراتب السبع في اصلاب آبائهم وبطون
~~امهاتهم حتى تهيأ لهم بذلك قبول آثار ما في هذا العالم السفلي، فكذلك
PageV01P133
# الصور المستقيمة في الآخرة هم الذين جازوا المراتب السبع فيما بين
~~الامهات الاربع والفلكين حتى تهيأ لهم بذلك قبول آثار العالم العلوي، فاما
~~السقط الذي صارت خلقته معكوسة في بطن أمه فلأنه عرضت له اما من جهة
~~الامهات، واما من جهة الافلاك فلم يتهيأ له بذلك الوصول الى الدرجة
~~السابعة، ووقف عند درجة من الدرجات التي دونها، ولم يمكنه مجاوزتها فخرج من
~~الدنيا ناقصا عاجزا عن قبول آثارها ونعمها، وتلك الآثار تصير النعم عليها
~~عذابا، والصور المستقيمة رحمة وثوابا، وكذلك الأبالسة بالفعل فان صورهم في
~~قلوبهم معكوسة لميلهم الى الظواهر دون البواطن ولاقتصادهم على العمل
~~بالشرائع دون العلم فلم يتهيأ لهم بذلك الوصول الى الدرجة السابعة، ووقفوا
~~عند الدرجة الخامسة، ولم يمكنهم مجاوزتها عند قبول نفخ التأييد في
~~صورهم، ووصلوا بذلك الى العالم العلوي بالمخالفة عادمين للمشاكلة، فلم يتهيأ
~~لهم لهذه العلة قبول آثاره ونعمه فصارت تلك الآثار والنعم عليهم عقابا
~~وعذابا، والانس بالفعل هم المثابون رحمة وثوابا، وهذا العذاب هو العذاب
~~الروحاني الذي سميناه النار الروحانية.
# فقد ثبت بجميع ما بيناه ان عذاب المرتدين في ثلاثة مواضع احدها في الدنيا
~~قال الله تعالى: @QUR32.21@010 ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب
~~الأكبر لعلهم يرجعون وهو عذاب القشور الادنى ولقوله جل وعز: @QUR4.56@021
~~إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا
~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما وقوله: دون العذاب الاكبر
~~يعني دون العذاب الذي بين الافلاك السبعة لعلهم يرجعون، فلو لا ان العذاب
~~الادنى قبل فساد القالب والموت والالم يكون لقوله تعالى لعلهم يرجعون
~~معنى، ولا فائدة لان التوبة والرجوع لا يقبلان بعد الموت من التائب
~~والراجع، والعذاب الثاني الذي بين الافلاك ومدته الى يوم القيامة، وكيفية مدة
~~هذا العذاب مشروحة في كتاب البرهان، فمن طلبه من المؤمنين الواقفين على
~~العلم الثالث وجده، وانما صار هؤلاء بين هذه الافلاك لان أرواحهم الحسية
~~كانت مستفادة من الفلك، ثم غلبت الناطقة في الدنيا لبعدها عن التوحيد
~~وفرارها من الايمان، فلم يتهيأ لها مفارقته اذا صار كل شيء مغلوبا،
PageV01P134
# وكان في جوار الغالب مقهورا، ولو لا المطر والزلزلة لم تتحد النار
~~بالارض، فلما جاز ان تثبت الارواح بالقوالب التي هي اكتف من العالم
~~الجرماني، وتشبيها بالافلاك التي هي الطف من الامهات الاولى، ومن هاهنا قال
~~محمد (صلعم) ان ارواح الكفار معذبة الى يوم القيامة في وادي برهوت محضر موت
~~بحضرموت ويقال له وادي برهوت، وفي هذا المعنى اخبار كثيرة مروية عن
~~الرسول (صلعم) وعن اصحابه، وتأويل هذا الخبر هو ان قول (صلعم) محضر موت يعني ان
~~هذا العذاب بعد حضور موتهم، حتى لا يتوهم احد الباحثين ان هذا العذاب الادنى
~~الذي هو قبل حضور الموت بين ظواهر النطقاء، واما قوله وادي برهوت فتأويله
~~ان وادي برهوت سبع قطع دلائل على الافلاك السبعة، وهو أربعة اصول من الحساب
~~تدل على حقائقها الاربع التي هي المشرق والمغرب والجنوب والشمال، وهي كلمتان
~~دليلتان على قطبي فلك الافلاك، وفيها علامات الكواكب السبعة وذلك لان الواو
~~من كيوان وواو كيوان من زوحل، ولام زوحل، من ويل، وداله من أورمزد من
~~المشتري، وميم المشتري من جهنم وياءه من بهرام، وميم بهرام من المريخ، وميم
~~المريخ من الحطمة، وراءه من خرشيد، وشين خرشيد من الشمس، وياء خرشيد مع ثلاثة
~~حروف الشمس من لظى، وهاءه من ناهيد، وهاء ناهيد مع ثلاثة حروف من الجحيم
~~الزهرة وياءه من سر وناسر اي من حروف عطارد والف عطارد من هاوية، والف من ما
~~وميم من ما من القمر، وقاف القمر من سقر فتبقى بعد ذلك من حروف وادي برهوت
~~حرفان وهما الباء والراء، والمعادن وهما أيضا موجودان في اسماء هذه الكواكب
~~التي هي أبواب النار تأكيدا لما قلناه، وتصديقا لما بيناه، ووجه آخر هو ان
~~اسماء الكواكب السبعة بالفارسية على هذه الحروف المثبتة في تأويل وادي
~~برهوت، وان كانت على سبعة اعداد فان اصول اجسامها لم تجاوز من تسعة ولم ينقص
~~منها، ويكون ذلك دليلا على انه لا بد لهذه الافلاك السبعة من فلكين محيطين
~~بها تكملة للتسعة، كذلك وادي برهوت وان قام كل حرف منه مقام كوكب من الكواكب
~~السبعة فان اصل حروفه لم يتجاوز التسعة اعداد ولم ينقص منها ليكون ذلك
~~دليلا على انه لا بد لأفلاك هذه الانجم السبعة من فلكين محيطين بها تكملة
~~للتسعة، والدليل على ذلك
PageV01P135
# الحرفين الباقيين من وادي برهوت وهما الواو والتاء، وقالوا ومن حروف فلك
~~البروج، والثامن حروف الفلك المستقيم، وهذه الشهادة في الاسماء العربية
~~ظاهرة في زحل الذي فلكه جامع الافلاك المدبرات الستة التي دونه، وانه وان
~~كانت عدد حروفه سبعة، فان اصول حسابه لم يجاوز التسعة ولم ينقص منها ليكون
~~ذلك دليلا على الفلكين العظيمين المحيطين بالافلاك السبعة، وهذان الفلكان قد
~~قاما في العالم الجرماني للافلاك السبعة مقام النار والهواء في العالم
~~الجسماني للاقاليم السبعة التي هي كرة واحدة من الماء والتراب ومقام الناطق
~~والاساس في العالم الوضعي للأئمة السبعة، ومقام العقل والنفس في العالم
~~الروحاني للحروف العلوية السبعة، وان هذين الفلكين لا يعدوهما الحكماء (1)
~~والنطقاء مع الافلاك السبعة بوجه من الوجوه ليكون ذلك دليلا على ان الافلاك
~~السبعة معدن العذاب، والفلكين العظيمين معدن اصحاب الاعراف الذين تخلصوا من
~~العقاب وهم الملائكة الذين ينتظرون الثواب، والدليل على ذلك قوله تعالى:
~~@QUR65.12@026 الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن
~~لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وذلك ان في
~~أحاديث الرسول (صلعم) سبع سماوات في وقت من الاوقات، وقد اجتمعت الامة كلها
~~على ان السموات سبع، وكذلك الفلاسفة والمنجمون لا يقولون ان الافلاك
~~المدبرات اكثر من سبعة، وانهم اذا ارادوا ذكر جميع الافلاك في كتبهم
~~قالوا: افلاك المدبرات السبعة والفلكان العظيمان، وقالوا أيضا الافلاك
~~السبعة وفلك البروج وفلك المستقيم، وقالوا أيضا بان لهذين الفلكين فلك
~~الكواكب الثابتة وفلك البروج، فكل هذا دليل على ان علماء الديانة والفلاسفة
~~كلهم من أول الدهر الى يومنا هذا يفرقون بين الافلاك السبعة وبين الفلكين
~~العظيمين تصديقا لما بيناه ولا يولدون من دوران هذين الفلكين أية نار او
~~حرارة كتولدها من دوران الافلاك السبعة التي دونها ولانهما من طبيعة خامسة
~~وانهما خارجان من الطبائع الاربع، فلذلك استحالا ان يكونا هيولى شيء ما
~~فيقبلان حين يقبلان شيئا من الحرارة والبرودة
PageV01P136
# والرطوبة واليبوسة لانهما مسلوبات عن صفاتهما، والذي يحكى عن طبائع صفات
~~البروج، فان ذلك من آثارها لا من ذاتها لانه قد يؤثر بالحرارة من ليس بحار
~~كالحركة ويؤثر بالبرودة من ليس باردا كالسكون، ومما يزيد قولنا تأكيدا ان
~~هذين الفلكين لو كانا من طبع التراب والماء اذن لتحركا عن المركز، فلما كانت
~~حركتهما لا الى المركز ولا عن المركز اخذنا العجب، وهل يتحرك شيء من الافلاك
~~السبعة الى المركز او عنه، وحركة المحيط اسرع الحركات فيجب ان تكون النار
~~المتولدة بينه وبين فلك البروج اعظم النيران، ودوران الكل على المركز، فالكل
~~له طبيعة خامسة توجب تلك الطبيعة حركة على المركز اذا فهما يتحركان على
~~المركز ويدوران ويديران معهما الافلاك السبعة كحجر المغناطيس الذي يدور معه
~~الحديد اينما دار، وان كان طبعه مخالفا لطبع الحديد، ولو لا وصل هذه الافلاك
~~السبعة بهذين الفلكين على سبيل وصل الحديد لحجر المغناطيس والا كانت تبدلت
~~وانحدرت بعض اجزائها الى الاسطقصين المحركين للمركز في عالمهما، فلأجل هذه
~~الفضيلة أيضا فرقت الحكماء باسرها بين هذين الفلكين، وبين الافلاك المدبرات
~~السبعة حتى لم يذكروهما معهم.
# وحدثني بعض من اثق به وهو: «أبو دهرية عليم بن خليف السبقي» قال:
# سألت الحكيم الخرساني اعلى الله درجته وهو في العمل عن الفلكين
~~العظيمين، وقلت ان حكماء المنجمين والفلاسفة قد أجمعوا على ان الافلاك
~~تسعة، سبعة منهم مدبرات واثنان عظيمان لا يعدان مع سائر الافلاك، فما بال
~~رسول الله اخبرني عن السموات السبع التي هي الافلاك السبعة ولم يبين في
~~التنزيل ولا في الاخبار اثرا لهذين الفلكين مع شهرة امرهما عند جميع
~~الحكماء وعلو شأنهما بين حذاق المنجمين؟ ومع قوله عز وجل: @QUR6.38@023 وما
~~من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في
~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون وقوله: @QUR6.59@032 وعنده مفاتح الغيب
~~لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا
~~حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين فقال: قد ذكرهما
~~الرسول (صلعم) في أقاويله المروية عنه في
PageV01P137
# الكرسي والعرش، فالكرسي والعرش دليلان على الفلكين: الفلك المستقيم والفلك
~~الثامن، وقد أحاط الفلك المستقيم سائر الافلاك الثمانية والارضين تصديقا
~~لقوله تعالى: @QUR2.255@051 الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة
~~ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه
~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع
~~كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم فالسين والياء من
~~كرسي موجودتان في المستقيم، والراء من عرش موجودة في البروج، فلما كان الامر
~~على ما قلناه فقد تبين هاهنا تأويل قول رسول الله (صلعم) ان أرواح المؤمنين
~~تصير بعد موتهم طيورا خضرا يطيرون تحت العرش الى يوم القيامة، وهذا القول
~~مقابل لقوله (صلعم) ان ارواح الكفار معذبة الى يوم القيامة في وادي حضرموت
~~ويقال له وادي برهوت، وفيما بيناه دليل على ان الافلاك السبعة معادن
~~العذاب، والفلكان العظيمان معدنان لانتظار الثواب، وكما ان في الفلكين
~~العظيمين من المثابين من ينتقلون في الثانية عند ظهور القائم سلام الله على
~~ذكره بهويته البسيطة الى الثواب الابدي كذلك من في الافلاك من المعاقبين
~~ينتقلون عند ظهور القائم سلام الله على ذكره بهويته البسيطة الى العقاب
~~الابدي، والصحيح المستقيم في الكرسي والعرش ان نقول انهما: دليلان على العقل
~~والنفس في العالم الروحاني الا ان الفلك المستقيم وفلك البروج قد قاما في
~~العالم الجرماني مقامهما، وكمقام الناطق والاساس في العالم الجسماني، والعذاب
~~الثالث هو عذاب الآخرة يوم بروز القائم سلام الله على ذكره بهويته البسيطة
~~وكما ان الملائكة يصيرون يومئذ الى الثواب الابدي في العالم الروحاني، كذلك
~~الأبالسة يصيرون يومئذ الى العقاب الابدي في العالم الروحاني أيضا، فكل شيء
~~يلتذ به المثاب يؤلم به المعاقب على حسب ما بيناه والدليل على ذلك قول الله
~~تعالى: @QUR9.74@042 يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا
~~بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من
~~فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا
~~والآخرة وما لهم في
PageV01P138
# @QUR9.74@06 الأرض من ولي ولا نصير وهذا معناه في عذاب الافلاك
~~السبعة، والآخرة يعني في العذاب الابدي الذي يكون بعد القيامة، وما لهم في
~~الارض من ولي ولا نصير، وقوله تعالى: @QUR41.42@014 لا يأتيه الباطل من بين
~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .
# والآن اذ نبين حال كل واحد من المتولدات الجسمانية والروحانية والطبيعية
~~يظهر لنا حال المعاقبين الذين هم الشياطين والأبالسة فنقول: انه لا بد لنا
~~ان نقيس المتولدات الاربعة على الامهات الاربعة، فالمعادن مقابل التراب من
~~الامهات، فلذلك استطاعت الاغتذاء منه كما لم ينتقل عنه من حال الى حال ما
~~يغتذي منه، وكما ان المعادن اسفل المتولدات كذلك التراب اسفل الامهات، وكما
~~ان المعادن ذوي الوان ولا طعم، كذلك التراب ذو لون ولا طعم، وليس في المعادن
~~آثار شيء من المتولدات الثلاثة الجسمانية لانها اسفل المتولدات، والنبات
~~مقابل الماء من الامهات فلذلك استطاع الاغتذاء منه برأسه الراسب في
~~الارض، وكما ان النبات ثاني المتولدات، والطف من المعادن كذلك الماء ثاني
~~الامهات والطف من التراب، وكما ان النبات بلون وطعم، فكذلك الماء بلون
~~وطعم، وكما ان النبات قاهر للتراب والمعادن من جهة واحدة التي هي السبق
~~الاعلى على جميع الجهات، وان اثر المعادن موجودة في النبات وهو النواة، وقد
~~تفرد النبات بقوته النامية فضلا عليها، والحيوان الاخرس مقابل الهواء فلذلك
~~استطاع استعماله للاغتداء منه حينما يتنفس، وكما ان الحيوان الاخرس ثالث
~~المتولدات كذلك الهواء ثالث الامهات، وكما ان الحيوانات الخرس قاهرة للتراب
~~حين وطيه وحفره، والماء حين شربه، والنبات حين اكله، والمعادن حين علاها من
~~جميع الجهات، كذلك الهواء محيط بالماء والتراب من جميع الجوانب وآثار
~~المعادن والنبات موجود في الحيوان الاخرس وهي العظام (1) والقوة
~~النامية، وتفرد بالروح الحسية فضلا عليهما، والبشر من المتولدات الاربعة
~~الجسمانية واعلاها والطفها كذلك النار رابعة الامهات الاربعة وأعلاها
~~والطفها، وكما ان البشر قاهر
PageV01P139
# لما دونه من المتولدات كالتراب حين وطيه وحفره واستعماله في اينيته، وقد
~~جعل بعضه مزارع وبعضه مراحا، والماء حين اجراه في الطواحين على وجه
~~الارض، والهواء حين جعل منه الطواحين، وفرق بين التبن والحبوب، واظهره في
~~المراوح ليتنفس به، كذلك النار محيطة بالهواء والماء والتراب وآثار المعادن
~~والنبات والحيوان الاخرس موجودة فيه، فعظامه مقابل المعادن وقوته النامية
~~التي بها يزداد شعره وأظفاره، وجسمه مقابل التراب وقوته الحسية التي بها
~~يبصر ويسمع ويشم ويذوق ويلمس مقابل الحيوان الاخرس، وقد تفرد بالروح الناطقة
~~فضلا عليهم جميعا فكل واحد من هذه المولدات الاربعة التي ذكرناها، وان كان
~~مقابل الام من الامهات الاربع التي هي الصور القائمة لم يحل عن سائر
~~الامهات بطبعه وجسده المجبورين لانهم جميعا مجبورين بطبائعهم واجسادهم.
# فاما المتولدات الاربعة الروحانية التي هي الشياطين والأبالسة والجن
~~والملائكة فكل واحد منهم لا يخلو من المتولدات الاربعة التي هي الهيولى على
~~الترتيب، ولو لا انهم مختارون في اجسامهم وأرواحهم جميعا، الا انهم من جهة
~~تثبت بقية آثار المتفردات فيهم مجبورون، وانا اقيس المتولدات الاربعة
~~الروحانية على هذه المفردات الاربعة قياسا مجازيا لا حقيقيا، فأقول: ان
~~الشياطين مقابل الرطوبة وذلك لان لطائف المفردات الاربعة متثبتة بهم، وذلك
~~ان الامهات الاربع التي كل واحدة منها روح متثبتة بالمتولدات الاربعة
~~الروحانية على الترتيب، وكما ان المفردات الطف من الامهات كذلك الذي تثبتت
~~به المفردات الطف من الذي تثبتت به الامهات، والأبالسة مقابل البرودة لانهم
~~قد خلوا من الرطوبة فلم يبق من آثارها فيهم شيء، الا ان بعض لطائف آثار
~~المفردات الثلاثة متثبت بهم، ولهذه العلة صار الشياطين والأبالسة معاقبين في
~~النار المتولدة من الافلاك، لان النار منهمكة في احراق الاشياء الباردة
~~الرطبة، ولا يمكنها احراق اليابس الحار لان النار لا تحرق نفسها، والدليل على
~~ذلك ما نراه في المشاهدة من احراق النار الاشياء الباردة الرطبة وعجزها عن
~~احراق الحار اليابس ولو لا برودة في الحطب وسائر النبات ورطوبة في الاشياء
~~الدهنية والا لم يكن يتهيأ للنار احراقها والاشتعال بها، وفيما ذكره الحكيم
~~الصادق اعلى الله درجته في كتاب «المحصول» من مضادة النار والماء البارد
PageV01P140
# الرطب، وانهما كهما في احراقه غنى عن الاعادة في هذا الكتاب، والجن مقابل
~~اليبوسة وذلك لانهم قد خلوا من الرطوبة والبرودة ولم يبق فيهم من آثارها
~~شيء الا ان بعض لطائف اليبوسة والحرارة متثبتة بهم وقد قيل ان قوالبهم
~~هوائية، وقوالب الملائكة نارية، وأهل الجنة مستغنون (1) عن الامهات، ولذلك
~~صار وضوء الانسان مائيا وتيممه ترابيا، ووضوء الجن هوائيا، وتيممهم
~~مائيا، ولذلك توضأ رسول الله ليلة الجن بنبيذ التمر لانه من جنس الماء الذي
~~يجوز للجن التيمم به كما يجوز للبشر التيمم بما هو من جنس الارض كالصفاء
~~الثابت والتراب، ووضوء الملائكة ناري، وتيممهم هوائي رواه: أبو عبد الله
~~النيسابوري، عن رابع الخلفاء عليهم السلام، ومن هاهنا قال: بان الأئمة لما جاز
~~ان تثبت الروح بالقالب الهوائي والناري الذين هما الطف من الارض والملائكة
~~مقابل الحرارة لانهم قد خلوا من الرطوبة والبرودة واليبوسة ولم يبق فيهم من
~~آثارها شيء، الا ان بعض لطائف الحرارة متثبت بهم وكذلك ضرب الله تعالى مثل
~~بعضهم قبل العصيان بالنار حيث قال: @QUR7.12@018 قال ما منعك ألا تسجد إذ
~~أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين وهذا مرموز خفي مستور
~~بينه في كتاب البرهان، وكما ان البرودة الطف من الرطوبة، واليبوسة الطف من
~~البرودة، والحرارة الطف من اليبوسة كذلك ابليس الطف من الشيطان، والجن الطف
~~من ابليس، والملك الطف من الجني، وكما ان الاثنان الذين هما المعادن والنبات
~~من المتولدات الاربعة الجسمانية، والاثنان الذين هما الحيوان الاخرس والبشر
~~احياء كذلك الاثنان الذين هما الأبالسة والشياطين من المتولدات الاربعة
~~الروحانية معاقبون، والاثنان الذين هما الجن والملائكة مثابون، وكما ان بدء
~~التراكيب كان من المفردات التي هي الهيولي، ثم من الامهات التي هي
~~الصورة، ولذلك كان مجاز الصورة الروحانية عند تخلصها من الامهات على
~~المفردات حتى يتهيأ لها بذلك التخلص من الجميع والوصول الى معدنها الذي بدت
~~منه متنعمة خالدة، وكما ان بدء الصورة الجسمانية من المفردات، ثم من الامهات كذلك
PageV01P141
# بدء الصورة الروحانية، من الامهات ثم من المفردات على العكس، فلذلك قلنا ان
~~بدء انبعاث الصور الجسمانية من الآباء التي هي الافلاك، ثم من الامهات التي
~~هي الاستقصات، وبدء انبعاث الصور الروحانية من الامهات التي هي الاستقصات، ثم
~~من الآباء التي هي الافلاك، والنسبة ابدا ثابتة وكما ان المتولدات الاربعة
~~الجسمانية من الامهات الاربعة التي هي التراب والماء والهواء والنار كذلك
~~المتولدات الاربعة الروحانية من القوى الاربعة التي هي النامية والحسية (1)
~~والناطقة والعاقلة، وكما ان كل واحدة من الارواح الاربعة اثر في كل واحدة من
~~المتولدات الجسمانية من السفل الى العلو، ثم قام الجميع المتولد الخامس من
~~السفلي مقام القالب، كذلك اثر كل واحد من المفردات الاربعة في كل واحد من
~~المتولدات الاربعة الروحانيين من العلو الى السفل، ثم قام حيث صار صورة
~~للمتولد الخامس من السفل مقام القالب كذلك اثر كل واحد من المتولدات
~~الاربعة الروحانيين من العلو الى السفل ثم قام حيث صاروا صورة المتولد
~~الخامس من اعلى مقام القالب، وكما ان كل مولود كان اعلى والطف من المواليد
~~الاربعة الجسمانية كانت الارواح فيه اكثر، كذلك كل مولود هو اسفل واكتف من
~~المواليد الاربعة الروحانية كانت المفردات فيه اكثر وانما كان ذلك كذلك لان
~~المواليد تجتهد في التخلص من الطبائع وآثارها في الجبر والاجتبار حتى يتهيأ
~~لها بذلك الوصول الى العالم الروحاني وكل مولود هو اسفل وأكتف فهو في آثار
~~الطبائع الطخ، وكل مولود هو اعلى والطف فهو في آثار الطبائع ابعد واصفى، ومثل
~~ذلك كمثل درة وقعت في الغائط والبول فمتى ما رفعت منهما كانت ملطخة فإذا
~~غسلت مرارا ذهب عنها النتن، ورجعت الى حالتها الاولى، فشبهنا الارواح بالدرة
~~وشبهنا وقوع الدرة في الغائط والبول بتثبت المفردات بالمتولدات الاربعة
~~الروحانية، وشبهنا صفاء الدرة عند ذهاب النتن عنها بالصورة المستقيمة
~~الروحانية الخالدة الابدية والصافية التي هي الانسان بالفعل، وكما ان قوى
~~الارواح كانت آثار في المتولدات الاربعة الروحانية وقوالب المتولدات
~~الاربعة الجسمانية وكأبدانها
PageV01P142
# ونشوء المتولدات الروحانية في عالم الامهات وجب ان تكون قوالبهم في بدئهم
~~من الامهات، وكما ان خروجها من حد القوة الى حد الفعل كان خارجا من عالم
~~الامهات وجب ان تكون قوالبهم من الارواح، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا هذا عند
~~ذكر الارواح والقوالب، ونعود لذكره بالنظر لحاجتنا إليه في هذا المكان ولا
~~حول ولا قوة الا بالله.
# فاما اهل الجنة الذين هم الانس بالفعل فانهم قد تخلوا عن جميع الطبائع
~~وفارقوا جميع الامهات والمفردات وقواهم الروحانية التي بها يكون قرارهم وهو
~~القائم سلام الله على ذكره ومائهما الروحاني النفسي وهوائهما الروحاني
~~للعقل، وقامت الكلمة للعقل والنفس، والقائم في العالم العلوي مقام النار
~~للهواء والماء والأرض في العالم الاسفل وهاهنا يصح تأويل قول الله تعالى:
~~@QUR14.48@011 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد
~~القهار وقوله: @QUR39.68@038 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في
~~الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض
~~بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا
~~يظلمون وهذا التأويل هو تأويل الانتهائية، وتأويل آخر في هذا المعنى غير
~~الذي بيناه وهو اسفل المتولدات الاربعة الجسمانية المعادن وهو مقابل الارض
~~الجسمانية، وثانيها النبات وهو مقابل الماء الجسماني، وثالثها الحيوان
~~الاخرس، وهو مقابل الهواء الجسماني، ورابعها البشر وهو مقابل النار
~~الجسمانية، ثم ترجع المعقولات الاربعة الروحانية في الدوران معكوسة عندنا لا
~~عندهم حتى يصل الرابع منهم الى القرار الذي هو الارض الروحانية، وذلك ان
~~الأبالسة مقابل النار الروحانية ولهذا عوقبوا بها في الآخرة عند بروز
~~القائم سلام الله على ذكره بهويته البسيطة، والجن مقابل الهواء
~~الروحاني، والملائكة مقابل الماء الروحاني، واهل الجنة مقابل الارض
~~الروحانية، والعقل والنفس مقابل الشمس والقمر الروحانيين والكلمة مقابل نور
~~الشمس الروحاني.
# وجميع ما قلناه وفصلناه تقربا الى الاوهام وتقريرا في الافهام لان هناك
~~مكانا وزمانا وانتقالا وتحويلا يؤكد قولنا في هذا البيان ما
~~قاله «بليانوس» الحكيم في كتابه المسمى
PageV01P143
# «مواريث الحكماء» قال: انه لما وجب ان تكون القوة الطبيعية في اول الحال
~~أرجح والقوة النفسية اضعف، أوجب ذلك ان القوة الطبيعية في الآخرة تصير
~~ضعيفة، والقوة النفسية تصير قوية، وكان الموجود أولا من المواليد
~~الخيال، وكانت كثافتها من النفس، وكانت كثافة كثيرة غزيرة ولطافة قليلة
~~ضعيفة فوجب بذلك ان تصير القوة النفسية في آخر الحال عظيمة مثل
~~الخيال، والقوة الطبيعية مثل اللطافات التي فيها ضعفا وصغرا، فإذا كان ذلك
~~كذلك فهو الجبل قياسه الا ان الغرض كان ان تصير اللطافة خارجة كما كانت
~~الكثافة خارجا، ولكن اللطافة في الكثرة والقوة مثلما كانت الكثافة، وذلك ان
~~المواليد انما وجد ان تنشأ من هذه الارض التي هي غاية الكثافة وكان
~~انتهائها الى النفس التي هي غاية اللطافة، فلما ابتدأ في التولد جاء الولد
~~بقشر يشبه والدته التي هي الارض وفي الحالة الثانية بقشر يشبه والدته
~~الاخرى التي هي الماء، وفي الحالة الثالثة بقشر يشبه والدته الثالثة التي هي
~~الهواء، وفي الحالة الرابعة بقشر يشبه والدته الرابعة التي هي النار، والحالة
~~الاولى هي الياقوتية والذهبية في قشورها الحجرية الكثيفة، والحالة الثانية
~~هي الاصباغ والأراييح والمذاقات في قشورها النباتية، النامية، والحالة
~~الثالثة هي البهيمية في قشورها الحسية، والحالة الرابعة هي البشرية في
~~صورتها الصافية المستقيمة التي هي مقابل النار التي انتصابها كانتصاب
~~البشر، واذا تناهت به هذه الاحوال الأربع انتهى منها الى حال خامسة هي الطف
~~من هذه، وصار يتدرج منها درجة درجة حتى ينتهي ثانيا الى درجة الأرضية، الا ان
~~تلك الارض تكون حينئذ الطف من هذه النار الجسمانية بدرجات لا تحصى
~~عددا، وهذا رمز له حقيقة، وذلك ان المولود اذا بلغ حد النار التي هي الحال
~~الرابعة من صورة البشرية رجع بعد الموت في الدوران معكوسا متقلبا تحت نار
~~لطيفة روحانية (1) مؤدية في التدبير اذا كان مستحقا للثواب الى هواء لطيف
~~روحاني (2) يؤديه ذلك الماء الى ارض لطيفة روحانية ينتهي به القرار إليها،
~~فلها اذا عند تدبير كل انتقال من الانتقالات الروحانية أيضا ظهورا في عالمه
~~بصورة لها
PageV01P144
# قشر يشبهها الى ان ينتهي به القرار الى الارض التي تنعكس إليها، فابتداؤه
~~ارضي ونهايته ارضية وهاهنا نبين قوله تعالى: @QUR20.55@09 منها خلقناكم
~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى والاخراج تارة اخرى ان الصورة اذا
~~انعكست إليها في الحالة الآخرة نشأت نشوءا نباتيا فظهرت عجائبها، وهو اخراج
~~الارض اثقالها التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وهاهنا نبين تأويل قول الله
~~تعالى: @QUR39.69@016 وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين
~~والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون وتأويل قوله يوم تبدل الارض غير
~~الارض، وفيما هو مشروح في كتاب (الفصل) وفي كتاب «البرهان» غنى عن إيضاحه في هذا
~~الكتاب وانما بينت طرفا مرموزا ليكون الباحث عند قراءته في طلب العلم
~~الثالث الذي هو علم الحقائق حريصا في البحث عنه من عند أربابه، ولا حول ولا
~~قوة الا بالله العلي العظيم.
# وإذ قد بينت ما بينت اقول: ان اشباه الانعام الذين قال الله تعالى فيهم:
~~@QUR7.179@031 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون
~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم
~~أضل أولئك هم الغافلون فلو كانوا قد وقفوا على علم التوحيد، ما كانوا
~~مقلدين، ولو لم يكونوا مقلدين ما كانوا في الدوران بين الامهات معذبين فيما
~~بين الحياة والموت تشبيها بالحيوانات الخرس والانعام، ثم ان الواقفين على
~~الصناعات التي هي صناعة الطب والهندسة والنجوم والفلسفة والفقه والكلام، لو
~~كانوا وقفوا من جهة التأويل والحقائق على علم التوحيد والدلائل والتنزيل
~~والإرادة، وما هو المراد بكيمياتها وكيفياتها ولمياتها وأنزلوا كل واحد منهم
~~منزلته، ما كانوا منكرين، ولو لم يكونوا منكرين ما صاروا شياطين، ولو لم
~~يصيروا شياطين ما كانوا بين الافلاك الستة معاقبين على قدر بقاء صورهم التي
~~تؤديهم الى الدوران بين الامهات، ثانيا ان الواقفين على ما كان مستورا عند
~~الشياطين لو لم يجحدوا ما كانوا ابالسة ولو لم يكونوا أبالسة ما صاروا
~~معاقبين خالدين آبدين (1)، والدليل على ذلك ان عزازير لو كان في علمه ان
~~المعبود المطلوب السجود إليه هو
PageV01P145
# الباري تعالى دون آدم وان كان هو المدلول به آدم ما صار ابليسا لكنه لما
~~اراد لآدم ما كان يتمنى لنفسه جحد مرتبته كذلك وعصى المعبود والمدلول حتى
~~صار معاقبا، ثم ان كل شريعة الفها رسول من الرسل بعد آدم كان بناءها في
~~الباطن على الدلائل والمدلول اذا كان سبيلهم في ذلك لان كل شيء اراد ان
~~يحدث في اولاد آدم صلوات الله عليه وعليهم وذلك لان كل شيء اراد ان يحدث في
~~اولاد آدم جعله الله عز وجل مبروزا في امور آدم، كما ان كل شيء يكون بدئه
~~من شيء فهو مبروز في ذلك الشيء الاول بالقوة، فلهذا قلنا ان الله تعالى جمع
~~في آدم وحواء كل ما يجري في جميع اولادهما من الطاعة والمعصية والذنب
~~والتوبة، وغير ذلك لا يحدث في اولادهما مما قل او كثر، عظم او صغر، الا وقد
~~جرى ذلك على آدم وزوجته وذلك ان اولادهما بين مطيع وعاصي وبين كافر متمرد
~~ومؤمن مخلص وبين رسول كامل وعدو تام العداوة بإزائه، وان من اشتهر بغلظ
~~الجثة الموصوفة في كور آدم شبيها بكون البشر في بدئه وسكونه في دار الخلد
~~اشبه بما ينتهي إليه الصالحون منهم بما وعدهم ربهم من رجوعهم الى دار الخلد
~~مثابين، وان آدم وحواء كانا مجمع البشر كذلك اولادهما، وان كثر عددهما لا
~~يجاوزون من ذكر وانثى، وان عصيان آدم شبيه بما يرتكب العاصي من
~~المناكر، وتوبته شبيهة بتوبتهم، وقبول توبته شبيه بقبول توبتهم، ومضادة ابليس
~~شبيه باضداد الرسل والأنبياء على ما قال الله تعالى: @QUR6.112@024 وكذلك
~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول
~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون فالذي لم يجري من آدم جرى من
~~أولاده في حياته فوقف عليه من ذلك قتل قابيل هابيل فجرى ذلك في البشر الى
~~يوم القيامة، ومن البشر من يخرج من الدنيا على الطاعة المحضة من اول عمره
~~الى آخره وهذا شبيه بهابيل، ومنهم من يخرج من الدنيا على المعصية من اول
~~عمره الى آخره فهو شبيه بقابيل، ومنهم من يجري امرا على الطاعة والمعصية
~~شبيه بآدم، وقد قال الله تعالى: @QUR20.121@016 فأكلا منها فبدت لهما
~~سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى
PageV01P146
# فلهذا قلنا ان الشرائع التي شرعها الرسل بعد آدم لبناؤها على علم
~~التأويل، والدلائل والمدلول اذا كان السجود الذي امر الله تعالى الملائكة به
~~لآدم مبينا على علم التأويل والدلائل والمدلول، وكان المعبود بذلك السجود
~~للباري جل ذكره، والمدلول به آدم، والعبادة هي السجود، والدلائل هي علم
~~التأويل لذلك السجود فكذلك الشرائع التي الفها محمد (صلعم) فان سجودها مدلول
~~آدم دورنا والمعبود بها الله جل ذكره دون آدم، وذلك لان التنزيل والشرائع
~~حكم الظاهر وحكم الباطن، فاما حكم الظاهر فهو الوقت والوضوء والصلاة وما
~~اشبههما، وحكم الباطن هو معرفة الدلائل والمدلولين ومراتبهم، وأنزل كل واحد
~~منهم منزلته، والاقتباس من علومهم، وكما ان الصلاة لم تجري في حكم الظاهر الا
~~بمعرفة الوقت ولم يكن المعبود بذلك الا الباري جل وعز دون الوقت، كذلك
~~الصلاة لا تجوز في حد حكم الباطن الا بمعرفة المدلول، ولم يكن المعبود بذلك
~~الا الباري جل وعز دون المدلول، والا فما الفرق؟ وأيضا وهو انا لما رأينا
~~الصلاة لا تجوز في حكم الظاهر الا بالقبلة والماء والتراب، والمعبود هو
~~الباري جل وعز دونهم علمنا بذلك ان الصلاة أيضا في حكم الباطن لا تجوز الا
~~بمعرفة التأويل والدلائل والمدلول والمعبود بها هو الباري جل ذكره
~~دونهم، قال الله عز وجل:
# @QUR107.4@03 فويل للمصلين @QUR107.5@ الذين هم عن صلاتهم ساهون
اي عن تأويل صلاتهم غافلون، وقال: @QUR88.3@03 عاملة ناصبة @QUR88.4@ تصلى
~~نارا حامية
وكذلك سبيل اسماء الله وصفاته هي هذه السبيل التي وصفناها، اذ كل صفة منها
~~دليل على حد من الحدود الذين هم وسطاء بين الباري جل وعز، وبين الباحث
~~المستجيب، والمراد به الله دونهم، فالواصف هو الباحث، والصفات هي
~~الدلائل، والموصوف هو المدلول والمراد به هو الباري جل وعز دونهم، والمراد هو
~~المعبود، وعد الصفات هو العبادة، والعاد هو العابد، فعد الصفات لا تجوز الا
~~بمعرفة الموصوف والمعبود بعدها هو الباري جل وعز دونها، وكذلك قال رسول
~~الله (صلعم): ان لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، عنى بذلك الحدود
~~المنصوبين لنشر امر الله بين المستجيبين وهم تسعة وتسعين عددا فمن عرفهم
~~وتولاهم وأنزل كل واحد منهم منزلته الموهوبة له وعلم ان المعبود بذلك هو
~~الباري عز وجل دونهم استحق المفاتحة، واطلق لسانه، وابيح له التغلب
PageV01P147
# والتصرف في علم الحقيقة في هذا العالم، ووجب له الثواب الجزيل في
~~معاده، ومثل هذا قول رسول الله (صلعم): من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل
~~الجنة، فقيل يا رسول الله وما اخلاصها؟ قال: معرفة حدودها وأداء
~~حقوقها، وتأويلها الموجز هو تأويل قوله ان لله تسعة وتسعين اسما من احصاها
~~دخل الجنة، فاما تأويلها التام فقد ذكره الحكيم الصادق في كتاب «المحصول» وفي
~~ذلك غنى وبلاغا عن إعادة ذكرها في كتاب من البيان، وسبيل سائر الشرائع في
~~باب التأويل، والدلائل والمدلول هي هذا السبيل التي ذكرناها، الا اني تركت
~~ذكرها مخافة التطويل، لان الغرض في هذا الكتاب هو البيان عن امور الملائكة
~~والجن والشياطين والأبالسة، والا كنت اذكر باطن كل شريعة منها على نحو ما
~~يوجبه التنزيل والتأويل معا.
# ومما يزيد ما قلناه من وصف تعذيب الأبالسة والشياطين تأكيدا، لان الاشياء
~~المخرجة والمخرجة من حد القوة الى حد الفعل من البدء الى الانتهاء منقسمة
~~على سبع ارباع اثنان من كل أربعة: لطيفان، واثنان كثيفان، فالأربعة الاولى
~~منها فوق الطبيعة، والاربعة الثانية عناصر الطبيعة، والاربعة الثالثة عالم
~~الطبيعة والاربعة الرابعة علل القبل والبعد، والاربعة الخامسة الامهات
~~الطبيعية، والاربعة السادسة المتولدات الجسمانية والاربعة السابعة المتولدات
~~الروحانية، وانا ابين جميع ذلك على سبيل الايجاز والاقتصار مخافة التطويل
~~وملالة القارئ فان استغلق على المتعلم منه شيء يسأل المستنبطين عن ذلك او
~~قرأ كتب الفلاسفة الاسلاميين فيجد جميع ما ذكرته في كتابي هذا، ولم ابين الا
~~النكت منه هناك مشروحا مبينا، وفيما ذكره الحكيم الصادق في كتاب «المحصول» غنى
~~عن اعادته ثانيا في هذا الكتاب، ثم اني اصف الارباع السبعة فأقول: ان كل واحد
~~من هذه الارباع اسم هو مجمعها، وان الكلمة تجمع الاربعة التي هي فوق
~~الطبيعة، وان الاثنان منهما مختاران سميعان بصيران حيان عالمان قادران وهما
~~العقل والنفس، وان كل واحد منهما محدود لا الى غيرهما ولا نهاية لهما الا من
~~جهته التي اتحد كل واحد منهما بصاحبه، وان العقل مبدع ابدعه الباري جل وعز
~~لا من شيء، والنفس مخلوقة قد خلقها الباري تعالى من العقل والاثنان منهما
~~مجبوران منفعلان من فوق وفاعلان بالجبر من
PageV01P148
# تحت وهما الحركة الوهمية والسكون الوهمي وهما متولدان من العقل
~~والنفس، وذلك ان العقل لما كان تاما بالفعل والنفس تامة بالقوة، وصارت النفس
~~محتاجة الى فوائد العقل تفتدي بها، فتصير تامة بالفعل، فمن اضطرابها لا تدعي
~~الفوائد، حدثت حركة وهمية ثم سميت راحتها عند ما نالت الفداء والسكون
~~الالهي، وكلاهما متولدان من النفس الا ان النفس لما كانت منبعثة من العقل
~~اضيف تولدها إليهم جميعا.
# واما الاربعة التي هي عناصر الطبيعة فيجمعهم الهيولى وهي المفردات
~~الاربعة التي هي الحر والبرد واليبس والرطب، فاثنان منها جوهران متولدان من
~~الحركة والسكون الوهميان احدهما ذكرا والآخر انثى قابل، فاما الذكر فهو
~~المتولد من الحركة الوهمية وهو الحر، والانثى متولدة من السكون الوهمي وهي
~~البرد فمن هاهنا وجب ان الحركة تولد الحرارة حيثما كانت والسكون يولد
~~البرودة، وكما ان الحركة كانت فاعلة فقد ولدت فاعلا ذكرا، والسكون كان قابلا
~~ولد البرودة انثى فجاءت مهيأة لقبول الفعل، واثنان منهما منتجان متولدان من
~~الحر والبرد احدهما فاعلا ذكرا والآخر قابلا انثى فاما الذكر فهو المتولد
~~من الحر واليبس، والانثى متولدة من البرودة وهي الرطوبة، وكما ان الحركات
~~فاعلا ذكرا، والبرد كان قابلا انثى اولد قابلا انثى، واما الاربعة التي هي
~~عالم الطبيعة فيجمعها الصور والمشرق والمغرب والشمال والجنوب المتولدة من
~~الهيولى التي هي المفردات، فاثنان منها ذوي جسدين لان كل واحد منها ذكر
~~وانثى احدهما المشرق وهو حار رطب جوهره ذكر ونتيجته انثى وله من البروج
~~الجوزاء والميزان والدلو ومن الكواكب المدبرات المشتري والرأس والآخر
~~المغرب وهو بارد يابس جوهره انثى ونتيجته ذكر، وله من البروج الثور والسنبلة
~~والجدي، ومن الكواكب المدبرات زحل والذنب وعطارد، واثنان منها ثابتان، لان كل
~~واحد منهما من نوع واحد اعني الذكرية والأنوثية، احداهما الجنوب وهي حارة
~~يابسة وجوهرها ونتيجتها ذكر ولها من البروج الحمل والاسد والقوس ومن
~~الكواكب المريخ والشمس والآخر الشمال وهي باردة رطبة جوهرها ونتيجتها انثى
~~ولها من البروج السرطان والعقرب والحوت، ومن الكواكب الزهرة والقمر، ومنتهى
~~الجنوب خراب لشدة حرارته، ولا ينبت هناك نبات او زرع، ولا يكون لشيء من
~~الحيوان فيه ثبات، وكذلك منتهى
PageV01P149
# الشمال خراب وذلك لشدة برودته، ولا يبقى هناك شيئا من الاشياء الحيوانية
~~ولا النباتية ولا غيرهما، ومن هاهنا صار جميع البشر الذين بناحية الجنوب
~~سودا، وجميع البشر الذين بناحية الشمال بيضا، فمثلهم في ذلك كمثل الخبز الذي
~~في التنور، فاذا خرقت من شدة الحرارة صارت سوداء واذا لم يكن الخبز محترقا
~~ولينا كان آدما، فلذلك كان البشر الذين هم في المركز من قطب الجنوب والشمال
~~آدما سمرا، والمنجمون يسمون العالم الجرماني عالم الافلاك والنجوم، والفلاسفة
~~يسمون عالم الطبيعة، كما سميناه نحن في هذا القول.
# فاما الاربعة التي هي علل القبل والبعد فيجمعها جهتان وهي الصيف
~~والشتاء، والربيع والخريف المتولدة من عالم الطبيعة، وهي الافلاك والكواكب
~~والبروج، اثنان منها اصلان احدهما الصيف وهو حار يابس جوهره ونتيجته
~~ذكر، والآخر الشتاء وهو بارد رطب جوهره ونتيجته انثى، وقد ذكر الله تعالى
~~الشتاء والصيف في قوله: @QUR106.1@03 لإيلاف قريش @QUR106.2@ إيلافهم رحلة
~~الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت
@QUR106.4@08 الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ولم يذكر الربيع والخريف
~~لان الشتاء والصيف اصلان، والربيع والخريف منسوبان إليهما متولدان من
~~بينهما، واثنان منهما فرعان احدهما الربيع وهو حار رطب جوهره ذكر ونتيجته
~~انثى شتوي، والآخر هو الخريف هو بارد يابس وجوهره انثى شتوي، ونتيجته ذكر
~~صيفي، واما الاربعة التي هي الامهات فيجمعها الفضاء وهي النار والهواء
~~والماء والارض، فاثنان منهما لطيفان احدهما النار وهي من عكس المريخ والشمس
~~والمريخ وهي حارة يابسة جوهرها ونتيجتها ذكر وثانيها الهواء وهو من عكس
~~المشترى وهو حار رطب جوهره ذكر ونتيجته انثى، واثنان منها كثيفان احدهما
~~الماء وهو من ثقل الزهرة والقمر وهو بارد رطب ونتيجته انثى، والآخر هو الارض
~~وهي ثقل زحل والذنب وهي باردة ويابسة وجوهرها انثى ونتيجتها ذكر، ولما كان
~~جوهرهما انثى صار اكتف من النار، والهواء محيطا بهما، وصاروا ملونين
~~لكثافتهما، ولا لون للنار والهواء للطافتهما، وقد روى الحكماء القدماء من
~~اصحاب الطبائع، ان الملون بالحقيقة منها هي الارض وذلك لاجتماعها وتماسك
~~أجزائها، لانها في طبعها باردة يابسة، وهاتان الطبيعتان يوحيان الانحصار،
PageV01P150
# فإذا انحصر الجسم غاية الانحصار، ولم تمتزج او تتبدل أجزاؤه من ملاقات
~~الخامس، ادرك البصر كيفيته ولونه، واما الماء فقد اوجبوا ان له لونا ضعيفا
~~شديد الاستحالة، وذلك انه كان محسوسا بالبصر، فان لملاقات الارض، وما يحيط به
~~من الاماكن، وعلى قدر كميته، وفي انحصاره تختلف الالوان المحسوسة فيه فانه
~~اذا كان منسطح (1) على سطح الارض مصخر لونه الصفاء والبياض، واذا كان محصورا
~~في موضع عميق وكان كثير الكيمية فيه ورأى لونه لتهيأت الخضرة والسواد
~~والالوان المختلفة وذلك لرقته وتموج أجزائه، واما الهواء فقد اوجبوا ان لا
~~لون له اصلا، فان ظن ظان ان ما يراد في اوقات الضباب والابخرة انما هو لون
~~الهواء، فقد اخطأ، لان ذلك المحسوس المرئي انما هو اجزاء ارضيته صعدت بها
~~الحرارة فوقعت تحت حر البصر، وقال بعض الحكماء من اصحاب الطبائع، ان للهواء
~~لونا ضعيفا اضعف من لون الماء لا تطاق رؤيته من ضعفه الا عند وقوع الشمس
~~عليه في بيت مظلم وهو الدر الذي يرى، وأوجبوا ان جميع العالم مملوء منه، واما
~~النار فقد اوجبت الحكماء انه لا لون لها أصلا وذلك لحرارتها وانبساط
~~أجزائها، واما المحسوس الذي يسمى نارا فانما هو لهب ونار عاملة من بخار او
~~دخان قد التهب واسعر فحركت النار فيه، ومتى فارقتها البرودة ولم يلحقها
~~البصر وان كان الاحراق قائما، وكذلك اذا ضربها الهواء والريح تغرق أجزاؤها
~~كما تغرق اجزاء الماء المحصورة في موضع من الارض اذا ضربته ريح قاهرة له
~~تغرق، وان الريح هو الهواء اذا تحرك سمي ريحا والماء اذا تحرك سمي موجا
~~والارض اذا تحركت سميت زلزلة وهذه الامهات الاربع في افعالها مجبورة طبيعية
~~وذلك لان فعل فلان فعل قدرة، وفعل طباع، وفعل قدرة يحتاج ويؤثر ويفعل في شيء
~~واحد افعال متضادة ومتخالفة ومتشاكلة كفعل الانسان في الثوب لما يخيطه
~~ويمزقه ويطويه على ضروب وينشره على ضروب، وكفعل الصائغ في الفضة انه يحدث
~~فيها ومنها صورا كثيرة، والطبيعة أيضا تفعل في شيء واحد وفعل واحد وتأثير
~~واحد كفعل النار فانها محرقة ابدا، وأفعال الطبيعة ثلاث فقط ما دافع
PageV01P151
# بين متضادين، او قبول بين خلافين ليس بمتضادين، او تقوية بين شكلين وليس
~~غير هذه الافعال الطبيعية فعل البتة، ومثال ذلك ان الحرارة دافعة للبرودة
~~التي هي متضادة او قابلة الرطوبة، واليبوسة مضادة للحرارة، والبرودة مضادة
~~للرطوبة والشكل متفق لشكله فليس بين المتضادين قبول ولا تفرقة، ولا بين
~~الخلافين دفاع ولا تقوية، ولا بين الشكلين دفاع ولا قبول، لان اسم قبل، لم
~~يقبل ان يقع على ما يجوز ان يقبله ويقبل سواه الذي هو ضده كالحرارة التي
~~قبلت اليبوسة، ثم خلتها عند قبول الرطوبة، واما المسمى الحار واليابس والبارد
~~والرطب فهي الامهات الشاغلة للفضاء الذي هو مجمعها حتى صار بتمكنها فيه
~~مكانا لها وهو الحامل لهذه الطبائع المتضادة، فيصير بعد ان كان حارا
~~باردا، وبعد ان كان باردا حارا، وبعد ان كان يابسا رطبا، وبعد ان كان رطبا
~~يابسا، والحرارة لا تصير برودة ابدا، ولا البرودة حرارة، ولا الرطوبة
~~يبوسة، ولا اليبوسة رطوبة ابدا فعلى هذا السبيل سائر الاجسام من الفضاء
~~هيأتها وعظمها وكبرها ومساحتها حتى يصير ذلك الفضاء مكانها لها لا على
~~مقدار رزانتها وخفتها، وذلك لانا اذا اخذنا آنية وملأناها زيبقا وكان وزن
~~الزيبق التي ملأ تلك الآنية الف درهم، ثم اخرجنا الزيبق وملأناها ماء فيكون
~~وزن الماء اقل من ثمانين مما بدرهم او بدرهمين قد استويا في المساحة وشغل
~~المكان في العظم والكبر، ثم صبيناه من الآنية وملأناها زيتا صافيا فيكون
~~وزنه اقل من سبعين مما بدرهمين او بثلاثة، وكلما افرغنا الآنية من هذه
~~المصافي امتلأت من الهواء على مقدار ما كان فيها من الاجسام الى ان
~~فرغناهما من الدهن، واستوت الاقدار الاربعة اعني الزيبق والماء والدهن
~~والهواء في العظم والكبر والمساحة، واختلفت في الاوزان اختلافا متفاوتا الى
~~ان تمكن فيهم الهواء الذي لا وزن له، لانه اذا اخذت انية خالية من الهواء
~~ومن جميع الاجسام فوزنت ثم ملأت من الهواء ووزنت بميزان دقيق لزادت بعد
~~الاملاء من الهواء شيء يسير، وقد اعتبرنا نحن ذلك وفصلناه في هذه
~~الدائرة... والله الموفق.
PageV01P152
# > CS
PageV01P153
# هذا وان الارض مركز لسائر الافلاك التي هي في جوفه، والافلاك متحركة ابدا
~~كالذكران والارض ساكنة من تحتها كالاناث، والمتولدات تتولد فيما بينهما، ثم
~~وجدنا بعد ذلك الفلك الاعظم الاعلى المعروف بالفلك المستقيم ساكنا وسكونه
~~لا كالسكون المشاهد المعروف عندنا، ولا نجد ابدا الا ان نقول هو ساكن لما
~~وجدناه مكانا للمتحرك والساكن، ولكن نقول ساكن لا بنوع السكون المشاهد عندنا
~~بل على سبيل ما ذكرنا لا يحويه الوهم، وذلك لان السكون الوهمي المتولد من
~~النفس قام له مقام الروح للبدن، وقال بعض المنجمين: ان الفلك المستقيم يسير
~~في كل مائة وعشرين سنة مقدار ما يسيره فلك البروج في يوم وليلة، وذلك لان
~~حركته بالحقيقة هي السكون الوهمي، لان كل واحد من اجزائه على اي حال وجد
~~انما يوجد وقتين في مكان واحد، وهذا هو معنى السكون، وكل واحد من سائر اجزاء
~~الافلاك لا يوجد بوقتين في مكان واحد، فلذلك وجب في مسيره، وفي قول بعض
~~المنجمين في كل مائة وعشرين سنة مقدار ما تسيره سائر الافلاك في يوم
~~وليلة، فكل حركة موجودة بينهما فهي من تأثير الفلك المستقيم ومستفادة
~~منه، ولما ثبت ان يكون الفلك المستقيم ساكنا على ما قد ذكرناه سكونا وهميا
~~لا حيا وجب ان يكون فوقه حركة لطيفة هي في الفضل على السكون.
# وقد علم الخاص والعام ان طعم العسل حلوا طيبا وكذلك هذه العلوم الربانية
~~التي ذكرناها من تأويل الشرائع اذا عرضت على الارواح المريضة ثقل عليها
~~قبولها، وتبحث عندها آثارها مثل الكفر والزندقة، فلما كان الامر على ما
~~وصفناه صح ان ذو الجسم وغداؤه لا ينتفع به الروح ولا غداء الروح ينتفع به
~~الجسم، وذلك لان رجلا ما لو احتاج للوصول الى علم الطب والفلسفة والدين في
~~الشرائع فجمع من غذاء الاجسام الطف الأغذية واعلاها من الفالوذج واللحمان
~~وغيرها، وأكلها ليصير بتلك الاغذية عالما بما ذكرنا لا يمكنه ذلك، وكذلك غذاء
~~الروح وعلمها لا ينتفع الجسد لغذائها، وانه لو جاء واعلم الناس الى رجل جائع
~~فتلا عليه علم الأولين والآخرين لم يسكن بجسمه من لهب الجوع (1) وألمه، ولم
~~ينتفع بتلك العلوم، وكان رغيفا يأكله في تلك الحال احب إليه
PageV01P154
# في ذلك الوقت من العلوم الرياضية والدينية، فقد بان وصح بما قلناه ان غذاء
~~الجسم لا تنتفع به الروح، بل تحتاج الروح الى غذاء لتناوله من جوهره الذي
~~ظهر منه وظهوره كل الكلمات التي تعلمها من والديه في ايام الصغر، ومن
~~العلماء في ايام الكبر، وظهور الكلمات كان من الكلمة المحضة التي هي علة
~~العقل والنفس، فكل من اكثر الغذاء من جوهره الذي بدأ منه وهي الكلمة التي
~~ايد بها الرسل صلوات الله عليهم تنزيلا وتأويلا وهو معدن الثواب، لان الثواب
~~معناه الرجوع، واما الفروع الاربعة فالامام واللاحق والداعي (1)
~~والمأذون، اثنان منهما لطيفان مؤيدان وهما الامام واللاحق لان اللاحق يقبل
~~العلم بالخيال الذي هو خاصة الامام، ويتهيأ له لا بالكلام المؤلف
~~بالحروف، واثنان منهما كثيفان: وهما الداعي والمأذون لانه لا حظ لهما في
~~التأييد.
# واما العوالم الاربعة فهم: العالم الروحاني والجرماني والجسماني
~~والوصفي، اثنان منهما لطيفان احدهما العالم الروحاني والآخر العالم الوصفي
~~الذي يتصل به واثنان منهما كثيفان وهما العالم الجرماني
~~والجسماني، والابتداء في العالم الروحاني من القلم واللوح، كذلك الابتداء في
~~العالم الجرماني من الفلك المستقيم وفلك البروج، والأب؟؟؟ في العالم
~~الجسماني من الهيولى والصورة، والابتداء في العالم الوصفي من الناطق
~~والصامت، والابتداء في الشهادة من النفي والاثبات والفروع في الروحاني ثلاثة
~~جد وفتح وخيال، وكذلك مناطق الافلاك ثلاثة الغربية والشرقية والوسطى، كذلك
~~قوام العالم الجسماني ثلاثة اشياء طول وعرض وعمق، كذلك قوام العالم الوصفي
~~ثلاثة اكوار: الاقرار والتعبد والعلم، فالاقرار اسلام، والتعبد ايقان، والعلم
~~ايمان، كذلك قوام الشهادة ثلاثة احرف: الف، ل، ه، والارواح التي تتصل من العالم
~~الروحاني في العالم الجسماني أربعة: النامية والحسية والناطقة (2)
~~والعاقلة، وزمامها القدسية، كذلك جهات العالم الجرماني أربعة: المشرق والمغرب
~~والجنوب والشمال، كذلك قوام العالم الجسماني بالامهات الاربع، النار والهواء
PageV01P155
# والماء والتراب، كذلك قوام كل كور في العالم الوصفي أربعة ادوار
~~النطقاء، كذلك قوام الشهادة أربع كلمات لا إله الا الله، والحروف العلوية في
~~العالم الروحاني سبعة احرف على عدد اسباب الاصلين احدهما العلة والثاني
~~العقل والثالث النفس والرابع نظر العقل الى علته فهو لا يفارقها كملازمة كل
~~شيء خاصيته والخامس نظر العقل الى ما دونه بالافادة، والسادس نظر النفس الى
~~العقل بالاستفادة، والسابع نظر النفس الى من دونها للافادة، كذلك مدار العالم
~~الجرماني على المدبرات السبع، وكذلك في العالم الوصفي من دور الى دور سبعة
~~ائمة وكذلك كلمات الشهادة على سبع قطع، والاصلان والفروع ثلاثة، والحروف
~~السبعة في العالم الروحاني في اثنى عشر حد وأيضا فان حروف القلم واللوح
~~والجد والفتح والخيال غير مكررة اثنى عشر حرفا وكذلك قوام العالم الجرماني
~~باثنى عشر برج، وكذلك قوام العالم الجسماني باثنى عشر جزيرة، وكذلك قوام
~~العالم الوصفي من أوله الى آخره اثنى عشر باب للنطقاء، وأيضا فان العلوم في
~~العالم الوصفي تظهر من جهة اللواحق الاثنى عشر، وكذلك الشهادة اثنى عشر حرفا
~~فانها الدرجات الاربع وهي:
# الأياسية والكيمية والكيفية والليمية، اثنان منهما كثيفان وهما الاياسية
~~والكيمية، لان الواقف عليهما مهمل، واثنان منهما لطيفان: وهما الكيفية
~~والليمية، فان الواقف عليهما مستحق للجزاء، وفيما ذكرنا من تأويل الدرجات
~~الاربع عند صورة الدائرة بلاغ للعاقل وغنى عن إعادة ذكرها في هذا الموضع.
# فاما العلل الاربع فهي التي توجد الاشياء الموجودة فيها ومنها علة فاعلة
~~وهي التي تفعل الشيء، وعلة جوهرية وهي التي منها فعل الشيء، وعلة صورية وهي
~~التي تصور الشيء، وعلة متممة وهي التي لها جعل الشيء، وكل شيء وجدت له علة
~~جوهرية اعني الجوهر الذي منه فعل الشيء، فالعلة المتممة لازمة له لا
~~محال، وكل ما لم يقف له على جوهر صنع منه لم يوجد له علة متممة، واذا كانت
~~العلة المتممة موجودة كانت العلة الجوهرية لان هاتين العلتين تجريان مجرى
~~الصفات، فلم يتحد شيء لشيء الا من شيء، ولم يفعل شيء من شيء الا لشيء مثال
~~ذلك ان الارض هي اقرب الاصول من الحس وهي قرارنا وقد وجدنا لها العلة
~~المتممة لان الحكماء قالوا انها جعلت لتكون قابلة للاجرام
PageV01P156
# السماوية فتؤدى الصور المعدنية والنباتية والحيوانية، فاذا وجدنا علة
~~الآخرية التي هي المتممة، فالاضطرار اوجب لها العلة الجوهرية التي منها جعلت
~~الارض، واذا وجبت العلتان وجبت العلة الصورية التي بها شيء من شيء، ولما
~~لزمتها العلل الثلاثة لزمتها العلة الرابعة التي هي العلة الفاعلة عالتها
~~وركبتها فصورة بصورة مهيأة بهيئتها الموضوعة لاخراج الصور المعدنية
~~والنباتية والحيوانية، واذا وجب ذلك الاصل واحد من الاصول فيعلم يقينا ان
~~الباقي من الاصول أيضا الى ان يشتهي الارتقاء درجة درجة الى سدرة المنتهى
~~التي هي العقل الذي لا يوجد له علة متممة لانه تمام من الوقت الذي ابدع وهو
~~الخلق الاول الذي لم يخلق من شيء وانما وجب ان يقول انه لا من شيء لانا لم
~~نر له علة متممة في الحس ولا في العقل ولا يستبدله العقل، ولا في الحس يوجد
~~علة متممة، ولا يوجد له أيضا علة متممة جوهرية بل قد ثبت ان له علة
~~فاعلة، اعني ان الباري جل وعز ابدعه لا من شيء.
# واما الابحاث الاربعة فانها هي التي بها يسأل عن الاشياء، وبما يعرف كل ما
~~يتصور معرفته في النفس من اصناف العلوم اولها هل، والثاني ما، والثالث
~~اي، والرابع لم، فهل يبحث بها اينية الشيء، واي يبحث بها عن جنس الشيء، ولم
~~يبحث بها عن علة التمامية التي أوجبته فكل مطلوب ادرك علته في هذه الابحاث
~~الاربعة فقد علم بحقيقته، وكل ما لم يعلم بهذه الابحاث الاربعة
~~بجميعها، فالعالم بها منقوص، واشرف هذه الابحاث هو البحث بلم، لانه هو الغاية
~~والتيمم فليس وراءه مطلب ولا بحث، واثنان من هذه الابحاث بسيطان وهما: هل
~~وأي، واثنان منها مركبان وهما: ما ولم فما ولم اللذين هما مركبان افضل وألطف
~~من هل وأي اللذين هما بسيطان لان البسيطان مشتركان لعامة الحيوان، والمركبان
~~مخصوصان للانسان وانما صار هل وأي بسيطين لانهما، يشابهان الشيء اشارة فقط
~~ولا يحتاج الى تركيب جواب فهما كقول القائل، هل الاشياء؟ فيقول نعم او يقول
~~اي الحيوان الناطق؟ فيقول الانسان واما ما، فأما صارا مركبين؟ وكان الجواب
~~فيهما بكلام مركب لانه اذا قيل لو كان الشيء احتاج المجيب الى ان يأتي
~~بجنسه ونوعه وفصوله ليقرب ذلك الى وهم السائل، واذا قيل لم كان الشيء، احتاج
PageV01P157
# المجيب الى ان يأتي بالجنس والنوع المركب منهما علته الموجبة له فكل
~~مسألة يسأل عنها بهل واي اللذان مبسوطان، والجواب مبسوط فيها بالحجر وان
~~الحجر مبسوط وكل مسألة يسأل عنها بما ولم؟ فالجواب بالتفويض لانه يفوض الى
~~المجيب الكلام ولا يحجزه عليه وان التفويض مركب، وان كانت المسألة
~~مركبة؟ والجواب مركب.
# واما الحواس وان كانت في العدد خمسة فانها في الحقيقة من أربعة
~~اشياء، فأسفلها اليد التي يكون منها حاسة اللمس الذي يعرف الخشونة من اللين
~~وهو مقابل الارض لان الخشونة واللين انما يكونان في الاشياء
~~الارضية، والثاني الفم الذي يكون به حاسة الذوق وهو مقابل الماء لانه لا
~~يعرف طعم الشيء الا بعد ترطبه معا اذ ان الفم معدن البزاق والبزاق لا يكون
~~الا من الماء، والثالث الاذن التي يكون منها السمع وهو مقابل الهواء لان
~~الصوت ما لا يقبله، الا الهواء قبولا تاما، فلا تطيق الاذن استماعه، والرابع
~~العين التي يكون بها البصر وهي مقابل النار لان البصر لا يطيق ادراك
~~الالوان الا بواسطة النار، فاما في النار فانه يدرك الالوان بواسطة نور
~~الشمس التي هي اصل النيران، واما في الليل فانه يدرك بنور النار، او بواسطة
~~النور الذي يقبل القمر من الشمس، فاما الشم الذي يكون في الانف فانه يكون
~~مقابل البخارات المتولدة من هذه الامهات الاربع وليس له اصل خارج عن هذه
~~الامهات لانه يدرك الارياح والبخارات المتولدة من الامهات، فلذلك كان هو
~~الواسطة بين الواسطات الاربع لانه اخذ من كل واحد منها نصيبه، فقد ثبت بما
~~بيناه ان اصول الحواس أربعة اشياء هي مقابل الامهات الاربع، وان كانت في
~~العدد خمس والسمع والبصر لطيفان فلذلك اذا وصف الله عز وجل بهما فيقال انه
~~سميع بصير، والذوق واللمس كثيفان فلذلك كفر وألحد من وصف الله بهما، وقد
~~اجتمعت الحكماء كلها على ان اشرف الحواس الخمس التي تميز بهما الحيوان، فلما
~~تميزت حاسة السمع والبصر لانهما الآلتان العظيمتان للنفس فيؤديان إليها
~~اوائل الاشياء فتتخذها مقدمات تستفتح سائر العلوم، واما البصر فانه يؤدي
~~الالوان والاشكال والحركات، واما السمع فيؤدي الاصوات والالحان، فان من فقد
~~البصر في اصل كونه فقد معرفة الاشكال والالوان اصلا، وان من فقد السمع في
~~اصل كونه فقد معرفة
PageV01P158
# الاصوات، وعجز عن ان ينطق او يفهم نطقا، ولم يكن للنفس معما فقدته ادات
~~تتخذها مقدمة للتمييز فتبقى جاهلة بالعلوم لا يتهيأ لها اخراج ما فيها
~~بالقوة الى الفعل، واما الحواس الثلاثة التي هي الشم والذوق واللمس، فليس
~~ترتفق النفس بها في هذا المعنى من التمييز وادراك العلوم في غذاء البدن
~~فقط، فأما الحاستان اللتان هما السمع والبصر فخادمتان للنفس المنطقية التي
~~هي الروح الناطقة، وهذه الثلاثة فخدام للنفس البهيمة (1) التي هي الروح
~~الحسية، ولهذا المعنى احتج الله عز وجل على الخلق بالاعطاء التي ركبها فيهم
~~في قوله ان السمع والبصر ليكون خطه التفكر والحفظ والبصر، والسمع خطه
~~التأدية إليه فيتهيأ له معرفة الاشياء، فهذه الحواس التي ذكرناها هي الحواس
~~الظاهرة.
# واما الحواس الباطنة فالفكر والحفظ والفهم والذهن والهمة، والحواس الظاهرة
~~دلائل على الحدود الجسمانية والحواس الباطنة دلائل على الحدود
~~الروحانية، فالفكر دليل على السابق، والحفظ دليل على التالي، والفهم دليل على
~~الجد، والذهن دليل على الفتح، والهمة دليل على الخيال، والحواس الظاهرة، فان
~~البصر دليل على الناطق لان العين لا ترى ما وراءها، انما ترى قدامها، كذلك
~~الناطق لم يبين التأويل انما بين التنزيل فقط، والعين لا تبصر الا
~~بالنهار، كذلك الناطق لا يفيد الا من جهة الظاهر، لان النهار دليل على الظاهر
~~وبالنهار لا يرى الا الشمس يعني ان اهل الظاهر لا يعرفون شيئا من الحدود
~~الا الناطق، والعين لا ترى في الليل الا بواسطة النار التي هي دليل
~~التأييد، يعني ان التأييد لا يستفيده احد من الناطق الا من كان له حظ من
~~التأييد والعين لا ترى الا الشاهد والموجود كذلك الناطق لا يخبر الا عن
~~الاجسام والاعمال والدنيا ويعرف الاعمى والبصير بالعيان، كذلك الناطق يعرفه
~~الخلق طرا (2) عيانا فيقبلون شرائعه طوعا وكرها، ظاهرا مكشوفا ولا يرى اليد
~~التي هي دليل على الداعي عند غمض العين الا ما يغني كذلك الدعاة الى الناطق
~~في وقته يدعون الى ما فيه صلاح الدنيا الفانية، قال (صلعم)
PageV01P159
# أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله، فإذا قالوها فقد عصموا
~~مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله، وليس لسائر الاعضاء في
~~الروية شركة مع العين، كذلك النطقاء معدودون، وليس لسائر الخلق في النبوة
~~شركة، ومن فضل العين على الاذن ان الانسان يرى بشيء من بعيد مثل الخيال
~~والنيران والشمس والقمر والكواكب، ولا تطيق الاذن الاستماع الا من
~~قريب، كذلك الناطق يستفيد من العلم الروحاني الذي هو ابعد الاشياء من
~~جسده، ولا يستفيد الصامت الا من الناطق الذي هو اقرب الاشياء منه، وقد سمى
~~الله تعالى استفادة الناطق من العلم الروحاني روية في قوله: @QUR53.11@06
~~ما كذب الفؤاد ما رأى @QUR53.12@ أفتمارونه على ما يرى
@QUR53.13@05 ولقد رآه نزلة أخرى @QUR53.14@ عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى
والاذن دليل على الصامت، فكما ان الاذن تسمع من ورائها، ومن قدامها، ومن
~~تحتها، كذلك الصامت يبين التأويل والتنزيل والظاهر والباطن جميعا، والاذن
~~تسمع بالليل والنهار جميعا كذلك الصامت يفيد من جهة الظاهر والباطن
~~معا، والاذن تسمع الاشياء الشاهدة والغائبة والموجودة والمعدومة الماضية
~~والآتية، كذلك الصامت يدعو الاجساد والارواح الى الظاهر والباطن الذين بهما
~~صلاح الدنيا والآخرة، والاصم والسامع لا يعرفان الا بالتجربة، كذلك الصامت
~~لا يعرفه احدا الا من جهة التطلب والتجارب ولا يقف على تأويله الا المؤمنون
~~المجيبون المقرون بوصايته، ولا تسمع اليد التي هي دليل على الداعي عند غمز
~~الاذن الا الباقي، كذلك دعاة الصامت يدعون الى ما فيه صلاح الآخرة
~~الباقية، وليس لسائر الاعضاء في الاستماع مع الاذن شركة، كذلك الاسس معدودون
~~ليس لاحد من الناس في الاساسية معهم نصيب ومن فضل الاذن على الانف ان
~~الانسان يسمع الاصوات من حيث لا يطيق شم الأراييح لبعد المسافة فكذلك
~~الصامت يدرك العلوم ويصيبها من حيث لا يستطيع الامام الوصول إليه في
~~اقتباسها، لان الانف دليل على الامام، والانف يدرك الأراييح بالليل
~~والنهار، كذلك الامام حافظ التنزيل على المسلمين وموصل التأويل الى
~~المؤمنين، وليس لسائر الاعضاء في الشم مع الانف شركة، والائمة معدودون ليس
~~لسائر الناس في الامامية معهم حظ ومن فضل الشم على الذوق ان
PageV01P160
# الانسان يدرك الأراييح (1) من حيث لا يطيق الذوق كذلك الامام يدرك العلوم
~~ويستفيد التأييد من حيث لا يتهيأ للواحق ادراكها واستفادتها، والفم الذي فيه
~~حاسة الذوق دليل على اللاحق، والفم يفرق بين الحلو والمر والحامض وما اشبهها
~~من الطعوم، كذلك اللاحق والامام يفرق بين الاعتقادات الصحيحة والسقيمة وبين
~~الظاهر والباطن وبين الانف والفم، كذلك بين اللاحق والامام اتصال من جهة
~~الخيال مستور، وفي الفم لسان يعبر عن جميع الحواس الظاهرة والباطنة كذلك
~~اللاحق هو المعبر عن الحدود الجسمانية والروحانية، وليس لسائر الاعضاء في
~~الذوق مع الفم شركة، كذلك اللواحق معدودون ليس لسائر الناس معهم في تربيتهم
~~شركة ومن فضل الذوق على اللمس ان الذوق الطف من اللمس، واعلى ترتيبا كذلك
~~علم اللاحق الطف من علم الداعي واعلى بيانا، واليد التي فيها حاسة اللمس
~~دليل على الداعي واليد خادمة الحواس الاربع، كذلك الداعي خادم الاساسين
~~والفرعين والحواس الاربع يكون في الموضع الذي هو دليل على العالم
~~الروحاني، واليد لم يكن هناك معنى ان الاساسين والفرعين لهما تأييد من
~~العالم الروحاني، لكل واحد منهم على مقداره، وليس للداعي حظ من التأييد، وفي
~~اليدين عشر اصابع، والاصابع الخمس من اليد اليمنى دليل على الحدود الخمسة
~~الروحانية، لان اليمين دليل على الباطن، والباطن مقابل الروح، واصحاب اليمين
~~هم المؤمنون، لانهم أقروا بوصايا الصاحب ممثول اليمين حتى تهيأ لهم بذلك
~~الوقوف على التأويل بين اليمين، والاصابع الخمس في اليد اليسرى دليل على
~~الحدود الجسمانية الخمسة لان الشمال دليل على الظاهر، والظاهر مقابل
~~الجسم، وأصحاب الشمال هم القشرية لان النار تشتمل عليهم في الآخرة، كما ان
~~الاهواء الرديئة شملتهم في الدنيا، وانما كانت هذه الاصابع العشر في
~~اليدين، لان الداعي هو المعبر عن مراتب هؤلاء الحدود العشرة وسائر الاعضاء
~~كلها في اللمس ومعرفة الخشونة واللين مع اليد شركة، لذلك ليس للدعاة عدد في
~~هذا الكتاب احوط عليه.
PageV01P161
# وقد جعلت الدائرة بالصفر التي هي في الدوائر كلها علامة الارض التي هي
~~نصف دائرة بالحقيقة، وثانيها دائرة ممتزجة بها وهي علامة الماء، لان الماء
~~ممتزج بها حتى صار دائرة واحدة بالحقيقة، نصفها التراب ونصفها الماء، لان
~~مركزها من التراب وهي امكن من المتولدات الاربعة الجسمانية التي هي المعادن
~~والنبات والحيوان الاخرس، والدائرة الثالثة علامة الهواء وهو محيط في الارض
~~والماء على جميع الجوانب لان كل ما كان الطف من الحدود المذكورة صار محيطا
~~على ما دونه، فالارض اغلظ من الجميع، والماء الطف منها، والهواء الطف منهما
~~وقد احاط بالماء على الارض، وأحاط الهواء بهما جميعا، فالهواء معدن للجن
~~والجن يترددون فيما بين الارض الى فلك زحل، الا ان نيرات الافلاك لا تثبت
~~بهم للطافتهم ولهذه العلة فلا تدركهم اعين البشر، والدائرة الرابعة علامة
~~للاثير الذي هو النار المحيطة بالهواء وما دونه، والدائرة الخامسة علامة
~~لفلك القمر الذي هو محيط بالنار وما دونهما، وهذا الفلك هو سقر موضع عذاب
~~الدهريين من الطبيعيين والاطباء وامثالهم، والدائرة السادسة علامة لفلك
~~عطارد وهو محيط بفلك القمر وما دونه وهو الفلك الادنى وهو الهاوية معدن
~~عذاب المهندسين، والدائرة السابعة علامة لفلك الزهرة وهو محيط بفلك عطارد
~~وما دونه وهذا الفلك هو الجحيم معدن لعذاب المنجمين، والدائرة الثامنة علامة
~~لفلك الشمس وهو محيط بفلك الزهرة وما دونه، وهذا الفلك هو لظى معدن لعذاب
~~الفلاسفة المنكرين للرسل المشتغلين بما بعد الطبيعة، واما الدائرة التاسعة
~~فعلامة لفلك المريخ وهو محيط بفلك الشمس وما دونه، وهذا الفلك هو الحطمة
~~معدن لعذاب فقهاء القشرية، والدائرة العاشرة علامة لفلك المشتري وهو محيط
~~بفلك المريخ وما دونه، وما الفلك هو جهنم معدن لعذاب متكلمي
~~القشرية، والدائرة الحادي عشر علامة لفلك زحل وهو محيط بفلك المشتري وما
~~دونه، وهذا الفلك هو ويل وسعير معدن لعذاب المرتدين، والدائرة الثانية عشر
~~علامة لفلك البروج وهو محيط بفلك زحل وما دونه وكل من وصل إليه فقد نجا من
~~العذاب لانه من امكنة الملائكة، والدائرة الثالثة عشر علامة لفلك المستقيم
~~وهو محيط بفلك البروج وما دونه، وقد قام السكون الوهمي له مقام الروح
~~للبدن، وهو أيضا معدن الملائكة، والدائرة الرابعة عشر علامة للحركة الوهمية
~~التي لا تقيد
PageV01P162
# الافلاك قوة الحركة وهي محيطة بالفلك المستقيم وما دونه، وهو أيضا معدن
~~الملائكة، والدائرة الخامسة عشر علامة النفس في العالم الروحاني وهي محيطة
~~بالحركة الوهمية وما دونها من الافلاك والامهات والمواليد، وهي مقدار الانس
~~بالفعل الذين هم المثابون، والدائرة السادسة عشر علامة العقل وهي محيطة
~~بالنفس وما دونها من الحركة الوهمية والافلاك والامهات والمواليد وهي تقوم
~~في العالم الروحاني للانس بالفعل مقام الشمس في العالم الجسماني للانس
~~بالقوة وهذه الدائرة مع الدوائر الاخرى المعبرة في الصفحات السابقة.
# ويتضح ان الاساسين والفرعين تأيدا من العالم الروحاني المحسوسة والمعقولة
~~التي جعلناها في هذه الدوائر مرتبة بعضها فوق بعض بالشرف، ومحيطة بعضها
~~ببعض، ولا تخلو احاطتها من نوعين احدهما احاطة الجسم بالجسم وهي احاطة
~~مستدير بمستدير كإحاطات الافلاك بالامهات الاربع، لانه اذا كان الاعلى علة
~~الاسفل فلا بد ان يكون الاسفل في الواسطة دونه لتكون أجزاؤه العليا منه في
~~جميع جهاته وفي الامكنة المتساوية فيكون قويا على التأثير في كله
~~بالسواء، والنوع الآخر احاطة ما ليس جسم بجسم وهي احاطة تدبيره وفعله
~~وتأثيره حتى يصل إليه في كل اجراءه ومن جميع اسبابه تمثلا باحاطة الجسم
~~بالجسم، وهذا مرادنا في احاطة العقل بالنفس لانه الطف من النفس وأجل ان يوصف
~~بالجسمية، وكذلك احاطة الحركة الوهمية بالافلاك لانها ليست بجسم بل هي اعراض
~~مجتمعة تحدث ابدا ما دامت طالبة لعلتها المتممة، ولا يتهيأ لعقولنا ادراك
~~كيفيات تلك الحركة الوهمية، وانما صورنا علامات العقل والنفس في هذه الدوائر
~~على مثال احاطة جسم بجسم ليكون ذلك اقرب الى افهام الباحثين، ومع هذا كله
~~فانه لم يكن لنا امكان تصويرها على غير هذا السبيل، لعجزنا عن الوقوف على
~~كيفياتها وماهياتها، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وذلك لانه
~~يتعسر علينا الوقوف على كيفيات احد النوعين اللذين هما تحت الجنس الرابع
~~وهو لا جسم، ومثال ذلك ان اول الاجناس هي حي، وتحته نوعان ناطق ولا
~~ناطق، والجنس الثاني وهو النامي وتحته نوعان حي ولا حي، والجنس الثالث هو
~~الجسم وتحته نوعان نامي ولا نامي، والجنس
PageV01P163
# الرابع هو الانس وتحته نوعان جسم ولا جسم، وكما ان بدء تولد الاشياء كان
~~من لا جسم، كذلك انتهاؤها اذا جعلناها معكوسة الى جسم، والاقاويل الصادقة
~~المستقيمة انما يبين صدقها عند عكسها، فإذا كان القول عند العكس مستويا، فهذا
~~القول الصحيح، وان كان عند العكس معوجا فهو القول السقيم، فكما قلنا ان من
~~لا جسم كان تولد الجسم الذي هو لا نامي، ومن بعد لا نامي كان تولد
~~النامي، ومن النامي كان تولد اللاناطق، ومن بعد لا ناطق كان تولد الناطق، كذلك
~~تقول ان اقرب الاشياء إلينا اذا جعلته معكوسا في الاجناس والأنواع، الناطق
~~ثم اللاناطق ثم النامي ثم اللانامي الذي هو الجسم ثم لا جسم، وفيما ذكره
~~الحكماء في كتبهم من باب كيفية الاجناس والانواع غنى عن اعادة ذكره ثانيا
~~في كتابنا هذا، وبلاغ مقنع للعاقل عما سواه.
# واذا قد بلغنا آخر ما وعدنا به بعون الله وتأييده وهدايته وتسديده والحمد
~~لله والصلاة على نبي الهدى وعلى وصيه المرتضى والائمة الراشدين من
~~ذريتهما، والنجباء والمبتهلين الى الله جل ذكره.
# وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير. وسلام على المرسلين.
PageV01P164

### | فهرس الكتاب
# صفحة
# مقدمة المحقق ...
# مقدمة المؤلف ...1
# الفرق بين الانسان بالقوة والانسان بالفعل ...13
PageV01P165
# انجزت المطبعة الكاثوليكية في بيروت طبع هذا الكتاب في التاسع والعشرين
~~من شهر نيسان سنة 1965 6740-1-65/4/29
PageV01P166 

### |EDITOR|
ENDNOTES:

Notes to PageV01P002:
1) في نسخة م وردت والدلالة.
2) في نسخة س وردت بإخضاع.
3) في نسخة م وردت والدلالة.

Notes to PageV01P003:
1) في نسخة م وردت اراد.

Notes to PageV01P004:
1) في نسخة ق وردت ناظر.

Notes to PageV01P005:
1) في نسخة س وردت فلم ينصح.
2) في نسخة ق وردت المعاصي.

Notes to PageV01P007:
1) في نسخة س وردت انتهى.
2) في نسخة ق وردت اقرن.

Notes to PageV01P008:
1) لم يصل إلينا هذا الكتاب ولا نعلم مؤلفه.
2) هذا الكتاب معروف انه لابن سيناء،ولكن يظهر ان المؤلف له كتاب بهذا الاسم وضعه قبل الايضاح او بعده كما يرجح.

Notes to PageV01P011:
1) سقطت في نسخة ق.
2) في نسخة ق وردت مرتد.

Notes to PageV01P013:
1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P014:
1) في نسخة ق وردت استوحاشهم.
2) في نسخة م وردت البشر.

Notes to PageV01P015:
1) سقطت في نسختي ق وس.

Notes to PageV01P016:
1) جاءت ابدا بنسخة ق.
2) سقطت بنسخة ق.

Notes to PageV01P018:
1) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P019:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P020:
1) سقطة في نسخة م.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P021:
1) في نسخة ق وردت الروائح.

Notes to PageV01P022:
1) سقطت في نسخة س
2) وردت في نسخة س(المذوبة).

Notes to PageV01P023:
1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P024:
1) وردت بنسخة س(بصرته).

Notes to PageV01P026:
1) من الكتاب الفلسفية الاسماعيلية المفقودة وينسبونه للداعي الفيلسوف النسقي(راجع المقدمة).

Notes to PageV01P027:
1) في نسخة ق وردت حركات الجبال.

Notes to PageV01P028:
1) سقطت في نسختي ق وس.

Notes to PageV01P029:
1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P030:
1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P031:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P032:
1) وردت بنسخة ق شيطانية.
2) وردت بنسخة س التاسعة.

Notes to PageV01P034:
1) في نسخة س وردت العاقبة.

Notes to PageV01P037:
1) في نسخة س وردت أضحت.

Notes to PageV01P038:
1) وردت في نسخة س مخلوقون.

Notes to PageV01P039:
1) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P042:
1) في نسخة س وردت قوالبه.

Notes to PageV01P043:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P044:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P045:
1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P047:
1) في نسخة س وردت محاربة.

Notes to PageV01P049:
1) في نسخة ق وردت النوالات. كتاب الايضاح-4

Notes to PageV01P050:
1) في نسخة م وردت رائحة.

Notes to PageV01P051:
1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P052:
1) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P054:
1) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P055:
1) وردت في نسخة س الطائرية.

Notes to PageV01P056:
1) في نسخة س وردت الزارب.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P057:
1) وردت في نسخة ق«طبيعي».

Notes to PageV01P059:
1) سقطت من نسخة م.

Notes to PageV01P060:
1) وردت في نسخة س المناعم.
2) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P061:
1) وردت في نسخة ق العلامة.

Notes to PageV01P062:
1) سقطت في نسخة س.
2) وردت في نسخة م الاطباع.

Notes to PageV01P066:
1) في نسخة ق وردت الروائح.

Notes to PageV01P067:
1) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P068:
1) في نسخة ق وردت الالواح.

Notes to PageV01P069:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P070:
1) في نسخة م وردت ظهركم.
2) في نسخة ق وردت اللحمي.

Notes to PageV01P071:
1) في نسخة م وردت توفاه.

Notes to PageV01P074:
1) في نسخة م وردت المقدسة.

Notes to PageV01P075:
1) وردت في نسخة ق الاكتاف.

Notes to PageV01P076:
1) سقطت في نسخة س.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P077:
1) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P079:
1) مؤلفه الفيلسوف حميد الدين الكرماني.
2) مؤلفه ابو حاتم الرازي.
3) مؤلفه أبو يعقوب السجستاني.

Notes to PageV01P080:
1) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P081:
1) وردت الكتابة في نسخة ق.

Notes to PageV01P083:
1) وردت الدماء في نسخة ق.

Notes to PageV01P088:
1) سقطت في نسخة م.
2) وردت في نسخة س بحاجة.

Notes to PageV01P090:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P091:
1) وردت في نسخة م مرموزة.

Notes to PageV01P093:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P094:
1) في صفحة م وردت شقيت.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P095:
1) وردت في س وق الناطق وهو الأصوب.

Notes to PageV01P097:
1) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P098:
1) وردت في نسخة س بمادته.

Notes to PageV01P099:
1) سقطت في نسخة م.
2) وردت في نسخة م معا.

Notes to PageV01P100:
1) وردت في ق سنين.

Notes to PageV01P101:
1) «تفتح»وردت في نسخة س.

Notes to PageV01P103:
1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P104:
1) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P105:
1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P106:
1) وردت في نسخة م مكترث.

Notes to PageV01P107:
1) في صفحة س وردت يحتار.

Notes to PageV01P109:
1) سقطت في نسخة ق.
2) في نسخة س وردت حديثة.

Notes to PageV01P111:
1) وردت«دالة»في نسخة م.

Notes to PageV01P112:
1) وردت الابعادية في نسخة م.

Notes to PageV01P113:
1) وردت في نسخة م الشبيهة.

Notes to PageV01P114:
1) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P115:
1) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P117:
1) في نسخة م وردت مركب.

Notes to PageV01P118:
1) سقطت في نسخة م.
2) وردت بنسخة ق مجاراة.

Notes to PageV01P119:
1) وردت بنسخة س الدنيوية.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P121:
1) سقطت بنسخة ق.
2) سقطت بنسخة ق.

Notes to PageV01P122:
1) في نسخة س وردت حاذق.

Notes to PageV01P124:
1) سقطت في نسخة ق.
2) وردت في نسخة س شيطانية.

Notes to PageV01P125:
1) في نسخة م وردت منشق.

Notes to PageV01P127:
1) سقطت بنسخة ق.

Notes to PageV01P128:
1) وردت النجوم في نسخة س.

Notes to PageV01P131:
1) في نسخة س وردت مصرورين.

Notes to PageV01P133:
1) في نسخة س وردت مكتسية.

Notes to PageV01P136:
1) سقطت في نسخة م.

Notes to PageV01P139:
1) سقطت بنسخة ق.

Notes to PageV01P141:
1) وردت بنسخة ق مستغنية.

Notes to PageV01P142:
1) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P144:
1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة ق.

Notes to PageV01P145:
1) في نسخة م وردت مؤبدين.

Notes to PageV01P151:
1) وردت بنسخة م مسطوح.

Notes to PageV01P154:
1) في نسخة س وردت المجاعة.

Notes to PageV01P155:
1) سقطت في نسخة ق.
2) سقطت في نسخة س.

Notes to PageV01P159:
1) وردت بنسخة ق الباهيمية.
2) سقطت بنسخة س.

Notes to PageV01P161:
1) بنسخة ق وردت الروائح.
